٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
56
Tafseer
الرازي
تفسير : وجه التعلق هو أن الله تعالى لما ذكر حال المشركين على حدة وحال أهل الكتاب على حدة وجمعهما في الإنذار وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعوهم من العبادة فقال مخاطباً للمؤمنين {يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ } إن تعذرت العبادة عليكم في بعضها فهاجروا ولا تتركوا عبادتي بحال، وبهذا علم أن الجلوس في دار الحرب حرام والخروج منها واجب، حتى لو حلف بالطلاق أنه لا يخرج لزمه الخروج، حتى يقع الطلاق ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: {يا عِبَادِي } لم يرد إلا المخاطبة مع المؤمنين مع أن الكافر داخل في قوله: {يا عِبَادِى } نقول ليس داخلاً في قوله: {يا عِبَادِي } نقول ليس داخلاً فيه لوجوه: أحدها: أن من قال في حقه {عِبَادِى } ليس للشيطان عليهم سلطان بدليل قوله تعالى: { أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] والكافر تحت سلطنة الشيطان فلا يكون داخلاً في قوله {يا عِبَادِى } الثاني: هو أن الخطاب بعبادي أشرف منازل المكلف، وذلك لأن الله تعالى لما خلق آدم آتاه اسماً عظيماً وهو اسم الخلافة كما قال تعالى: { أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } تفسير : [البقرة: 30] والخليفة أعظم الناس مقداراً وأتم ذوي البأس اقتداراً، ثم إن إبليس لم يرهب من هذا الاسم ولم ينهزم، بل أقدم عليه بسببه وعاداه وغلبه كما قال تعالى: { أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [البقرة: 36] ثم إن من أولاده الصالحين من سمى بعبادي فانخنس عنهم الشيطان وتضاءل، كما قال تعالى: { أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] وقال هو بلسانه {لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ } فعلم أن المكلف إذا كان عبداً لله يكون أعلى درجة مما إذا كان خليفة لوجه الأرض ولعل آدم كداود الذي قال الله تعالى في حقه { أية : إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [صۤ: 26] لم يتخلص من يد الشيطان إلا وقت ما قال الله تعالى في حقه عبدي وعندما ناداه بقوله: { أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] واجتباه بهذا النداء، كما قال في حق داود { أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا ٱلأَيْدِ } تفسير : [صۤ: 17] إذا علم هذا فالكافر لا يصلح للخلافة فكيف يصلح لما هو أعظم من الخلافة؟ فلا يدخل في قوله {يا عِبَادِى } إلا المؤمن. الثالث: هو أن هذا الخطاب حصل للمؤمن بسعيه بتوفيق الله، وذلك لأن الله تعالى قال: { أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] فالمؤمن دعا ربه بقوله: { أية : رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا } تفسير : [آل عمران:193] فأجابه الله تعالى بقوله: {أية : يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر:53] فالإضافة بين الله وبين العبد بقول العبد إلهي وقول الله عبدي تأكدت بدعاء العبد، لكن الكافر لم يدع فلم يجب، فلا يتناول يا عبادي غير المؤمنين. المسألة الثانية: إذا كان عبادي لا يتناول إلا المؤمنين فما الفائدة في قوله: {ٱلَّذِينَ آمنوا } مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف، كما يقال يا أيها المكلفون المؤمنون، ويا أيها الرجال العقلاء تمييزاً عن الكافرين والجهال، فنقول الوصف يذكر لا للتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال الأنبياء المكرمون والملائكة المطهرون، مع أن كل نبـي مكرم وكل ملك مطهر، وإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرام والطهارة، ومثل هذا قولنا الله العظيم وزيد الطويل، فههنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون. المسألة الثالثة: إذ قال {يا عِبَادِى } فهم يكونون عابدين فما الفائدة في الأمر بالعبادة بقوله {فاعبدون}؟ فنقول فيه فائدتان إحداهما: المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل الثانية: الإخلاص أي يا من تعبدني أخلص العمل لي ولا تعبد غيري. المسألة الرابعة: الفاء في قوله: {فَإيَّـٰيَ } تدل على أنه جواب لشرط فما ذلك؟ فنقول قوله: {إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ } إشارة إلى عدم المانع من عبادته فكأنه قال إذا كان لا مانع من عبادتي فاعبدوني، وأما الفاء في قوله تعالى: {فَٱعْبُدُونِ } فهو لترتيب المقتضى على المقتضى كما يقال هذا عالم فأكرموه فكذلك ههنا لما أعلم نفسه بقوله: {فَإيَّـٰيَ } وهو لنفسه يستحق العبادة قال {فاعبدون}. المسألة الخامسة: قال العبد مثل هذا في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وقال عقيبه: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } والله تعالى وافقه في قوله: {فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ } ولم يذكر الإعانة نقول بل هي مذكورة في قوله {يا عِبَادِي } لأن المذكور بعبادي لما كان الشيطان مسدود السبيل عليه مسدود القبيل عنه كان في غاية الإعانة. المسألة السادسة: قدم الله الإعانة وأخر العبد الاستعانة، قلنا لأن العبد فعله لغرض وكل فعل لغرض، فإن الغرض سابق على الفعل في الإدراك، وذلك لأن من يبني بيتاً للسكنى يدخل في ذهنه أولاً فائدة السكنى فيحمله على البناء، لكن الغرض في الوجود لا يكون إلا بعد فعل الواسطة، فنقول الاستعانة من العبد لغرض العبادة فهي سابقة في إدراكه، وأما الله تعالى فليس فعله لغرض فراعى ترتيب الوجود، فإن الإعانة قبل العبادة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} هذه الآية نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة ـ في قول مقاتل والكلبي ـ فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأن البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب. بل الصواب أن يتلمس عبادة الله في أرضه مع صالحي عباده؛ أي إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها فهاجروا إلى المدينة فإنها واسعة؛ لإظهار التوحيد بها. وقال ابن جبير وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية، وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق. وقاله مالك. وقال مجاهد: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} فهاجروا وجاهدوا. وقال مُطرِّف بن الشِّخِّير: المعنى إن رحمتي واسعة. وعنه أيضاً: إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض. قال سفيان الثوري: إذا كنت بأرض غالية فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزاً بدرهم. وقيل: المعنى: إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة. {فَٱعْبُدُونِ} حتى أورثكموها. {فَإيَّايَ فَاعْبُدُونِ} {إِيَّايَ} منصوب بفعل مضمر، أي فاعبدوا إياي فاعبدون، فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني، والفاء في قوله: {فَإِيَّايَ} بمعنى الشرط؛ أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوني (في غيره)؛ لأن أرضي واسعة. قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} تقدّم في «آل عمران». وإنما ذكره هاهنا تحقيراً لأمر الدنيا ومخاوفها. كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبةٍ تلحقه في خروجه من وطنه من مكة أنه يموت أو يجوع أو نحو هذا، فحقر الله شأن الدنيا. أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا، فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه وإلى ما يمتثل. ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضاً منه تعالى؛ وذكر الجزاء الذي ينالونه، ثم نعتهم بقوله: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وقرأ أبو عمر ويعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق وابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: {يَا عِبَادِي} بإسكان الياء. وفتحها الباقون. {إِنَّ أَرْضِي} فتحها ابن عامر. وسكنها الباقون. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من فرّ بدينه من أرض إلى أرض ولو قيد شبر استوجب الجنة وكان رفيق محمد وإبراهيم» تفسير : عليهما السلام. {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُون}. وقرأ السلميّ وأبو بكر عن عاصم: {يُرْجَعُونَ} بالياء؛ لقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وقرأ الباقون بالتاء، لقوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} وأنشد بعضهم:شعر : الموتُ في كلِّ حينٍ يَنْشُدُ الكَفنَا ونحن في غفلةٍ عَمَّا يُرادُ بِنَا لا تَركننَّ إلى الدّنيا وزَهْرتِها وإن تَوشَّحْتَ من أثوابها الحَسَنا أينَ الأحبةُ والجيرانُ ما فَعَلُوا أينَ الذين هُمُو كانوا لها سَكَنَا سَقَاهُمُ الموتُ كأساً غيرَ صافيةٍ صيرهم تحت أطباقِ الثَّرَى رُهُنَا تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} وقرأ ابن مسعود والأعمش ويحيـى بن وثّاب وحمزة والكسائي؛ {لَنُثْوِيَنَّهُمْ} بالثاء مكان الباء من الثوى وهو الإقامة؛ أي لنعطينهم غرفاً يثوون فيها. وقرأ رويس عن يعقوب والجحدري والسلمي: «لَيُبَوِّئَنَّهُمْ» بالياء مكان النون. الباقون {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} أي «لننزلهم» {غُرَفاً} جمع غرفة وهي العُلِيَّة المشرِفة. وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «إن أهل الجنة ليتراؤون أهلَ الغرف من فوقهم كما تتراؤنَ الكوكبَ الدريّ الغابرَ من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين»تفسير : وخرج الترمذي عن عليّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها» فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام» تفسير : وقد زدنا هذا المعنى بياناً في كتاب «التذكرة» والحمد لله. قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} أسند الواحدي عن يزيد بن هارون، قال: حدّثنا حجاج بن المِنْهال عن الزهري ـ وهو عبد الرحمن بن عطاء ـ عن عطاء حديث : عن ابن عمر قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر(ويأكل) فقال: «يا بن عمر مالك لا تأكل» فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله فقال: «لكني أشتهيه وهذه صبيحة رابعة لم أذق طعاماً ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا بن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سَنَتهم ويضعف اليقين» قال: والله ما برحنا حتى نزلت: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}.تفسير : قلت: وهذا ضعيف يُضعِفه أنه عليه السلام كان يدخر لأهله قوت سَنَتهم، اتفق البخاري عليه ومسلم. وكان الصحابة يفعلون ذلك وهم القدوة، وأهل اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين. وقد روى ابن عباس حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين بمكة حين أذاهم المشركون: «اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة»تفسير : قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار ولا من يطعمنا ولا من يسقينا. فنزلت: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} أي ليس معها رزقها مدّخراً، وكذلك أنتم يرزقكم الله في دار الهجرة. وهذا أشبه من القول الأوّل. وتقدّم الكلام في {كَأَيِّنْ} وأن هذه {أَيّ} دخلت عليها كاف التشبيه وصار فيها معنى كم. والتقدير عند الخليل وسيبويه كالعدد. أي كشيء كثير من العدد من دابة. قال مجاهد: يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئاً. الحسن: تأكل لوقتها ولا تدّخر لغد. وقيل: {لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أي لا تقدر على رزقها {اللَّهُ يَرْزُقُهَا} أينما توجهت {وَإِيَّاكُمْ}. وقيل: الحمل بمعنى الحمالة. وحكى النقاش: أن المراد النبيّ صلى الله عليه وسلم يأكل ولا يدّخر. قلت: وليس بشيء؛ لإِطلاق لفظ الدابة، وليس مستعملاً في العرف إطلاقها على الآدمي فكيف على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد مضى هذا في «النمل» عند قوله: {أية : وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} تفسير : [النمل: 82] قال ابن عباس: الدوابّ هو كل ما دبّ من الحيوان، فكله لا يحمل رزقه ولا يدخر إلا ابن آدم والنمل والفأر. وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في مِحْضَنه. ويقال للعقعق مخابىء إلا أنه ينساها. {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} يسوّي بين الحريص والمتوكل في رزقه، وبين الراغب والقانع، وبين الحَيُول والعاجز حتى لا يغتر الجلِد أنه مرزوق بجلَده، ولا يتصوّر العاجز أنه ممنوع بعجزه. وفي «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أنكم تَوَكَّلون على الله حق تَوكّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصا وتروح بِطانا»تفسير : . {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لدعائكم وقولكم لا نجد ما ننفق بالمدينة {ٱلْعَلِيمُ } بما في قلوبكم.
