٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً } بصدقي {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ومنه حالي وحالكم {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْبَٰطِلِ } وهو ما يعبد من دون الله {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ } منكم {أُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ } في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإِيمان.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَهِيداً} لي بالصدق "ع" والإبلاغ وعليكم بالكذب والعناد. {بِالْبَاطِلِ} إبليس، أو عبادة الأصنام. {الْخَاسِرُونَ} لأنفسهم بإهلاكها، أو لنعيم الجنة بعذاب النار.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} بمَا صدرَ عنِّي وعنكُم {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ} أي من الأُمورِ التي من جُمْلتِها شأنِي وشأنُكم فهو تقريرٌ لما قبلَه من كفايتِه تعالى شَهيداً {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ} وهو ما يُعبد من دُونِ الله تعالَى {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ} مع تعاضُد موجباتِ الإيمانِ به {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} المغبُونون في صفقتِهم حيثُ اشترَوا الكفرَ بالإيمانِ بأنْ ضيَّعوا الفطرةَ الأصليَّةَ والأدلَّةَ السمعيَّةَ الموجبةَ للإيمانِ، والآيةُ من قبـيلِ المُجادلةِ بالتي هي أحسنُ حيثُ لم يُصرِّحْ بنسبةِ الإيمانِ بالباطلِ والكفرِ بالله والخسرانِ إليهم بل ذُكر على منهاجِ الإبهامِ كما في قولِه تعالى: { أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سورة سبأ: الآية 24]. {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} على طريقةِ الاستهزاءِ بقولِهم: { أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} تفسير : [سورة يونس: الآية 48] وقولِهم: { أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ} تفسير : [سورة الأنفال: الآية 32] ونحوِ ذلكَ {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى} قد ضربَهُ الله تعالى لعذابِهم وبـيَّنه في اللَّوحِ {لَّجَاءهُمُ ٱلْعَذَابُ} المعيَّنُ لهم حسبَما استعجلُوا له. قيل: المرادُ بالأجلِ يومُ القيامةِ لما رُوي أنَّه تعالى وعدَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ لا يُعذِّبَ قومَه بعذابِ الاستئصال وأنْ يؤخِّر عذابَهم إلى يومِ القيامةِ، وقيل: يومُ بدرٍ وقيل: وقتُ فنائِهم بآجالِهم وفيه بُعدٌ ظاهرٌ لِمَا أنَّهم ما كانُوا يُوعدون بفنائِهم الطبـيعيِّ ولا كانُوا يستعجلونَ به {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ} جملةٌ مستأنفةٌ مبنيَّنةٌ لما أُشير إليهِ في الجُملةِ السَّابقةِ من مجيءِ العذابِ عند محلِّ الأجلِ أي وبالله ليأتينَّهم العذابُ الذي عُيِّن لهم عند حُلولِ الأجلِ {بَغْتَةً} أي فجأةً {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي بإتيانِه، ولعلَّ المرادَ بإتيانِه كذلك أنَّه لا يؤتيهم بطريقِ التَّعجيلِ عند استعجالِهم والإجابةِ إلى مسؤولِهم فإنَّ ذلك إتيانٌ برأيهم وشعورِهم لا أنَّه يأتيهم وهم غارُّون آمِنُون لا يخطرونَه بالبالِ كدأبِ بعضِ العُقوباتِ النازلةِ على بعضِ الأممِ بـياتاً وهم نائمونَ أو ضُحى وهم يلعبُون لما أنَّ إتيانَ عذابِ الآخرةِ وعذابِ يومِ بدرٍ ليس من هذا القبـيلِ. {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ} استئنافٌ مسوقٌ لغايةِ تجهيلِهم ورَكَاكةِ رأيِهم، وفيه دلالةٌ على أنَّ ما استعجلوه عذابُ الآخرةِ أي يستعجلونك بالعذابِ والحال أنَّ محلَّ العذابِ الذي لا عذابَ فوقَه محيطٌ بهم كأنَّه قيل: يستعجلونك بالعذابِ وإنَّ العذابَ لمحيطٌ بهم، وإنَّما جيء بالجملةِ الاسميةِ دلالةً على تحقُّقِ الإحاطةِ واستمرارِها أو تنزيلاً لحالِ السَّببِ منزلةَ حالِ المسبَّبِ فإنَّ الكفرَ والمعاصيَ الموجبةَ لدخولِ جهنَّم محيطةٌ بهم، وقيل: إنَّ الكفرَ والمعاصيَ هي النَّار في الحقيقةِ لكنَّها ظهرتْ في هذهِ النَّشأةِ بهذه الصُّورةِ وقد مرَّ تفصيلُه في سورةِ الأعرافِ الآية 8 عند قولِه تعالى: { أية : وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} تفسير : ولامُ الكافرينَ إمَّا للعهدِ ووضعُ الظَّاهرِ موضعَ المضمرِ للإشعارِ بعلةِ الحُكمِ، أو للجنسِ وهم داخلون فيه دُخولاً أولياً.
