Verse. 3391 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

اَوَلَمْ يَكْفِہِمْ اَنَّاۗ اَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتٰبَ يُتْلٰى عَلَيْہِمْ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَرَحْمَۃً وَّذِكْرٰي لِقَوْمٍ يُّؤْمِنُوْنَ۝۵۱ۧ
Awalam yakfihim anna anzalna AAalayka alkitaba yutla AAalayhim inna fee thalika larahmatan wathikra liqawmin yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو لم يكفهم» فيما طلبوا «أنَّا أنزلنا عليك الكتاب» القرآن «يتلى عليهم» فهو آية مستمرة لا انقضاء لها بخلاف ما ذكر من الآيات «إن في ذلك» الكتاب «لرحمةً وذكرى» عظة «لقوم يؤمنون».

51

Tafseer

الرازي

تفسير : فقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } يعني إن كان إنزال الآية شرطاً فلا يشترط إلا إنزال آية وقد أنزل وهو القرآن فإنه معجزة ظاهرة باقية وقوله: {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ } عبارة تنبىء عن كون القرآن آية فوق الكفاية، وذلك لأن القائل إذا قال أما يكفي للمسيء أن لا يضرب حتى يتوقع الإكرام ينبىء عن أن ترك الضرب في حقه كثير فكذلك قوله: {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } وهذا لأن القرآن معجزة أتم من كل معجزة تقدمتها لوجوه: أحدهما: أن تلك المعجزات وجدت وما دامت فإن قلب العصا ثعباناً وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر، فلو لم يكن واحد يؤمن بكتب الله ويكذب بوجود هذه الأشياء لا يمكن إثباتها معه بدون الكتاب وأما القرآن فهو باق لو أنكره واحد فنقول له فأت بآية من مثله الثاني: هو أن قلب العصا ثعباناً كان في مكان واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل أحد، وههنا لطيفة وهي أن آيات النبـي عليه السلام كانت أشياء لا تختص بمكان دون مكان لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض، لأن الخسوف إذا وقع عم وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر وغاضت بحيرة ساوة في قطر وسقط إيوان كسرى في قطر وانهدت الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاماً بأنه يكون أمر عام الثالث: هو أن غير هذه المعجزة الكافر المعاند يقول إنه سحر عمل بدواء، والقرآن لا يمكن هذا القول فيه. ثم إنه تعالى قال: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَرَحْمَةً } إشارة إلى أنا جعلناه معجزة رحمة على العباد ليعلموا بها الصادق، وهذا لأنا بينا أن إظهار المعجزة على يد الصادق رحمة من الله، وكان له أن لا يظهر فيبقى الخلق في ورطة تكذيب الصادق أو تصديق الكاذب، لأن النبـي لا يتميز عن المتنبـي لولا المعجزة، لكن الله له ذلك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وقوله: {وَذِكْرَىٰ } إشارة إلى أنه معجزة باقية يتذكر بها كل من يكون ما بقي الزمان. ثم قال تعالى: {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يعني هذه الرحمة مختصة بالمؤمنين لأن المعجزة كانت غضباً على الكافرين لأنها قطعت أعذارهم وعطلت إنكارهم. ثم قال تعالى: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً } لما ظهرت رسالته وبهرت دلالته ولم يؤمن به المعاندون من أهل الكتاب قال كما يقول الصادق إذا كذب وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدق الله يعلم صدقي وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينكم، كل ذلك إنذار وتهديد يفيده تقريراً وتأكيداً، ثم بين كونه كافياً بكونه عالماً بجميع الأشياء. فقال: {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وههنا مسألة: وهي أن الله تعالى قال في آخر الرعد { أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 43] فأخر شهادة أهل الكتاب، وفي هذه السورة قدمها حيث قال: { أية : فَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } تفسير : [العنكبوت: 47] ومن هؤلاء من يؤمن به أي من أهل الكتاب فنقول الكلام هناك مع المشركين، فاستدل عليهم بشهادة غيرهم ثم إن شهادة الله أقوى في إلزامهم من شهادة غير الله، وههنا الكلام مع أهل الكتاب، وشهادة المرء على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم. ثم إنه تعالى لما بين الطريقين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد إلى الكلام الشامل لهما والإنذار العام فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي الذين آمنوا بما سوى الله لأن ما سوى الله باطل لأنه هالك بقوله: { أية : كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] وكل ما هلك فقد بطل فكل هالك باطل وكل ما سوى الله باطل، فمن آمن بما سوى الله فقد آمن بالباطل، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } يقتضي الحصر أي من أتى بالإيمان بالباطل والكفر بالله فهو خاسر فمن يأتي بأحدهما دون الآخر ينبغي أن لا يكون خاسراً فنقول يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتياً بالآخر، أما الآتي بالإيمان بما سوى الله فلأنه أشرك بالله فجعل غير الله مثل غيره لكن غيره عاجز جاهل ممكن باطل فيكون الله كذلك فيكون إنكاراً لله وكفراً به، وأما من كفر به وأنكره فيكون قائلاً بأن العالم ليس له إله موجد فوجود العالم من نفسه، فيكون قائلاً بأن العالم واجب والواجب إله، فيكون قائلاً بأن غير الله إله فيكون إثباتاً لغير الله وإيماناً به. المسألة الثانية: إذا كان الإيمان بما سوى الله كفراً به، فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله، فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد الذي هو في قول القائل قم ولا تقعد واقرب مني ولا تبعد؟ نقول نعم فيه فائدة غيرها، وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل أتقول بالباطل وتترك الحق لبيان أن القول باطل قبيح. المسألة الثالثة: هل يتناول هذا أهل الكتاب أي هل هم آمنوا بالباطل وكفروا بالله؟ نقول نعم، لأنهم لما صح عندهم أن معجزة النبـي من عند الله وقطعوا بها وعاندوا وقالوا إنها من عند غير الله، يكون كمن رأى شخصاً يرمي حجارة، فقال إن رامي الحجارة زيد يقطع بأنه قائل بأن هذا الشخص زيد حتى لو سئل عن عين ذلك الشخص وقيل له من هذا الرجل يقول زيد، فكذلك هم لما قطعوا بأن مظهر المعجزة هو الله وقالوا بأن محمداً مظهر هذا يلزمهم أن يقولوا محمد هو الله تعالى فيكون إيماناً بالباطل، وإذا قالوا بأن من أظهر المعجزة ليس بإله مع أنهم قطعوا بخصوص مظهر المعجزة يكونون قائلين بأن ذلك المخصوص الذي هو الله ليس بإله فيكون كفراً به، وهذا لا يرد علينا فيمن يقول فلعل العبد مخلوق الله تعالى أو مخلوق العبد، فإنه أيضاً ينسب فعل الله إلى الغير، كما أن المعجزة فعل الله وهم نسبوها إلى غيره لأن هذا القائل جهل النسبة، كمن يرى حجارة رميت ولم ير عين راميها، فيظن أن راميها زيد فيقول زيد هو رامي هذه الحجارة، ثم إذا رأى راميها بعينه ويكون غير زيد لا يقطع بأن يقول هو زيد، وأما إذا رأى عينه ورميه للحجارة وقال رامي الحجارة زيد، يقطع بأنه يقول هذا الرجل زيد فظهر الفرق من حيث إنهم كانوا معاندين عالمين بأن الله مظهر تلك المعجزة، ويقولون بأنها من عند غير الله. ثم قوله: {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } كذلك بأتم وجوه الخسران، وهذا لأن من يخسر رأس المال ولا تركبه ديون يطالب بها دون من يخسر رأس المال وتركبه تلك الديون، فهم لما عبدوا غير الله أفنوا العمر ولم يحصل لهم في مقابلته شيء ما أصلاً من المنافع، واجتمع عليهم ديون ترك الواجبات يطالبون بها حيث لا طاقة لهم بها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ } فيما طلبوا {إِنّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } فهو آية مستمرة لا انقضاء لها بخلاف ما ذكر من الآيات {إِنَّ فِى ذَلِكَ } الكتاب {لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ } عظة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.