ابن كثير
تفسير : هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم، ولهذا قال تعالى: {يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ} قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثني أبو سعد الأنصاري عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراً فأقم» تفسير : ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلين هناك: أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى، فآواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم سيوماً ببلاده، ثم بعد ذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة. ثم قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله وحيث أمركم الله، فهو خير لكم، فإن الموت لا بد منه ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعاً له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتم الثواب ولهذا قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحتها الأنهار على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها أبداً لا يبغون عنها حولا {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} نعمت هذه الغرف أجراً على أعمال المؤمنين {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} أي على دينهم. وهاجروا إلى الله ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده وتصديق موعده. وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبي، أخبرنا صفوان المؤذن، أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام الأسود، حدثني أبو معاوية الأشعري أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه أن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وتابع الصلاة والصيام، وقام بالليل والناس نيام {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} في أحوالهم كلها في دينهم ودنياهم ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب، فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار، ولهذا قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أي لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تدخر شيئاً لغد ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} أي الله يقيض لها رزقها على ضعفها وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء. قال تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود: 6]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، حدثنا يزيد يعني ابن هارون، حدثنا الجراح بن منهال الجزري ــــ هو أبو العطوف ــــ عن الزهري عن رجل عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: «حديث : يا ابن عمر ما لك لا تأكل؟» تفسير : قال: قلت لا أشتهيه يا رسول الله، قال حديث : لكني أشتهيه، وهذا صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين؟» تفسير : قال: فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله عز وجل لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية، فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز ديناراً ولا درهماً ولا أخبأ رزقاً لغد» تفسير : هذا حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف، وقد ذكروا أن الغراب إذا فقس عن فراخه البيض خرجوا وهم بيض، فإذا رآهم أبواهم كذلك نفرا عنهم أياماً حتى يسود الريش، فيظل الفرخ فاتحاً فاه يتفقد أبويه فيقيض الله تعالى طيراً صغاراً كالبرغش، فيغشاه فيتقوت به تلك الأيام حتى يسود ريشه، والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفرا عنه، فإذا رأوه قد اسود ريشه عطفا عليه بالحضانة والرزق، ولهذا قال الشاعر:شعر : يا رازقَ النعَّاب في عُشِّهِ وجابرَ العظمِ الكسيرِ المهيضِ تفسير : وقد قال الشافعي في جملة كلام له في الأوامر كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : سافروا تصحوا وترزقوا» تفسير : قال البيهقي: أخبرنا إملاء أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، أخبرنا محمد بن غالب، حدثني محمد بن سنان، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن رداد شيخ من أهل المدينة، حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سافروا تصحوا وتغنموا» تفسير : قال: ورويناه عن ابن عباس: وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، أخبرنا ابن لهيعة عن دراج عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : سافروا تربحوا وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا» تفسير : وقد ورد مثل حديث ابن عمر عن ابن عباس مرفوعاً، وعن معاذ بن جبل موقوفاً، وفي لفظ «حديث : سافروا مع ذوي الجد والميسرة» تفسير : قال: ورويناه عن ابن عباس: وقوله: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي السميع لأقوال عباده العليم بحركاتهم وسكناتهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {تَعْمَلُونَ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ } في أرض تيسرت فيها العبادة بأن تهاجروا إليها من أرض لم تتيسر فيها. نزل في ضعفاء مسلمي مكة كانوا في ضيق من إظهار الإِسلام بها.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه حال الكفرة من أهل الكتاب ومن المشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من أهل النار اشتدّ عنادهم، وزاد فسادهم، وسعوا في إيذاء المسلمين بكل وجه فقال الله سبحانه: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤا} أضافهم إليه بعد خطابه لهم تشريفاً وتكريماً، والذين آمنوا صفة موضحة أو مميزة {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ } إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان، وفي مكايدة للكفار فاخرجوا منها لتتيسر لكم عبادتي وحدي وتتسهل عليكم. قال الزجاج: أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة الله، وكذلك يجب على من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته. وقال مطرف بن الشخير: المعنى: إن رحمتي واسعة ورزقي لكم واسع، فابتغوه في الأرض. وقيل: المعنى: إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة فاعبدون حتى أورثكموها. وانتصاب {إياي} بفعل مضمر، أي فاعبدوا إياي. ثم خوّفهم سبحانه بالموت ليهون عليهم أمر الهجرة فقال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } أي كل نفس من النفوس واجدة مرارة الموت لا محالة، فلا يصعب عليكم ترك الأوطان، ومفارقة الإخوان والخلان، ثم إلى الله المرجع بالموت والبعث لا إلى غيره، فكل حيّ في سفر إلى دار القرار وإن طال لبثه في هذه الدار. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً } في هذا الترغيب إلى الهجرة، وأن جزاء من هاجر أن يكون في غرف الجنة، ومعنى {لنبوّئنهم}: لننزلنهم غرف الجنة، وهي علاليها: فانتصاب {غرفاً} على أنه المفعول الثاني على تضمين نبوئتهم معنى: ننزلنهم، أو على الظرفية مع عدم التضمين؛ لأن نبوئتهم لا يتعدّى إلاّ إلى مفعول واحد. وإما منصوب بنزع الخافض اتساعاً، أي في غرف الجنة، وهو مأخوذ من المباءة، وهي الإنزال. قرأ أبو عمرو ويعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق وابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: "يا عبادي" بإسكان الياء، وفتحها الباقون. وقرأ ابن عامر: "إن أرضي" بفتح الياء، وسكنها الباقون. وقرأ السلمي وأبو بكر عن عاصم: "يرجعون" بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية. وقرأ ابن مسعود والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: "لنثوينهم" بالثاء المثلثة مكان الباء الموحدة، وقرأ الباقون بالباء الموحدة، ومعنى لنثوينهم بالمثلثة: لنعطينهم غرفاً يثوون فيها من الثوى وهو الإقامة. قال الزجاج، يقال: ثوى الرجل: إذا أقام، وأثويته: إذا أنزلته منزلاً يقيم فيه. قال الأخفش: لا تعجبني هذه القراءة، لأنك لا تقول: أثويته الدار، بل تقول: في الدار، وليس في الآية حرف جرّ في المفعول الثاني. قال أبو علي الفارسي: هو على إرادة حرف الجرّ، ثم حذف كما تقول: أمرتك الخير، أي بالخير. ثم وصف سبحانه تلك الغرف فقال: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } أي من تحت الغرف {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } أي في الغرف لا يموتون أبداً، أو في الجنة، والأوّل أولى {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } المخصوص بالمدح محذوف، أي نعم أجر العاملين أجرهم، والمعنى: العاملين للأعمال الصالحة. ثم وصف هؤلاء العاملين فقال: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } على مشاق التكليف، وعلى أذية المشركين لهم، ويجوز أن يكون منصوباً على المدح {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي يفوّضون أمورهم إليه في كل إقدام وإحجام. ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدوابّ، فقال: {وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } قد تقدّم الكلام في كأين، وأن أصلها: أي، دخلت عليها كاف التشبيه، وصار فيها معنى: كم كما صرح به الخليل وسيبويه، وتقديرها عندهما كشيء كثير من العدد من دابة. وقيل: المعنى: وكم من دابة. ومعنى {لا تحمل رزقها}: لا تطيق حمل رزقها لضعفها، ولا تدّخره، وإنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم؛ فكيف لا يتوكلون على الله مع قوّتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها، وعجزها؟ قال الحسن: تأكل لوقتها، لا تدّخر شيئاً. قال مجاهد: يعني: الطير والبهائم تأكل بأفواهها، ولا تحمل شيئاً {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } الذي يسمع كل مسموع {ٱلْعَلِيمُ } بكل معلوم. ثم إنه سبحانه ذكر حال المشركين من أهل مكة وغيرهم، وعجب السامع من كونهم يقرّون بأنه خالقهم ورازقهم ولا يوحدونه ويتركون عبادة غيره فقال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } أي خلقها، لا يقدرون على إنكار ذلك، ولا يتمكنون من جحوده {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } أي فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرّده بالإلٰهية؟ وأنه وحده لا شريك له، والاستفهام للإنكار والاستبعاد. ولما قال المشركون لبعض المؤمنين: لو كنتم على حق لم تكونوا فقراء دفع سبحانه ذلك بقوله: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } أي التوسيع في الرزق والتقتير له هو من الله الباسط القابض يبسطه لمن يشاء ويضيقه على من يشاء على حسب ما تقتضيه حكمته، وما يليق بحال عباده من القبض والبسط، ولهذا قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } يعلم ما فيه صلاح عباده وفسادهم. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } أي نزّله، وأحيا به الأرض الله، يعترفون بذلك لا يجدون إلى إنكاره سبيلاً. ثم لما اعترفوا هذا الاعتراف في هذه الآيات، وهو يقتضي بطلان ما هم عليه من الشرك وعدم إفراد الله سبحانه بالعبادة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحمد الله على إقرارهم وعدم جحودهم مع تصلبهم في العناد، وتشدّدهم في ردّ كل ما جاء به رسول الله من التوحيد فقال: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } أي احمد الله على أن جعل الحق معك، وأظهر حجتك عليهم، ثم ذمهم فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } الأشياء التي يتعقلها العقلاء. فلذلك لا يعملون بمقتضى ما اعترفوا به مما يستلزم بطلان ماهم عليه عند كل عاقل. ثم أشار سبحانه إلى تحقير الدنيا وأنها من جنس اللعب واللهو، وأن الدار على الحقيقة هي دار الآخرة، فقال: {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ } من جنس ما يلهو به الصبيان ويلعبون به {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ }. قال ابن قتيبة وأبو عبيدة: إن الحيوان الحياة. قال الواحدي: وهو قول جميع المفسرين ذهبوا إلى أن معنى الحيوان: ههنا: الحياة، وأنه مصدر بمنزلة الحياة، فيكون كالنزوان والغليان ويكون التقدير: وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان، أو ذات الحيوان: أي: دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا ينغصها موت، ولا مرض، ولا همّ ولا غمّ {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } شيئاً من العلم لما آثروا عليها الدار الفانية المنغصة. ثم بين سبحانه أنه ليس المانع لهم من الإيمان إلاّ مجرّد تأثير الحياة فقال: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي إذا انقطع رجاؤهم من الحياة وخافوا الغرق رجعوا إلى الفطرة، فدعوا الله وحده كائنين على صورة المخلصين له الدين بصدق نياتهم، وتركهم عند ذلك لدعاء الأصنام لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدّة العظيمة النازلة بهم غير الله سبحانه {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } أي فاجؤوا المعاودة إلى الشرك، ودعوا غير الله سبحانه. والركوب هو: الاستعلاء، وهو متعدّ بنفسه، وإنما عدّي بكلمة في للإشعار بأن المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة، واللام في {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ } وفي قوله: {وَلِيَتَمَتَّعُواْ } للتعليل، أي فاجؤوا الشرك بالله ليكفروا بنعمة الله وليتمتعوا بهما فهما في الفعلين لام كي، وقيل: هما لاما الأمر تهديداً ووعيداً، أي اكفروا بما أعطيناكم من النعمة وتمتعوا، ويدلّ على هذه القراءة قراءة أبيّ: "وتمتعوا" وهذا الاحتمال للأمرين إنما هو على قراءة أبي عمرو وابن عامر وعاصم وورش بكسر اللام، وأما على قراءة الجمهور بسكونها فلا خلاف أنها لام الأمر، وفي قوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } تهديد عظيم لهم، أي فسيعلمون عاقبة ذلك وما فيه من الوبال عليهم. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً } أي ألم ينظروا؟ يعني: كفار قريش أنا جعلنا حرمهم هذا حرماً آمناً يأمن فيه ساكنه من الغارة والقتل والسبي والنهب فصاروا في سلامة وعافية مما صار فيه غيره من العرب فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود، وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها، وجملة: {وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } في محل نصب على الحال، أي يختلسون من حولهم بالقتل والسبي والنهب. والخطف: الأخذ بسرعة، وقد مضى تحقيق معناه في سورة القصص {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } وهو الشرك بعد ظهور حجة الله عليهم وإقرارهم بما يوجب التوحيد {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } يجعلون كفرها مكان شكرها، وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } أي لا أحد أظلم منه، وهو من زعم أن لله شريكاً {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُ } أي كذّب بالرسول الذي أرسل إليه والكتاب الذي أنزله على رسوله. وقال السديّ: كذّب بالتوحيد، والظاهر شموله لما يصدق عليه أنه حق. ثم هدّد المكذبين وتوعدهم فقال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ } أي مكان يستقرّون فيه، والاستفهام للتقرير، والمعنى: أليس يستحقون الاستقرار فيها وقد فعلوا ما فعلوا؟ ثم لما ذكر حال المشركين الجاحدين للتوحيد الكافرين بنعم الله أردفه بحال عباده الصالحين، فقال: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } أي جاهدوا في شأن الله لطلب مرضاته ورجاء ما عنده من الخير لنهدينهم سبلنا، أي الطريق الموصل إلينا. قال ابن عطية: هي مكية نزلت قبل فرض الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عامّ في دين الله وطلب مرضاته، وقيل: الآية هذه نزلت في العباد. وقال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } بالنصر والعون، ومن كان معه لم يخذل، ودخلت لام التوكيد على مع بتأويل كونها اسماً، أو على أنها حرف ودخلت عليها لإفادة معنى الاستقرار كما تقول: إن زيداً لفي الدار، والبحث مقرّر في علم النحو. قد أخرج ابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما نزلت هذه الآية {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } [الزمر: 30] قلت: يا ربّ أيموت الخلائق كلهم ويبقى الأنبياء؟ فنزلت: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } »تفسير : . وينظر كيف صحة هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن يسمع قول الله سبحانه: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } يعلم أنه ميت، وقد علم أن من قبله من الأنبياء قد ماتوا، وأنه خاتم الأنبياء، فكيف ينشأ عن هذه الآية ما سأل عنه عليّ رضي الله عنه من قوله: «حديث : أيموت الخلائق ويبقى الأنبياء»تفسير : ، فلعلّ هذه الرواية لا تصح مرفوعة ولا موقوفة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر - قال السيوطي بسند ضعيف - عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط التمر ويأكل، فقال لي: «حديث : مالك لا تأكل؟» تفسير : قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: حديث : لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يحبون رزق سنتهم ويضعف اليقين»تفسير : . قال: فوالله ما برحنا، ولا رمنا حتى نزلت: {وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات، ألا وإني لا أكنز ديناراً ولا درهماً، ولا أخبأ رزقاً لغد»تفسير : . وهذا الحديث فيه نكارة شديدة لمخالفته لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعطي نساءه قوت العام كما ثبت ذلك في كتب الحديث المعتبرة. وفي إسناده أبو العطوف الجوزي وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ } قال: باقية. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عجباً كل العجب للمصدّق بدار الحيوان وهو يسعى لدار الغرور»تفسير : وهو مرسل.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ ءَآمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أي جانبوا أهل المعاصي بالخروج من أرضهم، قاله ابن جبير وعطاء. الثاني: اطلبوا أولياء الله إذا ظهروا بالخروج إليهم، قاله أبو العالية. الثالث: جاهدوا أعداء الله بالقتال لهم، قاله مجاهد. الرابع: إن رحمتي واسعة لكم، قاله مطرف بن عبد الله. الخامس: إن رزقي واسع لكم، وهو مروي عن مطرف أيضاً. {فَإِيَّايَ فَاعْبدُونِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فارهبون، قاله بلال بن سعد. الثاني: فاعبدون بالهجرة إلى المدينة، قاله السدي. الثالث: فاعبدون بألا تطيعوا أحداً في معصيتي، قاله علي بن عيسى. قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} وفيه وجهان: أحدهما: يعني أن كل حي ميت. الثاني: أنها تجد كربه وشدته، وفي إعلامهم بذلك وإن كانوا يعلمونه وجهان: أحدهما: إرهاباً بالموت ليقلعوا عن المعاصي. الثاني: ليعلمهم أن أنبياء الله وإن اختصوا بكرامته وتفردوا برسالته فحلول الموت بهم كحلوله بغيرهم حتى لا يضلوا بموت من مات منهم، وروى جعفر الصادق عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب قال لما توّفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمُوتِ}، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخَلَفاً من كل هالك ودركاً من كل فائت؛ فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حُرِمَ الثواب. {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يريد البعث في القيامة بعد الموت في الدنيا. قوله تعالى: {... لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً} قرأ حمزة والكسائي {لَنُثَوِّيَنَّهُم} بالثاء من الثواء وهو طول المقام وقرأ الباقون بالباء {لَنُبَوِّئَنَّهُم} معناه لنسكننهم أعالي البيوت. وإنما خصهم بالغرف لأمرين: أحدهما: أن الغرف لا تستقر إلا فوق البيوت فصار فيها جمع بين أمرين. الثاني: لأنها أنزه من البيوت لإشرافها وألذ سكنى منها لرياحها وجفافها. وقد روى أبو مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفاً يُرَى ظَاهِرُهَا مِن بَاطِنِها، وَبَاطِنُها مِن ظَاهِرِهَا، أَعدَّهَا اللَّهُ لِمَن أَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَطَابَ الكَلاَمَ وَتَابَعَ الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ وَقَامَ باللِّيلِ وَالنَّاسُ نِيامٌ ". تفسير : قوله: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} فيه أربعة أقاويل: أحدها: معناه تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئاً، قاله مجاهد. الثاني: تأكل لوقتها ولا تدخر لغدها، قاله الحسن. الثالث: يأتيها من غير طلب. الرابع: أنه النبي صلى الله عليه وسلم يكل ولا يدخر، حكاه النقاش. قال ابن عباس: الدواب هو كل ما دب من الحيوان. وكله لا يحمل رزقه ولا يدخر إلا ابن آدم والنمل والفأر. {اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} أي يسوي بين الحريص المتوكل في رزقه وبين الراغب القانع وبين الجلود والعاجز حتى لا يغتر الجلْد أنه رزق بجلده ولا يتصور العاجز أنه ممنوع بعجزه. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية لما أُذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة وأمر المسلمين بها خافوا الضيعة والجوع فقال قوم نهاجر إلى بلد ليس فيها معاش فنزلت هذه الآية فهاجرواْ.
ابن عطية
تفسير : هذه الآيات نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة، فأخبرهم تعالى بسعة أرضه وأن البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب، بل الصواب أن تلتمس عبادة الله في أرضه، وقال ابن جبير وعطاء ومجاهد: إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق، وقاله مالك، وقال مطرف بن الشخير قوله {إن أرضي واسعة} عدة بسعة الرزق في جميع الأرض، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر "يا عباديَ" بفتح الياء، وقرأ ابن عامر وحده "إن أرضيَ" بفتح الياء أيضاً، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بسكونها، وكذلك قرأ نافع وعاصم "أرضي" ساكنة، وقوله تعالى: {فإياي} منصوب بفعل مقدر يدل عليه الظاهر تقديره {فإياي} اعبدوا {فاعبدون} على الاهتمام أيضاً في التقديم، وقوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون} تحقير لأمر الدنيا ومخاوفها كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه أنه يموت أو يجوع ونحو هذا، فحقر الله تعالى شأن الدنيا، أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا، فالبدار إلى طاعة الله عز وجل والهجرة إليه أولى ما يمتثل، وقرأ الجمهور "ترجعون" بالتاء من فوق، ورويت عن عاصم بالياء من تحت وذكرها أبو حاتم عن أبي عمرو، وقرأ أبو حيوة "كل نفس ذائقةٌ" بالتنوين "الموتَ" بالنصب، ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضاً منه تعالى، وذكر الجزاء الذي ينالونه، وقرأ جمهور القراء "لنبوئنهم" من المباءة أي لننزلنهم ولنمكننهم ليدوموا فيها، و {غرفاً} مفعول ثان لأنه فعل يتعدى إلى مفعولين، وقرأ حمزة والكسائي "لنثوينهم" من أثوى يثوي وهو معدى ثوى بمعنى أقام وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود والربيع بن خيثم وابن وثاب وطلحة، وقرأها بعضهم "لنثَوّينهم" بفتح الثاء وتشديد الواو معدى بالتضعيف لا بالهمزة، فقوله {غرفاً} نصب بإسقاط حرف الجر التقدير في غرف، وقرأ يعقوب "لنبوينهم" بالياء من تحت، وروي عن ابن عامر "غُرُفاً" بضم الغين والراء، ثم وصفهم تعالى بالصبر والتوكل وهاتان جماع الخير كله أي الصبر على الطاعات وعن الشهوات.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَرْضِى وَاسِعَةٌ} فجانبوا العصاة بالخروج من أرضهم، أو اطلبوا أولياء الله تعالى، أو رحمتي واسعة، أو رزقي واسع. {فَاعْبُدُونِ} بالهجرة إلى المدينة، أو بأن لا تطيعوا أحداً في معصيتي، أو فارهبون.
ابن عادل
تفسير : قوله (تعالى): {يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} لما ذكر حال المشركين على حدة، وحال أهل الكتاب على حدةٍ وجمعهما في الإنذار، وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم، وزاد فسادهم، وسعوا في إيذاء المؤمنين، ومنعهم من العبادة، قال مقاتل والكلبي: (نزلت في ضعفاء) مسلمي مكة يقول: إن كنتم في ضَيْقٍ بمكة من إظهار الإيمان فاخْرُجُوا منها إلى أرضٍ واسعة، آمنة، قال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها، وقال سعيد بن جبير: إذا عُمِلَ في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة، وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا (فإن) أرضي واسعة وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث تُهَيَّأُ له العبادة، وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة وقالوا نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية ولم يَعْذرهم بتركَ الخروج، وقال مطرف بن عبد الله: أرضي واسعة: رزقي لكم واسع فاخرجوا. فصل قوله: "يا عبادي" لا يدخل فيه الكافر لوجوه: أحدها: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الحجر: 42] والكافر يحب سلطنة الشيطان فلا يدخل في قوله: "يا عبادي". وثانيها: قوله تعالى: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 53]. وثالثها: أن العباد مأخوذ من العِبَادة والكافر لا يعبد الله فلا يدخل في قوله: "عبادي" وإنما يختص بالمؤمنين الذين يعبدونه. ورابعها: الإضافة بين الله والعبد بقول العبد إلهي، وقول الله عبدي. فإن قيل: إذا كانت "عباده" لا تتناول إلا المؤمنين فما الفائدة في قوله: "الذين آمنوا" مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف كما يقال: يا أيها المكلفون المؤمنون، يا أيها الرجلاء العقلاء تتمييزاً بين الكافر والجاهل؟ فالجواب: أن الوصف يذكر لا لتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال: الأنبياءُ المُكَرَّمُونَ والملائكة المطهَّرُونَ، مع أن كل نبي مكرمٌ، وكل ملك مطهرٌ، فإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرامَ والطهارة، ومثله قولنا: الله الله العظيم فهاهنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون. فإن قيل: قوله: "يا عبادي" يفهم منه كونهم عابدين فما الفائدة بالأمر بالعبادة بقوله: "فَاعْبُدُونِ"؟ فالجواب: فيه فائدتان: أحدهما: المداومة أي يا من عَبَدْتُمُونِي في الماضي فاعْبُدُوني في المستقبل. والثانية: الإخلاص أي يا من يعبدني أَخْلِص العمل ولا تَقْبَلْ غيري. فإن قيل: الفاء في قوله: "فَإِيَّايَ" يدل على أنه جواب لشرطٍ فما ذاك؟ فالجواب: قوله: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} إشارة إلى عدم المانع من عبادته فكأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي فإياي فاعبدون فهو لترتيب المقتضَى على المقتضي كما يقال: هذا عالمٌ فأكرموه. فكذلك هاهنا لما أعلم نفسه بقوله: "فَإيَّايَ" وهو لنفسه مستحق العبادة، فقال: "فَاعْبُدُونِ". قال الزمخشري: "هذا جواب شرط مقدر، وجعل تقديم المفعول عوضاً من حذفه مع إفادته للاختصاص". وقد تقدم مُنَازَعُه أبي حيان له في نظيره. قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} قرأه بالغيبة أبو بكر، وكذا في الروم في قوله: {أية : ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [الروم:11] وافقه أبو عمرو في الروم فقط والباقون بالخطاب فيها. وقرىء يَرْجعُون مبيناً للفاعل. فصل لما أمر الله تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان فخوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة أي كل أحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفاً من الموت فإن كل نفس ذائقة الموت فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله فيجازيكم عليه، فإن إلى الله مرجعكم فيجزيكم بأعمالكم، وفيه وجه دقيق آخر وهو أن قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} أي إذا كانت (معلقة) بغيرها فهو للموت ثم إلى الله ترجع فلا تموت كما قال تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ}تفسير : [الدخان: 56] وإذا كان كذلك فمن يريد أن لا يذوق الموت لا يبقى مع نفسه فإن النفس ذائقته بل يتعلق بغيره، وذلك الغير إن كان غير الله فهو ذائق الموت لقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} و { أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88] فإذن التعلق بالله (يريح من الموت) فقال تعالى: "فإياي فاعبدون" أي تعلقوا بي، ولا تتبعوا النفس، فإنها ذائقة الموت {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي إذا تعلقتم بي فموتكم رجوعٌ إلي وليس بموت لقوله: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169]، وقال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : المؤمِنونَ لا يَمُوتونَ بل يُنْقَلُون من دار إلى دار ". تفسير : قوله (تعالى): {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} يجوز في "الذين" الوجهان المشهوران الابتداء، والاشتغال، وقوله: "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ"، قرأ الأخوانِ بتاء مثلثةٍ ساكنةٍ بعد النون، وياء مفتوحة بعد الواو من الثَّوَاءِ وهو الإقامة، يقال: ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ، وأَثْوَيْتُهُ إذا أنزلته مَنْزِلاً يقيم فيه والباقون بباء موحدة مفتوحة بعد النون, وهمزة مفتوحة بعد الواو من المَبَاءَةِ وهي الإنزال أي لنبوئنهم من الجنة غرَفاً. قوله: "غُرَفاً" على القراءة الأولى إما مفعول به على تضمين "أَثْوَى" أَنْزَلَ فيتعدى لاثنين؛ لأنَّ" "ثوى" قاصرٌ، وأكسبتْهُ الهمزةُ التعدي لواحدٍ، وإما (على) تشبيه الظرف المختص بالمبهم كقوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16] وإما على إسقاط الخافض اتساعاً أي في غُرَفٍ. وأما في القراءة الثانية فمفعول ثانٍ؛ لأن "بوأ" يتعدى لاثنين قال تعالى: {أية : تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}تفسير : [آل عمران: 121]، ويتعدى باللام، قال تعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الحج: 26]. وقرىء "لنثوينّهم" بالتشديد مع الثاء المثلثة، عُدِّي بالتضعيف كما عُدِّي بالهمزة، و "تجري" صفة "لِغُرَفاً" {خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} وهذا في مقابلة قوله للكفار: {أية : ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [العنكبوت: 55] قوله: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} يجوز فيه الجر والنصب والرفع كنظائر له تقدمت، والمعنى: الذين صبروا على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يعتمدون. قوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} جوز أبو البقاء في "كأين" وجهين: أحدهما: أنها مبتدأ و "لا تحمل" صفتها و "الله يرزقها" خبره و "من دابة" تبيين. والثاني: أن تكون في موع نصب بإضمار فعل يفسره "يرزقها" ويقدر بعد "كأين" يعني لأن لها صدر الكلام، وفي الثاني نظر؛ لأن من شرط المفسرِ العملَ، وهذا المفسر لا يعمل لأنهُ لو عمل لحل محل المفعول لكن لا يحل محله، لأن الخبر (متى كان) فعلاً رافعاً لضمير مفرد امتنع تقديمه على المبتدأ. وإذا أردت معرفة هذه القاعدة فعليك بسورة "هود" عند قوله: {أية : أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ}تفسير : [هود: 8]. فصل لما ذكر الله {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التي لا تدخر شيئاً لغدٍ، ويأتيها رزقها كل يوم. واعلم أن (في) كأين (أربع لغات غير هذه كائن على وزن راعٍ، وكَأَى على وزن رَعَى "وكِيءَ" على وزن "رِيعَ" و "كَا" على وزن "رع" ولم يُقْرأ إلا كائن و "كا" قراءة ابن كثير. فصل "كأين" كلمة) مركبة من "كاف التشبيه" و "أن" التي تستعمل استعمال "مَن" و "ما" ركبتا، وجعل المركّب بمعنى "كم" ثم لم يكتب إلا بالنون ليفصل بين المركب وغير المركب لأن "كأيّ" مستعمل غير مركب كما يقول القائل: "رأيت رجلاً لا كَأَيِّ رَجُلٍ يكُونُ" (فقد حذف المضاف إليه، ويقال: رأيت رجلاً لا كأي رجل) وحينئذ لا يكون "كأي" مركباً. فإذا كان "كأي" ههنا مركباً كتبت بالنون للتمييز، (كما تكتب مَعْدِ يكَرِبَ وبَعْلَبَكَّ) موصولاً للفرق وكما تكتب ثَمَّةَ بالهاء تمييزاً بينها وبين (ثَمَّتَ). فصل روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وآذاهم المشركون هاجروا إلى المدينة. فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال؟ فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل الله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ} وكم من دابة ذاتِ حاجة إلى غذاء و {لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} لضَعفها، كالقَمْلِ والبُرْغُوث والدود {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} حيث ما كنتم "وهو السَّمِيعُ" لأقوالكم: ما نجد ما ننفق بالمدينة، "العَلِيمُ بما في قلوبكم". قال سفيان: ليس شيء مما خلق الله نَجْباً إلا الإنسان والفأرة والنَّمْلَة روى ابن عمر قال: حديث : دخلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حائطاً من حوائط الأنصار فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقط الرُّطَبَ بيده ويأكل، فقال: كُلْ يا ابن عمر، (قلت: لا أشتهيها يا رسول الله قال: لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة لم أطعم طعاماً ولم أجده) فقلت: إنا لله الله المستعان قال يا ابن عمر: لو سألت ربي لأعطاني مثل ملْكِ كِسْرَى وقَيْصَرَ أضعافاً مضاعفة ولكني أجوعُ يوماً وأَشْبع يوماً فكيف بك يا ابن عمر إذا عَمَّرْتَ وبَقِيتَ في أمر الناس يُخْبِّئُونَ رزق سنة ويضعف اليقين تفسير : فنزلت: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} الآية، وقال عليه (الصلاة و) السلام "حديث : لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ على اللَّهِ حقَّ تَوَكُّله لَرَزَقكُمْ كما يرزقُ الطيرَ تغدُو خِمَاصاً، وتروحُ بِطَاناً ".
البقاعي
تفسير : ولما أبلغ في الإنذار، وحذر من الأمور الكبار، ولم يهمل الإشارة إلى الصغار، وكانت هذه الآيات في المتعنتين من الكفار، وكان قد كرر أن هذه المواعظ إنما هي للمؤمنين، قال مخاطباً لهم معرضاً عن سواهم إذا كانت أسماعهم لبليغ هذه المواعظ قد أصغت، وقلوبهم لجليل هذه الإنذارات قد استيقظت، التفاتاً على قراءة الجمهور إلى التلذيذ في المناجاة بالإفراد والإبعاد من مداخل التعنت: {يا عبادي} فشرفهم بالإضافة، ولكنه لما أشار بأداة البعد إلى أن فيهم من لم يرسخ، حقق ذلك بقوله: {الذين آمنوا} أي وإن كان الإيمان باللسان مع أدنى شعبة من القلب. ولما كان نزول هذه السورة بمكة، وكانوا بها مستخفين بالعبادة خوفاً من الكفار، وكانت الهجرة الأهل والأوطان شديدة، قال مؤكداً تنبيهاً على أن حال من ترك الهجرة حال من يظن أن الأرض ضيقة: {إن أرضي واسعة} أي في الذات والرزق وكل ما تريدون من الرفق، فإن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين الذين يفتنونكم في دينكم ويمنعونكم من الإخلاص إلي في أرضكم والاجتهاد في عبادتي حتى يصير الإيمان لكم وصفاً، فهاجروا إلى أرض تتمكنون فيها من ذلك. ولما كانت الإقامة بها قبل الفتح مؤدية إلى الفتنة، وكان المفتون ربما طاوع بلسانه، وكان ذلك وإن كان القلب مطمئناً بالإيمان في صورة الشرك قال: {فإياي} أي خاصة بالهجرة إلى أرض تأمنون فيها اعبدوا وتنبهوا {فاعبدون*} بسبب ما دبرت لكم من المصالح من توسيع الأرض وغيره، عبادة لا شرك فيها، لا باللسان ولا بغيره ولا استخفافاً بها ولا مراعاة لمخلوق في معصيته، ولا شيء يجر إليها بالهرب ممن يمنعكم من ذلك إلى من يعينكم عليه. ولما كانت الهجرة شديدة المرارة لأنها مرت في المعنى من حيث كونها مفارقة المألوف المحبوب من العشير والبلد والمال، وكان في الموت ذلك كله بزيادة، قال مؤكداً بذلك مذكراً به مرهباً من ترك الهجرة: {كل نفس ذائقة الموت} أي مفارقة كل ما ألفت حتى بدناً طالما لابسته، وآنسها وآنسته، فإن أطاعت ربها أنجت نفسها ولم تنقصها الطاعة في الأجل شيئاً، وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها المعصية في الأجل شيئاً، فإذا قدر الإنسان أنه مات سهلت عليه الهجرة، فإنه إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه بالموت، وما ذكر الموت في عسير إلا يسره، ولا يسير إلا عسره وكدره. ولما هوّن أمر الهجرة، حذر من رضي في دينه بنوع نقص لشيء من الأشياء حثاً على الاستعداد بغاية الجهد في التزود للمعاد فقال: {ثم إلينا} على عظمتنا، لا إلى غيرنا {ترجعون*} على أيسر وجه، فيجازي كلاً منكم بما عمل. ولما كان التقدير: فالذين آمنوا فلبسوا إيمانهم بنوع نقص لننقصنهم في جزائهم، والذين كفروا لنركسنهم في جهنم دركات تحت دركات فبئس مثوى الظالمين، ولكنه لما تقدم ذكر العذاب قريباً، وكان القصد هنا الترغيب في الإيمان كيفما كان، طواه ودل عليه بأن عطف عليه قوله: {والذين آمنوا وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} أي كلها. ولما كان الكفار ينكرون البعث، فكيف ما بعده، أكد قوله: {لنبوئنهم} أي لنسكننهم في مكان هو جدير بأن يرجع إليه من حسنه وطيبه من خرج منه لبعض أغراضه، وهو معنى {من الجنة غرفاً} أي بيوتاً عالية تحتها قاعات واسعة بهية عالية، وقريب من هذا المعنى قراءة حمزة والكسائي بالثاء المثلثة من ثوى بالمكان - إذا أقام به. ولما كانت العلالي لا تروض إلا بالرياض قال: {تجري} ولما كان عموم الماء لجهة التحت بالعذاب أشبه، بعضه فقال: {من تحتها الأنهار} ومن المعلوم أنه لا يكون في موضع أنهار، إلا كان به بساتين كبار، وزروع ورياض وأزهار - فيشرفون عليها من تلك العلالي. ولما كانت بحالة لا نكد فيها يوجب هجره في لحظة ما، كنى عنه بقوله: {خالدين فيها} أي لا يبغون عنها حولاً؛ ثم عظم أمرها، شرف قدرها، بقوله: {نعم أجر العاملين} ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة، فقال معرفاً بجماع الخير كله الصبر وكونه على جهة التفويض لله، منبهاً على أن الإنسان لا ينفك عن أمر شاق ينبغي الصبر عليه: {الذين صبروا} أي أوجدوا هذه الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم، فأوقعوها على كل شاق من التكاليف من هجرة وغيرها. ولما كان الإنسان إلى المحسن إليه أميل، قال مرغباً في الاستراحة بالتفويض إليه: {وعلى ربهم} أي وحده لا على أهل ولا وطن {يتوكلون*} أي يوجدون التوكل إيجاداً مستمر التجديد عند كل مهم يعرض لهم إرزاقهم بعد الهجرة وغيرها وجهاد أعدائهم وغير ذلك من أمورهم.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة} قال: إذا عمل في الأرض بالمعاصي فأخرجوا منها. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {إن أرضي واسعة} قال: من أمر بمعصية فليهرب. وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} قال: فهاجروا وجاهدوا. وأخرج ابن أبي الدنيا في العزلة وابن جرير عن عطاء في الآية قال: إذا أمرتم بالمعاصي فاذهبوا، فإن أرضي واسعة. وأخرج أحمد عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراً فأقم ". تفسير : وأخرج الطبراني والقضاعي والشيرازي في الألقاب والخطيب وابن النجار والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : سافروا تصحوا وتغنموا ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ}[56] قال: يعني إذا عمل بالمعاصي والبدع في أرض فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الفارّ بدينه عند فساد الأمة له أجر سبعين شهيداً في سبيل الله عزَّ وجلَّ"تفسير : ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [الآية: 56]. قال سهل رحمة الله عليه: إذا عمل بالمعاصى والبدع فى أرض فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبى ملكى يقول: وقد سئل عن العبودية فقال: إذا صحّت العبودية صحت الحرية عما سواه. سمعت محمد بن الحسين البغدادى يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت ذا النون رحمة الله عليه وعليهم يقول: صفة العبد المؤمن على الحقيقة هو خلع الراحة وإعطاء المجهود فى الطاعات وحب سقوط المنزلة.
