Verse. 3397 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

كُلُّ نَفْسٍ ذَاۗىِٕقَۃُ الْمَوْتِ۝۰ۣ ثُمَّ اِلَيْنَا تُرْجَعُوْنَ۝۵۷
Kullu nafsin thaiqatu almawti thumma ilayna turjaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كلُّ نفسٍ ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون» بالتاء والياء بعد البعث.

57

Tafseer

الرازي

تفسير : لما أمر الله تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان، فقال لهم إن ما تكرهون لا بد من وقوعه فإن كل نفس ذائقة الموت والموت مفرق الأحباب فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله فيجازيكم عليه، فإن إلى الله مرجعكم، وفيه وجه أرق وأدق، وهو أن الله تعالى قال: كل نفس إذا كانت غير متعلقة بغيرها فهي للموت، ثم إلى الله ترجع فلا تموت كما قال تعالى: { أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ } تفسير : [الدخان: 56] إذا ثبت هذا فمن يريد ألا يذوق الموت لا يبقى مع نفسه فإن النفس ذائقته بل يتعلق بغيره وذلك الغير إن كان غير الله فهو ذائق الموت ومورد الهلاك بقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } و { أية : كُلَّ شيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] فإذاً التعلق بالله يريح من الموت فقال تعالى {فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ } أي تعلقوا بـي، ولا تتبعوا النفس فإنها ذائقة الموت {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } أي إذا تعلقتم بـي فموتكم رجوع إلي وليس بموت كما قال تعالى: { أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء } تفسير : [آل عمران: 169] وقال عليه السلام: « حديث : المؤمنون لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار » تفسير : فعلى هذا الوجه أيضاً يتبين وجه التعلق.

البيضاوي

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } تناله لا محالة. {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} للجزاء ومن هذا عاقبته ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له وقرأ أبو بكر بالياء. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} لننزلنهم. {مّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً } علالي، وقرأ حمزة والكسائي «لنثوينهم» أي لنقيمنهم من الثواء فيكون انتصاب غرفاً لإجرائه مجرى لننزلنهم، أو بنزع الخافض أو بتشبيه الظرف المؤقت بالمبهم. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ} وقرىء «فنعم» والمخصوص بالمدح محذوف دل عليه ما قبله. {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } على أذية المشركين والهجرة للدين إلى غير ذلك من المحن والمشاق. {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ولا يتوكلون إلا على الله. {وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} لا تطيق حمله لضعفها أو لا تدخره، وإنما تصبح ولا معيشة عندها. {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله، لأن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة، فإنهم لما أمروا بالهجرة قال بعضهم كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة فنزلت. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لقولكم هذا. {ٱلْعَلِيمُ } بضميركم. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} المسؤول عنهم أهل مكة. {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود. {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك. {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } يحتمل أن يكون الموسع له والمضيق عليه واحداً على أن البسط والقبض على التعاقب وألا يكون على وضع الضمير موضع من يشاء وإبهامه لأن من يشاء مبهم. {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} يعلم مصالحهم ومفاسدهم. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} على ما عصمك من مثل هذه الضلالة، أو على تصديقك وإظهار حجتك. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} فيتناقضون حيث يقرون بأنه المبدىء لكل ما عداه ثم إنهم يشركون به الصنم، وقيل لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم. {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} إشارة تحقير وكيف لا وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة. {إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} إلا كما يلهى ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين. {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ} لهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها، أو هي في ذاتها حياة للمبالغة، و {ٱلْحَيَوَانُ} مصدر حي سمي به ذو الحياة وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واواً وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليها ها هنا. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} لم يؤثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة والحياة فيها عارضة سريعة الزوال. {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ} متصل بما دل عليه شرح حالهم أي هم على ما وصفوا به من الشرك فإذا ركبوا البحر. {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون سواه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } فاجؤوا المعاودة إلى الشرك. {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ} اللام فيه لام كي أي يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة. {وَلِيَتَمَتَّعُواْ} باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها، أو لام الأمر على التهديد ويؤيده قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وقالون عن نافع »وَلِيَتَمَتَّعُواْ « بالسكون. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} عاقبة ذلك حين يعاقبون. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ} يعني أهل مكة. {أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} أي جعلنا بلدهم مصوناً عن النهب والتعدي آمناً أهله عن القتل والسبي. {وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} يختلسون قتلاً وسبياً إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب. {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ} أبعد هذه النعمة المكشوفة وغيرها مما لا يقدر عليه إلا الله يؤمنون بالصنم أو الشيطان. {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ} حيث أشركوا به غيره وتقديم الصلتين للاهتمام أو الاختصاص على طريق المبالغة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } بالتاء والياء بعد البعث.

