Verse. 3398 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ لَنُبَوِّئَنَّہُمْ مِّنَ الْجَنَّۃِ غُرَفًا تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْہٰرُ خٰلِدِيْنَ فِيْہَا۝۰ۭ نِعْمَ اَجْرُ الْعٰمِلِيْنَ۝۵۸ۤۖ
Waallatheena amanoo waAAamiloo alssalihati lanubawwiannahum mina aljannati ghurafan tajree min tahtiha alanharu khalideena feeha niAAma ajru alAAamileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنُبوئنَّهم» ننزلنهم، وفي قراءة بالمثلثة بعد النون من الثواء: الإقامة وتعديته إلى غرفا بحذف في «من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين» مقدّرين الخلود «فيها نِعم أجر العاملين» هذا الأجر.

58

Tafseer

الرازي

تفسير : بين ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه كما بين من قبل ما يكون للكافرين بقوله: { أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [العنكبوت: 54] فبين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما أن للكافرين النيران، وبين أن فيها غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما بين أن تحت الكافرين النار، وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله تعالى: {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } في مقابلة ما بين أن ما تقدم جزاء عمل الكفار بقوله: { أية : ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [العنبكوت: 55] ثم في الآيتين اختلافات فيها لطائف منها أنه تعالى ذكر في العذاب أن فوقهم عذاباً أي ناراً، ولم يذكر ههنا فوقهم شيئاً، وإنما ذكر ما فوق من غير إضافة وهو الغرف، وذلك لأن المذكور في الموضعين العقاب والثواب الجسمانيان، لكن الكافر في الدرك الأسفل من النار، فيكون فوقه طبقات من النار، فأما المؤمنون فيكونون في أعلى عليين، فلم يذكر فوقهم شيئاً إشارة إلى علو مرتبتهم وارتفاع منزلتهم. وأما قوله تعالى: { أية : لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ } تفسير : [الزمر: 20] لا ينافي لأن الغرف فوق الغرف لا فوقهم والنار فوق النار وهي فوقهم، ومنها أن هناك ذكر من تحت أرجلهم النار، وههنا ذكر من تحت غرفهم الماء، وذلك لأن النار لا تؤلم إذا كانت تحت مطلقاً ما لم تكن في مسامتة الأقدام ومتصلة بها، أما إذا كان الشعلة مائلة عن سمت القدم وإن كانت تحتها، أو تكون مسامتة ولكن تكون غير ملاصقة بل تكون أسفل في وهدة لا تؤلم، وأما الماء إذا كان تحت الغرفة في أي وجه كان وعلى أي بعد كان يكون ملتذاً به، فقال في النار من تحت أرجلهم ليحصل الألم بها، وقال ههنا من تحت الغرف لحصول اللذة به كيف كان، ومنها أن هناك قال ذوقوا لإيلام قلوبهم بلفظ الأمر وقال ههنا {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } لتفريح قلوبهم لا بصيغة الأمر وذلك لأن لفظ الأمر يدل على انقطاع التعلق بعده، فإن من قال لأجيره خذ أجرتك يفهم منه أن بذلك ينقطع تعلقه عنه، وأما إذا قال ما أتم أجرتك عندي أو نعم مالك من الأجر يفهم منه أن ذلك عنده ولم يقل ههنا خذوا أجرتكم أيها العاملون وقال هناك: {ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فإن قال قائل ذوقوا إذا كان يفهم منه الانقطاع فعذاب الكافر ينقطع، قلنا ليس كذلك لأن الله إذا قال ذوقوا دل على أنه أعطاهم جزاءهم وانقطع ما بينه وبينهم لكن يبقى عليهم ذلك دائماً ولا ينقص ولا يزداد، وأما المؤمن إذا أعطاه شيئاً فلا يتركه مع ماأعطاه بل يزيد له كل يوم في النعم وإليه الإشارة بقوله: { أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } تفسير : [يونس: 26] أي الذي يصل إلى الكافر يدوم من غير زيادة والذي يصل إلى المؤمن يزداد على الدوام، وأما الخلود وإن لم يذكره في حق الكافر لكن ذلك معلوم بغيره من النصوص.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } ننزلنهم. وفي قراءة بالمثلثة بعد النون من الثواء الإِقامة وتعديته إلى غرفاً بحذف في {مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ } مُقَدّرين الخلود {فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ } هذا الأجر.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَنُبَوِّئَنَّهُم} من الثواء وهو طول المقام والباء لنسكننهم {غُرَفاً} الغرف أعالي البيوت وهي أنزه وأطيب من البيوت.