القشيري
تفسير : الدنيا أوسعُ رقعةً من أَن يضيق بمريدٍ مكانٌ، فإذا نَبَا به منزلٌ - لوجهٍ من الوجوه - إمَّا لمعلومٍ حصل، أو لقبولٍ من الناس، أو جاهٍ، أو لعلاقةٍ أو لقريبٍ أو لِبَلاءِ ضِدٍّ، أو لوجهٍ من الوجوه الضارة... فسبيلُه أن يرتحل عن ذلك الموضع وينتقل إلى غيره، كما قالوا: شعر : وإذا ما جُفِيتُ كنتُ حَرِيَّاً أنْ أُرى غيرَ مُصْبِح حيثُ أُمْسِي تفسير : وكذلك العارف إذا لم يوافق وقَتَه مكانٌ انتقل إلى غيره من الأماكن.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} بسط الحق بساط عطايا الكريم --- بشروق شموس القدم لطلاب مشاهدته وقربه ووصاله من العارفين والمحبين قال سهل اذا عمل بالمعاصى والبدع ---- فاخرجوا منها الى ارض المطيعين.
اسماعيل حقي
تفسير : {ياعبادى الذين آمنوا} خطاب تشريف لبعض المؤمنين الذين لايتمكنون من اقامة امور الدين كما ينبغى لممانعة من جهة الكفر وارشاد لهم الى الطريق الاسلم. قال الكاشفى [آورده اندكه جمعى ازمؤمنان درمكه اقامت كرده ازجهت قلت زاد وكمى استعداد بابسبب محبت اوطان ياصحبت اخوان هجرت نميكردند وبترس وهراس برستش خدانمودند] وربما يعذبون فى الدين فانزل الله هذه الآية وقال ياعبادى المؤمنين اذا لم تسهل لكم العبادة فى بلد ولم يتسر لكم اظهار دينكم فهاجروا الى حيث يتمشى لكم ذلك {ان ارضى} الارض الجرم المقابل للسماء اى بلاد المواضع التى خلقها {واسعة} لا مضايقة لكم فيها فان لم تخصلوا العبادة لى فى ارضى{فاياى فاعبدون} اى فاخصلوها فى غيره فالفاء جواب شرط محذوف ثم حذف الشرط وعوض عنه تقديم المفعول مع افادة تقديم معنى الاختصاص والاخلاص. قال الكاشفى [واكر از دوستى اهل وولد يابسته بلده شده ايد روزى مفارقت ضرورت خواهدبود زيرا كه]
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعةً}، فإذا لم يتيسر لكم إقامةُ دينِكُمْ في بلد، فاخرجوا منها إلى أرض يتهيأ لكم فيها استقامة دينكم، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتاً كبيراً، والناس مختلفون، فأهل الشرائع يطلبون البقاع التي يتيسر لهم فيها استقامة ظواهرهم، كالمدن والقرى الكبار، التي يكثر فيها العلم وأهله. وأهل الحقائق من الصوفية يطلبون البقاع التي تسلم فيها قلوبهم من العلائق والشواغل، أينما وجدوها عمروها، إن تهيأ لهم الاجتماع على ربهم. وعن سهل رضي الله عنه: إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض، فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فرّ بدينه من أرض، إلى أرض, وإن كان بشيراً، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ". تفسير : {فإياي فاعبدون} أي: فخصوني بالعبادة. وإياي: مفعول لمحذوف، ومفعول "اعبدوني": الياء المحذوفة، أي: فاعبدوا إياي، فاعبدوني. والفاء: جواب الشرط، محذوف، إذ المعنى، إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فاخلصوا لي في غيرها. ثم شجع المهاجرين بقوله: {كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت}، أي: واجدة مرارته وكربه؛ لأنها إذا تيقنت بالموت؛ سهل عليها مفارقة وطنها. {ثم إلينا تُرجعون} بالموت، فتجاوزن على ما أسلفتم. ومن عَلِمَ أن هذا عاقبته، ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له، فإن لم يتهيأ في أرض فليهاجر منها. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم}؛ لنُنزلنهم {من الجنة غُرَفاً}؛ علالي، عالية، وقرأ حمزة والكسائي: {لنثوينهم}؛ لنقيمنهم، من الثَّوَى، وهو الإقامة، وثوى: غَيْرُ متعد، فإذا تعدى؛ بزيادة الهمزة لم يجاوز مفعولاً واحداً. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إما إجراؤه مجرى "لننزلنهم"، أو: بحذف الجار، وإيصال الفعل، أو: شبه الظرف المؤقت، بالمبهم، أي: لنقيمنهم في غرف {تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها نِعْمَ أجرُ العاملين} أجرهم هذا. وهم {الذين صبروا} على مفارقة الأوطان وأذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، ومشاق الطاعات، وترك المحرمات، {وعلى ربهم يتوكلون}، أي: لم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله، فكفاهم شأنهم. وبالله التوفيق. الإشارة: كل من لم يَتَأَتَّ له جَمْعُ قَلْبِهِ في بلده؛ فليهاجر منها إلى غير، وليسمع قول سيده: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة}، فإن شق عليه مفارقة الأوطان، فليذكر مفارقته للدنيا في أقرب زمان. وكان الصدِّيق رضي الله عنه لَمَّا هاجر إلى المدينة، وأصابته الحمى، يتسلى بذكر الموت، ويُنشد: شعر : كُلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّحٌ في أَهْلهِ والمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ تفسير : وقد أكثر الناس في الوعظ بالموت وهجومه، نظماً ونثراً، فمن ذلك قول الشاعر: شعر : المَوْتُ كَأسٌ، وكُلُّ النَاس شَارِبُه والقَبْرُ بَابٌ، وكُلُّ الناس دَاخِلُهُ تفسير : وقال آخر: شعر : اعْلَمْ بِأَنَّ سِهَامَ الْمَوْتِ قَاطِعَةٌ بِكُلِّ مُدِّرع فِيهَا وَمُتَّرِسِ ركوبُك النعشُ يُنْسِيكَ الرُّكُوبَ إلى مَا كُنْتَ تَرْكَبُ مِنْ نَعْلٍ ومَنِ فَرَسِ تَرْجُو النَّجَاةَ, وَلَمْ تَسْلُكْ طَرِيَقَتَهَا إنَّ السَّفَينَةَ لاَ تَجْرِيَ علَى يَبَسِ تفسير : إلى غير ذلك مما يطول. ولما أمر بالهجرة خافوا العيلة، فأنزل الله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ...}
الطوسي
تفسير : قرأ يحيى والعليمي {ثم إلينا يرجعون} بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطاب. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {لنثوينهم} بالثاء من أثويته منزلاً أي جعلت له منزل مقام، والثواء المقام، الباقون بالباء من قولهم: بوأته منزلا، كما قال تعالى {مبوء صدق} في قوله {أية : ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوء صدق}تفسير : و {أية : إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} تفسير : ويحتمل ان تكون اللام زائدة، كقوله {أية : ردف لكم بعض} تفسير : ويحتمل ان يكون المراد {بوأنا} لدعاء إبراهيم {مكان البيت} ويقول القائل: اللهم بوّئنا مبوء صدق أى انزلنا منزل صدق والتبوء اتخاذ منزل يرجع اليه من يأوى اليه، وأصله الرجوع من قوله {باءوا بغضب من الله} أي رجعوا، ومنه قول الحارث ابن عباد: (بوئوا بشسع كليب) وقيل: معناه لننزلنهم من الجنة علالي. يقول الله تعالى لخلقه الذين صدقوا بوحدانيته وأقروا بنبوة نبيه {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة} لبعد أقطارها، فاهربوا من أرض من منعكم فيها من الايمان واخلاص عبادتي فيها. وقيل: نزلت في مؤمني مكة أمروا بالهجرة عنها، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وابن زيد. وقيل {أرضي واسعة} بما أخرج فيها من الرزق لكم - ذكره مطرف بن عبد الله بن السخير العامري. وقال الجبائي: معناه إن ارض الجنة واسعة، واكثر اهل التأويل على ان المراد به ارض الدنيا. وقوله {فاياي فاعبدون} أي اعبدوني خالصاً، ولا تطيعوا احداً من خلقي في معصيتي. وقيل: دخول الفاء في الكلام للجزاء وتقديره إن ضاق موضع بكم فاياي فاعبدون لأن أرضي واسعة. و (إياي) منصوب بمضمر يفسره ما بعده. ثم اخبر تعالى ان {كل نفس} احياها الله بحياة خلقها فيها {ذائقة الموت} والذائق الواجد للجسم بحاسة إدراك الطعم {ثم إلينا ترجعون} أي تردون إلينا فنجازيكم على قدر استحقاقكم من الثواب والعقاب. وفي ذلك غاية التهديد والزجر. ثم قال {والذين آمنوا} أي صدقوا بوحدانية الله، وأقروا بنبوة نبيه صلى الله عليه وآله{وعملوا} مع ذلك الاعمال {الصالحات لنبوّءنهم} أي لننزلنهم {من الجنة} التي وعدها الله المتقين {غرفاً} أي مواضع عاليات {تجري من تحتها الأنهار} لان الغرف تعلو عليها. وقيل: تجري من تحت أشجارها المياه. وقيل: انهار الجنة في أخاديد تحت الارض {خالدين فيها} أي يبقون فيها ببقاء الله. ثم اخبر تعالى ان ذلك {نعم أجر العاملين} أي نعم الثواب والأجر للعاملين بطاعة الله {الذين صبروا} على الأذى في الله، وصبروا على مشاق الطاعات، ووكلوا أمورهم إلى الله وتوكلوا عليه في ارزاقهم وجهاد اعدائهم ومهمات أمورهم. ثم قال تعالى {وكأين من دابة} معنى كاين (كم) وقد فسرناه في ما مضى {لا تحمل رزقها} أي لا تدخره لغد - في قول علي بن الاقمر - وقال الحسن {لا تحمل رزقها} للادخار. وقيل: ان الحيوان أجمع من البهائم والطير ونحوهما لا تدخر القوت لغدها - إلا ابن آدم والنملة والفارة - بل تأكل منه كفايتها فقط. وقال مجاهد: معناه {لا تحمل رزقها} لا تطيق حمل رزقها لضعفها {الله يرزقها} يعني تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها {وإياكم} أي ويرزقكم أيضاً {وهو السميع العليم} يعني {السميع} لما يقول القائل في فراق وطنه {العليم} بما في نفسه، لانه عالم بجميع الاشياء وقيل: الآية نزلت في أهل مكة: المؤمنين منهم، فانهم قالوا لرسول الله: ليس لنا بالمدينة اموال، ولا منازل، فمن أين المعاش، فأنزل الله الآية.
الهواري
تفسير : قوله: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [قال بعضهم: إن أرضي واسعة قال: إذا عُمِل فيها بالمعاصي فاخرجوا منها. وقال مجاهد: فهاجروا وجاهدوا]. وقال بعضهم: أمرهم بالهجرة وأن يجاهدوا في سبيل الله، يهاجروا إلى المدينة ثم يجاهدوا إذا أمروا بالجهاد. قوله: {فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ} أي: في تلك الأرض التي أمرتكم أن تهاجروا إليها، يعني المدينة، نزلت هذه الآية بمكة قبل الهجرة. قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} كقوله: (أية : ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ)تفسير : [المؤمنون: 15] قال الله: {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة. قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم} أي: لنسكننهم {مِّنَ الجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون ولا يخرجون منها {نِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ} أي: نعم ثواب العاملين في الدنيا، يعني الجنة. قال: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. قوله: {وَكَأَيِّن} أي: وكم {مِّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أي: تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئاً لغد. قال مجاهد: يعني البهائم والطير والوحوش والسباع {اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي: لا اسمع منه ولا أعلم. قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يعني المشركين {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} يجريان {لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي: فكيف تصرفون عقولكم بعد إقراركم بأن الله واحد، وأنه خالق هذه الأشياء. قوله: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: يوسع الرزق لمن يشاء من عباده {وَيَقْدِرُ لَهُ} أي: ويقتر عليه نظراً له، يعني المؤمنين {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. كقوله: { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: ولولا أن يجتمعوا على الكفر {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ...} تفسير : إلى آخر الآية [الزخرف: 33]. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح ذبابة أو بعوضة ما أعطى الكافر منها شيئاً. تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدنيا سجن المؤمن، وهي جنة الكافر .
