٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
الرازي
تفسير : فقال تعالى: {يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لم خص الجانبين بالذكر ولم يذكر اليمين والشمال وخلف وقدام؟ فنقول لأن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة خلفه وقدامه ويمينه ويساره وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة العاجلة وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفىء بالدوس موضع القدم. المسألة الثانية: قال: {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } ولم يقل من فوق رءوسهم، ولا قال من فوقهم ومن تحتهم، بل ذكر المضاف إليه عند ذكر تحت ولم يذكره عند ذكر فوق، فنقول لأن نزول النار من فوق سواء كان من سمت الرءوس وسواء كان من موضع آخر عجيب، فلهذا لم يخصه بالرأس، وأما بقاء النار تحت القدم فحسب عجيب، وإلا فمن جوانب القدم في الدنيا يكون شعل وهي تحت فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطق بالدوس وما فوق على الإطلاق. ثم قال تعالى: {وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } لما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ذوقوا عذاب ما كنتم تعملون، وجعل ذلك عين ما كانوا يعملون للمبالغة بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب، فإن عملهم كان سبباً لجعل الله إياه سبباً لعذابهم، وهذا كثير النظير في الاستعمال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ يَغْشَٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَنَقُولُ } فيه بالنون أي نأمر بالقول، وبالياء أي: يقول الموكل بالعذاب {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي جزاءه فلا تفوتوننا.
ابو السعود
تفسير : {يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ} ظرفٌ لمضمرٍ قد طُوي ذكرُه إيذاناً بغايةِ كثرتِه وفظاعتِه كأنَّه قيلَ: يومَ يغشاهُم العذابُ الذي أشير إليه بإحاطةِ جهنَّم بهم يكونُ من الأحوالِ والأهوالِ ما لا يفي به المقالُ، وقيل: ظرفٌ للإحاطةِ {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} أي من جميعِ جهاتِهم {وَيَقُولُ} أي الله عزَّ وجلَّ ويعضدُه القِراءةُ بنونِ العظمةِ، أو بعضُ ملائكتِه بأمرِه {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي جزاءَ ما كنتُم تعملونه في الدُّنيا على الاستمرارِ من السيئاتِ التي من جُملتها الاستعجالُ بالعذابِ. {يَا عِبَادِى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} خطابُ تشريفٍ لبعضِ المؤمنينَ الذين لا يتمكَّنُون من إقامةِ أمورِ الدِّين كما ينبغِي لممانعةٍ من جهةِ الكَفَرةِ وإرشادٌ لهم إلى الطَّريقِ الأسلمِ {إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ} أي إذا لم يتسهَّل لكُم العبادةُ في بلدٍ ولم يتيسَّر لكُم إظهارُ دينِكم فهاجِرُوا إلى حيثُ يتسنَّى لكم ذلكَ، وعنه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : من فرَّ بدينِه من أرضٍ إلى أرضٍ ولو كان شبراً استوجبَ الجنَّة وكان رفيقَ إبراهيمَ ومحمَّدٍ عليهما السَّلامُ ». تفسير : والفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٍ إذِ المعنى إنَّ أرضي واسعةٌ إنْ لم تُخلصوا العبادةَ لي في أرضٍ فأخلِصُوها في غيرِها ثم حُذفَ الشَّرطُ وعُوِّض عنه تقديمُ المفعولِ مع إفادةِ تقديمِه معنى الاختصاصِ والإخلاصِ. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} جملةٌ مستأنفةٌ جِيءَ بها حثاً على المُسارعة في الامتثالِ بالأمرِ أي كلُّ نفسٍ من النُّفوسِ واجدةٌ مرارةَ الموتِ وكربَه فراجعةٌ إلى حُكمِنا وجَزَائِنا بحسبِ أعمالِها، فمَنْ كانت هَذه عاقبتَهُ فليس له بدٌّ من التَّزودِ والاستعدادِ لها. وقُرىء يَرجعون {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوّئَنَّهُمْ} لننزلنَّهم {مّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} أي عَلاليَ وهو مفعولٌ ثانٍ للتَّبوئةِ. وقُرىء لنُثوينَّهم من الثُّواء بمعنى الإقامةِ فانتصابُ غُرفاً حينئذٍ إمَّا بإجرائِه مُجرى لنُنزلنَّهم أو بنزعِ الخافضِ أو بتشبـيهِ الظَّرفِ الموَّقتِ بالمُبهم كما في قولِه تعالى: { أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [سورة الأعراف: الآية 16] {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} صفةٌ لغرفاً {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي في الغُرَفِ أو في الجنَّة {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ} أي الأعمالُ الصَّالحةُ والمخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ ثقةً بدلالةِ ما قبله عليهِ. وقُرىء فنعَم.
