Verse. 3393 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَيَسْتَعْجِلُوْنَكَ بِالْعَذَابِ۝۰ۭ وَلَوْلَاۗ اَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاۗءَہُمُ الْعَذَابُ۝۰ۭ وَلَيَاْتِيَنَّہُمْ بَغْتَۃً وَّہُمْ لَا يَشْعُرُوْنَ۝۵۳
WayastaAAjiloonaka bialAAathabi walawla ajalun musamman lajaahumu alAAathabu walayatiyannahum baghtatan wahum la yashAAuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى» له «لجاءَهم العذاب» عاجلاً «ولياتينَّهم بغتةً وهم لا يشعرون» بوقت إتيانه.

53

Tafseer

الرازي

تفسير : لما أنذرهم الله بالخسران وهو أتم وجوه الإنذار لأن من خسر لا يحصل له في مقابلة قدر الخسران شيء من المنافع وإلا لما كان الخسران ذلك القدر بل دونه، مثاله إذا خسر واحد من العشرة درهماً لا ينبغي أن يكون حصل له في مقابلة الدرهم ما يساوي نصف درهم، وإلا لا يكون الخسران درهماً بل نصف درهم، فإذن هم لما خسروا أعمارهم لا تحصل لهم منفعة تخفيف عذاب وإلا يكون ذلك القدر من العمر له منفعة فيكون للخاسر عذاب أليم، فقوله: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } تهديد عظيم فقالوا إن كان علينا عذاب فأتنا به، إظهاراً لقطعهم بعدم العذاب، ثم إنه أجاب بأن العذاب لا يأتيكم بسؤالكم ولا يعجل باستعجالكم، لأنه أجله الله لحكمة ورحمة فلكونه حكيماً لا يكون متغيراً منقلباً، ولكونه رحيماً لا يكون غضوباً منزعجاً، ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته وارتضته رحمته لما كان له رحمة وحكمة، فيكون غضوباً منقلباً فيتأثر باستعجالكم ويتغير من سؤالكم فيعجل وليس كذلك فلا يأتيكم بالعذاب وأنتم تسألونه ولا يدفع عنكم بالعذاب حين تستعيذون به منه، كما قال تعالى: { أية : كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا } تفسير : [الحج: 22]. ثم قال تعالى: {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً } اختلف المفسرون فيه، فقال بعضهم ليأتينهم العذاب بغتة، لأن العذاب أقرب المذكورين، ولأن مسئولهم كان العذاب، فقال إنه ليأتينهم، وقال بعضهم ليأتينهم بغتة أي الأجل، لأن الآتي بغتة هو الأجل وأما العذاب بعد الأجل يكون معاينة، وقد ذكرنا أن في كون العذاب أو الأجل آتياً بغتة حكمة، وهي أنه لو كان وقته معلوماً، لكان كل أحد يتكل على بعده وعلمه بوقته فيفسق ويفجر معتمداً على التوبة قبل الموت. قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } يحتمل وجهين أحدهما: تأكيد معنى قوله بغتة كما يقول القائل أتيته على غفلة منه بحيث لم يدر، فقوله بحيث لم يدر أكد معنى الغفلة والثاني: هو كلام يفيد فائدة مستقلة، وهي أن العذاب يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون هذا الأمر، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلاً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} لما أنذرهم بالعذاب قالوا لفرط الإنكار عَجّل لنا هذا العذاب. وقيل: إن قائل ذلك النّضر بن الحرث وأبو جهل حين قالا؛{أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32] وقولهم: {أية : رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [صۤ: 16] وقوله: {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى} في نزول العذاب. قال ابن عباس: يعني هو ما وعدتك ألا أعذب قومك وأؤخرهم إلى يوم القيامة. بيانه: {أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} تفسير : [القمر: 46]. وقال الضحاك: هو مدة أعمارهم في الدنيا. وقيل: المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى، قاله يحيـى بن سلاّم. وقيل: الوقت الذي قدره الله لهلاكهم وعذابهم؛ قاله ابن شجرة. وقيل: هو القتل يوم بدر. وعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر. دليله قوله: {أية : لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} تفسير : [الأنعام: 67]. {لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ} يعني الذي استعجلوه. {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً} أي فجأة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي لا يعلمون بنزوله عليهم. {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} أي يستعجلونك وقد أعد لهم جهنم وأنها ستحيط بهم لا محالة، فما معنى الاستعجال. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي أمية وأصحابه من المشركين حين قالوا {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} تفسير : [الإسراء: 92]. قوله تعالى: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ} قيل: هو متصل بما هو قبله؛ أي يوم يصيبهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم. وإنما قال {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} للمقاربة وإلا فالغشيان من فوق أعم؛ كما قال الشاعر:شعر : عَـلَـفْـتُـهَـا تِـبْـنـاً ومـاءً بـارِدا تفسير : وقال آخر:شعر : لقد كان قوّادَ الجيادِ إلى العِدَا عليهنّ غابٌ من قَنًى ودروع تفسير : {وَيِقُولُ ذُوقُواْ} قرأ أهل المدينة والكوفة: «نَقُولُ» بالنون. الباقون بالياء. واختاره أبو عبيد؛ لقوله: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ} ويحتمل أن يكون الملَك الموكَّل بهم يقول: {ذُوقُوا} والقراءتان ترجع إلى معنى. أي يقول الملك بأمرنا ذوقوا.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم وبأس الله أن يحل عليهم، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وقال ههنا: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي لولا ما حتم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريباً سريعاً كما استعجلوه، ثم قال: {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً} أي فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} أي يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا محالة. قال شعبة عن سماك عن عكرمة: قال في قوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ} قال: البحر وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجاهد، حدثنا أبي عن مجالد عن الشعبي أنه سمع ابن عباس يقول: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ} وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه، وتكور فيه الشمس والقمر، ثم يوقد فيكون هو جهنم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الله بن أمية، حدثني محمد بن حيي، أخبرني صفوان بن يعلى عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : البحر هو جهنم» تفسير : قالوا ليعلى، فقال: ألا ترون أن الله تعالى يقول: {أية : نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} تفسير : [الكهف: 29] قال: لا والذي نفس يعلى بيده، لا أدخلها أبداً حتى أعرض على الله ولا يصيبني منها قطرة حتى أعرض على الله تعالى، هذا تفسير غريب، وحديث غريب جداً، والله أعلم. ثم قال عز وجل: {يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} كقوله تعالى: {أية : لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [الأعراف: 41] وقال تعالى: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } تفسير : [الزمر: 16] وقال تعالى: {أية : لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 39] الآية، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب الحسي. وقوله تعالى: {وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تهديد وتقريع وتوبيخ، وهذا عذاب معنوي على النفوس، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} تفسير : [القمر: 48 ــــ 49] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الطور: 13 ــــ 16].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى } له {لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ } عاجلاً {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بوقت إتيانه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} فيه وجهان: أحدهما: أن استعجالهم له شدة عنادهم لنبيه. الثاني: أنه استهزاؤهم بقولهم: {إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِن عِندِكَ}[الأنفال: 32] الآية. {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه يوم القيامة، قاله ابن جبير. الثاني: أجل الحياة إلى حين الموت وأجل الموت إلى حين البعث إليه بين أجلين من الله، قاله قتادة. الثالث: أنه النفخة الأولى، قاله يحيى بن سلام. {لَّجَآءَهُمُ الْعَذَابُ} يعني الذي استعجلوه. {وَلَيِأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً} أي فجأة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} لا يعلمون بنزوله بهم. روى نعيم بن عبد الله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ قَدْ رَفَعَ أَْكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ تَصِلُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ".

ابن عطية

تفسير : قوله {ويستعجلونك بالعذاب} يراد به كفار قريش في قولهم ائتنا بما تعدنا، وغير ذلك من استدعائهم على جهة التعجيز والتكذيب عذاب الله الذي يتوعدهم محمد صلى الله عليه وسلم به، ثم أخبر تعالى أنه يأتيهم {بغتة} أي فجأة وهذا هو عذاب الدنيا وهو الذي ظهر يوم بدر في السنين السبع. ثم ذكر تعالى أن تأخره إنما هو حسب الأجل المقدور السابق، وقال المفسرون عن الضحاك: أن "الأجل المسمى" في هذه الآية الآجال.. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف يرده النظر، والآجال لا محالة {أجل مسمى} ولكن ليس هذا موضعها، ثم توعدهم تبارك وتعالى بعد عذاب الآخرة في قوله {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}، كرر فعلهم وقبحه، وأخبر أن وراءهم إحاطة جهنم بهم وقال عكرمة فيما حكى الطبري إن {جهنم} ها هنا أراد بها البحر. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف، وقوله تعالى: {يوم يغشاهم} ظرف يعمل فيه قوله {محيطة}، و {يغشاهم} معناه يغطيهم من كل جهة من جهاتهم، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي "ويقول" أي ويقول الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "ونقول" بالنون، فإما أن تكون نون العظمة أو نون جماعة الملائكة، وقرأ ابن مسعود "ويقال" بياء وألف وهي قراءة ابن أبي عبلة، وقوله تعالى: {ذوقوا} توبيخ، وتشبيه مس العذاب بالذوق، ومنه قوله {أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم} تفسير : [الدخان: 49]، ومنه قول أبي سفيان: ذق عقق ونحو هذا كثير، وقوله تعالى: {ما كنتم تعملون} أي بما في أعمالكم من اكتسابكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} عناداً، أو استهزاءً كقول النضر {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ}تفسير : . الآية: [الأنفال: 32] {أَجَلٌ مُّسَمّىً} القيامة، أو أجل الحياة إلى الموت وأجل الموت إلى البعث، أو النفخة الأولى أو الوقت الموقت لعذابهم. {بَغْتَةً} فجأة. {لا يَشْعُرُونَ} بنزوله قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : تقوم الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فِيه فما تصل إلى فِيه حتى تقوم الساعة ".

النسفي

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } بقولهم {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [الأنفال: 32] الآية. {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى } وهو يوم القيامة أو يوم بدر أو وقت فنائهم بآجالهم، والمعنى ولولا أجل قد سماه الله وبينه في اللوح لعذبهم والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى {لَّجَاءهُمُ ٱلْعَذَابُ } عاجلاً {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ } العذاب عاجلاً أو ليأتينهم العذاب في الأجل المسمى {بَغْتَةً } فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بوقت مجيئه. {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ } أي ستحيط بهم {يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } لقوله تعالى: {أية : مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ }تفسير : [الزمر: 16] ولا وقف على {بالكافرين} لأن {يوم} ظرف إحاطة النار بهم {وَيَقُولُ } بالياء: كوفي ونافع، وقوله {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي جزاء أعمالكم {يٰعِبَادِىَ } وبسكون الياء: بصري وكوفي غير عاصم {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ } وبفتح الياء: شامي يعني أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمش له أمر دينه فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلباً وأصبح ديناً وأكثر عبادة، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتاً كثيراً. وقالوا: لم نجد أعون على قهر النفس وأجمع للقلب وأحث على القناعة وأطرد للشيطان وأبعد من الفتن وأربط للأمر الديني من مكة حرسها الله تعالى. وعن سهل: إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة»تفسير : {فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ } وبالياء: يعقوب. وتقديره فإياي اعبدوا فاعبدوني. وجيء بالفاء في {فاعبدون} لأنه جواب شرط محذوف لأن المعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فأخلصوها في غيرها، ثم حذف الشرط وعوض عن حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص، ثم شجع المهاجر بقوله

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} يريد: كفارَ قريش، وباقي الآية بَيِّنٌ مما تقدم مكرّراً واللّه الموفق بفضله. و {بَغْتَةَ}: معناه: فجأة: وهذا هو عذاب الدنيا؛ كيوم بدر ونحوه. ثم توعدهم سبحانه بعذاب الآخرة في قوله: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ...} الآية. وقوله تعالى: {يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ...} الآيات، هذه الآيات نزلت في تحريض المؤمنين الكائنين بمكَّة على الهِجْرَة. قال ابن جُبَيْر، وعطاء ومجاهده: إن الأَرْض التي فيها الظلم والمنكر؛ تترتب فيها هذه الآية وتلزمُ الهجرةُ عنها إلى بلد حق؛ وقاله مالك.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} نزلت في النضر بن الحارث حين قال: {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأنفال: 32] {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى} قال ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال: {أية : بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ}تفسير : [القمر: 46] وقيل: يوم بدر. ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته {لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً} يعني العذاب. وقيل: الأجل بغتة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بإتيانه، وقوله: {وهم لا يشعرون} يحتمل وجهين: أحدهما: معنى تأكيد قوله: "بغتة"، كما يقول القائل: أتيته على غفلة منه بحيث لم يدرِ. فقوله: (بحيث لم يدر) أكد معنى الغفلة. والثاني: أنه يفيد فائدة مستقلة وهي أن العذاب يأتيهم بغتة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} هذا الأمر، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلاً. قوله: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} ذكر هذا للتعجب، لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطْمةٍ أو لكمة فيرى في نفسه الجلد ويقول: بسم الله هات، وأما من توعد بإغراقٍ أو إحراقٍ ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد لا يخطر ببال العاقل أن يقول له: هات ما توعدني به فقال هاهنا "يستعجلونك بالعذاب" والعذاب بنار جهنم المحيطة (بهم) فقوله ("يستعجلونك بالعذاب") أولاً: إخباراً عنهم، وثانياً: تعجباً منهم. وقيل: أعادَهُ تأكيداً، ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم فقال: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}. فإن قيل: لم يخص الجانبين ولم يذكر اليمين والشمال وخلفَ وقُدَّام؟ فالجواب: أن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، (ونار) الدنيا تحيط بالجوانب الأربعة فإن من دخلها تكون الشعلة قدامَهُ وخلفَه ويمينَه ويَسَارَه، فأمّا النار من فوق لا تنزل وإنما تصعد من أسفلَ في العادة وتحت الأقدام، ولا تبقى الشعلة بل تنطفىء الشعلة التي تحت القدم، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفىء بالدوس موضع القدم. فإن قيل: ما الحكمة في قوله: {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} ولم يقل: من فوق رؤوسهم ولا قال من فوقهم "ولا من تحتهم" بل ذكر المضاف إليه عند ذكر "تحت" ولم يذكره عند ذكر "فوق"؟ فالجواب: أن نزول النار من "فوق" سواء كان من (سمت) الرأس أو موضع آخر عجيب فلهذا لم يخصه بالرؤوس وأما بقاء النار تحت القدم فهو عجيب, وإلا فمن جوانب القدم في الدنيا تكون الشعلة فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطق بالدّوس. وأما "فوق" فعلى الإطلاق. قوله: "وَيَقُولُ ذُوقُوا" قرأ نافع وأهل الكوفة "ويقول" بياء الغيبة أي الله تعالى، أو الملك الموكل بعذابهم، وباقي السبعة بالنون أي جماعة الملائكة، أو نون العظمة لله تعالى، وأبو البَرَهْشَم بالتاء من فوق أي جهنم كقوله: {أية : وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}تفسير : [ق: 30] وعبد الله وابن أبي عَبْلَةَ: "ويُقَالُ" مبنياً للمفعول، وقوله: {مَا كُنْتُمْ تَعْمَلَونَ} أي جزاء ما كنتم تعملون لما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} جعل ذلك عين ما كانوا يعملون مبالغة بطريق إطلاق اسم المُسبَّب على السَّبَب، فإن عملهم كان سبباً لعذابهم وهذا كثير في الاستعمال.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن قتادة ‏ {‏ويستعجلونك بالعذاب‏} ‏ قال‏:‏ قال ناس من جهلة هذه الأمة ‏ {‏اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم‏}‏ ‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون‏} ‏ قال‏:‏ يوم بدر‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وإن جهنم لمحيطة بالكافرين‏} ‏ قال‏:‏ جهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه، ويكون فيه الشمس والقمر، ثم تستوقد، ثم يكون هو جهنم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏ {‏وإن جهنم لمحيطة‏}‏ قال‏:‏ البحر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏يوم يغشاهم العذاب‏} ‏ قال‏:‏ النار‏.‏

القشيري

تفسير : لولا أني ضربْتُ لكلِّ شيءٍ أَجَلاً لَعجَّلْتُ لهم ذلك، ولَيَأتِيَنَّهم العذابُ - حين يأتيهم - بغتةً وفجأةً.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويستعجلونك بالعذاب} الاستعجال طلب الشىء قبل وقته: يعنى [شتاب ميكنند كافران ترا بعذاب آوردن بايشان] اى يقول نضر بن الحارث وامثاله بطريق الاستهزاء متى هذا الوعد وامطر علينا حجارة من السماء. وفيه اشارة الى ان من استعجل العذاب ولم يصبر على العافية لعجل خلق منه وهو مركوز فى جبلته كيف يصبر على البلاء والضراء لو لم يصبره الله كما قال لنبيه عليه السلام {أية : واصبر وما صبرك الا بالله}تفسير : نسأل الله العافية من كل بلية {ولولا اجل مسمى} اى وقت معين لعذابهم وهو يوم القيامة كما قال {أية : بل الساعة موعدهم}تفسير : وذلك ان الله تعالى وعد النبى عليه السلام انه لايعذب قومه استئصالا بل يؤخر عذابهم الى يوم القيامة وقد سمت الارادة القديمة بالحكمة الازلية لكل مقدور كائن اجلا فلا تقدم له ولا تأخر عن المضروب المسمى {لجاءهم العذاب} عاجلا. وفيه اشارة الى ان الاستعجال فى طلب مرادات العذاب فى غير وقته المقدر لاينفع وهو مذموم فكيف ينفع الاستعجال فى طلب مرادات النفس وشهواتها فى غير اوانها [وكيف لم يكن مذموما {وليأتينهم} العذاب الذى عين لهم عند حلول الاجل: وبالفارسية [وبى شك خواهد آمد عذاب بديشان] {بغتة} [ناكاه]. قال الراغب البغت مفاجأة الشىء من حيث لايحتسب {وهم لايشعرون} باتيانه: يعنى [وحال آنكه ايشان نداننكه عذاب آيد بايشان وايشان نا آكاه]. يقول الفقير ان قلت عذاب الآخرة ليس من قبيل المفاجأة فكيف يأتى بغتة. قلت الموت يأتيهم بغتة اى فى وقت لايظنون انهم يموتون فيه وزمانه متصل بزمان القيامة ولذا عد القبر اول منزل من منازل الآخرة وبدل عليه قوله عليه السلام "حديث : من مات فقد قامت قيامته"تفسير : وفى البرزخ عذاب ولو كان نصفا من حيث انه حظ الروح فقط. وقال بعضهم لعل المراد باتيانه كذلك ان لايأتيهم بطريق التعجيل عند استعجالهم والاجابة الى مسئولهم فان ذلك اتيان برأيهم وشعورهم. وفى بعض الآثار من مات مصححا لامره مستعدا لموته ما كان موته بغتة وان قبض نائما ومن لم يكن مصححه لامره ولامستعدا لموته فموته موت فجأة وان كان صاحب الفراش سنة. قال فى لطائف المنن وقد تحاورت الكلام انا وبعض من يشتغل بالعلم فى انه ينبغى اخلاص النية فيه وان لايشتغل به الا لله فقلت الذى يطلب العلم لله اذا قيل له غدا تموت لايضع الكتاب من يده لكونه وفى الحقوق فلم ير افضل مما هو فيه فيحب ان يأتيه الموت على ذلك شعر : توغافل در انديشه سود ومال كه سرمايه عمر شد بايمال طريقى بدست آرو صلحى بجوى شفيعى برانكيز وغدرى بكوى كه يك لحظه صورت نبندد امان جو بيمانه برشد بدور زمان

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ويستعجلونك بالعذاب}،كقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء، {ولولا أجلٌ مسمىًّ} المضروب لعذاب كل قوم، أو: القيامة، أو: يوم بدر، أو: وقت فنائهم بأجلهم. والمعنى: ولو أجل قد سمّاه الله وعيَّنه في اللوح المحفوظ، {لجاءهم العذاب} عاجلاً. والحكمة تقتضي تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى، {وليأتينهم} العذاب في الأجل المسمى {بغتةً}: فجأة {وهم لا يشعرون} بإيتانه. {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي: لتحيط بهم، أو: هي كالمحيطة بهم، لإحاطة أسبابها بهم من الكفر والمعاصي. واللام للعهد، على وضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على موجب الإحاطة، وهو الكفر، أو الجنس، فيدخل المخاطبون دخولاً أولياً. وتكرير استعاجلهم؛ لاختلاف ما يترتب على كل واحد، فرتب على الأول حكمة تأخيره، وعلى الثاني تهديهم وزجرهم عنه. ثم قال تعالى: {يوم يغشاهم العذابُ من فوقهم ومن تحت أرجلهم}، هذا وقت إحاطتها بهم، أي: تحيط من جميع جوانبهم، كقوله: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ}تفسير : [الزمر: 16]. {ويقولوا ذُوقوا ما كنتم تعملون} أي: باشروا جزاء أعمالكم. الإشارة: ما قيل في حق من استعجل العذاب من الأنبياء، يقال في حق من استعجله من الأولياء، بحيث يؤذيهم ويقول: ليُظهروا ما عندهم، فهذا حمق كبير، ولا بد أن يلحقه وبال ذلك، عاجلاً، أو آجلاً، إما ظاهراً أو باطناً، وقد لا يشعر، وقد يسري ذلك إلى عَقبه، فيصيبه ذلك الوبال، كما أصاب أباه والعياذ بالله من التعرض لأوليائه. ثم أمر بالهجرة من الأرض التي تكثر فيها الإذاية في الدين، فقال: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ...}

الجنابذي

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} بمثل ما قالوا عند توعيدك بالعذاب فائتنا بما تعدنا او بقولهم ان كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السّماء {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ} يعنى عدم اتيان العذاب ليس لما قالوا من انّه ليس ما قلت حقّاً ولا لكرامتهم علينا بل لانّ لكلّ امر وقتاً لا يتجاوزه{وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ} فى الدّنيا وفى حال بقائهم مثل اتيان العذاب ببدرٍ وغيرها ومثل البلايا فى الاموال والانفس او فى حال احتضارهم على ايدى الملائكة او فى الآخرة فى البرازخ او فى القيامة {بَغْتَةً} من غير تقدّم امارةٍ له او من غير استشعارٍ منهم باماراته لانهماكهم فى الملاهى {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون} بمجيئه حين اتيانه، او لا يشعرون فى الحال بانّه يأتيهم بعدُ والاّ لما سألوه.

الأعقم

تفسير : {ويستعجلونك بالعذاب} وإنما قالوا ذلك استهزاء منهم وتكذيباً {ولولا أجل مسمى} وهو ما علم من الصلاح، وقيل: أراد يوم القيامة {لجاءهم العذاب وليأتيّنهم بغتة وهم لا يشعرون} بمجيئه {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} ويقال لهم توبيخاً: {ذوقوا ما كنتم تعملون} {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة} نزلت في المستضعفين الذين كانوا بمكة مؤمنين لا يقدرون على إظهار الايمان فحثهم على الهجرة، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد"تفسير : ، وقيل: أرضي واسعة أي أرض الجنة {فاعبدون} لتنالوها، عن أبي علي، والأكثر أنها أرض الدنيا {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون} {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوّئنهم من الجنة غرفاً} قصوراً {تجري من} تحت الغرف {الأنهار خالدين فيها نعم أجر العالمين} أي نعم الجزاء لمن عمل بطاعته، ثم بيَّن وصف العاملين فقال سبحانه: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} يعني آمنوا وصبروا على ميثاق [مشاق] التكليف، وترك المحرمات، وأداء الواجبات، واحتمال الأذى من الأعداء، وفراق الوطن والهجرة لأجل الدين، وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، فلم يتوكلوا في جميع الأمور إلا على الله {وكأين من دابةٍ} والدابة كل نفس دبت على وجه الأرض عقلت أو لم تعقل {لا تحمل رزقها} لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله {الله يرزقها وإياكم} أي لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله ولا يرزقكم إلا هو، وعن الحسن: لا تحمل رزقها أي لا تدخره إنما تصبح فيرزقها الله، وقيل: ليس شيء يخبئ إلا الإِنسان والنملة والفأرة {وهو السميع} لأقوالكم {العليم} بما في ضمائركم، ثم بيّن تعالى قبح أقوال المشركين وأفعالهم مع اعترافهم بأنه الخالق فقال سبحانه: {ولئن سألتهم} أي معنى سألت يا محمد هؤلاء المشركين {من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر} ذللهما بأن سيرهما المنافع الخلق {ليقولن الله} أي فيقرون ويقولون هو الخالق لهما والمسخر {فأنى يؤفكون} تعجب من حالهم وسوء اختيارهم أي مع إقرارهم أنه الخالق كيف يصرفون عن عبادته إلى عبادة حجر لا تضر {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} أي يوسع ويضيق بحسب المصلحة {إن الله بكل شيء عليم} يعلم مصالح عباده سبحانه وتعالى عمَّا يقولون {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء} وهو المطر، قوله تعالى: {فأحيا به الأرض من بعد موتها} يعني أن اسألهم عن المسبب لأرزاق العباد من المطر وينبت النبات ويُخرج الأنهار {ليقولن الله} ينشئ ذلك كله، وإنما قال: فأحيى به الأرض لأنه أجرى العادة أن ينبت النبات بالماء والمطر ولولا هذه العادة لجاز أن يخرج النبات من غير ماء ولا مطر {قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون} يعني لا يشكرون الله على نعمائه والحمد لله على ما هدانا إلى معرفة توحيده وعدله والتمسك بعبادته.

الهواري

تفسير : قوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمّىً لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ}. كان النبي عليه السلام يخوّفهم العذاب إن لم يؤمنوا، فكانوا يستعجلون به استهزاءً وتكذيباً. قال الله: {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمّىً} أي: النفخة الأولى {لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} أي: إن الله أخَّر عذاب كفار آخر هذه الأمة بالاستئصال، الدائنين بدين أبي جهل بن هشام وأصحابه، إلى النفخة الأولى، بها يكون هلاكهم. قال الله: {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان، فما يطويانه حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، وتقوم الساعة والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة ". تفسير : قوله: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} كقوله: (أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) تفسير : [الكهف: 29]، قال الله: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} وهذا عذاب جهنم. كقوله: (أية : لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) تفسير : [الأعراف: 41] أي: يغشاهم. وكقوله: (أية : لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) تفسير : [الزمر: 16] قال: {وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: ثواب ما كنتم تعملون في الدنيا.

اطفيش

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ} وذلك ان النظر بن الحارث قال: {أية : فأمطر علينا حجارة من السماء }تفسير : الآية وذلك استهزاء وتكذيب. {وَلَوْلآ أَجَلٌ مُّسَمًّى} هو عند ابن عباس يوم القيامة وعد الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يعذب أمته ولا يستأصلهم الى يوم القيامة وقيل هو مدة إعمارهم فإذا ماتوا عُذبوا في قبورهم، وقيل: هو يوم بدر، وقيل {لَوْلا أَجَلٌ مُّسَمًّى} لكل عذاب أو قوم. {لَّجَاءَهُمُ العَذَابُ} عاجلاً. {وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً} فجأة. {وَهُمْ لايَشْعُرُونَ} بوقته وبإتيانه، وضمير يأتي للعذاب أو للأجل والأول أولى.

اطفيش

تفسير : {ويَسْتعجلُونكَ} اى اهل مكة {بالعذابِ} استهزاء متى هذا الوعد، امطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب {ولولا أجلٌ مُسمَّى} قضاه الله لعذابهم، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يتبدل وهو يوم بدر {لجاءهم العَذابُ} على كفرهم، واستعجالهم اى عذاب شاءه الله عز وجل، العذاب الذي عينوه او غيره، وقيل: الذي عينوه كذا وكذا، او العذاب تشديد الموت، والقبر على سائر الموت والقبر على غيرهم، وقيل: يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم لا تستأصل قومى"تفسير : {وليأتيَّنهم بَغْتة} فجاة باغتا او ذا بغتة، او ياتى ضمن معنى يبغت {وهُم لا يشْعُرون} غافلون عن ان يأتيهم كزيادة عذاب الموت والقبر، ويوم بدر اذ لا شعور لهم به، حتى اتفق، ولا يشعرون انهم مغلوبون فيه، بل ظنوا انهم غالبون، وكالقحط، واما يوم القيامة فلا يحضرونه.

الالوسي

تفسير : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ } أي ويستعجلك كفار قريش {بِٱلْعَذَابِ } على طريقة الاستهزاء والتعجيز والتكذيب به بقوله: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ }تفسير : [يونس: 48] وقولهم:{أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ}تفسير : [الأنفال: 32] ونحو ذلك {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى } قد ضربه الله تعالى لعذابهم وسماه وأثبته في اللوح {لَّجَاءهُمُ ٱلْعَذَابُ } المعين لهم حسبما استعجلوا به، وقال ابن جبير: المراد بالأجل يوم القيامة لما روي أنه تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يعذب قومه بعذاب الاستئصال وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة، وقال ابن سلام: والمراد به أجل ما بين النفختين، وقيل: يوم بدر، وقيل: وقت فنائهم بآجالهم، وفيه بعد ظاهر لما أنهم ما كانوا يوعدون بفنائهم الطبيعي ولا كانوا يستعجلون به. {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ } جملة مستأنفة مبينة لما أشير إليه في الجملة السابقة من مجيء العذاب عند حلول الأجل، أي وبالله تعالى ليأتينهم العذاب الذي عين لهم عند حلول الأجل {بَغْتَةً } / أي فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي بإتيانه، ولعل المراد بإتيانه كذلك أنه لا يكون بطريق التعجيل عند استعجالهم والإجابة إلى مسؤولهم فإن ذلك إتيان برأيهم وشعورهم لا أنه يأتيهم وهم قارون آمنون لا يحظرونه بالبال كدأب بعض العقوبات النازلة على بعض الأمم بياتاً وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون لما أن إتيان عذاب الآخرة وعذاب يوم بدر ليس من هذا القبيل قاله بعضهم، وقال آخرون: إتيانه كذلك من حيث أنه غير متوقع لهم وإتيان عذاب الآخرة ونحوه كذلك لإنكارهم البعث، وكذا عذاب القبر أو اعتقادهم شفاعة آلهتهم لهم في دفع العذاب عنهم، وكذا إتيان عذاب يوم بدر لأنهم لغرورهم كانوا لا يتوقعون غلبة المسلمين ولا تخطر لهم ببال على ما بين في السير.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه}تفسير : [العنكبوت: 50] استقصاء في الرد على شبهاتهم وإبطالاً لتَعِلاَّت إعراضهم الناشىء عن المكابرة، وهم يخيلون أنهم إنما أعرضوا لعدم اقتناعهم بآية صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ومناسبة وقوعه هذا أنه لما ذكر كفرهم بالله وكان النبي عليه الصلاة والسلام ينذرهم على ذلك بالعذاب وكانوا يستعجلونه به ذكر توركهم عليه عقب ذكر الكفر. واستعجال العذاب: طلب تعجيله وهو العذاب الذي تُوعدوا به. وقصدهم من ذلك الاستخفاف بالوعيد. وتقدم الكلام على تركيب: {يستعجلونك بالعذاب} في قوله تعالى: {أية : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير}تفسير : في سورة [يونس: 11]، وقوله: {أية : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة}تفسير : في سورة [الرعد: 6]. والتعريف في (العذاب) تعريف الجنس. وحُكي استعجالهم العذاب بصيغة المضارع لاستحضار حال استعجالهم لإفادة التعجيب منها كما في قوله تعالى: {أية : يجادلنا في قوم لوط}تفسير : [هود: 74]. وقد أبطل ما قصدوه بقوله: {ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب} وذلك أن حلول العذاب ليس بيد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا جارياً على طلبهم واستبطائهم فإن الله هو المقدر لوقت حلوله بهم في أجل قدره بعلمه. والمسمَّى أريد به المعيّن المحدود أي في علم الله تعالى. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى}تفسير : في سورة [الحج: 5]. والمعنى: لولا الأجل المعين لحلول العذاب بهم لجاءهم العذاب عاجلاً لأن كفرهم يستحق تعجيل عقابهم ولكن أراد الله تأخيره لحِكَم عَلِمَها، منها إمهالهم ليؤمن منهم من آمن بعد الوعيد، وليعلموا أن الله لا يستفزه استعجالهم العذاب لأنه حكيم لا يخالف ما قدره بحكمته، حليم يمهل عباده. فالمعنى: لولا أجل مسمى لجاءهم العذاب في وقت طلبهم تعجيله، ثم أنذرهم بأنه آتيهم بغتة وأن إتيانه محقق لما دل عليه لام القسم ونون التوكيد وذلك عند حلول الأجل المقدّر له. وقد حل بهم عذاب يوم بدر بغتة كما قال تعالى: {أية : ولو تَوَاعَدْتم لاختلفتم في الميعاد}تفسير : [الأنفال: 42] فاستأصل صناديدهم يومئذ وسُقط في أيديهم. وإذ قد كان الله أعد لهم عذاباً أعظم من عذاب يوم بدر وهو عذاب جهنم الذي يعم جميعهم أعقب إنذارهم بعذاب يوم بدر بإنذارهم بالعذاب الأعظم. وأعيد لأجله ذكر استعجالهم بالعذاب معترضاً بين المتعاطفين إيماء إلى أن ذلك جواب استعجالهم فإنهم استعجلوا العذاب فأُنذروا بعذابين، أحدهما أعجل من الآخر. وفي إعادة: {يستعجلونك بالعذاب} تهديد وإنذار بأخذهم، فجملة: {وإن جهنم} معطوفة على جملة: {وليأتينهم بغتة} فهما عذابان كما هو مقتضى ظاهر العطف. والإحاطة كناية عن عدم إفلاتهم منها. والمراد {بالكافرين} المستعجلون، واستُحضروا بوصف الكافرين للدلالة على أنه موجب إحاطة العذاب بهم. واستعمل اسم الفاعل