اطفيش
تفسير : {يَا عِبَادِىَ} بفتح الياء وتسكن في الوقف وحذفها ابو عمرو في الوصل وكذا الكسائي والظاهر انهما يثبتانهما في الوقت ساكنة لثبوتها في جميع المصاحف. {الِّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي} فتح ابن عامر هذه الياء. {وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} اي اذا لم تسهل لكم العبادة في بلد أنتم فيه ولم يتمش لكم أمر الذين كما تحبون فهاجروا الى بلد تجدون فيه ذلك وتكونون أسلم قلوباً وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعاً، قال جار الله: ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير ولقد جربنا وجرب أولونا فلم تجد فيما درنا أو داروا أهون على قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقت والملتفت وأضم للهمم المنتشرة وأحث على القناعة وأطرد للشيطان وأبعد من كثير من الفتن وأضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله وجوار بيت الله فلله الحمد على ما سهّل من ذلك وقرّب ورزقَ من الصبر وأوزع من الشكر. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فر بدينه من أرض إلى أرض وان كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق ابراهيم ومحمد "تفسير : وقيل نزل ذلك في المستضعفين من أهل مكة الذين نزل فيهم {أية : ألم تكن أرض الله واسعة }تفسير : الخ. لأن أمر دينهم لا يتم بين الكفرة، والهجرة عندي واجبة. ولو بعد الفتح اذا لم يجد المسلم إقامة دينه ولو سراً سواء كان ذلك لتضييق مشرك او منافق عليه، وجائزة مندوبة في غير ذلك والفاء في جواب شرط محذوف اي ان لم تخلص لكم العبادة فاخلصوها في اخرى وأيا مفعول لمحذوف على الاشتغال والفاء بعده زائدة أو في جواب اما محذوفة والأصل فاعبدوني فاعبدوني حذفت أعبد الأول فانفصل ضمير النصب لحذف عامله وإيا مفعول لمحذوف مقدر بعده للحضر لا على الاشتغال أي فإياي اعبدوا، وقيل: إياي مفعول للمذكور بعده والياء المحذوفة من المذكور بعده تأكيداً لإياي والأصل اعبدوني إياي قدمت الياء المتصلة بالنون فانفصلت فكان مكانها إياي فاتصلت إياي بعدها بالنون وحذفت بعد ان كانت ضميرا متصلا هكذا فاعبدوني وقيل: انها نزلت في ضعفاء مسلمي مكة وان الأرض المدينة وان واسعة بمعنى آمنة وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة خشية ضيق المعيشة فلم يعذروا ولذا قيل: معنى ان ارضي واسعة ان رزقي واسع فاخرجوا، وقال سعيد بن جبير: اذا عمل في أرض بالمعاصي فاهربوا منها ان ارضي واسعة وقيل اذا امرتم بالمعاصي فاهربوا فان ارضي واسعة قيل وكذلك يجب على كل من كان في بلدة يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه بغيرها ان يهاجر وكذا قال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد ومالك.
اطفيش
تفسير : {يا عبَادي الَّذين آمنوا إنَّ أرْضي واسِعةٌ} محلا ورزقا، والله يزقكم، وليس المراد ارض الجنة كما قيل، وهذا ايجاب للهجرة من مكة على من بقى فيها من المؤمنين ولو ضعفاء ان اطاقوا الهجرة، لا كمريض وامراة لا تجد محرما او زوجا، او أمينين او شيخ لا يطيق المشى ولا الركوب، هاجروا الى ارض الاسلام، او حيث تقيمون دينكم، او هاجروا الى المدينة ليتقوى الاسلام، وبعد فتح مكة يجوز لمن أسلم فى بلده، وهو بلد شرك، ان يقيم فيه ان توصل الى دينه ولو سرا، وقيل: ان جهرا، وزعم قوم انه لا بد من الهجرة، ولو توصل اليه جهرا الا ان قوى المسلمون فيه بحيث يسمى بلد اسلام. {فإيَّاي فاعْبُدون} فى ارض تهاجرون اليها، الفاء الأولى عاطفة للانشاء على الخبر وهو قوله: {إن أرضي} الخ، ولا سيما انه فى معنى الامر بالهجرة، واياى منصوب على الاشتغال، مع ان الشاغل محذوف وهو الياء، لقيام نون الوقاية مقامه، كما لو حذف للساكن نحو: اياى اكرمنى اليوم، انه لا يصح اعبدون إياى، على ان اياى مفعول اعبدوا، ولو ورد مثله لقيل: اياى بدل من المحذوف، والفاء الثانية صلة مؤكدة للاولى في التسبب والتفرع، وهكذا قل ولا تقدر شرطا مثل: ان لم تخلصوا العبادة فاعبدونى فى غيرها، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبراً استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام ".
الالوسي
تفسير : نزلت على ما روي عن مقاتل والكلبـي في المستضعفين من المؤمنين بمكة أمروا بالهجرة عنها وعلى هذا أكثر المفسرين، وعمم بعضهم الحكم في كل من لا يتمكن من إقامة أمور الدين كما ينبغي في أرض لممانعة من جهة الكفرة أو غيرهم فقال: تلزمه الهجرة إلى أرض يتمكن فيها من ذلك، وروي هذا عن ابن جبير وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس، وقال مطرف بن الشخير: إن الآية عدة منه تعالى بسعة الرزق في جميع الأرض، وعلى القولين فالمراد بالأرض / الأرض المعروفة، وعن الجبائي أن الآية عدة منه عز وجل بإدخال الجنة لمن أخلص له سبحانه العبادة وفسر الأرض بأرض الجنة، والمعول عليه ما تقدم. والفاء في {فَإيَّـٰيَ } فاء التسبب عن قوله تعالى: {إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ } كما تقول: إن زيداً أخوك فأكرمه وكذلك لو قلت: إنه أخوك فإن أمكنك فأكرمه، و {إياي} معمول لفعل محذوف يفسره المذكور، ولا يجوز أن يكون معمولاً له لاشتغاله بضميره وذلك المحذوف جزاء لشرط حذف وعوض عنه هذا المعمول، والفاء في {فَٱعْبُدُونِ } هي الفاء الواقعة في الجزاء إلا أنه لما وجب حذفه جعل المفسر المؤكد له قائماً مقامه لفظاً وأدخل الفاء عليه إذ لا بد منها للدلالة على الجزاء، ولا تدخل على معمول المحذوف أعني إياي وإن فرض خلوه عن فاء لتمحضه عوضاً عن فعل الشرط فتعين الدخول على المفسر؛ وأيضاً ليطابق المذكور المحذوف من كل وجه، ولزم أن يقدر الفعل المحذوف العامل في {إياي} مؤخراً لئلا يفوت التعويض عن فعل الشرط مع إفادة ذلك معنى الاختصاص والإخلاص، فالمعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخلصوها لي في غيرها، وجعل الشرط إن لم تخلصوا لدلالة الجواب المذكور عليه، ولا منع من أن تكون الفاء الأولى واقعة في جواب شرط آخر ترشيحاً للسببية على معنى أن أرضي واسعة وإذا كان كذلك فإن لم تخلصوا لي الخ، وقيل: الفاء الأولى جواب شرط مقدر وأما الثانية فتكرير ليوافق المفسر المفسر، فيقال حينئذٍ: المعنى إن أرضي واسعة إن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخلصوها لي في غيرها، وتكون جملة الشرط المقدرة أعني إن لم تخلصوا الخ مستأنفة عرية عن الفاء، وما تقدم أبعد مغزى. وجعل بعض المحققين الفاء الثانية لعطف ما بعدها على المقدر العامل في {إياي} قصداً لنحو الاستيعاب كما في خذ الأحسن فالأحسن. وتعقب بأنه حينئذٍ لا يصلح المذكور مفسراً لعدم جواز تخلل العاطف بين مفسر ومفسر البتة، وأما ما ذكره الإمام السكاكي في قوله تعالى: {أية : فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ } تفسير : [البقرة: 40] من أن الفاء عاطفة والتقدير فإياي ارهبوا فارهبون فإنه أراد به أنها في الأصل كذلك لا في الحال على ما حققه صاحب «الكشف»، هذا وقد أطالوا الكلام في هذا المقام وقد ذكرنا نبذة منه في أوائل تفسير سورة البقرة فراجعه مع ما هنا وتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي وقع اعتراضاً بين الجملتين المتعاطفتين: جملة: {أية : والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون}تفسير : [العنكبوت: 52]، وجملة: {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات لَنُبَوِّئَنَّهم من الجنة غُرفاً}تفسير : [العنكبوت: 58] الآية. وهذا أمر بالهجرة من دار الكفر. ومناسبته لما قبله أن الله لما ذكر عناد المشركين في تصديق القرآن وذكر إيمان أهل الكتاب به آذن المؤمنين من أهل مكة أن يخرجوا من دار المكذبين إلى دار الذين يصدقون بالقرآن وهم أهل المدينة فإنهم يومئذ ما بين مسلمين وبين يهود فيكون المؤمنون في جوارهم آمنين من الفتن يعبدون ربهم غير مفتونين. وقد كان فريق من أهل مكة مستضعفين قد آمنوا بقلوبهم ولم يستطيعوا إظهار إيمانهم خوفاً من المشركين مثل الحارث بن ربيعة بن الأسود كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله}تفسير : في أول هذه السورة [العنكبوت: 10]، وكان لهم العذر حين كانوا لا يجدون ملجأ سالماً من أهل الشرك، وكان فريق من المسلمين استطاعوا الهجرة إلى الحبشة من قبل، فلما أسلم أهل المدينة زال عذر المؤمنين المستضعفين إذ أصبح في استطاعتهم أن يهاجروا إلى المدينة فلذلك قال الله تعالى: {إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون}. فقوله: {إن أرضي واسعة} كلام مستعمل مجازاً مركباً في التذكير بأن في الأرض بلاداً يستطيع المسلم أن يقطنها آمناً، فهو كقول إياس بن قبيصة الطائي: شعر : ألم ترَ أن الأرض رحب فسيحة فهل تعجزني بقعة من بقاعها تفسير : ألا تراه كيف فرعَ على كونها رحباً قولَه: فهل تعجزني بقعة. وكذلك في الآية فرع على كونها واسعة الأمر بعبادة الله وحده للخروج مما كان يفتن به المستضعفون من المؤمنين إذ يُكرهون على عبادة الأصنام كما تقدم في قوله تعالى: {أية : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبُه مطمئن بالإيمان}تفسير : [النحل: 106]. فالمعنى: أن أرضي التي تأمنون فيها من أهل الشرك واسعة، وهي المدينة والقرى المجاورة لها مثل خيبر والنضير وقريظة وقينقاع، وما صارت كلها مأمناً إلا بعد أن أسلم أهل المدينة لأن تلك القرى أحلاف لأهل المدينة من الأوس والخزرج. وأشعر قوله: {فإياي فاعبدون} أن علة الأمر لهم بالهجرة هي تمكينهم من إظهار التوحيد وإقامة الدين. وهذا هو المعيار في وجوب الهجرة من البلد الذي يفتن فيه المسلم في دينه وتجري عليه فيه أحكام غير إسلامية. والنداء بعنوان التعريف بالإضافة لتشريف المضاف. ومصطلح القرآن أن (عباد) إذا أضيف إلى ضمير الجلالة فالمراد بهم المؤمنون غالباً إلا إذا قامت قرينة كقوله: {أية : أأنتم أضْلَلْتم عبادي هؤلاء}تفسير : [الفرقان: 17]، وعليه فالوصف بــــ {الذين ءامنوا} لما في الموصول من الدلالة على أنهم آمنوا بالله حقاً ولكنهم فتنوا إلى حد الإكراه على إظهار الكفر. والفاء في قوله: {فإياي} فاء التفريع والفاء في قوله: {فاعبدون} إما مؤكدة للفاء الأولى للدلالة على تحقيق التفريع في الفعل وفي معموله، أي فلا تعبدوا غيري فاعبدون؛ وإما مؤذنة بمحذوف هو ناصب ضمير المتكلم تأكيداً للعبادة. والتقدير: وإياي اعبدوا فاعبدون، وهو أنسب بدلالة التقديم على الاختصاص لأنه لما أفاد الأمر بتخصيصه بالعبادة كان ذكر الفاء علامة تقدير على تقدير فعل محذوف قصد من تقديره التأكيد، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : وإياي فارهبون}تفسير : في أوائل سورة [البقرة: 40]. وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية تخفيفاً، وللرعاية على الفاصلة. ونظائره كثيرة.