القشيري

تفسير : هم - اليومَ - في غُرَفِ معارفهم على أَسِرَّةِ وَصْلِهم، مُتَوَّجُون بتيجان سيادتهم، يُسْقَوْن كاساتٍ الوَجْدِ، ويَجْبُرُون في جِنانِ القُرْب، وعداً كما قال:- {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. والصبرُ الوقوفُ مع الله بشرط سقوط الفكرة. الصبرُ العكوفُ في أوطان الوفاء، الصبر حَبْسُ النَّفْسِ على فِطامها. الصبر تجرُّعُ كاساتِ التقدير من غير تعبيس. الصبر صفة توجب معيَّةَ الحقِّ... وأَعْزِزْ بها! وأولُ الصبرِ تصبُّرٌ بتكلفٍ، ثم صبرٌ بسهولة، ثم اصطبارٌ وهو ممزوج بالراحة، ثم تحقُّقٌ بوصف الرضا؛ فيصير العبدُ فيه محمولاً بعد أن كان مُتَحَمّلاً. والتوكلُ انتظارٌ مع استبشار، والتوكلُ سكونُ السِّرِّ إلى الله، التوكلُ استقلالٌ بحقيقة التوكل؛ فلا تتبرَّم في الخلوة بانقطاع الأغيار عنك. التوكل إعراضُ القلب عن غير الربِّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ومن الصالحات الهجرة للدين {لنبوئنهم} لننزلنهم: وبالفارسية [هر آينه فرود اديم ايشانرا] قال فى التاج النبوء [كسى را جايى فر آوردن] {من الجنة غرفا} مفعول ثان لنبوئنهم اى قصورا عالية من الدر والزبرجد والياقوت وانما قال ذلك لان الجنة فى جهة عالية والنار فى سافلة ولان النظر من الغرف الى المياه والحضر اشهى وألذ {تجرى من تحتها الانهار} صفة لغرفا {خالدين فيها} اى ماكثين فى تلك الغرف الى غاية {نعم اجر العاملين} الاعمال الصالحة: يعنى [نيك مزديست مزد عمل كنندكان خيررا كوشكهاى بهشت]

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم} جواب قسم والقسم وجوابه خبر الذين لننزلنهم. {مِّنَ الجَنَّةِ} حال من قوله. {غرَفاً} وقرأ حمزة والكسائي (لنثوبنهم) بالمثلثة بعد النون مضار اثواه المتعدي بالهمزة وأما ثوي الثلاثي فلازم وغرفاً على القراءتين مفعول ثان وإنما تعدى الإثواء بالهمزة لاثنين وحقه ان يتعدى به لواحد لأنه بدون الهمزة لازم لتضمنه معنى الإنزال وإلا فثوى معنى مكث وأثوى غيره بمعنى جعله ماكثاً ويقال أيضا ثوي بمعنى نزل للاقامة مجازاً وأصله بمعنى أقام ومكث ولك ان تجعل غرفا منصوباً على نزع الخافض على القراءتين اي في غرف لا على القراءة الثانية فقط ومنصوباً على الظرفية المكانية ولو كان مختصا أجراه له مجرى المبهم على القراءتين أيضا ويجوز كون نبو بمعنى نهي فالهاء على تقدير الجار اي لنهين لهم وغرفاً مفعولة او بمعنى نعطي على طريق التضمين فله مفعولان والغرف الملالي جمع غرفة. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ} حال مقدّره أي معتقدين الخلود وناوين له. {فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ} لله بطاعته وقرأ يحيى بن وثاب (فنعم) والمخصوص بالمدح محذوف هو الجنة.