البقاعي

تفسير : ولما أفرحهم بما كأنه تسليم لمدعاهم، وكان من البين أن لسان الحال يقول: ألم يكفهم ما جئتهم به من الآيات المرئيات والمسموعات، وعجزوا عن الإتيان بشيء منها، عطف على ذلك قوله منكراً على جهلهم وعنادهم: {أولم يكفهم} أي إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين آية بينة مغنية عن كل آية {أنا أنزلنا} بعظمتنا {عليك الكتاب} أي الجامع لسعادة الدارين بحيث صار خلقاً لك غالباً على حركاتك وسكناتك {يتلى عليهم} أي يتجدد متابعة قراءته عليهم شيئاً بعد شيء في كل مكان وكل زمان من كل تالٍ مصدقاً لما في الكتب القديمة من نعتك وغيره من الآيات الدالة على صدقك، يتحدّون بكل شيء نزل منه مع تحديهم بما قبله من آياته صباح مساء، يصفعون بذلك مدى الدهر في أقفائهم ويدفعون، فكلما أرادوا التقدم ردوا عجزاً إلى ورائهم، فأعظم به آية باقية، إذ كل آية سواه منقضية ماضية، وقال الشيخ أبو العباس المرسي: خشع بعض الصحابة رضي الله عنهم من سماع اليهود بقراءة التوراة فعتبوا إذ تخشعوا من غير القرآن، وهم إنما تخشعوا من التوراة وفي كلام الله فما ظنك بمن أعرض عن كتاب الله وتخشع بالملاهي والغناء. ولما كان هذا أعظم من كل آية يقترحونها ولو توالى عليهم إتيانها كل يوم لدوام هذا على مر الأيام والشهور، حتى تفنى الأزمان والدهور، أشار تعالى إلى هذا العظمة، مع ما فيها من النعمة، بقوله مؤكداً على جهلهم فيما لزم من كلامهم الأول من إنكار أن يكون في القرآن آيه تدلهم على الصدق: {إن في ذلك} أي إنزال الكتاب على هذا الوجه البعيد المنال البديع المثال {لرحمة} لهم لصقله صدأ القلوب في كل لحظة، وتطهيره خبث النفوس في كل لمحة {وذكرى} أي عظيمة مستمراً تذكرها. ولما عم بالقول، خص من حيث النفع فقال: {لقوم يؤمنون*} أي يمكن أن يتجدد لهم إيمان، ليس من همهم التعنت، قال الحرالي في كتاب له في أصول الدين: ولما كان القرآن لسان إحاطة لم يف بالقيام به خلق من خلق الله، لأنه ببناء على كليه أمر الله حتى أن السورة الواحدة منه لما كان موقع الخطاب بها من مدد بنائه على إحاطة أمر الله لا يستطيعها أحد من الخلق، وإذا كان الأقل من كلام العالم لا يستطيعه من دون رتبته، فعجز الخلق عن كلام الله أحق وأولى، ثم كل ناظر فيه - من أيّ وجه نظره - أدرك بمقتضى علوه على رتبته وجهاً من العجز فيه، إن كان فصيحاً بليغاً فمن جهة البلاغة، ومعناها بلوغ الكلام في مطابقة أنبائه ويسمى الفصاحة، وحسن نظم حروف كلماته ويسمى الجزالة، وكمال انتظام كلماته وآياته، ويسمى حسن النظم - إلى أنهى غاياته وأتم نهاياته، وإن كان عالماً بأخبار الأولين فبصحة مقتضاها فيه، وإن كان حكيماً فبالإعلام الأتم بوجه تقاضي المترتبات، وبالجملة فما يكون لأحد أصل من عقل وحظ من علم - أي علم كان - إلا ويجد له موقعاً في القرآن، يفي له بحظ بيان علو مرتبة أنبائه على نهاية مدركة منه بمقدار لا يرتاب في وقوعه فوق طور الخلق، فكان آية باقية دائمة لم يتفاوت في تلقيه أول سامع له من آخر سامع في وجه سماعه، فكل نبي فقدت آيته بفقده أو بفقد وقت ظهورها على يديه، وآية محمد صلى الله عليه وسلم باقية ببقاء الله، فجهات ظهور إعجازه تأتي على حظوظ أصناف الخلق من وجوه الإدراك، لا يتعين لظهور الإعجاز فيه جهة، ولا يفقد ناظر فيه حظاً يتطرق بمقدار إدراكه منه إلى يقين وجه إعجازه، وذلك لما كان محيطاً بكل تفصيل وكل إجمال، ولم يفرط فيه من شيء، وكان تفصيلاً لكل شيء ولإحاطته بإثبات كل رتبة من رتب حكمة الله تعالى لم يقدر أحد من الخلق في التوقف عن الإيمان به من الجن والإنس والأحمر والأسود وجميع خلق الله، من يعرفه الناس منهم ومن لا يعرفونهم ممن أحاط بهم علم العالمين بإعلام الله، ومن حكم إحاطة كتابة كان ممكناً من عالية كل آية جاء بها نبي قبله ممن شاهد ذلك منه حاضروه، ونقله نقل التواتر والاستفاضة حملة العلم خلفاً عن سلف؛ ثم رتب قياساً على إثبات النبوة فقال: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ذو آية هذا القرآن المشهود، وهذا القرآن المشهود معجز كل ذي إدراك، وبشرى من كل جهة من جهات معانيه وبلاغته، فذو آية هذا القرآن نبي، فمحمد صلى الله عليه وسلم نبي، أما أن محمداً صلى الله عليه وسلم ذو آيته فبالتجربة السمعية المتيقنة المسماة بالتواتر، وأما أن هذا القرآن معجز فيما يجده كل ناظر في معناه المشتمل على تمام الحكمة فيما هو كائن ونبأ ما كان من قبل وخبر ما يكون بعد المتيقن بوقوع أوائله وقوع جملته وصحة خبره، وبذلك يتضح أن