Verse. 3400 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَكَاَيِّنْ مِّنْ دَاۗبَّۃٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَہَا۝۰ۖۤ اَللہُ يَرْزُقُہَا وَاِيَّاكُمْ۝۰ۡۖ وَہُوَالسَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ۝۶۰
Wakaayyin min dabbatin la tahmilu rizqaha Allahu yarzuquha waiyyakum wahuwa alssameeAAu alAAaleemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكأين» كم «من دابة لا تحمل رزقها» لضعفها «الله يرزقها وإياكم» أيها المهاجرون وإن لم يكن معكم زاد ولا نفقة «وهو السميع» لأقوالكم «العليم» بضمائركم.

60

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَأَيِّن } كم {مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } لضعفها {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } أيها المهاجرون وإن لم يكن معكم زاد ولا نفقة {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوالكم {ٱلْعَلِيمُ } بضمائركم.

ابن عطية

تفسير : {كأين} بمعنى كم، وهذه الآية أيضاً تحريض على الهجرة لأن بعض المؤمنين فكر في الفقر والجوع الذي يلحقه في الهجرة وقالوا غربة في بلد لا دار لنا فيه ولا عقار ولا من يطعم فمثل لهم بأكثر الدواب التي تتقوت ولا تدخر ولا تروي في رزقها، المعنى فهو يرزقكم أنتم، ففضلوا طاعته على كل شيء، وقوله تعالى: {لا تحمل} يجوز أن يريد من الحمل أي لا تستقل ولا تنظر في ادخار، وقاله ابن مجلز ومجاهد وعلي بن الأقمر. قال الفقيه الإمام القاضي: والادخار ليس من خلق الموقنين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عمر: "حديث : كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة بضعف اليقين"تفسير : ، ويجوز أن يريد من الحمالة أي لا تتكفل لنفسها ولا تروي فيه، ثم خاطبه تعالى بأمر الكفار وإقامة الحجة عليهم بأنهم إن سئلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة لم يكن لهم إلا التسليم بأنها لله تعالى، و {يؤفكون} معناه يصرفون، ونبه تعالى على خلق السماوات وخلق الأرض وتسخير الكواكب وذكر عظمها فاقتضى ذلك ما دونه، ثم نبه على "بسط الرزق" وقدره لقوم، وإنزال المطر من السماء، وهذه عبر كفيلة لمن تأمل بالنجاة والمعتقد الأقوم، ثم أمر تعالى نبيه بحمده على جهة التوبيخ لعقولهم وحكم عليهم بأن {أكثرهم لا يعقلون} ولا يتسدد منهم نظر.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} بل ما تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئاً، أو تأكل لوقتها ولا تدخر لغدها "ح"، أو يأتيها بغير طلب وذكر النقاش شيئاً لا يحل ذكره ولبئس ما قال وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الحيوان كل ما دب لا يحمل رزقه ولا يدخر إلا ابن آدم والنمل والفأر. {يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} يسوي بين القادر والعاجز والحريص والقانع ليعلم أن ذلك يقدره الله تعالى دون حول وقوة قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة خافوا الضيعة والجوع وقال بعضهم نهاجر إلى بلدة ليس فيها معاش فنزلت هذه الآية فهاجَرُوا.