اطفيش

تفسير : {والَّذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم} ننزلنهم على وجه الاقامة، وجملة القسم وجوابه خبر المبتدأ {من الجنَّة} حال من قوله: (غُرفا) عوالى من در وزبرجد وياقوت، وذهب وفضة، مفعول ثان {تَجْري من تَحْتها الأنهار} نعت غرفا {خالدينَ فيهَا} فى الغرف، او فى الجنة، وهو اولى، لانهم يخرجون عن الغرف الى حيث شاءوا، الا انه لما كان لا بد من رجوعهم اليها، صح اطلاق الخلود فيها {نِعْم أجرْ العاملينَ} للطاعات، والمخصوص محذوف، أى الغرف او الاجر.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } أي لننزلنهم على وجه الإقامة، وجملة القسم وجوابه خبر المبتدأ أعني {ٱلَّذِينَ } ورد به وبأمثاله على ثعلب المانع من وقوع جملة القسم والمقسم عليه خبراً للمبتدأ، وقوله تعالى: {مّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً } أي علالي وقصوراً جليلة لا قصور فيها، وهي على ما روي عن ابن عباس من الدر والزبرجد والياقوت، مفعول ثان للتبوئة. / وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعبد الله والربيع بن خيثم وابن وثاب. وطلحة وزيد بن علي وحمزة والكسائي {لنثوينهم} بالثاء المثلثة الساكنة بعد النون وإبدال الهمزة ياء من الثواء بمعنى الإقامة فانتصاب {غُرَفَاً} حينئذٍ إما بإجرائه مجرى لننزلنهم فهو مفعول به له أو بنزع الخافض على أن أصله بغرف فلما حذف الجار انتصب أو على أنه ظرف والظرف المكاني إذا كان محدوداً كالدار والغرفة لا يجوز نصبه على الظرفية إلا أنه أجري هنا مجرى المبهم توسعاً كما في قوله تعالى: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }تفسير : [الأعراف: 16] على ما فصل في النحو. وروي عن ابن عامر أنه قرأ {غُرَفَاً } بضم الراء. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} صفة لغرفاً {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } أي في الغرف، وقيل: في الجنة {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } أي الأعمال الصالحة والمخصوص بالمدح محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه أي نعم أجري العاملين الغرف أو أجرهم، ويجوز كون التمييز محذوفاً أي نعم أجراً أجر العاملين. وقرأ ابن وثاب {فَنِعْمَ } بفاء الترتيب.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : والذين آمنوا بالباطل} تفسير : [العنكبوت: 52]. وجيء بالموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر، أي نُبَوِّئَنهم غرفاً لأجل إيمانهم وعملهم الصالح. والتبوئة: الإِنزال والإِسكان، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ}تفسير : في سورة يونس (93). وقرأ الجمهور: [لَنُبَوِّئَنَّهُم] بموحدة بعد نون العظمة وهمزة بعد الواو. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: {لَنُثَوِّيَنَّهم} بمثلثة بعد النون وتحتية بعد الواو من اثواه بهمزة التعدية إذا جعله ثاوياً، أي مقيماً في مكان. والغُرَف: جمع غُرفة، وهو البيت المعتلَى على غيره. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : أولئك يُجْزون الغرفة}تفسير : في آخر سورة الفرقان [75]. وجملة: {نَعْمَ أجر العَامِلِين} الخ.. إنشاء ثناء وتعجيب على الأجر الذي أعطُوه، فلذلك قطعت عن العطف. وقوله: {الذِينَ صَبَرُوا} خبر مبتدأ محذوف اتباعاً للاستعمال والتقدير: هم الذين صبروا. والمراد: صبرهم على إقامة الدين وتحمل أذى المشركين، وقد علموا أنهم ملاقوه فتوكلوا على ربّهم ولم يعبأوا بقطيعة قومهم ولا بحرمانهم من أموالهم ثم فارقوا أوطانهم فراراً بدينهم من الفتن. ومن اللطائف مقابلة غشيان العذاب للكفار من فوقهم ومن تحت أرجلهم بغشيان النعيم للمؤمن من فوقهم بالغرف ومن تحتهم بالأنهار. وتقديم المجرور على متعلّقه من قوله: {وعلى ربهم يتوكلون} للاهتمام. وتقدم معنى التوكل عند قوله: {أية : فإِذا عزمت فتوكل على الله} تفسير : في سورة آل عمران [159].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} قد قدمنا معنى وعملوا الصالحات موضحاً في أول سورة الكهف، وقدمنا معنى لنبوئنهم في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [الحج: 26] الآية. وذكرنا الآيات التي ذكرت فيها الغرف في آخر الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} تفسير : [الفرقان: 75] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 58، 59- والذين صدَّقوا بالله وكتبه ورسله، وعملوا الأعمال الصالحة، نقسم: لننزلنَّهم من دار النعيم غرفات تجرى من تحتها الأنهار، لا ينقطع عنهم نعيمها، نعم هذا الجزاء أجراً للعاملين الصابرين على كل ما يصيبهم فى سبيل الله من فراق الأوطان والأهل والأموال، المعتمدين على الله - وحده - فى جميع أحوالهم. 60- وكثير من الدواب التى تعيش معكم فى الأرض لا تستطيع - لضعفها - أن تحمل رزقها وتنقله، لتأكله أو تدخره. الله يهيئ لها أسباب رزقها وحياتها، ويهيئ لكم أسباب رزقكم وحياتكم. وهو المحيط بكل ما خلق سمعاً وعلماً. 61- وأقسم إن سألت المشركين: من أوجد السموات والأرض، وذلل الشمس والقمر وأخضعهما لمنافع الناس؟ ليقولون: خلقهن الله، ولا يذكرون أحدا سواه، فكيف إذن ينصرفون عن توحيد الله - تعالى - مع إقرارهم بهذا كله؟!. 62- الله يُوسِّع على مَن يشاء فى الرزق، ويُضيِّقُ على مَن يشاء حسبما يقتضيه علمه بالمصالح، فإن الله قد أحاط بكل شئ علما. 63- وأقسم إن سألتهم: من نزَّل من السماء ماء فجعل منه حياة الأرض بالنبات بعد جدبها؟ ليقولن: الله. قل: الحمد لله على اعترافهم بالحق، بل أكثرهم لا يفهمون ما يقعون فيه من تناقض. 64- وليست هذه الحياة الدنيا إلا متاعاً محدود الوقت، يلهو به الغافلون كما يلهو الصبيان ويلعبون وقتاً ما ثم ينفضون. وإن الدار الآخرة لهى دار الحياة الحقيقية الكاملة الدائمة، وهذه حقائق ثابتة يدركها هؤلاء لو كان من شأنهم الإدراك الصحيح.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} {ٱلْعَامِلِينَ} (58) - وَالذِينَ آمَنُوا باللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرهُمُ اللهُ فَأَطَاعُوهُ فِيهِ، وانْتَهَوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ، فإِنّهُ تَعَالى يَعِدُهُمْ وَعْداً حَقّاً أَنَّهُ سَيُنْزِلُهُمْ في الجَنَّةِ قُصُوراً، وأَمَاكِنَ مُرتَفِعَةً (غُرَفاً) تَجْرِي في أَرْضِهَا الأَنْهَارُ وَسَيبْقَونَ فِيها خَالدِين، أَبداً، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَا عَمِلُوا. وَمَا حَصَلُوا عَلَيهِ مِنْ جَزاءٍ كَرِيمٍ هُوَ نِعْمَ الأَجْرُ لِمَنْ عَمِلَ صَالِحاً. لَنُبوئَنَّهُمْ - لَنُنْزِلَنَّهُمْ عَلَى وَجْهِ الإِقَامَةِ. غُرَفاً - مَنَازِلَ رَفيعَةً عَالِيةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه في مقابل: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ..} تفسير : [العنكبوت: 54-55] وذكر المقابل لزيادة النكاية بالكافرين، كما يقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13-14]. فجَمْع المتقابلين يزيد من فَرْحة المؤمن، ويزيد من حَسْرة الكافر. ومعنى {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً ..} [العنكبوت: 58] أي: نُنزلهم ونُمكِّنهم منها، كما جاء في قوله تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ..} تفسير : [آل عمران: 121] يعني: تُنزِلهم أماكنهم. والجنة تُطلق على الأرض ذات الخضرة والأشجار والأزهار في الدنيا، كما جاء في قوله سبحانه: {أية : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ..} تفسير : [البقرة: 266]. وقوله سبحانه: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ..} تفسير : [القلم: 17]. وقوله سبحانه: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ..} تفسير : [الكهف: 32]. فإذا كانت جنة الدنيا على هذه الصورة من الخِصْب والنماء والجمال، وفيها أسباب القُوت والترف، إذا كان ذلك في دنيا الأسباب التي نراها، فما بالك بما أعدَّه الله لخَلْقه في الآخرة؟ ومن عجائب الجنة أنها {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [العنكبوت: 58] ونحن نعرف أن أنهار الدنيا تجري خلالها عبر الشُّطآن التي تحجز الماء، أمّا في الجنة فتجري أنهارها بلا شُطآن. لذلك لما كنا نسافر إلى بلاد المدنية والتقدّم، ونرى زخارف الحياة وترفها كنتُ أقول لمن معي: خذوا من هذا النعيم عِظَة، فهو ما أعدَّه البشر للبشر، فما بالكم بما أعدَّه ربُّ البشر للبشر؟ فإذا رأيتَ نعيماً عند أحد فلا تحقد عليه، بل ازْدَدْ به يقيناً في الله تعالى، وأن ما عنده أعظم من هذا. أَلاَ ترى أن الحق - تبارك وتعالى - حينما يخبرنا عن الجنة يقول: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ..} تفسير : [محمد: 15] فيجعلها مثلاً؛ لأن ألفاظ اللغة لا تؤدي المعاني التي في الجنة ولا تَصِفها. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فيها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر" تفسير : فكل ما جاء فيها ليس وصفاً لها إنما مجرد مثَل لها، ومع ذلك لما أعطانا المثل للجنة صَفّى المثل من شوائبه، فقال: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ..} تفسير : [محمد: 15] ويكفي أن تعلم أن نعيم الجنة يأتي مناسباً لقدرة وإمكانيات المنِعم سبحانه. وقوله سبحانه {خَالِدِينَ فِيهَا ..} [العنكبوت: 58] لأن النعيم مهما كان واسعاً، ومهما تعددتْ ألوانه، فيُنغِّصه ويُؤرِّق صاحبه أن يزول إما بالموت وإما بالفقر، أما نعيم الجنة فدائم لا يزول ولا ينقطع، فلا يفوتك ولا تفوته، كما قال سبحانه: {أية : لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} تفسير : [الواقعة: 33] لا يُكدِّرها شيء. إذن: فالرابح مَنْ آثر الآخرة على الدنيا؛ لأن نعيم الدنيا مآله إلى زوال، ولا تقُلْ: إن عمر الدنيا كم مليون سنة، إنما عمرها مدة بقائك أنت فيها، وإلا فماذا تستفيد من عمر غيرك؟ ثم إنك تتمتع في الدنيا على قدر إمكاناتك ومجهوداتك، فنعيم الدنيا بالأسباب، لكن نعيم الآخرة بالمسبِّب سبحانه، لذلك ترى نعيماً صافياً لا يُنغِّصه شيء، فأنت ربما تأكل الأكْلة في الدنيا فتسبِّب لك المتاعب والمضايقات، كالمغص والانتفاخ، علاوة على ما تكرهه أثناء قضاء الحاجة للتخلُّص من فضلات هذه الأكلة. أما في الآخرة فقد أعدَّ الله لك الطعام على قَدْر الحاجة، بحيث لا تكون له فضلات، لأنه طُهِي بكُنْ من الله تعالى. لذلك سُئِل أحد علماء المسلمين: تقولون: إن الجنة تأكلون فيها، ولا تتغوطون، فكيف ذلك؟ فقال: ولم التعجب، أَلاَ تروْنَ الجنين في بطن أمه يتغذى وينمو ولا يتغوط؛ لأن الله تعالى يعطيه غذاءه على قدر حاجته للنمو، فلا يبقى منه فضلات، ولو تغوَّط في مشيمته لمات في بطن أمه. وقوله تعالى: {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [العنكبوت: 58] نعم، نعْم هذا الأجر؛ لأنك مكثْتَ إلى سِنِّ التكليف ترْبَع في نعم الله دون أنْ يُكلِّفك بشيء، ثم يعطيك على مدة التكليف أجراً لا ينقطع، ولا نهاية له، فأيُّ أجر أَسْخى من هذا؟ ويكفي أن الذي يقرِّر هذه الحقيقة هو الله، فهو سبحانه القائل: {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [العنكبوت: 58]. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} مهاجرين عن أوطان الوجود {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ} جنة الوصال {غُرَفَاً} من غرف المعارف {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أنهار الحكم {خَالِدِينَ فِيهَا} [العنكبوت: 58] في جنات القرب والوصول. {نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} [العنكبوت: 58] القاصدين بالخروج عن حجب الأنانية للوصول إلى كعبة الهوية في السير فيها مجذوبين عنهم به {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} [العنكبوت: 59] في البداية: صبروا على حبس النفس بفطامه عن لبن مرامها، وفي الوسط: صبروا على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعيين، وفي النهاية: صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح من مواهب المعيشة وكرامة المحبوبية {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت: 59] بإعراض القلب عن غير الرب واثقين بربوبيته قائمين بقيوميته وبقوله: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} [العنكبوت: 60] يُشير إلى من كانت همته في أرض الدنيا طلب شهوات النفس، فإن رزقها مقسوم لها، وهو لا يحمل النظر عنها فهو متابعة الدابة، الله يرزقها مما هو متمناها، ويرزق إياكم أيها الطالبون الصادقون ما هو متمناكم كم مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال والاستغراق في بحر الوصال، وهو السميع لتمني كل متمن، العليم بمطارح نظرهم فيعطي كل متمن على قدر همهم. ثم أخبر عن سويتهم في الإقرار بوجوده واختلاف طبيعتهم في مطالبة وجوده بقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61] يشير إلى أن بين الخلق في الإقرار بوجود الله وخالقيته سوية، وفي أنوارهم بالتوحيد اختلاف فمنهم من يثبت له الشرك، ومنهم من يثبت له الوحدة وينفي عنه الشركة، ولكل واحد من الفريقين موجب في الإثبات والنفي وموجب للتسوية في الإقرار، فأما موجب التسوية في الإقرار فقولهم: (بَلَى) فتساووا هاهنا بالإقرار بوجود الله وخالقيته، وأما موجب إثبات الوحدة ونفي الشركة فقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ". تفسير : فالإقرار بالوحدة وإثباتها ونفي الشرك من موجبات تلك الإصابة، فأما موجب إثبات الشركة فقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أخطأ فقد ضل" تفسير : فإثبات الشركة له من موجبات ذلك الإخطاء وحصول الضلالة، وهذا تحقيق قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [العنكبوت: 62] بإصابة ذلك النور المرشش {وَيَقْدِرُ لَهُ} بإخطار ذلك النور لإصابة رشاش النور وإخطائه وبقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت: 63] يُشير إلى طائفة قد أخطأهم في البداية رشاش النور وإخطائه ذلك، فوقعوا في الضلالة وماتت قلوبهم، فإن الضلالة سم قاتل للقلوب ثم أحياها بنور الإيمان {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} تفسير : [العنكبوت: 63] سماء الروحانية.