ذا آيته نبي، ثم بما تضمنه من شهادته لذي آيته وتصريحه بذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم، فصح أن محمداً صلى الله عليه وسلم ذو ايته، وإنه نبي صلى الله عليه وسلم، والمستعمل في ذلك أن محمداً صلى الله عليه وسلم تحدى بهذا القرآن العرب الفصحاء واللد البلغاء، فلما لجؤوا للحرب وضح أنهم فروا لذلك المكان ما وجدوه في أنفسهم من العجز، وإذا عجز أولئك فمن بعدهم أحق بالعجز، فلما شمل العجز الكل من الخلق، وجب العلم بأن هذا القرآن حق، والمتحدي به نبي جاء بالصدق، وحاصله: لو لم تعجز العرب لم تحارب ثقل الحرب وخفة المعارضة لو استاطاعوها، ولم يعارضوا وحاربوا فقد عجزوا، فثبت بذلك أنه نبي صلى الله عليه وسلم انتهى. ولما كان من المعلوم أنهم يقولون: نحن لا نصدق أن هذا الكتاب من عند الله فضلاً عن أن نكتفي به، قال: {قل} أي جواباً لما قد يقولونه من نحو هذا: {كفى بالله} أي الحائز لجميع العظمة وسائر الكمالات، الذي شهد لي بالرسالة في كتابة الذي أثبت أنه كلامه عجز الخلق عن معارضته. ولما كانت العناية في هذه السورة بذكر الناس، وتفصيل أحوالهم، ابتدأ بقوله: {بيني وبينكم} قبل قوله: {شهيداً} بخلاف الرعد والأنعام، ثم وصف الشهيد أو علل كفايته بقوله: {يعلم ما في السماوات} أي كلها. ولما لم يكن للارض غير هذه التي يشاهدونها ذكر في إتيان الوحي والقرآن منها، أفرد فقال: {والأرض} أي لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما ينسبونه إليّ من التقول عليه وبما أنسبه أنا إليه من هذا القرآن الذي شهد لي به عجزكم عنه فهو شاهد لي، والله في الحقيقة هو الشاهد لي، بما فيه من الثناء عليّ، والشهادة لي بالصدق، لأنه قد ثبت بالعجز عنه أنه كلامه وسيتحقق بالعقل إبطال المبطل منا. ولما كان التقدير: وأنتم تعلمون أنه قد شهد لي بأني على الحق، وأن كل ما خالف ما جئت به فهو باطل، فالذين آمنوا بالحق وكفروا بالباطل فأولئك هم الفائزون، عطف عليه قوله: {والذين آمنوا بالباطل} أي الذي لا يجوز الإيمان به من كل معبود سوى الله {وكفروا بالله} الذي يجب الإيمان به والشكر له، لأنه له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا العدم {أولئك} البعداء البغضاء {هم} أي خاصة {الخاسرون*} أي العريقون في الخسارة، فإنهم خسروا أنفسهم أبداً. ولما كان قولهم مرة واحدة "لولا أنزل عليه آية" عجباً، أتى بعد إخباره بخسارتهم بأعجب منه، وهو استمرار استعجالهم بما لا قدرة لهم على شيء منه من عذاب الله فقال: {ويستعجلونك} أي يطلبون تعجيلك في كل وقت {بالعذاب} ويجعلون تأخره عنهم شبهة لهم فيما يزعمون من التكذيب {ولولا أجل مسمى} قد ضرب لوقت عذابهم لا تقدم فيه ولا تأخر {لجاءهم العذاب} وقت استعجالهم، لأن القدرة تامة والعلم محيط. ولما أفهم هذا أنه لا بد من إتيانه، صرح به في قوله مؤكداً رداً على استهزائهم المتضمن للإنكار: {وليأتينهم} ثم هوّله بقوله: {بغتة} وأكد معناها بقوله: {وهم لا يشعرون*} بل هم في غاية الغفلة عنه والاشتغال بما ينسيه، ثم زاد في التعجب من جهلهم بقوله مبدلاً: {يستعجلونك بالعذاب} أي يطلبون منك إيقاعه بهم ناجزاً ولو كان في غير وقته الأليق به، فلو علموا ما هم سائرون إليه لتمنوا أنهم لم يخلقوا فضلاً عن أن يستعجلوا، ولأعملوا جميع جهدهم في الخلاص منه. ولما كان دخولهم النار لا بد منه لإحاطة القدرة بهم، قال مؤكداً لإنكارهم الآخرة بإثبات أخص منها: {وإن جهنم} التي هي من عذاب الآخرة {لمحيطة} أي بما هي مهيأة له، لأنه لا يفوتها شيء منه، لأن الذي أعدها عليم قدير، وقال: {بالكافرين*} موضع "بهم" تنبيهاً على ما استحقوا به عذابها، وتعميماً لكل من اتصف به. ولما كان هذا كله دليلاً على إنكارهم قال: {يوم} أي يعلمون ذلك اليوم {يغشاهم العذاب} أي يلحقهم ويلصق بهم ما لا يدع لهم شيئاً يستعذبونه، ولا أمراً يستلذونه ونبه على عدم استغراق جهة الفوق مع استعلائه عليهم بإثبات الجار فقال: {من فوقهم} ولما أفهم ذلك الإحاطة بما هو أدنى من جهة الفوق، صرح به فقال: {ومن تحت أرجلهم} فعلم بذلك إحاطته بجميع الجواتب، وصرح بالرجل تحقيقاً للآدمي {ويقول} أي الله في قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي بالتحتانية جرياً على الأسلوب الماضي، أو نحن بعظمتنا في قراءة الباقين ترويعاً بالالتفات إلى مظهر العظمة: {ذوقوا} ما سببه لكم {ما كنتم} بغاية الرغبة {تعملون*} أي في ذلك اليوم تعملون ذلك حق اليقين بعد علمكم له عين اليقين بسبب تكذيبكم بعلم اليقين.