البقاعي

تفسير : ولما أشار بالتوكل إلى أنه الكافي في أمر الرزق في الوطن والغربة، لا مال ولا أهل، قال عاطفاً على ما تقديره: فكأيّ من متوكل عليه كفاه، ولم يحوجه إلى أحد سواه، فليبادر من أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طالباً لرضاه: {وكأيّن من دابة} أي كثير من الدواب العاقلة وغيرها {لا تحمل} أي لا تطيق أن تحمل {رزقها} ولا تدخر شيئاً لساعة أخرى، لأنها قد لا تدرك نفع ذلك، وقد تدركه وتتوكل، أو لا تجد. ولما كان موضع أن يقال: فمن يرزقها؟ قال جواباً له: {الله} أي المحيط علماً وقدرة، المتصف بكل كمال {يرزقها} وهي لا تدخر {وإياكم} وأنتم تدخرون، لا فرق بين ترزيقه لها على ضعفها وترزيقه لكم على قوتكم وادخاركم، فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون، فصار الادخار وعدمه غير معتد به ولا منظور إليه. ولما كان أهم ما للحيوان الرزق، فهو لا يزال في تدبيره بما يهجس في ضميره وينطق به إن كان ناطقاً ويهمهم به إن كان صامتاً، أما العاقل فبأمور كلية، وأما غيره فبأشياء جزئية وحدانية، وكان العاقل ربما قال: إني لا أقدر على قطع العلائق من ذلك، قال تعالى: {وهو السميع} أي لما يمكن أن يسمع في أمره وغير أمره {العليم*} أي بما يعلم من ذلك، وبما يصير إليه أمركم وأمر عدوكم، فهو لم يأمركم بما أمركم به إلا وقد أعد له أسبابه، وهو قادر على أن يسبب لما اعتمد عليه الإنسان من الأسباب المنتجة عنده ولا بد ما يعطله، وعلى أن يسبب للمتوكل القاطع للعلائق ما يغنيه، ومن طالع كتب التصوف وتراجم القوم وسير السلف - نفعنا الله بهم - وجد كثيراً من ذلك بما يبصره ويسليه سبحانه ويصبره. ولما هوّن سبحانه أمر الرزق بخطابه مع المؤمنين بعد أن كان قد أبلغ في تنبيه الكافرين بإيضاح المقال، وضرب الأمثال، ولين المحاورة في الجدال، ولما كان الملك لا يتمكن غاية التمكن من ترزيق من في غير مملكته، قال عاطفاً على نحو: فلئن سألتهم عن ذلك ليصدقنك عائداً إلى استعطاف المعرضين، واللطف بالغافلين، ناهجاً في تفنين الوعظ أعني طرق الحكمة، فإن السيد إذا كان له عبدان: مصلح ومفسد، ينصح المفسد، فإن لم يسمع التفت إلى المصلح، إعراضاً عنه قائلاً: هذا لا يستحق الخطاب، فاسمع أنت ولا تكن مثله، فكان قوله متضمناً نصح المصلح وزجر المفسد، ثم إذا سمع وعظ أخيه كان ذلك محركاً منه بعد التحريك بالإعراض والذم بسوء النظر لنفسه وقلة الفطنة، فإذا خاطبه بعد هذا وجده متهيئاً للقبول، نازعاً إلى الوفاق، مستهجناً للخلاف: {ولئن سألتهم} أي المؤمن وغيره، وأغلب القصد له: {من خلق السماوات والأرض} وسواهما على هذا النظام العظيم {وسخر الشمس والقمر} لإصلاح الأقوات، ومعرفة الأوقات، وغير ذلك من المنافع. ولما كان حالهم في إنكار البعث حال من ينكر أن يكون سبحانه خلق هذا الوجود، أكد تنبيهاً على أن الاعتراف بذلك يلزم منه الاعتراف بالبعث فقال: {ليقولن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال لما قد تقرر في فطرهم من ذلك وتلقفوه عن أبائهم موافقة للحق في نفس الأمر. ولما كان حال من صرف الهمة عنه عجباً يستحق أن يسأل عنه وجه التعجب منه إشارة إلى أنه لا وجه له، قال {فأنى} أي فكيف ومن أي وجه {يؤفكون*} أي يصرف من صارف ما من لم يتوكل عليه أو لم يخلص له العبادة في كل أحواله، وجميع أقواله وأفعاله، عن الإخلاص له مع إقرارهم بأنه لا شريك له في الخلق فيكون وجهه إلى قفاه فينظر الأشياء على خلاف ما هي عليه فيقع في خبط العشواء وحيرة العجباء. ولما كان قد يشكل على ذلك التفاوت في الرزق عند كل من لم يتأمل حق التأمل فيقال: بكل الخلق والرزق له، فما بالهم متفاوتين في الرزق؟ قال: {الله} أي بما له من العظمة والإحاطة بصفات الكمال {يبسط الرزق} بقدرته التامة {لمن يشاء من عباده} على حسب ما يعلم من بواطنهم {ويقدر} أي يضيق. ولما كان ذلك إنما هو لمصالح العباد وإن لم يظهر لهم وجه حكمته قال: {له} أي لتظهر من ذلك قدرته وحكمته، وأنت ترى الملوك وغيرهم من الأقوياء يفاوتون في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون من علمهم الناقص بأحوالهم، فما ظنك بملك الملوك العالم علماً لا تدنو من ساحته ظنون ولا شكوك، وهذه الآية نتيجة ما قبلها. ولما كان سبحانه يرزق الناس، ويمكن لهم بحسب ما يعلم من ضمائرهم أنه لا صلاح إلا فيه، قال معللاً لذلك ومؤكداً رداً على من يعتقد أن ذلك إنما هو من تقصير بعض العباد وتشمير بعضهم، معلماً بأنه محيط العلم فهو محيط القدرة فهو الذي سبب عجز بعضهم وطاقة الآخرين لملازمة القدرة العلم: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {بكل شيء} أي من المرزوقين ومن الأرزاق