القشيري
تفسير : وإذا أحاطت بهم في جهنم سرادقاتُ العذاب فلا صريح لهم، كذلك - اليومَ - مَنْ أحاط به العذابُ؛ مِنْ فوقه اللَّعنُ ومن تحته الخَسْفُ، ومن حوله الخِزْيُ، ويُلْبَسُ لباسَ الخذلان، ويوسم بكيِّ الحرمان، ويُسْقَى شرابَ القنوط، ويُتَوَّجُ بتاج الخيبة، ويُقَيَّدُ بقيد السُّخْط، ويُغَلُّ بغُلِّ العداوة، فهُمْ يُسْحَبون في جهنم الفراق حُكْماً، إلى أن يُلْقَوْا في جحيم الاحتراق عيناً.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم يغشاهم العذاب} ظرف لمضمر اى يوم يعلوهم ويسترهم العذاب الذى اشير اليه باحاطة جهنم بهم يكون من الاحوال والاهوال مالا يفى به المقال {من فوقهم} [اى اززبر سرهاى ايشان] {ومن تحت ارجلهم} [واز زير بابهاى ايشان] والمراد من جميع جهاتهم {ويقول} الله او بعض الملائكة بامره {ذوقوا} [بجشيد] والذوق وجود الطعم بالفم واصله مما يقل تناوله فاذا اكثر يقال له الاكل واختير فى القرآن لفظ الذوق فى العذاب لان ذلك وان كان فى التعارف للقليل فهو مستصلح للكثير فخصه بالذكر ليعلم الامرين كما فى المفردات {وما كنتم تعلمون} اى جزاء ما كنتم تعملونه فى الدنيا على الاستمرار من السيآت التى من جملتها الاستعجال بالعذاب. قال الكاشفى [دنيا دار عمل بود وعقبى دار جزاست هرجه آنجا كاشته ايد اينجا مى درويد] شعر : توتخمى بيفشان كه جون بدورى زمحصول خود شاد وخرم شودى تفسير : وفى التأويلات النجمية قوله {أية : ويستعجلونك بالعذاب}تفسير : يشير الى ان استعجال العذاب لاهل العذاب وهو نفس الكافر لاحاجة اليه بالاستدعاء {وان جهنم} الحرص والشره والشهوة والكبر والحسد والغضب والحقد {أية : لمحيطة بالكافرين}تفسير : بالنفوس الكافرة الآن بنفاد الوقت {يوم يغشاهم العذاب} باحاطة هذه الصفات {من فوقهم} الكبر والغضب الحسد والحقد {ومن تحت ارجلهم} الحرص الشره والشهوة ولكنهم بنوم الغفلة نائمون ليس لهم خبر عن ذوق العذاب كالنائم لاشعور لهم فى النوم بما يجرى على صورته لانه نائم الصورة فاذا انتبه يجد ذوق مايجرى عليه من العذاب كما قال {ويقول} يعنى يوم القيامة {ذوقوا ما كنتم تعملون} اى عذاب ماكنتم تعاملون الخلق الخالق به والذى يؤكد هذا التأويل قوله تعالى {أية : وان الفجار لفى جحيم}تفسير : يعنى فى الوقت ولاشعور لهم {أية : يصلونها يوم الدين}تفسير : الذى يكون فيه الصلى والدخول يوم القيامة {أية : وماهم عنها بغائبين}تفسير : اليوم ولكن لاشعور لهم بها فمن تطلع له شمس الهداية والعناية من مشرق القلب فيخرج من ليل الدين الى يوم الدين واشرقت ارض بشريته بنور ربها يرى نفسه محاطة جهنم اخلاقها فيجد ذوق المهاد بقصد الخروج والخلاص منها فان ارض الله واسعة كما يأتى نسأل الله الخلاص
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} مفعول للكافرين او ظرف لمحيطة او ظرف لفعل محذوف وهو اذكر او ذكّرهم {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ} قرئ بالغيبة وبالتّكلّم {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالبيعة على يد محمّد (ص) البيعة العامّة او على يد علىّ (ع) البيعة الخاصّة {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} فاذا لم يتيسّر لكم عبادتى فى ارضٍ فاخرجوا منها الى ارض يمكن لكم توحيد عبادتى {فَإِيَّايَ} دون غيرى {فَٱعْبُدُونِ} عن الصّادق (ع): اذا عُصِى الله فى ارضٍ انت بها فاخرج منها الى غيرها.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العَذَابُ} متعلق بمحيطة أو بمحذوف اي تقع كذا وكذا يوم يغشاهم. {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} ذكر الجهتين فقط كناية عن جميع الجهات. {وَيَقُولُ} نأمر الملائكة بالقول أي نلهمهم القول أو يرون الأمر بالقول مكتوباً او يسمعونه كلاما مخلوقا في الهواء وحيث شاء الله والقول من الله بلا واسطة لكن يخلقه مستقلا في الهواء وغيره فيُسمع وذلك قراءة ابن كثير وابن عامر والبصريين وقرأ غيرهم بقول بالتحتية وهي قراءتنا أي {وَيَقُولُ} الله بالتأويل السابق او الضمير لبعض الملائكة او للقائل من الملائكة. {ذُوقُوا مَاكُنتُمْ تَعْمَلُونَ} اي جزاءه.
اطفيش
تفسير : {يَوْم يغشاهم العذابُ} يغطيهم من جميع الجهات، متعلق بمحيطة، او بمحذوف للتهويل، اى يكون ما لا يوصف {مِن فَوقِهِم ومِنْ تَحْت أرجُلِهِم} خص الجهتين بالذكر لانهما اعظم، وما كان كذلك فاولى ان يحيط من سائر الجهات كالاحاطة بالغدو والآصال، والصباح والمساء {ويقُول} الله بالملائكة، او بخلق الكلام حيث شاء {ذُوقُوا ما كنُتْم تعْمَلون} جزاء ما تعملون فى الدينا من المعاصى، ومنها استعجالهم.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابِ} ظرف لمضمر قد طوي ذكره إيذاناً بغاية كثرته وفظاعته كأنه قيل: يوم يأتيهم ويجللهم العذاب الذي أشير إليه بإحاطة جهنم بهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي به المقال، وقيل: ظرف لمحيطة على معنى وإن جهنم ستحيط بالكافرين يوم يغشاهم العذاب {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } أي من جميع جهاتهم فما ذكر للتعميم كما في الغدو والآصال، قيل: وذكر الأرجل للدلالة على أنهم لا يقرون ولا يجلسون وذلك أشد العذاب {وَيَقُولُ } أي الله عز وجل، وقيل: الملك الموكل بهم. وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريون {وَنَقُولُ} بنون العظمة وهو ظاهر في أن القائل هو الله تعالى. وقرأ أبو البرهسم {وَتَقُولُ } بالتاء على أن القائل جهنم، ونسب القول إليها هنا كما نسب في قوله تعالى: {أية : وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }تفسير : [ق: 30] وقرأ ابن مسعود وابن أبـي عبلة {ويقال} مبنياً للمفعول {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من السيئات التي من جملتها الاستعجال بالعذاب.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَغْشَاهُمُ} (55) - وفي يَومِ القِيَامَةِ يَغْشَاهُمُ العَذَابُ، وَيُحِيطُ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِب: مِنْ فَوْقِهِمْ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُِلِهِمْ، وَعَنْ مَيَامِنِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، وَيقُالُ لَهُمْ عَلَى سَبيلِ التَّقْرِيعِ: ذُوقُوا العَذَابَ الذِي أَوْصَلَكُمْ إِليه سُوءُ عَمَلِكُمْ. يَغْشَاهُمُ العَذَابُ - يُجَلِّلُهُمْ وَيُحِيطُ بِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} تفسير : [الزمر: 16]. وهاتان الجهتان لا تأتي منهما النار في الدنيا؛ لأن النار بطبيعتها تصعد إلى أعلى، وإنْ كانت تحت القدم تنطفىء. إذن: هذا ترقٍّ في العذاب، حيث لا يقتصر على الإحاطة من جميع جهاته، إنما يأتيهم أيضاً من فوقهم ومن تحتهم. لكن قد يتجلَّد المعذَّب للعذاب، ويتماسك حتى لا تشمت فيه، وهذا يأتيه عذاب من نوع آخر، عذاب يُهينه ويُذلُّه، ويُقال له: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49] لذلك وصف العذاب، بأنه: مهين، وأليم، وعظيم، وشديد. وقوله تعالى {وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 55] لم يقل: ذوقوا النار، إنما ذوقوا ما عملتم، كأن العمل نفسه سيكون هو النار التي تحرقهم. ثم يقول الحق سبحانه: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ...}.
الجيلاني
تفسير : اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} في الآخرة، كغشي أسبابها التي هي عبارة من لوازم الإمكان إياهم اليوم {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} أي: من أعلاهم وأسفلهم، ومحيطاً بجميع جوانبهم {وَيِقُولُ} قائل من قِبَل الحق زاجراً لهم وتوبيخاً: {ذُوقُواْ} أيها المستكبرون المصرون على الكفر والعناد جزاء {مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 55] أيها المعاندون. ثمَّ قال سبحانه على سبيل التعليم التنبيه منادياً لخُلَّص عباده الذين جلّ همهم الإخلاص في جميع ما جاءوا به من الأعمال: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أضافهم سبحانه إلى نفسه؛ تفضلاً عليهم، ومزيد إكرامه لهم مقتضى إيمانكم: الإخلاص والحضور معي، والتوجه إليَّّ مع فراغ البال في كل الأحوال، فإن لم تجدوا الفرصة والفراغة المذكورة في أرض لا تستقرون فيها، ولا تتمكنون عليها، بل عليكم أن تفروا وتخرجوا منها طالبين الجمعية والحضور {إِنَّ أَرْضِي} ومقر عبادي وعبادتي {وَاسِعَةٌ} فإن لم تجدوا لذة التوجه وحلاوة الرجوع إليَّ في أرض، ولم يتيسر لكم الجمعية الحاصلة المنعكسة من صفاء مشرب التوحيد فعليكم الخروج والجلاء منها، وبالجملة: {فَإِيَّايَ} في كل الأماكن والأحوال {فَٱعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] عبادةً مقارنة بالإخلاص والخضوع والخشوع، والتبتل والتوكل والتفويض، والرضا والتسليم، ولا تغتموا وتحزنوا بالخروج عن الأوطان والجلاء منها خوفاً من الموت الطبيعي، إن كنتم مائلين إلينا راغبين نحونا. إذ {كُلُّ نَفْسٍ} من النفوس المستحدثة بحدوث البدن {ذَآئِقَةُ} كأن {ٱلْمَوْتِ} في أي موطنٍ ومكانٍ كانت {ثُمَّ} بعدما ذاق كأس الموت، وخلص عن قيود الهويات العدمية المانعة عن الطبيعي لإطلاق الحقيقي، فحينئذٍ {إِلَيْنَا} لا إلى غيرنا؛ إذ لا موجود في الوجود سوانا {تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 57] رجوع الأضواء إلى الشمس، والأمواج إلى الماء. {وَ} بعد رجوع الموحدين {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} موقنين {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} مقارنين إيمانهم بها، مخلصين فيها إلينا {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} وننزلنَّهم تفضلاً منا إياهم وتكريماً {مِّنَ ٱلْجَنَّةِ} المعدة لأرباب المعرفة التوحيد {غُرَفَاً} أي: لكل منهم غرفة معينة تصير له مقراً ومنزلاً {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: أنهار المعارف والحقائق، والمكاشفات والمشاهدات على تفاوت طبقاتهم وقدر قابليتهم {خَالِدِينَ فِيهَا} دائمين، غير متحولين عنها أصلاً {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [العنكبوت: 58] الجنة وما فيها، مما لاعينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم أُولوا العزائم الصحيحة. {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} على جميع مشاق التكاليف ومتاعب الطاعات وأذيات الأعادي، والجلاء من الأوطان ومفارقة الخلان، وغير ذلك مما جرى عليهم من طوارق الحدثان {وَ} مع ذلك هم في جميع حالاتهم، وفي عموم ما جرى عليهم {عَلَىٰ رَبِّهِمْ} لا على غيره من الوسائل والوسائط {يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت: 59] وينسبون إليه ما ينسبون لا إلى الوسائل والأسباب العادية؛ إذ الكل منه بدأ وإليه يعود، بل الوسائل كلها مطوية عندهم، والأسباب منسية لديهم، بل نظرهم مقصور على المسبب الواحد الأحد، الفرد الصمد، القيوم المطلق الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4]. وبعدما أمر سبحانه المؤمنين بالجلاء ومفارقة الأوطان؛ لكسب الجمعية وحضور القلب، قالوا متخوفين عن العيلة والاضطرار في أمر المعاش: كيف نعمل ونعيش في بلاد الغربة، ولا معيشة لنا فيها، قال سحبانه تسليةً لهم، وإزالةً لخوفهم: {وَكَأَيِّن} أي: كثير {مِّن دَآبَّةٍ} تتحرك على الأرض محتاجة إلى الغذاء المقوم لمزاجها مع أنها لضعفها وعدم مكنتها {لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أي: لا تطيق لحمل رزقها وادخاره وكسبه {ٱللَّهُ} المتكفل لأرزاق عموم عباده {يَرْزُقُهَا} من حيث لا تحتسب {وَإِيَّاكُمْ} أيضاً، وأنتم من جملة الحيوانات التي تكفل الله برزقها، بل من أجلتها، فلا تغتموا لأجل الرزق، ولا تقولوا قولاً به زل نعلكم عن خالقكم ورازقكم {وَ} لا تُخطروا أيضاً ببالكم أمثال هذا؛ إذ {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالكم {ٱلْعَلِيمُ} [العنكبوت: 60] بأحوالكم وبيناتكم، فعليكم أن تتقوا في كل الأحوال بالله المتولي لأمركم، مفوضين كلها إليه، متوكلين عليه، متمكنين في توكلكم وتفويضكم، راسخين فيه بلا تلعثمٍ وتزلزلٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):