الشنقيطي
تفسير : نادى الله جل وعلا عباده المؤمنين، وأكد لهم أن أرضه واسعة، وأمرهم أن يعبدوه وحده دون غيره، كما دل عليه تقديم المعمول الذي هو إياي، كما بيناه في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. والمعنى: أنهم إن كانوا في أرض لا يقدرون فيها على إقامة دينهم، أو يصيبهم فيها أذى الكفار، فإن أرض ربهم واسعة فليهاجروا إلى موضع منها يقدرون فيه على إقامة دينهم، ويسلمون فيه من أذى الكفار، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء في آيات أخر، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} تفسير : [النساء: 97] وقوله تعالى: {أية : وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [الزمر: 10].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن أرضي واسعة: أي هاجروا من بلاد لم تتمكنوا من العبادة فيها فإن أرض الله واسعة. فإِياي فاعبدون: فاعبدوني وحدي ولا تعبدوا معي غيري كما يريد منكم المشركون. كل نفس ذائقة الموت: أي لا يمنعنكم الخوف من الموت أن لا تهاجروا في سبيل الله فإِن الموت لا بد منه للمهاجرين ولمن ترك الهجرة. ثم إلينا ترجعون: أي بعد موتكم ترجعون إلى الله فمن مات في سبيل مرضاته أكرمه وأسعده، ومن مات في معصيته أذاقه عذابه. لنبوِّئنهم: أي لنُنزلنَّهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار. الذين صبروا: أي صبروا على الإِيمان والهجرة متوكلين على الله تعالى. وكأيّن من دابة لا تحمل رزقها: أي لا تطيق جمعه ولا حمله لضعفها، والله يرزقها فلا عذر لمن ترك الهجرة خوفاً من الجوع والخصاصة. وهو السميع العليم: أي السميع لأقوال عباده العليم بنياتهم وأحوالهم وأعمالهم. معنى الآيات: لا شك أنه بعد ذلك التأنيب الإِلهي للمشركين وتهديدهم بالعذاب وتوعدهم بعذاب جهنم وتوبيخهم فيها على شركهم وباطلهم لا شك أن رد الفعل من المشركين هو الضغط على المؤمنين المستضعفين في مكة فأرشدهم الله تعالى إلى الهجرة من مكة إلى المدينة ليتمكنوا من عبادة الله تعالى، فناداهم بقوله عز وجل: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي بي وبرسولي ولقائي {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} فهاجروا فيها، ولا ترضوا بالبقاء مع الكفر تهانون وتُلزمون بعبادة غيري من آلهة المشركين، {فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} لا تعبدوا معي غيري. وعليه فهاجروا في سبيل مرضاتي ولا تخشوا موتاً ولا فقراً فإِن كل نفس ذائقة الموت هاجر صاحبها أو لم يهاجر {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} وقوله: {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، لا محالة فمن رجع إلينا وهو مؤمن مطيع منفذ لأوامرنا مجتنب نواهينا أسعدناه، ومن رجع إلينا وهو كافر بنا عاصٍ لنا مهمل أوامرنا مرتكب نواهينا أشقيناه. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} أي لنُنزلِّنهم من الجنة دار الإِسعاد {غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. هذا بيان لمن مات وهو مؤمن عامل بالصالحات ومنها الهجرة في سبيل الله. وقوله {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} أي ذلك الإِنزال في الغرف في الجنان هو الإِسعاد المترتب على الإِيمان والهجرة والعمل الصالح فالإِيمان والهجرة والعمل الصالح عملٌ والجنة وما فيها من النعيم أجرة ذلك العمل. وأثنى الله تعالى على الجنة فقال: {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} ووصفهم بقوله {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} أي على الإِيمان والهجرة والطاعة {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} فخرجوا من ديارهم تاركين أموالهم لا يحملون معهم زاداً كل ذلك توكُلا على ربهم وقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} لضعفها وعجزها أي وكثير من الدواب من الإِنسان والحيوان من يعجز حتى عن حمل طعامه أو شرابه لضعفه والله عز وجل يرزقه بما يسخر له من أسباب وما يهيئ له من فرص فيطعم ويشرب كالأقوياء والقادرين، وعليه فلا يمنعنكم عن الهجرة مخافة الفاقة والفقر فالله تعالى تكفل برزقكم ورزق سائر مخلوقاته. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالكم {ٱلْعَلِيمُ} ببواطنكم وظواهركم وأعمالكم وأحوالكم فارهبوه ولا ترهبوا سواه فإِن في طاعته السعادة والكمال وفي معصيته الشقاء والخسران. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) لا عذر لأحد في ترك عبادة الله وتوحيده فيها لأنه إن منع منها في بلد وجب عليه أن يهاجر إلى بلد آخر. 2) لا معنى للخوف من الموت إذا وجب العمل كالهجرة والجهاد لأن الموت حق ولا بد منه. 3) بيان جزاء أهل الصبر والتوكل من أهل الإِيمان والهجرة والتقوى. 4) لا يمنعن المؤمن من الهجرة خوفه من الجوع في دار هجرته إذ تكفل الله برزقه.
القطان
تفسير : فإياي فاعبدون: فاعبدوني. لنبوّئنهم: لننزلنّهم، بوأهم: أنزلهم منزلا حسنا. يؤفكون: يُصرَفون عن الحق. ويقدر: ويضيق. بعد ان بيّن حال الجاحدين المكذّبين، وما يغشاهم من عذاب محيط بهم، لأنهم قد اشتد عنادهم وكثر أذاهم للمؤمنين، ومنعوهم من أداء عبادتهم - امرهم الله بالهجرة الى دار اخرى حتى ينجوا بعقيدتهم. ولما كانت مفارقة الأوطان عزيزة على النفس، بيَّن لهم ان المكروه واقع لا محالة، ان لم يكن بالهجرة فهو حاصل بالموت. وأنتم ايها المؤمنون، لا تستصعِبوا مفارقة الأوطان في مرضاة الله، فان أرض الله واسعة، ومدى الدنيا قريب، والموتُ لا بد منه، ثم مرجعكم الى ربكم، وحينئذ تنالون من النعيم المقيم ما لا عينٌ رأت ولا أُذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، فهنالك الجنة {خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ}. وقد بين الله هؤلاء العاملين الذين استحقوا تلك الجنات بقوله: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. ولا تقلقوا على توفّر الرزق ولا تخافوا بعد مغادرة الأوطان، إن الله هو الكافي أمرَ الرزق في الوطن والقرية. {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا... } ان الله يرزق الجميع حيث كانوا، هو يسمع لهم، ويعلم حالهم، ولا يدعهم وحدهم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. قراءات: قرأ ابو بكر: ثم الينا يرجعون بالياء. والباقون: ترجعون بالتاء. وقرأ حمزة والكسائي لنثوينهم بالثاء، يعني لنقيمنهم، من: ثوى بالمكان: أقام. والباقون: لنبوئنّهم: بالباء. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ؟}. انهم يعترفون بأن الله هو خالق السماوات والأرض والمسخِّر للشمس والقمر، وهم مع ذلك يعبدون سواه، فلماذا هذا التناقض؟! وكيف إذْن يُصرفون عن توحيد الله وعن عبادته، مع اقرارهم بهذا كله؟ {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ... } ما دام الخالقُ هو الله، فانه يوسع الرزق على من يشاء، ويضيق على من يشاء، حسبما يقتضيه علمه بالمصالح، {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ}. وان اقوال هؤلاء المشركين تخالف أفعالهم، فهم يقرّون بالوحدانية ثم هم يعبدون مع الله سواه، ولذلك يقول: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} إنهم مقرّون بان الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو مدبّر الكون، لكنهم انحرفوا وعبدوا غيره ولذلك يتعجب من أقوالهم ويقول: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}. قل يا محمد، الحمدُ لله على اعترافهم بالحق، ولكن اكثرهم لا يَستعملون عقولهم، ولا يفهمون ما يقعون فيه من تناقض.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰعِبَادِيَ} {آمَنُوۤاْ} {وَاسِعَةٌ} {فَإِيَّايَ} (56) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ المُؤمِنينَ بالهِجْرَةِ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ لاَ يَقْدِرُونَ فيهِ عَلَى إِقَامَةِ الشَّعائِرِ الدِّينِيَّةِ إِلى مَكَانٍ آخَرَ مِنْ أَرْضِ اللهِ الوَاسِعَةِ، يَسْتَطِيعُونَ فِيهِ إِقَامَةَ شَعائِرِ دِينِهِمْ كَمَا أَمَرَهُمْ رَبُّهُمْ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ:حديث : البِلاَدُ بِلاَدُ اللهِ، وَالعِبَادُ عِبَادُ اللهِ، حَيْثُمَا أَصَبْتَ خَيْراً فأَقِمْ)تفسير : . (أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ).