وكيف تمنع او تساق وغير ذلك {عليم*} فهو على ذلك كله قدير، يعلم ما يصلح العباد من ذلك وما يفسدهم، ويعطيهم بحسب ذلك إن شاء وكم رام بعض الأقوياء إغناء فقير وإفقار غني، فكشف الحال عن فساد ما راموا من الانتقال. ولما ثبت بهذا شمول علمه، لزم تمام قدرته كما برهن عليه في طه، فقال مشيراً إلى ذلك ذاكراً السبب القريب في الترزيق بعد ما ذكر البعيد، فإن الاعتراف بأن هذا السبب منه يستلزم الاعتراف بأن المسبب أيضاً منه: {ولئن سألتهم من نزل} بحسب التدريج على حسب ما فعل في الترزيق، ولما كان ربما ادعى مدع أنه استنبط ماء فأنزله من جبل ونحوه، ذكر ما يختص به سبحانه سالماً عن دعوى المدعين فقال: {من السماء ماء} بعد أن كان مضبوطاً في جهة العلو {فأحيا} ولما كان أكثر الأرض يحيى بماء المطر من غير حاجة إلى سقي، قدم الجار فقال {به الأرض} الغبراء، وأشار بإثبات الجار إلى قرب الإنبات من زمان الممات، وإلى أنهم لا يعلمون إلى الجزئيات الموجودة المحسوسة، ولا تنفذ عقولهم إلى الكليات المعقولة نفوذ أهل الإيمان ليعلموا أن ما أوجده سبحانه بالفعل في وقت فهو موجود إما بإيجاده إذا أراد، فالأرض حية بإحيائه سبحانه بسبب المطر في جميع الزمن الذي هو بعد الموت بالقوة كما أنها حية في بعضها بالفعل فقال: {من بعد موتها} فصارت خضراء تهتز بعد أن لم يكن بها شيء من ذلك، وأكد لمثل ما تقدم من التنبيه على أن حالهم في إنكار البعث حال من أن ينكر أن يكون الله صانع ذلك، لملازمة القدرة عليه القدرة على البعث بقوله: {ليقولن الله} وهو الذي الكمال كله، فلزمهم توحيده. فلما ثبت أنه الخالق بدءاً وإعادة كما يشاهد في كل زمان، قال منبهاً على عظمة صفاته اللازم من إثباتها صدق رسوله صلى الله عليه وسلم: {قل} معجباً منهم في جمودهم حيث يقرون بما يلزمهم التوحيد ثم لا يوحدون: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال كلها {لله} الذي لا سمي له وليس لأحد غيره إحاطة بشيء من الأشياء، فلزمهم الحجة بما أقروا به من إحاطته، وهم لا يثبتون ذلك بإعراضهم عنه {بل أكثرهم لا يعقلون*} أي لا يتجدد لهم عقل، بعضهم مطلقاً لأنه مات كافراً حيث هم مقرون بمعنى الحمد من أنه الخالق لكل شيء بدءاً وإعادة ثم يفعلون ما ينافي ذلك فيشركون به غيره مما هم معترفون بأنه خلقه ولا يتوكلون في جميع الأمور براً وبحراً عليه ويوجهون العبادة خالصة إليه، فهم لا يعرفون معنى الحمد حيث لم يعملوا به، ومنهم من آمن بعد ذلك فكان في الذروة من كمال العقل في التوحيد الذي يتبعه سائر الفروع، ومنهم من كان دون ذلك، فكان نفي العلم عنه مقيداً بالكمال.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏"حديث : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال "‏يا ابن عمر مالك لا تأكل‏! قلت‏:‏ لا أشتهيه يا رسول الله‏.‏ قال‏: لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبؤون رزق سنتهم، ويضعف اليقين‏؟‏ قال‏:‏ فوالله ما برحنا، ولا رمنا حتى نزلت ‏ {‏وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات ألا وإني، لا أكنز ديناراً، ولا درهماً، ولا أدخر رزقاً لغد" ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏وكأين من دابة لا تحمل رزقها‏} ‏ قال‏:‏ الطير، والبهائم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن الأقمر في قوله ‏ {‏وكأين من دابة لا تحمل رزقها‏}‏ قال‏:‏ لا تدخر شيئاً لغد‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي مجلز في الآية قال‏:‏ من الدواب لا يستطيع أن يدخر لغد، يوفق رزقه كل يوم حتى يموت‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة ‏ {‏فأنى يؤفكون‏}‏ قال‏:‏ يعدلون‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} [الآية: 60]. سمعت بشر بن أحمد الإسفرايينى يقول: حدثنا أبو يعلى الموصلى قال: حدثنا ابن معين قال: حدثنا يحيى بن يمان عن سفيان عن على بن الأرقم يقول فى قوله: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا}: لا تدخر شيئًا لغدٍ. سمعت أبا عمرو بن مطر يقول: سمعت أبا بكر البردعى يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجورى يقول: لا تجزعوا من التوكل فإنه عيش لأهله قال الله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ}. قال ابن عطاء: يرزقها بالتوكل ويرزقكم بالطلب. قال أبو بكر بن طاهر: يرزقها بحسن اليقين ويرزقكم مع قلة اليقين. سمعت أبا عمرو بن مطر يقول: سمعت أبا بكر البردعى يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجورى يقول: أرزاق المتوكلين على الله تجرى بعلم الله لهم بلا شغل وغيرهم فيها مشغول ومتعوب.