في الإحاطة المستقبلة مع أن شأن اسم الفاعل أن يفيد الاتصاف في زمن الحال، تنزيلاً للمستقبل منزلة زمان الحال تنبيهاً على تحقيق وقوعه لصدوره عمن لا خلاف في إخباره. ويتعلق: {يوم يغشاهم العذاب} بــــ (محيطة)، أي تحيط بهم يوم يغشاهم العذاب. وفي قوله: {يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} تصوير للإحاطة. والغشيان: التغطية والحجب. وقوله: {من فوقهم} بيان للغشيان لتصويره تفظيعاً لحاله كقوله: {أية : ولا طائر يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38] وتأكيداً لمعنى الغشيان لرفع احتمال المجاز، فهو في موضع الحال من {العذاب} وهي حال مؤكدة. وقوله: {ومِن تحت أرجلهم} احتراس عما قد يُوهمه الغشيان من الفوقية خاصة، أي تصيبهم نار من تحتهم تتوهج إليهم وهم فوقها، ولما كان معطوفاً على الحال بالواو وكان غير صالح لأن يكون قيداً لــــ {يغشاهم} لأن الغشيان هو التغطية فتقتضي العلو تعين تقدير فعل يتعلق به {من تحت أرجلهم}، وهو أن يقدر عامل محذوف. وقد عدّ هذا العمل من خصائص الواو في العطف أن تعطف عاملاً محذوفاً دل عليه معموله ــــ كقول عبد الله بن الزبعرى:شعر : يَا ليتَ زَوجككِ قد غدا متقلداً سيفاً ورمحا تفسير : يريد: ومُمسكاً رمحاً لأن الرمح لا يتقلد ــــ يصلح أن يكون مفعولاً معه وأبو عبيدة والأصمعي والجرمي واليزيدي، ومن وافقهم يجعلون هذا من قبيل تضمين الفعل معنى فعل صالح للتعلق بالمذكور فيقدر في هذه الآية تضمين فعل {يغشاهم} معنى (يصيبهم) و (يأخذهم). والمقصود من هذا الكناية عن أن العذاب محيط بهم، فلذلك لم يذكر الجانبان الأيمن والأيسر لأن الغرض من الكناية قد حصل. والمقام مقام إيجاز لأنه مقام غضب وتهديد بخلاف قوله تعالى: {أية : ثم لآتِيَنَّهم من بين أيديهم ومن خلفِهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم}تفسير : [الأعراف: 17] لأنه حكاية لإلحاح الشيطان في الوسوسة. وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: {ويقول} بالياء التحتية والضمير عائد إلى معلوم من المقام. فالتقدير: ويقول الله. وعدل عن ضمير التكلم على خلاف مقتضى الظاهر على طريقة الالتفات على رأي كثير من أيمة البلاغة، أو يقدر: ويقول الملك الموكل بجهنم، أو التقدير: ويقول العذاب، بأن يجعل الله للنار أصواتاً كأنها قول القائل: {ذوقوا}. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بالنون وهي نون العظمة. ومعنى: {ما كنتم تعملون} جزاؤه لأن الجزاء لما كان بقدر المجزي أطلق عليه اسمه مجازاً مرسلاً أو مجازاً بالحذف.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} تفسير : [الأنعام: 57] وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} تفسير : [يونس: 51] وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [الرعد: 6] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ويستعجلونك بالعذاب: أي يطلبون منك تعجيل العذاب لهم. ولولا أجل مسمّى: أي وقت محدد للعذاب لا يتقدمه ولا يتأخر عنه لجاءهم. وليأتينّهم بغتة: فجأة من حيث لا يخطر لهم على بال. وإن جهنم لمحيطة بالكافرين: أي من كل جانب وهم فيها وذلك يوم يغشاهم. يوم يغشاهم العذاب: أي من فوقهم ومن تحت أرجلهم. ذوقوا ما كنتم تعملون: أي ويقول لهم الجبار ذوقوا ما كنتم تعملون أي من الشرك والمعاصي. معنى الآيات: لقد تقدم في الآيات القريبة أن المكذّبين بالرسالة المحمدية طالبوا بالعذاب تحدياً منهم للرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: إئتنا بالعذاب إن كنت من الصادقين في أنك نبي ورسول إلينا وفي هذه الآية يعجِّب تعالى رسوله أي يحملُه على أن يتعجب من حمق المشركين وطيشهم وضلالهم إذ يطالبون بالعذاب فيقول له {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى} للعذاب أي وقت محدد له لا يتقدمه ولا يتأخره {لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ}. ثم أخبر تعالى رسوله مؤكداً خبره فقال {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ} أي العذاب {بَغْتَةً} لا محالة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بوقت مجيئه، ثم كرر تعالى حمل رسوله على التعجب من سخف المشركين الذين لا يطيقون لسعة عقرب ولا نهشة أفعى يطالبون بالعذاب فقال {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} لا محالة كقوله {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1] {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي يغطيهم ويغمرهم فيكون {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} وجهنم محيطة بهم ويقول الجبار تبارك وتعالى موبخاً لهم {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} من الشرك والمعاصي. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) مشروعية التعجب إذا وجدت أسبابه الحاملة عليه. 2) بيان مدى حُمق وجهل وسفه الكافرين والمشركين بخاصة. 3) بيان أن تأخير العذاب لم يكن عن عجز وإنما هو لنظام دقيق إذ كل شيء له أجل محدد لا يتقدم ولا يتأخر.

د. أسعد حومد

تفسير : (53) - وَيَتَحَدَّاكَ كُفَّارُ قُرَيْش أَنْ تُعَجِّلَ لَهُمْ بِنُزُولِ العَذَابِ بِهِمْ. وَقَدْ قَالُوا مَرَّةً: {أية : مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْد}، تفسير : وَقَالُوا مَرَّةً أُخرَى: {أية : هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ..}. تفسير : وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قائلاً: إِنَّ حِكْمَتَهُ تَعَالى قَدِ اقْتَضَتْ أَنْ يُحَدِّدَ لَهُمْ أَجَلاً مُعَيّناً لِعَذَابِهِم، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لأَنزَلَ بِهِم العَذَابَ حِينَ اسْتِعْجَالِهِمْ بهِ، وَسَيأْتِيهِم العَذَابُ، دُونَ شَكٍّ، بصُورةٍ مُفَاجِئَةٍ لَهُمْ، وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بمَجِيئِهِ. أََجَلٍ مُسَمى - هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ. بَغْتَةً - فَجْأَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عجيب أنْ يطلب الإنسان لنفسه العذاب، وأن يستعجله إن أبطأ عليه، إذن: ما طلبه هؤلاء إلا لاعتقادهم أنه غير واقع بهم، وإلا لو وَثِقُوا من وقوعه ما طلبوه. {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ ..} [العنكبوت: 53] لأن كل شيء عند الله بميقات، وأجل، والأجل يختلف باختلاف أصحابه وهو أجل الناس وأعمارهم، وهي آجال متفرقة فيهم، لكن هناك أجل يجمعهم جميعاً، ويتفقون فيه، وهو أجل الساعة. فقوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [الأعراف: 34] أي: بآجالهم المتفرقة. أما أجل القيامة فأجل واحد مُسمّى عنده تعالى، ومن عجيب الفَرْق بين الأجلين أن الآجال المتفرقة في الدنيا تنهي حياة، أمّا أجل الآخرة فتبدأ به الحياة. والمعنى {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ ..} [العنكبوت: 53] أن المسألة ليست على هواهم ورغباتهم؛ لذلك يقول تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ..} تفسير : [الأنبياء: 37] ويقول: {أية : سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} تفسير : [الأنبياء: 37]. لذلك حديث : لما عقد النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية بينه وبين كفار مكة، ورضي أنْ يعود بأصحابه دون أداء فريضة العمرة غضب الصحابة وعلي وعمر، ولم يعجبهم هذا الصلح، وكادوا يخالفون رسول الله غيرةً منهم على دينهم، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة رضي الله عنها وقال: "هلك المسلمون" قالت: ولم يا رسول الله؟ قال: "أمرتهم فلم يمتثلوا" فقالت: يا رسول الله اعذرهم، فهم مكروبون، جاءوا على شَوْقٍ لبيت الله، وكانوا على مقربة منه هكذا، ثم يُمنعون ويُصدُّون، اعذرهم يا رسول الله، ولكن امْضِ فاصنع ما أمرك الله به ودَعْهم، فإنْ هم رأوْكَ فعلتَ فعلوا، وعلموا أن ذلك عزيمة. وفعلاً ذهب رسول الله، وتحلّل من عمرته، ففعل القوم مثلهتفسير : ، ونجحت مشورة السيدة أم سلمة، وأنقذت الموقف. حديث : ثم بيَّن الله لهم الحكمة في العودة هذا العام دون قتال، ففي مكة إخوان لكم آمنوا، ويكتمون إيمانهم، فإنْ دخلتم عليهم مكة فسوف تقتلونهم دون علم بإيمانهم. وكان عمر - رضي الله عنه - كعادته شديداً في الحق، فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال: صلى الله عليه وسلم: "بلى" قال: أليسوا على الباطل؟ قال صلى الله عليه وسلم "بلى" قال: فَلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر: الزم غَرْزك يا عمرتفسير : .. يعني قِف عند حدِّك وحجِّم نفسك، ثم قال بعدها ليبرر هذه المعاهدة: ما كان فتح في الإسلام أعظمَ من فتح الحديبية - لا فتح مكة. لماذا؟ لأن الحديبية انتزعت من الكفار الاعترافَ بمحمد، وقد كانوا معارضين له غير معترفين بدعوته، والآن يكاتبونه معاهدة ويتفقون معه على رأي، ثم إنها أعطت رسول الله فرصة للتفرغ لأمر الدعوة ونشرها في ربوع الجزيرة العربية، لكن في وقتها لم يتسع ظنُّ الناس لما بين محمد وربه، والعباد عادةً ما يعجلون، والله - عز وجل - لا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد سبحانه. ثم يقول تعالى: {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: 53] يعني: فجأة، وليس حسب رغبتهم {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [العنكبوت: 53] لا يشعرون ساعتها أم لا يشعرون الآن أنها حق، وأنها واقعة لأجل مسمى؟ المراد لا يشعرون الآن أنها آتية، وأن لها أجلاً مُسمى، وسوف تباغتهم بأهوالها، فكان عليهم أن يعلموا هذه من الآن، وأن يؤمنوا بها. إذن: فليس المراد أنهم لا يشعرون بالبغتة؛ لأن شعورهم بالبغتة ساعتها لا ينفعهم بشيء. ثم يقول الحق سبحانه: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن جهل المكذبين للرسول وما جاء به، وأنهم يقولون -استعجالا للعذاب، وزيادة تكذيب- {أية : مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ؟ تفسير : يقول تعالى: { وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى } مضروب لنزوله، ولم يأت بعد، { لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ } بسبب تعجيزهم لنا وتكذيبهم الحق، فلو آخذناهم بجهلهم، لكان كلامهم أسرع لبلائهم وعقوبتهم، ولكن -مع ذلك- فلا يستبطئون نزوله، فإنه سيأتيهم { بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ }. فوقع كما أخبر اللّه تعالى، لما قدموا لـ "بدر" بطرين مفاخرين، ظانين أنهم قادرون على مقصودهم، فأهانهم اللّه، وقتل كبارهم، واستوعب جملة أشرارهم، ولم يبق فيهم بيت إلا أصابته تلك المصيبة، فأتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، ونزل بهم وهم لا يشعرون. هذا، وإن لم ينزل عليهم العذاب الدنيوي، فإن أمامهم العذاب الأخروي، الذي لا يخلص منهم أحد منه، سواء عوجل بعذاب الدنيا أو أمهل. { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } ليس لهم عنها معدل ولا متصرف، قد أحاطت بهم من كل جانب، كما أحاطت بهم ذنوبهم وسيئاتهم وكفرهم، وذلك العذاب، هو العذاب الشديد. { يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فإن أعمالكم انقلبت عليكم عذابا، وشملكم العذاب كما شملكم الكفر والذنوب.