الثعلبي
تفسير : {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بإرسال الياء عراقي غير عاصم، سائرهم بفتحها {إِنَّ أَرْضِي} مفتوحة الياء ابن عامر، غيره ساكنة {وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} توحدون من غير طاعة مخلوق في معصيتي، قال سعيد بن جبير: إذا عُمِل في أرض بالمعاصي، فاهربوا فإنّ أرضي واسعة. مجاهد: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} فهاجروا وجاهدوا، وقال مقاتل والكلبي: نزلت في المستضعفين المؤمنين الذين كانوا بمكة لا يقدرون على إظهار الإيمان وعبادة الرحمن، يحثهم على الهجرة ويقول لهم: إنّ أرض المدينة واسعة آمنة. وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: {أَرْضِي وَاسِعَةٌ} أي رزقي لكم واسع، أُخرج من الأرض ما يكون بها. أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدثنا جيغويه ابن محمد الترمذي، قال: حدثنا صالح بن محمد، عن سليمان، عن عباد بن منصور الناجي، عن الحسين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم ". تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فلا تقيموا بدار المشركين. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} علالي، قرأ حمزة والكسائي وخلف بالتاء، غيرهم بالياء أي لينزلنّهم {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ * ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّن} وكم {مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} وذلك إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذاهم المشركون: "حديث : أخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة فيها ". تفسير : فقالوا: يا رسول الله كيف نخرج إلى المدينة ليس لنا بها دار ولا عقار ولا مال، فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل الله سبحانه: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ } ذات حاجة إلى غذاء لا تحمل رزقا فيرفعه لغذائها يعني الطير والبهائم. {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} يوماً بيوم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالكم: نخشى لفراق أوطننا العيلة. {ٱلْعَلِيمُ} بما في قلوبكم وما إليه صائرة أموركم. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الرقاق، وقال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا إسماعيل بن زرارة الرقي، قال: حدثنا أبو العطوف الجراح بن المنهال الجوزي، عن الزهري، عن عطاء بن أبي رياح، حديث : عن ابن عمر قال:دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطاً من حياطان الأنصار، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقط الرطب بيده ويأكل فقال: "كل يابن عمر"، قلت: لا أشتهيها يا رسول الله، قال: «لكنّي أشتهيه وهذه صبحة رابعة لم أزق طعاماً ولم أجده" فقلت: إنّا لله، الله المستعان، قال: "يا بن عمر لو سألت ربّي لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر أضعافاً مضاعفة، ولكني أجوع يوماً وأشبع يوماً فكيف بك يابن عمر إذا عمرت وبقيت في حثالة من الناس يخبّؤون رزق سنة ويضعف اليقين"تفسير : ، فنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا}... الآية. أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن حنيش، حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا يحيى من معين، حدثنا يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن علي بن الأرقم {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} قال: لا تدخر شيئاً لغد. قال سفيان: ليس شيء مما خلق الله يخبّيء إلاّ الإنسان والفأرة والنملة. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ * ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} يعني الدائمة الباقية التي لا زوال لها ولا موت فيها. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} ولكنهم لا يعلمون ذلك. {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ} وخافوا الغرق والهلاك {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} ليجحدوا نعمه في إنجائه إياهم وسائر الآية {وَلِيَتَمَتَّعُواْ} جزم لامه الأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأيوب، واختلف فيه عن عاصم ونافع وابن كثير، الباقون بكسر اللام واختاره أبو عبيد ليكفروا لكون الكلام نسقاً. ومن جزم احتج بقراءة أبي بن كعب (يمتعوا). {فَسَوْفَ يَعلَمُونَ}. أخبرني أبو محمد عبد الله بن حامد فيما أذن لي روايته عنه قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أبي سعيد، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أسكت، قال: حدثنا عقال، قال: حدثنا جعفر بن سلمان قال: حدثنا ملك بن دينار، قال: سمعت أبو العالية قرأ (لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فتمتعوا فَسَوْفَ يَعلَمُونَ) بالياء، فالكسر على كي والجزم على التهديد. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِٱلْبَاطِلِ} بالأصنام {يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} يعني الإيمان {يَكْفُرُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فزعموا أنّ لله شريكاً، وقالوا إذا فعلوا فاحشة، {أية : قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}تفسير : [الأعراف: 28]. {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ} بمحمد والقرآن {لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى} منزل {لِّلْكَافِرِينَ * وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي والذين قاتلوا لأجلنا أعداءنا لنصرة ديننا لنثبتهم على ما قاتلوا عنه. قال أبو سورة: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ} في الغزو {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} سبيل الشهادة أو المغفرة. أخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن وهب، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغر فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينّهم سبل العمل به. وأخبرني أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد، قال: حدثني أبو الطيب محمد بن أحمد ابن حمدون، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن إدريس، قال: حدثنا أحمد بن أبي الجواري، قال: قال أبو أحمد يعني عباس الهمداني وأبو سليمان الداراني في قوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم ربّهم إلى ما لا يعلمون. وعن عمر بن عبد العزيز إنّه تكلم بكلمات وعنده نفر من العلماء، فقال له الوضين بن عطاء: بِمَ أوتيت هذا العلم يا أبا مروان؟ قال: ويحك يا وضين إنّما قصر بنا من علم ما جهلنا بتقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو أنّا عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علماً لا تقوم به أبداننا. وعن عبد الله بن الزبير قال: تقول الحكمة: من طلبني فلم يجدني فليطلبني في موضعين: أن يعمل بأحسن ما يعلمه، أو يدع أسوأ ما يعلمه. وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. ضحاك: والذين جاهدوا بالهجرة لنهدينّهم سبل الثبات على الإيمان، وقيل: والذين جاهدوا بالثبات على الإيمان لنهدينهم سبل دخول الجنان، سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنّة لنهدينّهم سبل الجنة ثم قال: مثل السنّة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى، من دخل الجنة في العقبى سلم، فكذلك من لزم السنّة في الدنيا سلم، وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: والذين هديناهم سبيلنا جاهدوا فينا {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} بالنصر والمعونة في دنياهم،وبالثواب والمغفرة في عقباهم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ تحدَّث الحق سبحانه عن الكفار والمكذَّبين أراد أنْ يُحدِث توازناً في السياق، فحدَّثنا هنا عن المؤمنين ليكون أنكَى للكافرين، حين تردف الحديث عنهم، وعما يقع لهم من العذاب بما سينال المؤمنين من النعيم، فتكون لهم حسرة شديدة، فلو لم يأخذ المؤمنون هذا النعيم لكانَ الأمر أهونَ عليهم. وقوله تعالى: {يٰعِبَادِيَ ..} [العنكبوت: 56] سبق أن قُلْنا: إن الخَلْق جميعاً عبيد لله، وعبيد الله قسمان: مؤمن وكافر، وكل منهما جعله الله مختاراً: المؤمن تنازل عن اختياره لاختيار ربه، وفضَّل مراده سبحانه على مراد نفسه، فصار عبداً في كل شيء حتى في الاختيار، فلما فعلوا ذلك استحقوا أن يكونوا عبيداً وعباداً لله. أما الكافر فتأبَّى على مراد ربه، واختار الكفر على الإيمان، والمعصية على الطاعة، ونسي أنه عبد لله مقهور في أشياء لا يستطيع أن يختار فيها، وكأن الله يقول له: أنت أيها الكافر تمردْتَ على ربك، وتأبَّيْتَ على منهجه في (افعل) و (لا تفعل)، واعتدْتَ التمرد على الله. فلماذا لا تتمرد عليه فيما يُجريه عليك من أقدار، لماذا لا تتأبَّى على المرض أو على الموت؟ إذن: فأنت في قبضة ربك لا تستطيع الانفلات منها. وعليه، فالمؤمن والكافر سواء في العبودية لله، لكن الفرْق في العبادية حيث جاء المؤمن مختاراً راضياً بمراد الله، وفَرْق بين عبد يُطيعك وأنت تجرُّه في سلسلة، وعبد يخدمك وهو طليق حُرٌّ. وهكذا المؤمن جاء إلى الإيمان بالله مختاراً مع إمكانية أنْ يكفر، وهذه هي العبودية والعبادية معاً. ومعنى {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ..} [العنكبوت: 56] يخاطبهم ربهم هذا الخطاب وهم في الأرض وفي سعتها، ليلفت أنظارهم إلى أنهم سيُضطهدون ويُعذَّبون، وسيقع عليهم إيذاء وإيلام، فيقول لهم: إياكم أن تَصِرْفكم هذه القسوة، إياكم أنْ تتراجعوا عن دعوتكم، فإذا لم يناسبكم هذا المكان فاذهبوا إلى مكان آخر فأرضي واسعة فلا تُضيِّقوها على أنفسكم. لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأرض لله، والعباد كلهم لله، فإنْ أبصرتَ خيراً فاقِمْ حيث يكون ". تفسير : فالذي نعاني منه الآن هو هذه الحدود وهذه القيود التي وضعناها في جغرافية أرض الله، فضيَّقنا على أنفسنا ما وسَّعه الله لنا، فأرْضُ الله الواسعة ليست فيها تأشيرات دخول ولا جوازات سفر ولا (بلاك لست). لذلك قلنا مرة في الأمم المتحدة: إنكم إنْ سعيتُم لتطبيق مبدأ واحد من مبادئ القرآن فلن يوجد شر في الأرض، ألا وهو قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10]. والمعنى: الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام، فإن ضاق رزقك في مكان فاطلبه في مكان آخر، وإلا فالذي يُتعِب الناس الآن أن توجد أرض بلا رجال، أو رجال بلا أرض، وها هي السودان مثلاً بجوارنا، فيها أجود الأراضي لا تجد مَنْ يزرعها، لماذا؟ للقيود التي وضعناها وضيَّقنا بها على أنفسنا. وصدق الشاعر حين قال: شعر : لَعْمرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلادٌ بأهِلْها ولكنَّ أخْلاق الرجَالِ تَضِيقُ تفسير : ثم يقول سبحانه {فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] فإنْ أخذنا بمبدأ الهجرة فلا بُدَّ أن نعلم أن للهجرة شروطاً أولها: أنْ تهاجر إلى مكان يحفظ عليك إيمانك ولا ينقصه، وانظر قبل أنْ تخرج من بلدك هل ستتمكن في المهجر من أداء أمور دينك كما أوجبها الله عليك؟ فإنْ كان ذلك فلا مانع، وإلا فلا هجرةَ لمكان يُخرِجني من دائرة الإيمان، أو يحول بيني وبين أداء أوامر ديني. وهل يُرضيك أنْ تعيش لتجمع الأموال في بلاد الكفر، وأنْ تدخل عليك ابنتك مثلاً وفي يدها شاب لا تعرف عنه شيئاً قد فُرِض عليك فَرْضاً، فقد عرفته على طريقة القوم، ساعتها لن ينفعك كل ما جمعت، ولن يصلح ما جُرِح من كرامتك. وسبق أن أوضحنا أن الهجرة قد تكون إلى دار أَمْن فقط، حيث تأمن فيها على دينك، وتأمن ألاَّ يفتنك عنه أحد، ومن ذلك الهجرة التي أمر بها رسول الله إلى الحبشة، وهي ليست أرْضَ إيمان، بل أرض أَمْن. وقد عَّلل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالهجرة إليها بقوله: "حديث : إن فيها مَلِكاً لا يُظْلَم عنده أحد" تفسير : وقد تبيَّن بعد الهجرة إليها صِدْق رسول الله، وكأنه على علم تام بالبيئة المحيطة به وبأحوال أهلها. لذلك لم يأمرهم مثلاً بالهجرة إلى أطراف الجزيرة العربية؛ لأنها كانت خاضعة لقريش بما لها من سيادة على الكعبة، فلا يستطيع أحد أنْ يحمي مَنْ تطلبه قريش، حتى الذين هاجروا بدينهم إلى الحبشة لم يَسْلَموا من قريش، فقد أرسلتْ إلى النجاشي مَنْ يكلمه في شأنهم، وحملوا إليه الهدايا المغرية ليسلمهم المهاجرين من المؤمنين بمحمد، لكن لم تفلح هذه الحيلة مع الملك العادل الذي راود الإيمانُ قلبه، فأحب المؤمنين ودافع عنهم ورفض إعادتهم ويقال: إنه آمن بعد ذلك، ولما مات صلَّى عليه رسول الله. أما الهجرة إلى المدينة بعد الهجرة إلى الحبشة فكان لدار أَمْن وإيمان معاً، حيث تأمن فيها على دينك، وتتمكّن فيها من نشره والدعوة إليه، وتجد بها إخواناً مؤمنين يُواسُونك بأموالهم، وبكل ما يملكون، وقد ضرب الأنصار في مدينة رسول الله أروع مثل في التاريخ في المواساة، فالأنصاري كان يرى أخاه المهاجر ترك أهله في مكة، وله إرْبة وحاجة للنساء، فيُطلِّق له إحدى زوجاته ليتزوجها، فانظر ماذا فعل الإيمان بالأنصار. وفي قوله سبحانه {فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] أسلوب يُسمُّونه أسلوب قَصْر، مثل قوله تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. وفَرْق بين أنْ نقول: نعبدك. و(إياك نعبد): نعبدك لا تمنع أنْ نعبد غيرك، أمّا (إيَّاك نَعْبد) فتقصر العبادة على الله - عز وجل - ، ولا تتجاوزه إلى غيره. فالمعنى - إذن: إنْ كنت ستهاجر فلتكُن هجرتك لله، وقد فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "حديث : فَمْن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا } بي وصدقوا رسولي { إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } فإذا تعذرت عليكم عبادة ربكم في أرض، فارتحلوا منها إلى أرض أخرى، حيث كانت العبادة للّه وحده، فأماكن العبادة ومواضعها، واسعة، والمعبود واحد، والموت لا بد أن ينزل بكم ثم ترجعون إلى ربكم، فيجازي من أحسن عبادته وجمع بين الإيمان والعمل الصالح بإنزاله الغرف العالية، والمنازل الأنيقة الجامعة لما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون. فـ { نعم } تلك المنازل، في جنات النعيم { أَجْرُ الْعَامِلِينَ } للّه. { الَّذِينَ صَبَرُوا } على عبادة اللّه { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } في ذلك. فصبرهم على عبادة اللّه، يقتضي بذل الجهد والطاقة في ذلك، والمحاربة العظيمة للشيطان، الذي يدعوهم إلى الإخلال بشيء من ذلك، وتوكلهم، يقتضي شدة اعتمادهم على اللّه، وحسن ظنهم به، أن يحقق ما عزموا عليه من الأعمال ويكملها، ونص على التوكل، وإن كان داخلا في الصبر، لأنه يحتاج إليه في كل فعل وترك مأمور به، ولا يتم إلا به.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 760 : 4 : 3 - سفين عن اسماعيل بن أبي خالد عن سعيد بن جبير في قوله {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} فإِذا عمل فيها بالمعاصي، فاخرجوا. [الآية 56].
همام الصنعاني
تفسير : 2263- عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن مالك بن مغول، عن ربيع ابن أبي راشد، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ}: [الآية: 56]، قالَ، هُوَ الرجل يكون بين ظهْراني قَوْمٍ يَعْمَلُون بالمعاصي. 2264- حدّثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن (إسماعيل)، عن (قيس)، قال: كان رجُلٌ بين ظهراني قوم أو قرية يعمل فِيهَا بالمعاصِي، وإلى جنبه قرية صالحة. قال: قد (آن) لي أن أتْرُكَ هذه القرية فخرج يريد تلك القرية الصالحة، فمات قبل أن يصل إليها، فاحْتَجَّ فيه الملك والشيطان، قال: فقيض الله بعض جنوده، فقال: قيسوا ما بين القريتين فَوَجَدُوهُ أقرب إلى القرية الصالحة بشبر. 2266- قال عبد الرزاق، قال معمر، وحسبت أني سمعت الكلبي يذكر أنهم كانوا ثلاثين، أو نحو ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):