القشيري

تفسير : {لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أي لا تدخره، فمن لم يدخر رزقه في كيسه أو خزائنه فاللَّهُ يرزقه من غير مقاساة تعبٍ منه. ويقال: {لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} المقصود بها الطيور والسباع إذ ليس لها معلوم، وليس لها بيت تجمع فيه القوت، وليس لها خازن ولا وكيل.. الله يرزقها وإياكم. ويقال إرادةُ اللَّهِ في أن يستبقيكَ ولا يقبض رُوحَك أقوى وأتمُّ وأكبرُ من تَعَنِّيك لأَجْلِ بقائك.. فلا ينبغي أَنْ يكونَ اهتمامُكَ بسبب عَيْشِك أتمَّ وأكبرَ من تدبير صانعك لأجل بقائك.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} حث سبحانه العباد بالتوكل عليه والتيقن بطليف صنعه والكرم العميم منه على جميع البرية وبان يرث العباد بما يجرى عليهم من الاقدار السابقة فى الازل ولا يكونوا مهتمين بما يستقبلون من الايام الباقية والاعمار الماضية بجهة الرزق لانه تعالى قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات والارض بخمسين الف سنة وما قدر فى الخلق والخلق والرزق والاجل لا يتبدل بقصد القاصدين وجهد الجاهدين لا ترى الى الوحوش والطيور لا تدخر شيئا الى الغد تغدوا خاصا وتروح بطنا لا تكالهم على الله بما وصل الى قلوبهم من نور معرفة خالقها كيف يكون الانسان يهتم لاجل رزقه ويدخر شيئا لغده ولا يعرف حقيقة رزقه واجله فربما ياكل ذخيرته غيره ولا يصل الى غده لذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد اذا الارزاق مجددة كالانفاس المجددة فى كل لمحة ولذلك وصف الله سبحانه فى اوايل الأية اهل التوكل والرضا بقوله الذين صبروا على ربهم يتوكلون ثم بين انه تعالى رزاق جميع ذوات الارواح بقوله {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} ليسقط عن القلوب اهتمام الرزق من قلوب الخصوص والعموم لاجل نفوسهم ولغيرهم لانه سميع مقالة السايلين فى طلب حوائجهم منه عليهم بما ادخره من ارزاقهم فى خزائن وجوده دقيقة اشارة التوحيد ان الارزاق فى اماكن العدم معدومة ولا يوجدها بالحدثان لان ايجادها من نعوت قوت الرحمانية الازلية ولو يحصرها بجميعها كيف تحملها الدابة واصل حقيقة الرزق مشاهدة العدم والارواح ولا تحمل سطواتها فى وقت التجلى بل الله يكسبها قوة ازلية تحمل بها منه ما عليه من كنه كشفه قال بعضهم فى تفسير قوله لا تحمل ردتها قال لا تدخر شيئا لغد قال النهر جورى لا تجزعوا من التوكل فانه عيش لاهله قال الله وكاين من ---- الأية وقال ابن عطا يرزقها بالتوكل ويرزقكم بالطلب.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكأين من دابة لاتحمل رزقها} كأين للتكثير بمعنى كم الخبرية ركب كاف التشبيه مع أى فجرد عنها معناها الافرادى فصار المجموع كأنه اسم مبنى على السكون آخره نون ساكنة كما فى من لاتنوين تمكين ولهذا يكتب بعد الياء نون مع ان التنوين لاصورة له فى الخط وهو مبتدأ. وجملة قوله الله يرزقها خبره. ولاتحمل صفة دابة. والدابة كل حيوان يدب ويتحرك على الارض مما يعقل وممالايعقل. والحمل بالفتح [برداشتن بسروبه بشت] وبالكسر اسم للمحمول على الرأس وعلى الظهر. والرزق لغة ماينتفع به واصطلاحا اسم لما يسوقه الله الى الحيوان فيأكله ـ روى ـ ان النبى صلى الله عليه وسلم لما امر المؤمنين الذين كانوا بمكة بالمهاجرة الى المدينة قالوا كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة فنزلت والمعنى وكثير من دابة ذات حاجة الى الغذاء لاتطيق حمل رزقها لضعفها او لاتدخره وانما تصبح ولامعيشة عندها [وذخيره كننده ازجانوران آدميست وموش ومور وكفته اند سياه كوش ذخيرة نهد وفراموش كند. ودر كشاف از بعضى نقل ميكندكه بلبلى را ديدم خوردنى درزير بالهاى خود نهان ميكرد القصه جانوران بسيارند ازدواب وطيور ووحوش وسباع وهوام وحيوانات آبى كه ذخيره ننهند وحامل رزق خود نشوند] {الله يرزقها} يعطى رزقها يوما فيوما حيث توجهت {و} يرزق {اياكم} حيث كنتم اى ثم انها مع ضعفها وتوكلها واياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء فى انه لايرزقها واياكم الا الله لان رزق الكل باسباب هو المسبب لها وحده فلا تخافوا الفقر بالمهاجرة والخروج الى دار الغربة شعر : هست زفيض كرم ذو جلال مشرب ارزاق بر آب زلال شاه وكداروزى ازان ميخورند مور وملخ قسمت ازاوميبرند تفسير : {وهو السميع العليم} المبالغ فى السمع فيسمع قولكم هذا فى امر الرزق المبالغ فى العلم فيعلم ضمائركم. وقال الكاشفى [دانا بآنكه شمارا رزوى از كجادهد]