القشيري
تفسير : أنا على حقِّ واللَّهُ - سبحانه - يعلمه، وأنتم لستم على حق والله يعلمه.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل كفى بالله} اى كفى الله و الباء صلة {بينى وبينكم شهيدا} بما صدر عنى وعنكم {يعلم مافى السموات والارض} اى من الامور التى من جملتها شأنى وشأنكم {والذين آمنوا بالباطل} الذى لايجوز الايمان به كالصنم والشيطان وغيرهما. وفه اشارة الى ان من ابصر بعين النفس لايرى الا الباطل فيؤمن به {وكفروا بالله} الذى يجب الايمان به مع تعاضد موجبات الايمان {اولئك هم الخاسرون} المغبونون فى صفتهم الاخروية حيث اشتروا الكفر بالايمان وضيعوا الفطرة الاصلية والادلة السمعية الموجبة للايمان شعر : عمر تو كنج وهر نفس ازوى بكل كهر كنجى جيني لطيف مكن رايكان تلف
الجنابذي
تفسير : {قُلْ} لهم بعدما لا ينفع فيهم هذه الآيات اظهاراً لاعراضك عنهم والتجائك الى ربّك حتّى يكسر سورة لجاجهم فانّ الاصرار على الدّعوة مع اللّجوج يزيد فى لجاجته {كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} فان كنت كاذباً يعلم كذبى ويعذّبنى عليه، وان كنتم انتم كاذبين يعلمه ويعذّبكم عليه {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فاحذروا من العناد معه ومع رسوله {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} جملة حاليّة او معطوفة وبمنزلة النّتيجة.
اطفيش
تفسير : {قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} بأني رسوله وان القرآن كتابه وانكم كاذبون واني قد بلغّت ما أرسلت به وقد صدقني بالمعجزات. {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} هو عالم بأمري وأمركم. {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ} وهو ما يبعد من دون الله وكفروا بالله منكم، الكفر بالله كفر بالله والكفر بآياته كفر به، وان قلت ما فائدة العطف مع أن الإيمان بالباطل كفر بالله؟ قلت: فائدته التقبيح عليهم بذكر الكفر بالله مع الإيمان بالباطل ولا سيما انه قد يؤمن الإنسان بالباطل ولا يخطر الله بباله ولا الإيمان به ولا الكفر وهذا ولو كان نفس الكفر بالله شرعاً لكنه غير كفر باعتبار العرف فيحتاج الى ذكر الكفر بالله بعد ذكر الإيمان بالباطل. {أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالايمان ولا مانع من ان يكون قوله {قُلْ كَفَى بِاللهِ} إلى الخاسرون ورد مورد الإنصاف على حد وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ويجوز أن يكون ذلك في {قُلْ كَفَى} إلى الأرض فعلى هذا فجملة {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالبَاطِلِ} الخ مستأنفة ليست من مقول قل أو هي من مقوله لكنها تصريح بعد إبهام، وروي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد بأنك رسول الله فنزلت {قُلْ كَفَى بِاللهِ} الى {الخَاسِرُونَ}.