ابن عبد السلام

تفسير : {ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} كل حي ميت، أو تجد كرب الموت وشدته إرهاباً لهم لِيدَعوا المعاصي، أو إعلاماً أن الرسل يموتون فلا تضلوا بموت من مات منهم.

النسفي

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } أي واجدة مرارته وكربه كما يجد، الذائق طعم المذوق لأنها إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارق وطنها {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } بعد الموت للثواب والعقاب {يرجعون} يحيـــــى {ترجعون} يعقوب. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوّئَنَّهُمْ مّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً } لننزلنهم من الجنة علالي. {لنثوينهم} كوفي غير عاصم من الثواء وهو النزول للإقامة، وثوى غير متعد فإذا تعدى بزيادة الهمزة لم يجاوز مفعولاً واحداً. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف، أما إجراؤه مجرى لننزلنهم أو لنؤينهم، أو حذف الجار وإيصال الفعل، أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } ويوقف على {العاملين} على أن {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين صبروا على مفارقة الأوطان وعلى أذى المشركين وعلى المحن والمصائب وعلى الطاعات وعن المعاصي، والوصل أجود ليكون {ٱلَّذِينَ } نعتا لـــــ {العاملين} {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ولم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله، ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم من مكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فنزلت {وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ } أي وكم من دابة {وكائن} بالمد والهمز: مكي والدابة كل نفس دبت على وجه الأرض عقلت أم لم تعقل {لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } أي لا يرزق تلك الدّواب الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أيضاً أيها الأقوياء إلا هو، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها لأنه لو لم يقدركم ولم يقدر لكم أسباب الكسب لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل. وعن الحسن: لا تحمل رزقها لا تدخره إنما تصبح فيرزقها الله. وقيل: لا يدخر شيء من الحيوان قوتاً إلا ابن آدم والفأرة والنملة {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لقولكم نخشى الفقر والعيلة {ٱلْعَلِيمُ } بما في ضمائركم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} تحقيرٌ لأمرِ الدنيا ومخاوفِها، كأن بعضَ المؤمنين نظر في عاقبةٍ تلحقه في خروجه من وطنه؛ أنه يموت أو يجوع ونحو هذا؛ فحقَّر اللّه سبحانه شَأْنَ الدنيا، أي وأنتم لا محالة ميتون ومُحْشَرُون إلينا، فالبِدَارُ إلى طاعة اللّه والهجرة إليه أولى ما يُمْتَثَلُ. ذكر هشام بن عبد اللّه القرطبيُّ في تاريخه المسمى بـ «بهجة النفس» قال: بينما المنصور جالسٌ في منزله في أعلى قصره؛ إذ جاءه سهم عائر فسقط بين يديه؛ فذُعِرَ المنصورُ منه ذُعْراً شديداً، ثم أخذه فجعل بقلِّبه، فإذا مكتوبٌ عليه بين الرِّيشَتَيْنِ: [الوافر] شعر : أَتَطْمَعُ فِي الْحَيَاةِ إلَى التَّنَادِي وَتَحْسَبُ أَنَّ مَالَكَ مِنْ مَعَادِ سَتُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِكَ وَالْخَطَايَا وََتُسْأَلُ بَعْدَ ذَاكَ عَنِ الْعِبَادِ تفسير : ومن الجانب الآخر: [البسيط] شعر : أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأَيَّامِ إذْ حَسُنَتْ وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ وَسَاعَدَتْكَ اللَّيَالِي فَٱغْتَرَرْتَ بِهَا وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ تفسير : وفي الآخر: [البسيط] شعر : هِيَ الْمَقَادِيرُ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَا فَٱصْبِرْ فَلَيْسَ لَهَا صَبْرٌ عَلَىٰ حَالِ يَوْماً تُرِيكَ خَسِيسَ القَوْمِ تَرْفَعُه إلَى السَّمَاءِ وَيَوْماً تَخْفِضُ العَالِي تفسير : ثم قرأ على الجانب الآخر من السهم: [البسيط] شعر : مَنْ يَصْحَبِ الدَّهْرَ لاَ يَأْمَنْ تَصَرُّفَهُ يَوْماً فَلِلدَّهْرِ إحْلاَءٌ وَإمْرَارُ لِكُلِّ شَيْءٍ وَإنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُ إذَا ٱنْتَهَىٰ مَدُّهُ لاَ بُدَّ إقْصَارُ تفسير : انتهى. وقرأ حمزة: «لنثوينهم من الجنة غرفا»: من أثوى يُثْوِي بمعنى: أقام. وقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ...} الآية: تحريضٌ على الهجرة؛ لأَن بعضَ المؤمنين فكَّر في الفقر والجوع الذي يلحقه في الهجرة، وقالوا: غربةٌ في بلد لاَ دَارَ لنا فيه ولا عقار، ولا من يطعم، فمثل لهم بأَكثر الدواب التي لا تتقوت ولا تدخر، ثم قال تعالى: {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} فقوله: {لاَّ تَحْمِلُ} يجوز أن يريدَ مِن الحَمْلِ، أي: لا تَنْتَقِلُ ولا تنظر في ادخاره. قاله مجاهد وغيره. قال * ع *: والادِّخار ليسَ من خُلُق الموقنين، وقد قال رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لاِبْنِ عُمَرَ: «حديث : كَيْفَ بِكَ إذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةِ منَ النَّاسِ؛ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَةٍ بِضَعْف اليَقِينِ»تفسير : ويجوز أن يريدَ من الحمالة؛ أي: لا تَتَكَفَّلُ لنفسها. قال الداووديُّ: وعن علي بن الأقمر: {لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أي: لا تدخر شيئاً لغدٍ، انتهى. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً»تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. انتهى. ثم خاطب تعالى في أمر الكفار وإقامة الحجة عليهم، بأَنهم إن سُئِلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة، لم يكن لهم إلا التسليمُ بِأَنها للَّه تعالى، و {يُؤْفَكُونَ} معناه: يصرفون.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لما نزلت هذه الآية {إنك ميت وإنهم ميتون‏}‏ قلت‏:‏ يا رب أيموت الخلائق كلهم ‏وتبقى الأنبياء‏؟ نزلت ‏{‏كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون‏}‏ ‏.

السلمي

تفسير : قوله جل ذكره: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} [الآية: 57]. قال الجنيد رحمة الله عليه: النفوس وإن عظم خطرها فإنها مردودة إلى قيمتها لا يثبت لها حال ما دامت قائمة بأنفسها إلا أن يغنى للحق شاهدها عنها ويحييها بشواهد إشهاد منه إياه إذ ذاك تحيا وتزول عنها العلل قال الله عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} ما دامت باقية قائمة بذواتها ثم إلينا ترجعون بما لنا فتسقط عنها العوارض والعلل ونقيمها مقام الصدق.

القشيري

تفسير : إذا كان الأمرُ كذلك فالراحة معطوفة على تهوين الأمور؛ فسبيلُ المؤمن أن يوطِّن نفسَه على الخروج مستعداً له، ثم إذا لم يحصل الأَجَلُ فلا يستعجل، وإذا حضر فلا يستثقل، ويكون بحُكْمِ الوقت، كما قالوا: شعر : لـو قــال لي مُــتْ مِــتُّ سمعــاً وطــاعــةً وقلـــتُ لــداعــي المــوت: أهــلاً ومــرحبــا

البقلي

تفسير : قوله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} قهر سلطان كبريائه اعدم كل موجود سواه وان بقى لان بقاء الخلق ببقاء الحق يكون ليس لهم بقاء بالحقيقة انما البقاء لمن له ازل وقدم قال الجنيد النفوس وان عظمت خطرتها فانها مردودة الى قيمتها يثبت لها حال ما دامت قائمة يا نفسها الا ان يفنى الحق شاهدها عنها ويحيها بشواهد شهاد منه اياها اذ ذاك تحيى ويزول عنها قال الله كل نفس ذائقة الموت ما دامت فيه قائمة بذواتها ثم الينا يرجعون بما لنا فتسقط عنها العوارض والعلل ويقيمها مقام الصدق.

اسماعيل حقي

تفسير : {كل نفس} من النفوس سواء كان نفس الانسان او غيرها وهو مبتدأ وجاز الابتداء بالنكرة لما فيها من العموم {ذائقة الموت} اى واجدة مرارة الموت ومتجرعة غصص المفارقة كما يجد الذائق ذوق المذوق وهذا مبنى على ان الذوق يصلح للقليل والكثير كما ذهب اليه الراغب. وقال بعضهم اصل الذوق بالفم فيما يقل تناوله فالمعنى اذا ان النفوس تزهق بملابسة البدن جزأ من الموت. واعلم ان للانسان روحا وجسدا وبخارا لطيفا بينهما هو الروح الحيوانى فمادام هذا البخار باقيا على الوجه الذى يصلح ان يكون علاقة ينهما فالحياة قائمة وعند انطفائه وخروجه عن الصلاحية تزول الحياة ويفارق الروح البدن مفارقة اضطرارية وهو الموت الصورى ولايعرف كيفية ظهور الروح فى البدن ومفارقته له وقت الموت الا اهل الانسلاخ التام {ثم الينا} اى الى حكمنا وجزائنا {ترجعون} من الرجع وهو الرد اى تردون فمن كانت هذه عاقبته ينبغى ان يجتهد فى التزود والاستعداد لها ويرى مهاجرة الوطن سهلة واحتمال الغربة هونا هذا اذا كان الوطن دار الشرك وكذا اذا كان ارض المعاصى والبدع وهو لايقدر على تغييرها والمنع منها فيهاجر الى ارض المطيعين من ارض الله الواسعة شعر : سفر كن جوجاى تو ناخوش بود كزين جاى رفتن بدان ننك نيست وكرتنك كردد ترا جايكاه خداى جهانرا جهان تنك نيست

الجنابذي

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} فى مقام التّعليل {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} قد مضى بيان الصّبر والتّوكّل مشروحاً وكذلك بيان جريان الانهار من تحت الجنّات.

اطفيش

تفسير : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ} يناله الموت وتجد مرارة الموت كما يجد الطاعم طعم المذوق. {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} البعث للجزاء وقرأ أبو بكر بالتحتية وذلك تحقير لأمر الدنيا وتهوين لمخاوفها ومن كان لا بد له من الموت والبعث للجزاء فلا بد له من التزود والاستعداد بجهده وكيف يقيم بدار الشرك ويترك الهجرة خوفا من الموت وضيق العيش، وذكر هشام بن عبدالله الاندلسي القرطبي في تاريخه المسمى ـ ببهجة النفوس ـ أنه بينما المنصور جالس في منزله في اعلا قصره اذ جاءه سهم فسقط بين يديه فذعر ذعرا شديدا ثم أخذه فجعل يقلبه فاذا مكتوب عليه بين الريشتين: شعر : أتطمع في الحياة الى التنادي وتحسب ان ملكك من معادي لتسأل عن ذنوبك والخطايا وتسأل بعد ذاك عن العباد أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وساعدتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر هي المقادير تجري في أعنتها فاصبر فليس لها صبر الى حالي وما يريك خسيس القدر ترفعه الى السماء ويوما تخفض العالي من يصحب الدهر لا يأمن تصرفه يوما وللدهر أحلاء وأمرار لكل شيء وان طالت سلامته اذا انتهى مده لا بد اقصار

اطفيش

تفسير : {كل نفس ذائقة المُوْت} شبه الموت بشئ كريه الطعم، لا يؤكل منه او يشرب منه الا قليل، والموت يستوى فيه كل ذى روح يفارق روحه بدنه، ويجد مرارته، وذائقة اوكد من تذوق {ثم إلينا تُرجَعُون} للجزاء فاعملوا ما ينفعكم من الايمان والهجرة والطاعات، واجتناب المعاصى، والتوبة منها من التقصير، وثم للتراخى الزمايى، فان بين الموت وقيام الساعة زمانا طويلاً، والتراخى الرتبى فان رتبة البعث للجزاء اشد من الموت.