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وكأيِّن من دابة} أي: وكم دابة من داوب الأرض، عاقلة وغير عاقلة، {لا تحملُ رِزْقَها}؛ لا تطيق أن تحمله؛ لضعفها عن حمله، {اللهُ يرزقها وإياكم} أي: لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أنتم أيها الأقوياء إلا الله، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها؛ لأنه لو لم يخلق فيكم قدرة على كسبها، لكنتم أعجز من الدواب. وعن الحسن: {لا تحمل رزقها}: لا تدخره، إنما تصبح خِمَاصاً، فيرزقها الله. وقيل: لا يدخر من الحيوان قوتاً إلا ابن آدم والفأرة والنملة. {وهو السميع} لقولكم: نخشى الفقر والعيْلة إن هاجرنا، {العليم} بما في ضمائركم من خوف فوات الرزق. ثم ذكر دلائل قدرته على الرزق وغيره فقال: {ولئن سألتهم} أي: المشركين وغيرهم {مَنْ خَلَقَ السماوات والأرض} على كبرهما وسعتهما، {وسخَّرَ الشمسَ والقمرَ} يجريان في فلكهما، {ليقولُنَّ اللهُ}؛ لا يجدون جواباً إلا هذا، لإقرارهم بوجود الصانع، {فأنى يؤفكون}؛ فكيف يُصرفون عن توحيد الله؟ مع إقرارهم بهذا كله، إذ لوتعدد الإله لفسد نظام العالم. {الله يَبسُطُ الرِزْقَ لمن يشاءُ من عباده} هاجر أو أقام في بلده، {ويقدرُ له}؛ ويضيق عليه، أقام أو هاجر، فالضمير في {له} لمن يشاء؛ لأنه مبهم غير معين، {إن الله بكل شيء عليم}؛ يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم، فمنهم من يصله الفقر، ومنهم من يُفسده، ففي الحديث القدسي: "حديث : إن من عبادي من لا يُصلح إيمانه إلاَّ الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك"تفسير : ذكره النسفي. {ولئن سألتهم من نزَّل من السماءِ ماء فأحيا به الأرضَ من بعد موتها ليقولن اللهُ}؛ معترفين بأنه الموجد للكائنات بأسرها، أصولها وفروعها، ثم إنهم يُشركون به بعض مخلوقاته الذي هو أضعف الأشياء. {قل الحمد لله} على إظهار قدرته، حتى ظهرت لجميع الخلق، حتى أقرت بها الجاهلية الجهلاء. أو: على ما عصمك مما هم عليه، أو: على تصديقك وإظهار حجتك، أو: على إنزاله الماء لإحياء الأرض، {بل أكثرُهُم لا يعقلون}؛ لا عقول لهم، فلا يتدبرون فيما يُريهم من الآيات ويقيم عليهم من الدلالات. والله تعالى أعلم. الإشارة: الرزق مضمون بيد من أَمْرُهُ بين الكاف والنون، لا يزيد بحرص قوي، ولا ينقص بعجز ضعيف، بل قد ينعكس الأمر، كما الشاعر: شعر : كَمْ قَوِيٍّ قَوِيٍّ في تقلبه ترى عَنْهُ أَمْرَ الرَّزْقِ يَنْحَرفُ وكم ضعيفٍ ضعيفٍ في تصرفه كأنه من خليجِ البحرِ يَغْتَرِفُ تفسير : وقد يبسطه الله لأهل الغفلة والبُعد، ويقدره لأهل الولاية والقُرب، كما قال القائل: شعر : اللهَ يَرْزُق قَوْماً لاَ خَلاَقَ لَهُمْ مِثْلَ الْبَهَائِمِ في خَلْقِ التَّصَاوِيرِ لَوْ كَانَ عَنْ قُوَّةٍ أَوْ عَنْ مُغَالَبَةٍ طَارَ البُزَاةُ بِأرْزَاقِ الْعَصَافِيرِ تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام - في بعض خطبه -: "حديث : أيها الناس، إن الرزق مقسوم، لن يعدو امْرُؤٌ ما كُتِبَ له، فاتقوا الله، وأَجْمِلُوا في الطَلَبِ. وإن الأمر محدود، لن يجاوز أحد ما قُدر له، فبادروا قبل نفود الأجل، وإن الأعمال محصاة، لن يُهْمَلَ منها صغيرةٌ ولا كبيرةٌ، فأكثروا من صالح الأعمال..." تفسير : الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو توكلتمْ على الله حقَّ توكلِهِ، لرَزقتم كما تُرزق الطير؛ تغدو خِمَاصاً وتروح بِطَانا ". تفسير : ثم حقر الدنيا وعظّم الآخرة، فقال: {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ...}.

الجنابذي

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ} لا تحصى نوعاً وفرداً {لاَّ تَحْمِلُ} الخطاب عامّ او خاصّ بمحمّدٍ (ص) او بمن يزعم ان لا مدخليّة فى الامور لشيءٍ سوى الاسباب الطّبيعيّة كالطّبيعيّة اعتقاداً او حالاً كاكثر النّاس {رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} فانّ الانسان فى بادى النّظر يظنّ انّ الرّزق منوط بالاسباب الطّبيعيّة لكن دقيق النّظر يحكم بان لا مدخليّة لشيءٍ من الاسباب الطّبيعيّة فى ارتزاق الانسان وليس الارتزاق الاّ بالاسباب الالهيّة وانّ الاسباب الطّبيعيّة حجب على الاسباب الالهيّة ونعم ما قيل: شعر : اى كرفتار سبب بيرون مير لبيك عزل آن مسبب ظن مبر هرجه خواهد آن مسبّب آورد قدرت مطلق سببها بردرد اين سببها برنظرها برده هاست كه نه هرديدا ارصنعش راسزاست ديده بايد سبب سوارخ كن تا حجب رابر كنداز بيخ وين تا مسبّب بيند اندر لا مكان هرزه بيند جهدو اسباب دكان تفسير : {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لاقوالكم القاليّة والحاليّة والاستعداديّة الّتى لا شعور لكم بها {ٱلْعَلِيمُ} بمقدار الاستعداد وقدر الاستحقاق وعمدة اسباب الرّزق هى السّماوات والارض والشّمس والقمر.