اطفيش
تفسير : {قُلْ كفَى بالله بيْنى وبيْنَكم شَهِيداً} عالماً بتبليغى وصدقى، وتكذيبكم لى، فأثاب وتعاقبون، فاعل كفى الله، والباء صلة على الصحيح لا ما صححه ابن هشام من ان الباء للتعدية، ومعنى كفى اكتف، لان كفى لا يرفع ضمير المخاطب الذي يرفعه الامر، وقيل: فاعل كفى ضمير الاكتفاء المدلول عليه بكفى، ولا تتعلق الباء بالضمير، لانه مستتر ولو عند من اجاز اعمال الضمير الذي فيه معنى الحدث، فتعلق بمحذوف حال من ذلك الضمير. {يعْلمَ ما في السَّماوات والأرْض} جميعاً ومن امورى واموركم، قيل: قال كعب بن الاشرف واصحابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشهد برسالتك؟ فنزل: (قل كفى بالله) الاية، ولو كان الكلام مع قريش لجواز اجتماع ذلك {والَّذينَ آمنوا بالبَاطل} عبادة عيسى والملائكة او الشيطان او الصنم، وكفورا بالله مع كثرة الدلائل ووضوحها {أولئك هُم الخاسِروُن} لا المؤمنون اذ لم يرجوا شيئا ولم ينجوا من النار، كمن تجر ولم يربح، ولم يبق راس ماله، ذلك استعارة تمثيلية شبه عملهم، وما الزم عليه من العذاب بالتجر، وما ترتب عليه من عدم الربح، وراس المال او مكنية شبه استبدال الكفر بالايمان الموجب للعقاب باشتراء ما فيه مضرة للمال، ورمز اليه بذكر الخسران، ولم يقل انتم المؤمنون بالباطل، الكافرون بالله ليكون الجدال بالتى هى احسن.
الالوسي
تفسير : {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أي عالماً بما صدر عني من التبليغ والإنذار، وبما صدر عنكم من مقابلتي بالتكذيب والإنكار فيجازي سبحانه كلاً بما يليق به {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي من الأمور التي من جملتها شأني وشأنكم فهو تقرير لما قبله من كفايته تعالى شهيداً، وجوز أن يكون المعنى كفى به عز وجل شاهداً بصدقي أي مصدقاً لي فيما ادعيته بالمعجزات تصديق الشاهد لدعوى المدعى، وجملة {يَعْلَمْ} إما صفة {شَهِيداً} أو حال أو استئناف لتعليل كفايته، وقيل عليه: إن هذا الوجه لا يلائمه قوله تعالى: {بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } سواء تعلق بكفي أو بشهيداً ولا قوله سبحانه: {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } الخ، وفيه تأمل. وقد يؤيد ذلك بما روي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد بأنك رسول الله؟ فنزلت {قُلْ كَفَىٰ} الآية إلا أن في القلب من صحة هذه الرواية شيئاً لما أن السياق والسباق مع كفرة قريش فلا تغفل. وأياً ما كان فلا منافاة بين هذه الآية، وقوله تعالى: {أية : وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 23] بناء على أن المعنى لا تستشهدوا بالله تعالى ولا تقولوا الله تعالى يشهد أن ما ندعيه حق كما يقوله العاجز عن إقامة البينة إما لأن الشهيد هٰهنا بمعنى العالم والكلام وعد ووعيد، وإما بمعنى المصدق بالمعجزات وليست الشهادة بأحد المعنيين هناك. والباء في {بِٱللَّهِ } زائدة والاسم الجليل فاعل {كَفَىٰ}، وقال الزجاج: إن الباء دخلت لتضمن {كَفَىٰ} معنى اكتف فالباء كما قال اللقاني معدية لا زائدة، قال ابن هشام في «المغني»: وهو من الحسن بمكان ويصححه قولهم: اتقى الله تعالى امرؤ فعل خيراً يثب عليه أي ليتق بدليل جزم يثب ويوجبه قولهم: كفى بهند بترك التاء / فإن احتج بالفاصل فهو مجوز لا موجب بدليل {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ}تفسير : [الأنعام: 59] فإن عورض بأحسن بهند فالتاء لا تلحق صيغ الأمر وإن كان معناها الخبر اهـ. وتعقب ذلك الشيخ يس الحمصي في «حواشيه على التصريح» فقال: أقول تفسير {كَفَىٰ} على هذا القول باكتف غير صحيح إذ فاعل {كَفَىٰ } حينئذ ضمير المخاطب، و {كَفَىٰ } ماض وهو لا يرفع ضمير المخاطب المستتر اهـ وفيه بعد بحث لا يخفى على المتأمل. وظن بعض الناس أن {كَفَىٰ } على هذا القول اسم فعل أمر يخاطب به المفرد المذكر وغيره نحو حي في حي على الصلاة فالمعنى هنا اكتفوا بالله، وأنت تعلم أن هذا بعيد الإرادة من كلام الزجاج ويأباه كلام ابن هشام، وقال ابن السراج: الفاعل ضمير الاكتفاء، قال ابن هشام: وصحة قوله موقوفة على جواز تعلق الجار بضمير المصدر وهو قول الفارسي والرماني أجازوا مروري بزيد حسن وهو بعمرو قبيح، وأجاز الكوفيون إعماله في الظرف وغيره، ومنع جمهور البصريين إعماله مطلقاً اهـ. وتعقب ذلك ابن الصائغ فقال: لا نسلم توقف الصحة على ذلك لجواز أن تكون الباء للحال، وعليه يكون المعنى كفى هو أي الاكتفاء حال كونه ملتبساً بالله تعالى، ولا يخفى أنه ما لم يبطل هذا القول لا يتم ما ادعاه ابن هشام من أن ترك التاء في كفى بهند يوجب كون كفى مضمناً معنى اكتفى فتدبر. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي بغير الله عز وجل وهو شامل لنحو عيسى والملائكة عليهم السلام. والباطل في الحقيقة عبادتهم وليس الباطل هنا مثله في قول حسان:شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطلتفسير : وقال مقاتل: أي بعبادة الشيطان، وقيل: أي بالصنم {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ } مع تعاضد موجبات الإيمان به عز وجل {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان فاستوجبوا العقاب يوم الحساب، وفي الكلام على ما قيل: استعارة مكنية شبه استبدال الكفر بالإيمان المستلزم للعقاب باشتراء مستلزم للخسران، وفي الخسران استعارة تخييلية هي قرينتها لأن الخسران متعارف في التجارات، وهذا الكلام ورد مورد الإنصاف حيث لم يصرح بأنهم المؤمنون بالباطل الكافرون بالله عز وجل بل أبرزه في معرض العموم ليهجم به التأمل على المطلوب فهو كقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَو إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }تفسير : [سبأ: 24] وكقول حسان:شعر : فشركما لخيركما الفداء تفسير : وهذا من قبيل المجادلة بالتي هي أحسن.
ابن عاشور
تفسير : {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} بعد أن ألقمهم حَجر الحجّة الدامغة أمر بأن يجعل الله حكَماً بينه وبينهم لما استمر تكذيبهم بعد الدلائل القاطعة. وهذا من الكلام المنصف المقصود منه استدراج المخاطب. و {كفى بالله} بمعنى هو كاف لي في إظهار الحق، والباء مزيدة للتوكيد وقد تقدم نظيره في قوله: {أية : وكفى بالله شهيداً}تفسير : في سورة [النساء: 79]. والشهيد: الشاهد، ولما ضُمن معنى الحاكم عدّي بظرف بيني وبينكم}. قال الحارث بن حلزة في عمرو بن هند الملك: شعر : وهو الرّب والشهيد على يو م الحِيَاريْن والبلاء بلاء تفسير : وجملة: {يعلم ما في السماوات والأرض} مقررة لمعنى الاكتفاء به شهيداً فهي تتنزل منها منزلة التوكيد. بعد أن أنصفهم بقوله: {كفى بالله بيني وبينكم شهيداً}استمر في الانتصاف بما لا يستطيعون إنكاره وهو أن الذين اعتقدوا الباطل وكفروا بالله هم الخاسرون في الحكومة والقضية الموكولة إلى الله تعالى؛ فهم إن تأملوا في إيمانهم بالله حقَّ التأمّل وجدوا أنفسهم غير مؤمنين بإلهيته لأنهم أشركوا معه ما ليس حقيقاً بالإلهية فعلموا أنهم كفروا بالله فتعين أنهم آمنوا بالباطل فالكلام موجه كقوله: {أية : وإنا أو إياكم لعلى هُدىً أو في ضلال مبين}تفسير : [ سبأ: 24]، وقول حسان في أبي سفيان بن حرب أيام جاهليته: شعر : أتهجوهُ ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء تفسير : وفي الجمع بين {ءامنوا} و{كَفروا} محسّن المضادة وهو الطِّبَاق. والباطل: ضد الحق، أي ما ليس بحقيق أن يؤمن به، أي ما ليس بإله حق ولكنهم يدَّعون له الإلهية وذلك إيمانهم بإلهية الأصنام. وأما كفرهم بالله فلأنهم أشركوا معه في الإلهية فكفروا بأعظم صفاته وهي الوحدانية. واسم الإشارة يفيد التنبيه على أن المشار إليهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة لأجل الأوصاف التي ذكرت لهم قبل اسم الإشارة مثل: {أية : أولئك على هدى من ربّهم}تفسير : [البقرة: 5]. والقصر المستفاد من تعريف جزأي جملة {هم الخاسرون} قصر ادعائيّ للمبالغة في اتصافهم بالخسران العظيم بحيث إن كل خسران في جانب خسرانهم كالعدم؛ فكأنهم انفردوا بالخسران فأطلق عليهم المركب المفيد قصر الخسران عليهم وذلك لأنهم حقت عليهم الشقاوة العظمى الأبدية. واستعير الخسران لانعكاس المأمول من العمل المُكِدّ تشبيهاً بحال من كد في التجارة لينال مالاً فأفنى رأس ماله، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فما ربِحَتْ تِجارتهم}تفسير : [البقرة: 16].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {آمَنُواْ} {بِٱلْبَاطِلِ} {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْخَاسِرُونَ} (52) - وقُلْ لَهُم حَسْبِي وَحَسْبُكُمْ أَنْ يكُونَ اللهُ تَعَالى عَالِماً بِمَا صَدَرَ مِني مِنْ تَبليغِ رِسَالاَتِهِ، وَنُذُرِهِ إِليكُمْ، وَبِمَا صَدَرَ مِنْكُمْ مِنْ مُقَابَلةِ ذلكَ بالتَّكَذِيبِ والجُحُودِ، وهُوَ يَجزِي كُلاًّ بِمَا يَسْتَحِقٌّهُ. وإِني لَوْ كُنتُ كَاذِباً لانتَقَمَ مِني. وَلكِنِّي صَادِقٌ فيمَا أقُولُهُ عَن رَبّي، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُني بالمُعْجِزَاتِ والدَّلاَئِلِ عَلَى صِدْق نُبُوَّتي، وَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ جَمِيعَ مَا في السَّماوَاتِ والأَرضِ، وَيَعْلَمُ مَا تَنْسُبُونَهُ إِلَيَّ مِنَ التَّقَوُّل عليهِ. والذين َيَعبُدُونَ الأَوثَانَ والأَصْنَامَ، وَيَكْفُرُونَ باللهِ، مَعَ تَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ الإِيمانِ بِهِ، ويَكْفُرُونَ بِرَسُولِهِ مَعَ تَعَاضُدِ البَراهينِ عَلَى صِدْقِهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الأَخْسَرُونَ أَعْمَالاً، وَسَيلْقَوْنَ جَزَاءَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (قُلْ) أي: للمنكرين لك {كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً ..} [العنكبوت: 52] أي: حسبي أن يشهد الله لي بأنِّي بلّغْتُ، فشهادتكم عندي لا تنفع، كما أنه لا ينفعني إيمانكم، ولا يضرني كفركم، فأجري آخذه من ربي على مجرد البلاغ وقد بلَّغْتُ، وشهد الله لي بذلك. وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ..} تفسير : [الرعد: 43] أي: أنكم لم تكتفوا بالآيات، ولم تؤمنوا بها، لكني أكتفي برب هذه الآيات شهيداً بيني وبينكم، إذن: هناك خصومة في البلاغ بين محمد صلى الله عليه وسلم وقومه الذين يُكذِّبونه في البلاغ عن ربه. فلا بُدَّ إذن من فَصْل في هذه الخصومة، وإذا ما نظرنا إلى قضايا الخَلْق في الخصومات وجدنا إمَّا أنْ يُقر المتهم، وإما أن يشهد شاهد حَقٍّ لا شاهد زور، ثم يعرض الأمر على القاضي ليحكم بالشهادة أو البينة. ولا بُدَّ في القاضي ألاّ يكون صاحب هوى، ثم يأتي دور تنفيذ الحكم، وهي السلطة التنفيذية، وهذه أيضاً ينبغي ألاَّ يكون لها هوى، فتنفذ الحكم على حقيقته، فكأن الخصومات عند البشر تمرُّ بمراحل متعددة، وقد تتميع الحقائق إذا لم تتوفر الشروط اللازمة لهذه الأطراف، فلو شهد الشاهد زوراً أو مال القاضي أو المنفِّذ للحكم ودلَّس في التنفيذ لانقلبت المسائل. أما في حكومة الحق - سبحانه وتعالى - في الخصومة بين محمد وقومه، فكفى به سبحانه حاكماً وقاضياً ومُنفِّذاً، لماذا؟ لأنه سبحانه: {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [العنكبوت: 52]. فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، يعلم السر وأَخْفى، فأيُّ شهادة إذن أعدل من شهادته؟ وهو سبحانه قاضٍ عادل يحكم بالحق؛ لأنه ليس له سبحانه هوىً يميل به إلى الباطل، وهو سبحانه لا يُبدل في تنفيذ الأحكام؛ لأنه يُنفّذ حكمه هو سبحانه. إذن: مَنِ الفائز في حكومة قاضيها الحق - تبارك وتعالى - وأطراف الخصومة فيها محمد وقومه؟ فاز رسول الله في أن يكون الله هو الشهيد، وخسر الكافرون حين كفروا به، ولم تكْفِهم البينة التي جاءتهم في القرآن الكريم. وعِلْم الله للغيب ليس علاجاً ومذاكرة ليعلم، إنما تأتي الأمور بتوقيت منه قديم أزلاً، والعالم يظهر على وَفْق ما يراه أزلاً؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. أي: يقول للشيء، فكأنه موجود فعلاً ينتظر الأمر من الله بالظهور للناس، فقوله (كُنْ) للظهور فقط، أما مسألة الخَلْق فمنتهية أزلاً، و(الماكيت) موجود، فالحق سبحانه يعلم غَيْب السماوات والأرض، أما نحن فلا نعلم حتى غَيْب أنفسنا. ويقول سبحانه: {أية : يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى} تفسير : [طه: 7] فهل هناك أخفى من السر؟ قالوا: السر ما تُسِرُّه في نفسك، والأخفى منه أنْ يعلمه سبحانه قبل أن يكون في نفسك. وقد وقف البعض عند قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [النور: 29] وقوله سبحانه: {أية : يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 110]. يقولون: ما وجه امتنان الله بعلم الجهر من القول، وبعِلْم ما نُبدي، فهذا شيء غير مستور يعرفه الجميع؟ ونقول: افهم عن الله مراده، فالمعنى لم يقُلْ سبحانه: أعلم ما تبدي أنت، ولا ما تجهر به أنت، إنما ما تبدون كلكم، وما تجهرون به كلكم، ولتوضيح هذه المسألة تصوَّر مظاهرة من عدة مئات أو عدة آلاف تختلط بينهم الهتافات والأصوات وتتداخل الكلمات، بحيث لا تستطيع أن تميز صوت هذا من صوت ذاك. لكن الحق سبحانه يستطيع تمييز هذه الأصوات، وإعادة كل منها إلى صاحبه؛ لذلك نرى في المظاهرات أن كل إنسان يستطيع أن يقول ما يشاء، ويهتف بما لا يجرؤ أن يهتف به منفرداً؛ لأن صوته سيختلط مع الأصوات، ويستتر فيها فلا يعرف مصدره، وهكذا يكون علم الجَهْر أقوى من علم الغَيْب. فإنْ قلت: إن بعض العلماء باكتشافاتهم وبحوثهم توصلوا إلى معرفة أسرار كانت مستترة في الكون، كالكهرباء والذرة وغيرها، فهُمْ بذلك يعلمون الغيب. نقول: نعم، علموا شيئاً كان مستوراً في الكون، لكن علموه بمقدمات خلقها الله ويسَّرها لهم، فأخذوا هذه المقدمات وتوصَّلوا بها إلى اكتشافاتهم، كما يحلّ ولدك مثلاً تمرين الهندسة، فيستعين بالمعطيات. إذن؛ فهو في حقيقة الأمر ليس غيباً، بل هو شيء موجود، لكن له ميلاد ووقت يظهر فيه، فإنْ جاء وقته يسَّر الله لخَلْقه الوصول إليه، إما بالبحث واستخدام المقدمات، فإذا صادف ميلاد السر بحث الخلق يُقال: إنهم أحاطوا عِلْماً ببعض غيب الله. ويقول تعالى: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ..} تفسير : [البقرة: 255] أي: شاء أنْ يُولد، فإنْ جاء ميلاد السر، ولم يتوصَّلوا إليه ببحوثهم، ولم يقفوا على مقدماته كشفه الله لهم ولو مصادفة، وقد اكتشفوا كثيراً من أسرار الكون مصادفة. فالغيب الحقيقي: هو الذي ليس له مقدمات تُوصِّل إليه، ولا يعلمه أحد إلا الله، والذي قال الله عنه: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..} تفسير : [الجن: 26-27] فالرسول - إذن - لا يعلم الغيب، إنما عُلِّم الغيب. ثم يقول تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ ..} [العنكبوت: 52] أي: بعبادة ما دون الله من الأصنام والأوثان {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ ..} [العنكبوت: 52] الخالق واجب الوجود {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [العنكبوت: 52] لأن كفر الخَلْق بالخالق لا يؤثر في ذاته سبحانه، ولا في صفات الكمال فيه، لأنه سبحانه بصفات الكمال خلقهم، فله سبحانه صفات الكمال، آمنوا أم كفروا. لكن فَرْق بين مَنْ يؤمن ومَنْ يكفر، فالإنسان بطبعه حريص على الحياة متمسك بها، حتى إنه إنْ أصابه مرض طلب العلاج ليصون حياته وهو يخاف الموت، ويرى مصارع الناس من حوله، وكيف سبقه أجداده ولم يخلد منهم أحد، ويرى أن الموت يأتي بلا أسباب؛ حتى قيل: والموت من غير سبب هو السبب. إذن: فالموت حقيقة واقعة، لكن يشكُّ الناس فيها ولا يتصورونها لأنفسهم لأنهم يكرهونها؛ لذلك يقال في الأثر: ما رأيتُ يقيناً أشبه بالشكِّ من يقين الناس بالموت. وليقين الإنسان في الموت نراه يحب البقاء في ولده، وفي ولد ولده ليبقى ذِكْره أطول فترة ممكنة، وما دام الأمر كذلك، فلماذا لا تؤمن بالله فيورثك الإيمانُ حياةً خالدة باقية لا نهايةَ لها، لا تفارقها ولا تفارقك، وهي حياة الآخرة. إذن: فمَنِ الخاسرون؟ الخاسرون هم الكافرون الذي قصروا حياتهم على عمرهم في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ} [العنكبوت: 52] إنما آمنوا بالباطل لأنهم عموا بعين القلب لم يروا الحق والآيات {أية : وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} تفسير : [الأعراف: 179]، فلم يؤمنوا بها وأبصروا بعين النفس فرأوا الباطل وآمنوا بع وكفروا بالحق، فإن في عمى القلب بصارة النفس وفي عمى النفس بصارة القلب، وفي بصارته سعادة الدارين وفي عماه خسارة الدارين، فالعميان بعيون القلب، والأبصار بعيون النفس {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [العنكبوت: 52]. ثم أخبر عن أمارة خسارتهم بقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} [العنكبوت: 53] يشير إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بالاستعجال بالعذاب يعني من استعجل بالعذاب ولا يصبر على العاقبة لجعل خلق منه، وهو مركزة في جبلته فكيف يصبر على السراء والضراء لو لم يصبره الله تعالى كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 127]، وبقوله: {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ} [العنكبوت: 53] يشير إلى أن الإرادة القديمة بالحكمة سميت لكل مقدور وكائن آجلاً في تعلق القدرة به فلا تقدم له ولا تأخر عن المضروب المسمى، وفيه إشارة أخرى أن الاستعجال في طلب العذاب في غير وقته المقدر لا ينفع وهو مذموم كيف ينفع الاستعجال في طلب مرادات النفس وشهواتها في غير أوانها وكيف لم يكن مذموماً {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ} ما استعجلوا به في وقت المقدر: {بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} لأن لهم فيه خيراً أو شراً. وبقوله: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54] يُشير إلى أن استعجال العذاب لأهل العذاب وهو نفس الكافر واقع لا حاجة إليه بالاستدعاء؛ لأن جهنم الحرص والشره والشهوة والكبر والحسد والغضب والحقد {لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54] أي: بنفس الكافرين أو بالنفوس الكافرة، والآن ينعقد الوقت {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} [العنكبوت: 55] بإحاطة هذه الصفات {مِن فَوْقِهِمْ} الكبر والغضب والحسد والحقد {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} الحرص والشره والشهوة، ولكنهم بنوم الغفلة قائمون ليس لهم خبر عن رزق العذاب كالنائم لا شعوراً له بما يجري على صورتها؛ لأنه نائم بالصورة فإذا انتبه يجد ذوق ما يجري عليه من العذاب. كما قال تعالى: {وَيِقُولُ} [العنكبوت: 55] يعني: يوم القيامة {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 55] أي: ذوقوا عذابي ما كنتم الخلق والخالق به، والذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 14] يعني: في الوقت ولا شعور لهم: {أية : وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 16] اليوم، ولكن لا شعور لهم بها فمن تطلع لهم شمس العناية من مشرق القلب فتخرجه من ليل الدين إلى يوم الدين {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ} تفسير : [الزمر: 69] بشريته {أية : بِنُورِ رَبِّهَا} تفسير : [الزمر: 69] يرى نفس محاطة جهنم أخلاقها، فيحذرون ألمها ويقصد الخروج والخلاص عنها، فتؤذي أهل طلب الخلاص. {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} صدقوا وعاينوا بأن جهنم العبد محيطة بهم ووجدوا ذوق ألمها وضيق موطنها {إِنَّ أَرْضِي} [العنكبوت: 56] أي: أرض حضرة جلالي وعظمتي {وَاسِعَةٌ} فهاجروا بالخروج عن حبس وجودكم إلى سرادقات هُويتي {فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] أي: فإياي فاطلبون، وإلى هويتي فارجعون بالاختيار شوق أو محبة وموتوا عن أوصاف وجودكم بالإرادة قبل أن تموتوا بالكراهة فإن {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 57] بالاضطرار الذين اعتادوا منا بالفرار مقيدين بسلاسل التعلقات إلى الدنيا وأربابها مغلولين بأغلال الشهوات فيسجنون بسجن نيران الحسرات {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [العنكبوت: 58] بحقيقة الوصول والوصال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):