السيوطي

تفسير : أخرج الدارمي وأبو داود في مراسيله وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة رضي الله عنه قال‏:‏ جاء ناس من المسلمين بكتب قد كتبوها فيها بعض ما سمعوه من اليهود‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏كفى بقوم حمقا، أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم‏. فنزلت ‏{‏أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏ "‏‏. تفسير : ‏وأخرج الاسمعيلي في معجمه وابن مردويه من طريق يحيى بن جعدة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏‏"حديث : ‏كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتبون من التوراة، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "‏إن أحمق الحمق، وأضل الضلالة قوم رغبوا عما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى نبي غير نبيهم، والى أمة غير أمتهم‏".‏ ثم أنزل الله ‏{‏أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم‏.‏‏.‏‏} ‏‏"‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في شعب الإِيمان عن الزهري‏:‏ ‏"حديث : أن حفصة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرأه عليه والنبي صلى الله عليه وسلم يتلون وجهه فقال‏ "والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم"‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن الضريس والحاكم في الكني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبدالله بن ثابت بن الحرث الأنصاري قال‏:‏ ‏"حديث : دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فيه مواضع من التوراة فقال‏:‏ هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك‏.‏ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيراً شديداً لم أر مثله قط، فقال عبدالله بن الحارث لعمر رضي الله عنهما‏:‏ أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ رضينا بالله رباً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد نبيا‏ً.‏ فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "‏ولو نزل موسى فأتبعتموه وتركتموني لضللتم، انا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم‏" "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة ‏"حديث : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر برجل يقرأ كتاباً، فاستمعه ساعة، فاستحسنه فقال للرجل‏:‏ اكتب لي من هذا الكتاب قال‏:‏ نعم‏.‏ فاشترى أديما فهيأه ثم جاء به إليه، فنسخ له في ظهره وبطنه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يقرأه عليه، وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب وقال‏:‏ ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أما ترى ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏ "‏إنما بعثت فاتحاً وخاتماً، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، واختصر لي الحديث اختصاراً، فلا يهلكنكم المتهوكون‏" "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ ‏"حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعلم التوراة فقال "‏لا تتعلمها وآمن بها، وتعلموا ما أنزل إليكم وآمنوا به"‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن الضريس عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"حديث : يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا، وقد هممنا أن نكتبها فقال "‏يا ابن الخطاب أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصاري‏؟‏‏!‏ أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولكني أعطيت جوامع الكلم، واخْتُصِرَ لي الحديث اختصارا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي ملكية قال‏:‏ أهدى عبد الله بن عامر بن كرز إلى عائشة رضي الله عنها هدية، فظنت أنه عبد الله بن عمرو، فردتها وقالت‏:‏ يتتبع الكتب وقد قال الله ‏{‏أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم‏}‏‏!‏ فقيل لها‏:‏ إنه عبد الله بن عامر‏.‏ فقبلتها‏.‏

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة ونافع {يقول} بالياء على معنى: ويقول لهم الموكلون بعذابهم. الباقون - بالنون - على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. وفي قراءة عبد الله ويقال لهم: على ما لم يسم فاعله. لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: هلا أنزل على محمد آيات اقترحوها او آيات كما أنزل على موسى وعيسى، قال الله لهم {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك} يا محمد {الكتاب} يعني القرآن {يتلى عليهم} فبين أن في القرآن دلالة واضحة وحجة بالغة ينزاح معه العلة وتقوم به الحجة لا يحتاج معه إلى غيره في الوصول إلى العلم بصحة نبوته وأنه مبعوث من عند الله، مع أن اظهار المعجزات مع كونها لازاحة العلة يراعى فيها المصلحة. فاذا كانت المصلحة في اظهار نوع منها لم يجز إظهار غيرها، ولو اظهر الله الاعلام التي اقترحوها ثم لم يؤمنوا، لاقتضت المصلحة استئصالهم كما اقتضت في الامم الماضية، وقد وعد الله أن هذه الأمة لا تعذب بعذاب الاستئصال، كما قال {أية : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون}. تفسير : والكفاية بلوغ حد ينافي الحاجة، يقال: كفى يكفي كفاية، فهو كاف. وقيل: إن الآية نزلت في قوم كتبوا شيئاً من كتب أهل الكتاب شبه الخرافات، فقال الله تعالى: {أولم يكفهم} القرآن تهديداً لهم ومنعاً من التعرض لغيره. وقولهم: كفى الله معناه أنه فعل ما ينافي الحاجة بالنصرة. والتلاوة هي القراءة وسميت تلاوة لأنه يتلو حرف حرفاً في التلاوة. والقرآن مشتق من جمع الحروف بعضها إلى بعض. ثم بين الله تعالى {إن في ذلك} أي القرآن {لرحمة} أي نعمة {وذكرى} اي ما يتذكر به ومعتبر {لقوم يؤمنون} يصدقون به ويعتبرون وانما أضافه اليهم، لانهم الذين ينتفعون به. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول {كفى بالله} أي كفى الله. والباء زائدة {بيني وبينكم شهيداً} يشهد بالحق. والشاهد والشهيد واحد، وفيه مبالغة، والشهادة هي الخبر بالشيء عن مشاهدة تقوم به الحجة في حكم من أحكام الشرع، ولذلك لم يكن خبر من لا تقوم به الحجة - في الزنا - شهادة وكان قذفاً، ثم بين أن الشهيد الذي هو الله {يعلم ما في السماوات والأرض} ويعلم الذين صدقوا بالبالطل وجحدوا وحدانيته. ثم اخبر عنهم انهم الخاسرون الذين خسروا ثواب الجنة بارتكابهم المعاصي وجحدهم بالله، فكان ذلك الخسران الذي لا يوازيه خسران مال. وقوله {والذين آمنوا بالباطل} انما وصفهم بالايمان مقيدا بالباطل، كما يقال: فلان كافر بالطاغوت مقيداً، وانما الاطلاق لا يجوز فيهما. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال {ويستعجلونك بالعذاب} يعني هؤلاء الكفار {يستعجلونك بالعذاب} أن ينزل عليهم بجحودهم صحة ما تدعوهم به، كما قالوا {أية : فأمطر علينا حجارة من السماء} تفسير : و {لولا أجل مسمى} يعني وقتاً قدره الله أن يعاقبهم فيه وهو يوم القيامة وأجل قدره الله أن يبقيهم اليه لضرب من المصلحة. وقال الجبائي: ذلك يدل على أن التبقية لا تجب لكونه أصلح، لانه علله بأنه قدر له أجلا {لجاءهم العذاب} الذي استحقوه {وليأتينهم} العذاب الذي يوعدونه {بغتة} أي فجأة {وهم لا يشعرون} بوقت مجيئه. ثم قال {يستعجلونك} يا محمد {بالعذاب} أي يطلبون العذاب عاجلا قلة يقين منهم بصحته {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي كأنها محيطة بهم لما قد لزمهم بكفرهم من كونهم فيها. وقيل: معناه انه إذا كان يوم القيامة أحاطت بهم. ووجه ثالث - أنها تحيط بهم {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ونقول ذوقوا ما كنتم تعملون} أي تكسبون أي ذوقوا جزاء اعمالكم المعاصي التي اكتسبتموها.