اطفيش

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} لا تطيق ان تحمله لضعفها على حمله ولا تستقل بكسبه ولا تقدر على محاولته او لا تدخره وانما تصيح ولا شيء عندها وانما تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئا كالبهائم والسباع والطير وهو قول الحسن ومجاهد وعليه ابن الأقمر. {اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} لا يرزق تلك الدواب الضعاف ولا يرزقكم ايها الأقوياء على الكسب والادخار الا الله فهي وانتم سواء في ان كلا ليس رازقا لنفسه فلا تخافوا على معائشكم بالهجرة ولو لم يقدركم ولم يقدر لكم اسباب الكسب لكنتم اعجز الدواب التي لا تحمل. {وَكَأَيِّن} مبتدأ خبره الله يرزقها وأنث لوقوعه على جماعة الدواب او هو منصوب المحل على الاشتغال وانما بني لتضمنه معنى حرف التكثير كقد ورب التكثيرية فان معناه كثير واحترز به عن النملة والفارة انهما يدخران ولم يدخل الانسان في العموم بدليل واياكم وعن ابن عيينة ليس شيء يخبيء الا الانسان والنملة والفارة. عن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في حنطته ويقال العقعق الخابي الا انه ينساها. واعلم ان الادخار ليس من خلق المؤمنين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عمر: "حديث : كيف بك اذا بقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة بعضف اليقين "تفسير : وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أَنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطيور تغدوا خماصا وتروح بطانا "تفسير : وعن ابن مسعود رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِن الروح الأَمين نفث في روعي أَنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأَجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أَن تطلبوه بمعاصي الله عز وجل فانه لا يدرك ما عند الله إِلا بطاعته ". تفسير : {وَهُوَ السَّمِيعُ} للأقوال. {العَلِيمُ} بالافعال وما في القلوب فقد سمع قولهم تخشى الضيعة والفقر وعلم مافي ضمائرهم.

الالوسي

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} روي أن النبـي صلى الله عليه وسلم لما أمر المؤمنين الذين كانوا بمكة بالمهاجرة إلى المدينة قالوا: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة؟ فنزلت، أي وكم من دابة لا تطيق حمل رزقها لضعفها أو لا تدخره وإنما تصبح ولا معيشة عندها. عن ابن عيينة ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة، وعن ابن عباس لا يدخر إلا الآدمي والنمل والفأرة والعقعق ويقال: للعقعق مخابـي إلا أنه ينساها، وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في حضنيه والظاهر عدم صحته، وذكر لي بعضهم أن أغلب الكوامن من الطير يدخر والله تعالى أعلم بصحته. {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّـٰكُمْ} ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله تعالى لأن رزق الكل بأسباب هو عز وجل المسبب لها وحده فلا تخافوا على معاشكم بالمهاجرة ولما كان المراد إزالة ما في أوهامهم من الهجرة على أبلغ وجه قيل: {يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} دون يرزقكم وإياها {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} المبالغ في السمع فيسمع قولكم هذا {ٱلْعَلِيمُ } المبالغ في العلم فيعلم ما انطوت عليه ضمائركم.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : كل نفس ذائقة الموت}تفسير : [العنكبوت: 57] فإن الله لما هوَّن بها أمر الموت في مرضاة الله وكانوا ممن لا يعبأ بالموت علم أنهم يقولون في أنفسهم: إنّا لا نخاف الموت ولكنا نخاف الفقر والضيعة. واستخفاف العرب بالموت سجية فيهم كما أن خشية المعرّة من سجاياهم كما بيناه عند قوله تعالى: {أية : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} تفسير : [الإسراء: 31] فأعقب ذلك بأن ذكَّرهم بأن رزقهم على الله وأنه لا يضيعهم. وضرب لهم المثل برزق الدواب، وللمناسبة في قوله تعالى: {أية : إن أرضي واسعة} تفسير : [العنكبوت: 56] من توقع الذين يهاجرون من مكة أن لا يجدوا رزقاً في البلاد التي يهاجرون إليها، وهو أيضاً مناسب لوقوعه عقب ذكر التوكل في قوله: {أية : وعلى رَبِّهِم يَتَوكلون}تفسير : [العنكبوت: 59]، وفي الحديث: "حديث : لو توكلتم على الله حق توكُّله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خِماصاً وتروح بِطَاناً"تفسير : . ولعل ما في هذه الآية وما في الحديث مقصود به المؤمنون الأولون، ضمِن الله لهم رزقهم لتوكلهم عليه في تركهم أموالهم بمكة للهجرة إلى الله ورسوله. وتوكلهم هو حق التوكل، أي أكمله وأحزمه فلا يضع نفسه في هذه المرتبة من لم يعمل عملهم. وتقدم الكلام على {كأيّن} عند قوله تعالى: {أية : وكأيّن من نبي قاتل معه ربيون كثير} تفسير : في سورة آل عمران [146]. وقوله: {وكأيّن من دابة لا تَحْمل رِزْقها} خبر غير مقصود منه إفادة الحكم، بل هو مستعمل مجازاً مركباً في لازم معناه وهو الاستدلال على ضمان رزق المتوكلين من المؤمنين. وتمثيله للتقريب بضمان رزق الدوابّ الكثيرة التي تسير في الأرض لا تحمل رزقها، وهي السوائم الوحشية، والقرينة على هذا الاستعمال هو قوله: {الله يرزقها وإياكم} الذي هو استئناف بياني لبيان وجه سوق قوله: {وكأين من دَابةٍ لا تَحْمِل رِزْقها} ولذلك عطف {وإياكم} على ضمير {دابة} والمقصود: التمثيل في التيسير والإلهام للأسباب الموصلة وإن كانت وسائل الرق مختلفة. والحمل في قوله: {لا تحمل رزقها} يجوز أن يكون مستعملاً في حقيقته، أي تسير غير حاملة رزقها لا كما تسير دواب القوافل حاملة رزقها، وهو علفها فوق ظهورها بل تسير تأكل من نبات الأرض. ويجوز أن يستعمل مجازاً في التكلف له، مثل قول جرير: شعر : حُمِّلت أمراً عظيماً فاصطبرت له تفسير : أي لا تتكلف لرزقها. وهذا حال معظم الدواب عدا النملة والفأرة، قيل وبعض الطير كالعقعق. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: {الله يرزقها} دون أن يقول: يرزقها الله، ليفيد بالتقديم معنى الاختصاص، أي الله يرزقها لا غيره، فلماذا تعبدون أصناماً ليس بيدها رزق. وجملة {وهو السميع العليم} عطف على جملة: {الله يرزقها وإياكم}. فالمعنى:الله يرزقكم وهو السميع لدعائكم العليم بما في نفوسكم من الإخلاص لله في أعمالكم وتوكلكم ورجائكم منه الرزق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن كثيراً من الدواب التي لا تحمل رزقها لضعفها، أنه هو جل وعلا يرزقها، وأوضح هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود: 6].