الالوسي

تفسير : جملة مستأنفة جىء بها حثاً على إخلاص العبادة والهجرة لله تعالى حيث أفادت أن الدنيا ليست دار بقاء وأن وراءها دار الجزاء أي كل نفس من النفوس واجدة مرارة الموت ومفارقة البدن البتة فلا بد أن تذوقوه ثم ترجعون إلى حكمنا وجزائنا بحسب أعمالكم فمن كانت هذه عاقبته فلا بد له من التزود والاستعداد، وفي قوله تعالى: {ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ } استعارة لتشبيه الموت بأمر كريه الطعم مره، والعدول عن تذوق الموت للدلالة على التحقق، و {ثُمَّ } للتراخي الزماني أو الرتبـي. وقرأ أبو حيوة {ذَائِقَةُ } بالتنوين {ٱلْمَوْتُ } بالنصب، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه {تُرْجَعُونَ } مبنياً للفاعل، وروى عاصم {يَرْجِعُونَ } بياء الغيبة.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض ثان بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها تأكيد الوعيد الذي تضمنته جملة: {أية : والذين آمنوا بالباطل}تفسير : [ العنكبوت: 52] إلى آخرها، والوعد الذي تضمنته جملة: {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنُبَوِّئَنَّهُم من الجنة غُرفاً}تفسير : [العنكبوت: 58] أي الموت مُدرك جميع الأنفس ثم يرجعون إلى الله. وقصد منها أيضاً تهوين ما يلاقيه المؤمنون من الأذى في الله ولو بلغ إلى الموت بالنسبة لما يترقبهم من فضل الله وثوابه الخالد، وفيه إيذان بأنهم يترقبهم جهاد في سبيل الله. وقرأ الجمهور {ترجعون} بتاء الخطاب على أنه خطاب للمؤمنين في قوله: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}تفسير : [العنكبوت: 56]. وقرأه أبو بكر عن عاصم بياء الغيبة تبعاً لقوله: {أية : يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [العنكبوت: 55].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}. جاء معناه موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى في سورة آل عمران {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [آل عمران: 185] وقوله: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} تفسير : [الرحمن: 26] وقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88].

د. أسعد حومد

تفسير : {ذَآئِقَةُ} (57) - وَأَيْنَمَا كُنْتُمْ يُدْرِككُمُ المَوْتُ، فَكُونُوا فِي طَاعَةِ اللهِ، وَحَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، فَالمَوْتُ آتٍ لا مَحَالَةَ، وَلا مَفَرَّ مِنْهُ وَلا مَهْرَبَ، ثُمّ تُرْجَعُونَ إِلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعِنْدَهُ الحِسَابُ والجَزَاءُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: إنْ كنتم ستقولون - وقد قالوا بالفعل - ليس لنا في المدينة دار ولا عقار، وليس لنا فيها مصادر رزق، وكيف نترك أولادنا وبيئتنا التي نعيش فيها، فاعلموا أنكم ولا بُدَّ مفارقون هذا كله، فإنْ لم تُفارقوها وأنتم أحياء فسوف تفارقونها بالموت؛ لأن {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ..} [العنكبوت: 57]. ومَنْ يدريكم لعلكم تعودون إلى بلدكم مرة أخرى، كما قال الله لرسوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ..} تفسير : [القصص: 85]. وعلى فَرْض أنكم لن تعودوا إليها فلن يُضيركم شيء؛ لأنكم لا بُدَّ مفارقوها بالموت. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يخفف عنهم ما يلاقونه من مفارقة الأهل والوطن والمال والأولاد. كما أننا نلحظ في قوله سبحانه {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ..} [العنكبوت: 57] بعد {أية : إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ..} تفسير : [العنكبوت: 56] أن الخواطر التي يمكن أن تطرأ على النفس البشرية حين يُشرِّع الله أمراً يهيج هذه الخواطر مثل {أية : إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ..} تفسير : [العنكبوت: 56] وما تثيره في النفس من حب الجمع والتملّك يجعل لك مع الأمر ما يهبِّط هذه الخواطر. {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ..} [العنكبوت: 57] حتى لا نطمعَ في حطام الدنيا، ويُلهينا إغراء المال والهجرة لجمعه، فالنهاية بعد ذلك كله الموت، وفقدان كل ما جمعت. وهذه القضية واضحة في قوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ..} تفسير : [التوبة: 28]. فلما أراد الله تعالى أن يُنهي وجود المشركين في البيت الحرام علم سبحانه أن المسلمين سيحسبون النتيجة المادية لمنع المشركين من دخول الحرم، وأنها ستؤثر على تجارتهم وأرزاقهم في مواسم التجارة والحج. لذلك قال بعدها مباشرة: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ..} تفسير : [التوبة: 28] فساعةَ يقرأونها في التشريع يعلمون أن الله اطَّلع على ما في نفوسهم، وجاءهم بالردِّ عليه حتى لا يتكلموا به، وهذا يعني أن التشريع يأتي ليعالج كل خواطر النفس، فلا ينزعك من شيء تخافه إلا ومع التشريع ما يُذهِب هذه المخاوف. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.