الجنابذي

تفسير : {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ} انّك كنت يتيماً غير مختلفٍ الى احدٍ ولم تتعلّم من احدٍ ولم يكفهم فى الدّلالة على صدقك حتّى يقترحوا آيةً اخرى {أَنَّآ} لا غيرنا {أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} احكام الرّسالة او صورة القرآن مع انّك كنت امّيّاً وكتابك كان مشتملاً على دقائق الحكم بحيث يعجز عن ادراكها العقلاء والحكماء حالكونهم {يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} وليس مخفيّاً عليهم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الانزال او فى ذلك الكتاب او فى ذلك المذكور من استمرار تلاوة الكتاب {لَرَحْمَةً} من حيث دلالته على صدق رسالتك {وَذِكْرَىٰ} لحقّيّتك اى دلالة حقّيّتك {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} باحدى البيعتين او لقوم يذعنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والّلام لتبيين مفعول الرّحمة والذّكرى يعنى غير المؤمنين لكونهم غير متوجّهين الى الآخرة وغير مهتمّين بالله وبمن يدعو الى الله لا يتأمّلون فيه ولا يتفكّرون فى دلالته فيستمعونه استماع الاسمار فلا ينتفعون به ولا يتذكّرون، روى انّ اناساً من المسلمين اتوا رسول الله (ص) بكتف كتب فيها بعض ما يقوله اليهود فقال: كفى بها ضلالة قوم ان يرغبوا عمّا جاء به نبيّهم الى ما جاء به غير نبيّهم فنزلت الآية {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً...}.

اطفيش

تفسير : {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ} مصدر أنزل فاعل يكفي والكتاب القرآن. {يُتْلَى عَلَيْهِمْ} تدوم تلاوته عليهم بكل مكان وكل زمان لا يزول ولا يضمحل كما تزول كل آية وتضمحل وتكون في مكان دون آخر وزمان دون آخر فهو آية يتحدى بها تغني عن سائر الآيات إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين، والهاء ان لمن طلب نزول آيات من قريش ويهود وقيل لليهود على معنى انه يتلى عليهم بتحقيق ما فيهم من نعتك ونعت دينك. {إِنَّ فِي ذلِكَ} أي أنزل القرآن أو في ذلك الكتاب وهو القرآن الذي هو آية مستمرة عامة للأماكن والأزمان. {لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ} أي لنعمة عظيمة لا يقام بشكرها وعظمة لقوم سبق في الأزل أنهم يؤمنون وأن همهم الإيمان لا التعنت وروي: أن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتف فيها بعض ما تقول اليهود فلما نظر اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبقاها وقال: "حديث : كفى بها حماقة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم لما جاء نبي غيرهم "تفسير : فنزلت الآية والأول أولى.

اطفيش

تفسير : {أو لَم يكْفِهم} أقصر ولم يكفيهم، والاستفهام إنكارى {أنَّا أنزلنا} فى تأويل مصدر فاعل يكف {عَليْك الكتاب} الكامل فى البيان والتصديق، واما قبله وانت لا تقرأ ولا تكتب، وبعيد عن دراسة الكتب {يُتْلى عَليْهم} مستمرا يتحداهم، او يتلى على اهل الكتاب على وفق ما فى كتابهم من نعتك ودينك وغيرهما، على ان واو قالوا لأهل الكتاب {إنَّ في ذلك} الكتاب او الانزال {لرحمة} دينية ودنيوية، {وذكرى} تذكيرا {لقومٍ يُؤمنُونَ} روى ابو داود، وابن جرير، وابن ابى حاتم، عن يحيى بن جعدة: انه جاء ناس من المسلمين بكتاب كتبوا فيه بعض ما سمعوا من اليهود، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفى بقوم عمى أو ضلالة أنْ يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم"تفسير : فنزلت الآية: {أو لم يكفهم} الخ تصديقا، ومثل هذا عن ابى هريرة. وجاءت حفصة رضى الله عنها بكتاب قصة يوسف فقرأته عليه صلى الله عليه وسلم، وغضب وقال: "حديث : لو حضر يوسف فاتبعتموه وتركتموني لضللتم أنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم"تفسير : وكذا جاء عمر بجلد مكتوب فيه كلام استحسنه، فجعل يقرؤه عليه صلى لله عليه وسلم، فغضب وقال: "حديث : لا يهلكنكم المتهوكون"تفسير : اى المتحيرون او الواقفون فى امر بلا روية، واهدى عبدالله بن عامر هدية الى عائشة رضى الله عنها، فردتها تظنه ابن عمر وقالت: انه يتتبع الكتب، فقيل ابن عامر فقبلتها، فالنهى عن النظر فى التوارة ونحوها عام مستمر فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، سدا للذريعة على الصحيح، وما بعد الآية وما قبلها فى الكفار، وهى جواب لقولهم: "أية : لولا أُنزل" تفسير : [العنكبوت: 50].

الالوسي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ} كلام مستأنف وارد من جهته تعالى رداً على اقتراحهم وبياناً لبطلانه والهمزة للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أقصر ولم يكفهم ءاية مغنية عن سائر الآيات {إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} الناطق بالحق المصدق لما بين يديه من الكتب السماوية وأنت بمعزل من مدارستها وممارستها {يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} تدوم تلاوته عليهم متحدين به فلا يزال معهم ءاية ثابتة لا تزول ولا تضمحل كما تزول كل ءاية بعد كونها، وقيل: {يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } أي أهل الكتاب بتحقق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك، وله وجه ان كان ضمير {أية : قَالُوا} تفسير : [العنكبوت: 50] فيما تقدم لأهل الكتاب وأما إذا كان لكفار قريش فلا يخفى ما فيه. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي الكتاب العظيم الشأن الباقي على ممر الدهور، وقيل: الذي هو حجة بينة {لَرَحْمَةً } أي نعمة عظيمة {وَذِكْرَىٰ } أي تذكرة {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي همهم الإيمان لا التعنت فالجار والمجرور متعلق بذكرى والفعل مراد به الاستقبال، ويجوز أن يكون رحمة وذكرى مما تنازعا في الجار والمجرور فيجوز أن يكون الفعل للحال، وأخرج الفريابـي والدارمي وأبو داود في «مراسيله» وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن يحيـى بن جعدة قال: حديث : جاء ناس من المسلمين بكتف قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بقوم حمقاً أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم فنزلت: {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } الآية تفسير : وأخرج الإسماعيلي في «معجمه» وابن مردويه عن يحيـى هذا ما هو قريب مما ذكر مروياً عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه. و {يُؤْمِنُونَ } على هذا على ظاهره لا غير، وتعقب بأن السياق والسباق مع الكفرة وأن الظاهر كون {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ} الآية جواباً لقولهم: {أية : لَوْلا أُنزِلَ} تفسير : [العنكبوت: 50] الخ، وفي جعل سبب النزول ما ذكر خروج عن ذلك فتأمل. / وعليه تكون الآية دليلاً لمن منع تتبع التوراة ونحوها. وروي هذا المنع عن عائشة رضي الله تعالى عنها. أخرج ابن عساكر عن أبـي مليكة قال: أهدى عبد الله بن عامر بن ركن إلى عائشة رضي الله تعالى عنها هدية فظنت أنه عبد الله بن عمرو فردتها وقالت: يتتبع الكتب وقد قال الله تعالى: {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } فقيل لها: إنه عبد الله بن عامر فقبلتها» وجاء في عدة أخبار ما يقتضي المنع، أخرج عبد الرزاق في «المصنف» والبيهقي في «شعب الإيمان»، عن الزهري أن حفصة جاءت إلى النبـي صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف فجعلت تقرؤه عليه والنبـي عليه الصلاة والسلام يتلون وجهه فقال: والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني ضللتم أنا حظكم من النبيين وأنتم حظى من الأمم. وأخرج عبد الرزاق. والبيهقي أيضاً عن أبـي قلابة «أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مر برجل يقرأ كتاباً فاستمعه ساعة فاستحسنه فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب قال: نعم فاشترى أديماً فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه ثم أتي النبـي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرؤه عليه وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون فضرب رجل من الأنصار الكتاب وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم وانت تقرأ عليه هذا الكتاب فقال النبـي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إنما بعثت فاتحاً وخاتماً وأعطيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي الحديث اختصاراً فلا يهلكنكم المتهوكون» أي الواقعون في كل أمر بغير روية، وقيل: المتحيرون إلى ذلك من الأخبار، وحقق بعضهم أن المنع إنما هو عند خوف فساد في الدين وذلك مما لا شبهة فيه في صدر الإسلام، وعليه تحمل الأخبار، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : قل إنما الآيات عند الله}تفسير : [العنكبوت: 50] وهو ارتقاء في المجادلة. والاستفهام تعجيبي إنكاري. والمعنى: وهل لا يكفيهم من الآيات آيات القرآن فإن كل مقدار من مقادير إعجازه آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فإن آيات القرآن زهاء ستة آلاف آية. ومقدار كل ثلاث آيات مقدار مُعجز، فيحصل من القرآن مقدار ألفي معجزة وذلك لم يحصل لأحد من رسل الله. و{الكتاب}: القرآن، وعُدل عن لفظ القرآن الذي هو كالعلم عليه إلى لفظ الكتاب المعهود لإيمائه إلى معنى تعظيمه بأنه المشتهر من بين كتب الأنبياء. وجملة: {يتلى عليهم} مستأنفة أو حال، لأن الكتاب معلوم غير محتاج للوصف لما تشعر به مادة التلاوة من الانتشار والشيوع. واختير المضارع دون الوصف بأن يقال: متلواً عليهم، لما يؤذن به المضارع من الاستمرار، فحصل من مادة {يُتْلَى} ومن صيغة المضارع دلالة على عموم الأمكنة والأزمنة. وقد أشار قوله: {يُتْلى عليهم} وما بعده إلى خمس مزايا للقرآن على غيره من المعجزات. المزية الأولى: ما أشار إليه قوله {يُتْلى عليهم} من انتشار إعجازه وعمومه في المجامع والآفاق والأزمان المختلفة بحيث لا يختص بإدْراك إعجازه فريق خاص في زمن خاص شأن المعجزات المشهودة مثل عصا موسى وناقة صالح وبرء الأكمة، فهو يتلى، ومن ضمن تلاوته الآيات التي تحدّت الناس بمعارضته وسجلت عليهم عجزهم عن المعارضة من قَبل محاولتهم إياها فكان كما قال فهو معجزة باقية والمعجزات الأخرى معجزات زائلة. المزية الثانية: كونه مما يُتلى، فإن ذلك أرفع من كون المعجزات الأخرى أحوالاً مرئية لأن إدراك المتلوّ إدراك عقلي فكري وهو أعلى من المدركات الحسية فكانت معجزةُ القرآن أليق بما يستقبل من عصور العلم التي تهيأت إليها الإنسانية. المزية الثالثة: ما أشار إليه قوله: {إن في ذلك لرحمة} فإنها واردة مورد التعليل للتعجيب من عدم اكتفائهم بالكتاب وفي التعليل تتميم لما اقتضاه التعبير بالكتاب وبــــ {يتلى عليهم}، فالإشارة بــــ {ذلك} إلى {الكتاب} ليستحضر بصفاته كلها وللتنويه به بما تقتضيه الإشارة من التعظيم. وتنكير (رحمة) للتعظيم، أي لا يقادَر قدرها. فالكتاب المتلو مشتمل على ما هو رحمة لهم اشتمال الظرف على المظروف لأنه يشتمل على إقامة الشريعة وهي رحمة وصلاح للناس في دنياهم، فالقرآن مع كونه معجزة دالّةً على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ومرشدة إلى تصديقه مثل غيره من المعجزات وهو أيضاً وسيلة علم وتشريع وآداب للمتلو عليهم وبذلك فضَل غيره من المعجزات التي لا تفيد إلا تصديق الرسول الآتي بها. المزية الرابعة: ما أشار إليه قوله: {وذكرى} فإن القرآن مشتمل على مواعظ ونذر وتعريف بعواقب الأعمال، وإعدادٍ إلى الحياة الثانية، ونحو ذلك مما هو تذكير بما في تذكره خيرُ الدارين، وبذلك فضَل غيره من المعجزات الصامتة التي لا تفيد أزيد من كون الآتية على يديه صادقاً. المزية الخامسة: أن كون القرآن كتاباً متلواً مستطاعاً إدراك خصائصه لكل عربي، ولكل من حذق العربية من غير العرب مثل أيمة العربية، يبعده عن مشابهة نفثات السحرة والطلاسم، فلا يستطيع طاعن أن يزعم أنه تخيلات كما قال قوم فرعون لموسى: {أية : يأيها الساحر}تفسير : [الزخرف: 49] وقال تعالى حكاية عن المشركين حين رأوا معجزة انشقاق القمر: {أية : وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}تفسير : [القمر: 2]، فأشار قوله: {يعرضوا} إلى أن ذلك القول صدر عنهم في معجزة مرئية. وعُلق بالرحمة والذكرى قوله: {لِقَوم يؤمنون} للإشارة إلى أن تلك منافع من القرآن زائدة على ما في المعجزات الأخرى من المنفعة التي هي منفعة الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه مزايا عظيمة لمعجزة القرآن حاصلة في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وغيبته ومستقلة عن الحاجة إلى بيانه وتكميله بالدعوة وبتكريرها. واستحضار المؤمنين بعنوان: (قوم يؤمنون) دون أن يقال: للمؤمنين، لما في لفظ قوم من الإيماء إلى أن الإيمان من مقومات قوميتهم، أي لقوم شعارهم أن يؤمنوا، يعني لقوم شعارهم النظر والإنصاف فإذا قامت لهم دلائل الإيمان آمنوا ولم يكابروا ظلماً وعلوّاً، فالفعل مراد به الحال القريبة من الاستقبال. وفيه تعريض بالذين لم يكتفوا بمعجزته واقترحوا آيات أخرى لا نسبة بينه وبينها.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف، وفي آخر سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه: 133] وغير ذلك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 51- أيقترحون هذه الآيات ولا يكفيهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يُقرأ عليهم - وهو الآية الخالدة على مر الزمن - إنَّ فى إنزال هذا الكتاب عليكم لرحمة بهم وبالأجيال من بعدهم، وتذكرة دائمة نافعة لقوم شأنهم أن يؤمنوا إذا وضحت لهم سبل الهداية. 52- قل: حسبى وحسبكم أن يكون الله شاهداً على أنَّى قد بلَّغتكم ما أُرسلت به إليكم، فهو مطلع على أمرى وأمركم، لا يخفى عليه شئ فى السموات والأرض. والذين عبدوا غير الله وكفروا بالله فلم يخصوه بالعبادة؛ أولئك هم الذين اشتروا الكفر بالإيمان فأصابهم الخسران المبين. 53- ويتحداك الكافرون أن تعجِّل لهم العذاب الذى حذرتهم منه، ولولا أجل معلوم قضت به حكمتنا لعجَّلنا لهم العذاب الذى استعجلوه، وأقسم ليأتينهم فجأة وهم لا يشعرون. 54- يطلبون إليك تعجيل العذاب وهو واقع بهم لا محالة. وإن جهنم لتحيط - يقيناً - بالكافرين. 55- يوم يغمرهم العذاب من أعلاهم ومن أسفلهم، ويقول الملك الموكل بعذابهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من السيئات. 56- يا عبادى الذين صدَّقوا بى وبرسولى: إنّ أرضى واسعة لمن أراد أن يفر عن مواطن الشرك. ففروا إلى مخلصين لى العبادة. 57- كل نفس ستذوق طعم الموت - لا محالة - ثم إلينا تعودون فَتُجْزَوْن بما قدمتم من خير وشر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (51) - أََمَا كَفَاهُمْ آيةً ودَليلاً عَلَى صِدْقِكَ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيكَ القُرآنَ العَظِيمَ، وفيهِ خَبَرُ مَنْ قَبْلَهُمْ، وفيهِ أَخْبَارُ مَا في الكُتُبِ السَّابِقَةِ عَلى الوَجهِ الصَّحِيحِ كَمَا أَنزَلَهَا اللهُ تَعَالَى، وفيهِ بَيَانٌ لمَا اخْتَلَفُوا فيهِ مِنْها، وأنتَ رَجُلٌ أُميٌّ لا تَقْرَأُ ولاَ تَكْتُبُ، ولمْ تُخَالِطْ أهلَ الكِتَابِ. وَقَدْ جَاءَ القُرآنُ لرحمةِ النَّاسِ، ولِبَيانِ الحَقِّ، وإِزْهَاقِ البَاطِل، وَجَاءَ فيهِ تَذكِرَةٌ بِعِقَابِ اللهِ الذي حَلَّ بِالمُكَذِّبينَ قَبْلَهُم، وَبِمَا سَيَحِلُّ بِالكُفَّارِ المُعَانِدِينَ الظَّالِمِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والاستفهام هنا للتعجُّب وللإنكار، يعني: كيف لا يكفيهم القرآن ولا يقنعهم وهو أعظم الآيات، وقد أعجزهم أنْ يأتوا ولو بآية من آياته، وجاءهم بالكثير من العِبر والعجائب؟ إذن: هم يريدون أنْ يتمحّكوا، وألا يؤمنوا، وإلا لو أنهم طلاب حَقٍّ باحثون عن الهداية لكفاهم من القرآن آية واحدة ليؤمنوا به. وقوله تعالى: {يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ..} [العنكبوت: 51] لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي بعدة آيات، وقد يطول إلى رُبْعين أو ثلاثة أرباع، فلما أن يسري عنه يتلو ما نزل عليه على صحابته ليكتبوه، يتلوه كما أُنزِل عليه، فيكتبه الكتبة، ويحفظه مَنْ يحفظه منهم، وكانوا أمة رواية وأمة حفظ. ثم يأتي وقت الصلاة فيصلي بهم رسول الله بما نزل عليه من الآيات، يُعيدها كما أملاها، وهذه هبة ربانية منحها لرسوله صلى الله عليه وسلم وخاطبه بقوله: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6]. وإلا، فَلَك أن تتحدى أكثر الناس حِفْظاً أنْ يُعيد عليك خطبة أو كلمة ألقاها على مدى نصف ساعة مثلاً، ثم يعيدها عليك كما قالها في المرة الأولى. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ ..} [العنكبوت: 51] لكن لمن {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51] لأن القرآن لا يثمر إلا فيمن يُحسِن استقباله ويؤمن به، أما غير المؤمنين فهو في آذانهم وَقْر وهو عليهم عمى، لا يفقهونه ولا يتدبرونه؛ لأنهم يستقبلونه لا بصفاء نفس، وإنما ببُغْض وكراهية استقبال، فلا ينالون نوره ولا بركته ولا هدايته. لذلك يقول تعالى في الذين يُحسِنون استقبال كلام الله: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ ..} تفسير : [فصلت: 44]. أما الذين يجحدونه ولا يُحسنون استقباله، فيقول عنهم: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..} تفسير : [فصلت: 44]. وسبق أنْ قلنا: إن الفعل واحد، لكن المستقبل مختلف، ومثَّلْنا لذلك بمن ينفخ في يده ليُدفئها في البرد، ومَنْ ينفخ في الشاي ليُبرده، وأنت أيضاً تنفخ في الشمعة لتطفئها، وتنفخ في النار لتشعلها. وفي موضع آخر يقول تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..} تفسير : [الإسراء: 82]، ففرْق بين الشفاء والرحمة، الشفاء يعني: أنه كانت هناك علة، فبرأت، لكن الرحمة ألاَّ تعاودك العلة، ولا يأتيك الداء مرة أخرى، فالقرآن نزل ليعالج الداءات النفسية، يعالجها بالقراءة ويُحصِّنك ضدها فلا تصيبك، وإنْ وقعتَ في شيء من هذه الداءات فاقرأ ما جاء فيها من القرآن فإنها تبرأ بإذن الله، إذن: الشفاء يعالج الداء إنْ وقع في غفلة من سلوك النفس. ولو طبقنا قضايا القرآن في نفوسنا لنالتنا هذه الرحمة، فالإنسان بدن وقيم ومعان وأخلاق، هذه المعاني في الإنسان يسمونها النفسيات، فقد يكون سليم البنية والجسم لكنه سقيم النفس؛ لذلك نجد بين تخصصات الطب الطب النفسي، وكل مريض لا يجدون لمرضه سبباً عضوياً يُشخِّصونه على أنه مرض نفسي، وحين تسأل الطبيب النفسي تجد أن كل ما عنده عقاقير تهدىء المريض أو تهده فينام حتى لا يفكر في شيء، وهل هذا هو العلاج؟ ولو تأملنا كتاب ربنا لوجدنا فيه العلاجيْن: العضوي والنفسي، فسلامة الجسم في أن الله تعالى أحلّ لك أشياء، وحرَّم عليك أشياء، وما عليك إلا أنْ تستقيم على منهج ربك فتسلم من داءات الجسد، فإنْ كنت من هؤلاء الذين يحبون الأكل من الحلال لكنهم يبالغون فيه إلى حَدِّ التًّخمة، فاقرأ في القرآن: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} تفسير : [الأعراف: 31]. ثم تجد في السنة النبوية مُذكِّرة تفسيرية لهذه الآية: "حديث : بحسب ابن آدم لُقيْمات يُقمْنَ صُلْبه"تفسير : ، فإنْ كان ولا بُدَّ: "حديث : فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفسِه ". تفسير : فالأصل أن يأكل الإنسان ليعيش، لا أن يعيش ليأكل. وبعض السطحيين يقولون: ما معنى "ثلث لنفَسه"، وهل النفَس في المعدة؟ والآن، ومع تطور العلوم عرفنا أن تُخمة البطن تضغط على الحجاب الحاجز وتضيق مجال الرئة فينتج عن ذلك ضيق في التنفس. أما الناحية النفسية، فالمرض النفسي ناتج إما عن انقباض الجوارح عن طبيعة تكوينها، أو انبساطها عن طبيعة تكوينها، كالبيضة مثلاً لها حجم معين فإنْ ضيَّقْتَ هذا الحجم أو بسطته تنكسر. وهذا أيضاً أساس الداء في النفس البشرية؛ لأن ملكات النفس ينبغي أنْ تظل في حالة توازن واستواء، وتجد هذا التوازن في منهج ربك - عز وجل - حيث يقول سبحانه: {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ..} تفسير : [الحديد: 23]. فمعنى: {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ..} تفسير : [الحديد: 23] الانقباض {أية : وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ..} تفسير : [الحديد: 23] الانبساط. وكلاهما مذموم منهيٌّ عنه، لكن مَن ذا الذي لا يأسى على ما فات، ولا يفرح بما هو آتٍ؟ لذلك نجد البُلَداء الذين لا تَهزهم الأحداث بصحة قوية؛ لأنهم لا يهتمون للخطوب، حتى أن الشعراء لم يَفُتْهم هذا المعنى، حيث يقول أحدهم: شعر : وَفِي البَلادةِ مَا فِي العَزْمِ منْ جَلَدٍ إنَّ البليد قويُّ النفْسِ عَاتيها فَاسْأل أُوِلي العَزْم إنْ خارتْ عزائمهمْ عَنِ البَلادةِ هَلْ مَادتْ رَوَاسِيهَا؟ تفسير : فالذي تظنه بلادة هو عزم قويٌّ في استقبال الأحداث والصمود لها. إذن: الرحمة في منهج الله إنِ التزمنا به نأمن من الأدواء، ماديةَ كانت أم معنوية.