د. أسعد حومد

تفسير : {وَكَأَيِّ} (60) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى أَنَّ الرِزْقَ لا يَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ دُونَ غَيرِهَا، وأَنَّ رِزْقَ اللهِ لِخَلْقِهِ يَصِلُ إِليهم حَيثُما كَانوا، فَكَمْ مِنْ دَابَّةٍ فِي حَاجَةٍ إِلى الغِذَاءِ وَالمَطْعَمِ، وَهِيَ لا تَسْتَطيعُ جَمْعَ قُوتِها، وَلاَ حَمْلَةُ ولا ادِّخَارَهُ إلى غَدِها، اللهُ يرزُقُها وَإِيَّاكُمْ يَوْماً بِيَومٍ، وَهُوَ السَّميعُ لأَقوَالِ العِبَادِ، العَليمُ بَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ. (رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ حديث : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْمُؤْمِنينَ بِمَكَّةَ حِينَ آذاهُمُ المُشْرِكُونَ: اخْرُجُوا إِلى المَدِينةِ وَهَاجِرُوا وَلا تُجَاوِرُوا الظَّلَمَةَتفسير : . قَالُوا: لَيْسَ لَنا بِهَا دَارٌ وَلاَ عَقَارٌ، وَلاَ مَنْ يَسْقِينَا، فَأَنْزَلَ اللهُ هذهِ الآيَةَ الكَرِيمَة).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريد سبحانه أن يُطمئن خَلْقه على أرزاقهم، فيقول {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ ..} [العنكبوت: 60] كأيٍّ لها مَعَانٍ متعددة، مثل كم الخبرية حين تقول لمن ينكر جميلك: كم أحسنتُ إليك؟ يعني: كثيراً جداً، كذلك في {وَكَأَيِّن ..} [العنكبوت: 60] أي: كثير كما في {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 146]. والدابة: هي التي تدبّ على الأرض، والمراد كل حيٍّ ذي حركة، وقد تقول: فالنمل - مثلاً - لا نسمع له دبَّة على الأرض أيُعَدُّ من الدابة؟ نعم فله دبَّة على الأرض، لكنك لا تسمعها، فالذي خلقها يسمع دبيبها؛ لأن الذي يقبل الصغر يقبل الكبر، لكن ليس عندك أنت آلة السماع. بدليل أن الذي يعاني من ضعف السمع مثلاً ينصحه الطبيب بتركيب سماعة للأذن فيسمع، وكذلك في النظارة للبصر، إذن: فكل شيء له أثر مرئي أو مسموع، لكن المهم في الآلة التي تسمع أو ترى؛ لذلك يقولون إنْ أرادوا المبالغة؛ فلان يسمع دَبّة النملة. ومعنى {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ..} [العنكبوت: 60] ليست كلّ الدواب تحمل رزقها، فكثير منها لا تحمل رزقاً، ومع ذلك تأكل وتعيش، ويحتمل أن يكون المعنى: لأنها لا تقدر على حمله، أو تقدر على حمله ولكنها لا تفعل، فمثلاً القمل والبراغيث التي تكثر مع الإهمال في النظافة الشخصية أتحمل رزقاً؟ والناموسة التي تتغذى مع ضَعْفها على دم الإنسان الفتوة المتجبر، الميكروب الذي يفتك بالإنسان .. إلخ هذه أشياء لا تحمل رزقها. أما الحمار مثلاً مع قدرته على الحمل لا يحمل رزقه؛ لذلك تراه إنْ شبع لا يدخر شيئاً، وربما يدوس الأكل الباقي، أو يبول عليه، وكذلك كل الحيوانات حتى أنهم يقولون: لا يعرف الادخار من المخلوقات إلا الإنسان والفأر والنمل. وقد جعل الله الادخار في هؤلاء لحكمة ولبيان طلاقة قدرته تعالى، وأن الادخار عند هذه المخلوقات ليس قُصوراً من الخالق سبحانه في أن يجعل بعض الدوابّ لا تحمل رزقها، بل يخلق لها وسائل تعجز أنت عنها. ولك أن تتأمل قرى النمل وما فيها من عجائب، فقد لاحظ الباحثون في هذا المجال أنك لو تركت بقايا طعام مثلاً تأتي نملة وتحوم حوله ثم تنصرف وترسل إليه عدداً من النمل يستطيع حمل هذه القطعة، ولو ضاعفت وزن هذه القطعة لتضاعف عدد النمل. إذن: فهي مملكة في غاية التنظيم والدقة والتخصص، والأعجب من ذلك أنهم لاحظوا على النمل أنها تُخرِج فُتاتاً أبيض صغيراً أمام الأعشاش، فلما فحصوه وجدوه الزريعة التي تُسبِّب الإنبات في الحبة حتى لا تنبت، فتهدم عليهم العُشَّ، فسبحان الذي خلق فسوَّى والذي قدَّر فهدى. وأعجب من ذلك، وجدوا النمل يفلق حبة الكسبرة إلى أربعة أقسام، لأن نصف حبة الكسبرة يمكنه أنْ يَنبت منفرداً، فقسموا النصف. إذن: فكثير من الدواب لا تحمل رزقها {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ..} [العنكبوت: 60] فذكر الدواب أولاً في مجال الرزق ثم عطف عليها {وَإِيَّاكُمْ ..} [العنكبوت: 60] فنحن معطوفون في الرزق على الدواب، مع أن الإنسان هو الأصل، وهو المكرّم، والعالم كله خُلِق من أجله ولخدمته، ومع ذلك لم يقُلْ سبحانه: نحن نرزقكم وإياهم، لماذا؟ قالوا: لأنك تظن أنها لا تستطيع أن تحمل أو تُدبِّر رزقها، ولا تتصرف فيه، فلفت نظرك إلى أننا سنرزقها قبلك. وقد وقف المستشرقون الذين يأخذون القرآن بغير الملَكة العربية يعترضون على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ..} تفسير : [الإسراء: 31]. وقوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ ..} تفسير : [الأنعام: 151]. يقولون: أيّهما أبلغ من الأخرى، وإن كانت إحداهما بليغة، فالأخرى غير بليغة. وهذا الاعتراض ناتج عن ظنهم أن الآيتين بمعنى واحد، وهما مختلفتان، فالأولى {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ..} تفسير : [الإسراء: 31] فالفقر هنا غير موجود وهم يخافونه، أما في: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ ..} تفسير : [الأنعام: 151] فالفقر موجود فعلاً. فهما مختلفتان في الصَّدْر، وكذلك مختلفتان في العَجُز. ففي الأولى قال: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ..} تفسير : [الإسراء: 31] لأن الفقر غير موجود، وأنت غير مشغول برزقك، فبدأ بالأولاد، أمّا في الثانية فقال: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] وقدم الآباء؛ لأن الفقر موجود، والإنسان مشغول أولاً برزق نفسه قبل رزق أولاده. إذن: فلكل آية معنى وانسجام بين صَدْرها وعَجُزها، المهم أن تتدبر لغة القرآن، وتفهم عن الله مراده. وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [العنكبوت: 60] واختار هنا السميع العليم؛ لأن الحق سبحانه له قيُّومية على خَلْقه، فلم يخلقهم ثم يتركهم للنواميس، إنما خلق الخَلْق وهو سبحانه قائم عليه بقيوميته تعالى؛ لذلك يقول في بيان عنايته بصنعته {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ..} تفسير : [البقرة: 255] يعني: يا عبادي ناموا مِلْءَ جفونكم؛ لأن ربكم لا ينام. ومناسبة السميع هنا؛ أن الجوع إذا هَزَّ إنساناً ربما يصيح صيحة، أو يُحدِث شيئاً يدل على أنه جائع، فكأنه يقول: لم أجعلكم كذلك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا} معناه وكأيِّن من دَابةٍ لاَ تَدّخرُ رِزقَها لَعلَ الله تعالى يَرزقُها بِفَضلِهِ ورَحمتِهِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: الباري تبارك وتعالى، قد تكفل بأرزاق الخلائق كلهم، قويهم وعاجزهم، فكم { مِنْ دَابَّةٍ } في الأرض، ضعيفة القوى، ضعيفة العقل. { لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا } ولا تدخره، بل لم تزل، لا شيء معها من الرزق، ولا يزال اللّه يسخر لها الرزق، في كل وقت بوقته. { اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } فكلكم عيال اللّه، القائم برزقكم، كما قام بخلقكم وتدبيركم، { وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } فلا يخفى عليه خافية، ولا تهلك دابة من عدم الرزق بسبب أنها خافية عليه. كما قال تعالى: {أية : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ }.