Verse. 3403 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

وَلَىِٕنْ سَاَلْتَہُمْ مَّنْ نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاۗءِ مَاۗءً فَاَحْيَا بِہِ الْاَرْضَ مِنْۢ بَعْدِ مَوْتِہَا لَيَقُوْلُنَّ اؙ۝۰ۭ قُلِ الْحَمْدُ لِلہِ۝۰ۭ بَلْ اَكْثَرُہُمْ لَا يَعْقِلُوْنَ۝۶۳ۧ
Walain saaltahum man nazzala mina alssamai maan faahya bihi alarda min baAAdi mawtiha layaqoolunna Allahu quli alhamdu lillahi bal aktharuhum la yaAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولئن» لام قسم «سألتهم من نزَّل من السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولنَّ الله» فكيف يشركون به «قل» لهم «الحمد لله» على ثبوت الحجة عليكم «بل أكثرهم لا يعقلون» تناقضهم في ذلك.

63

Tafseer

الرازي

تفسير : يعني هذا سبب الرزق وموجد السبب موجد المسبب، فالرزق من الله، ثم قال تعالى: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } وهو يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون كلاماً معترضاً في أثناء كلام كأنه قال: فأحيا به الأرض من بعد موتها {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } فذكر في أثناء هذا الكلام {ٱلْحَمْدُ } لذكر النعمة، كما قال القائل: شعر : إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان تفسير : الثاني: أن يكون المراد منه كلاماً متصلاً، وهو أنهم يعرفون بأن ذلك من الله ويعترفون ولا يعملون بما يعلمون، وأنت تعلم وتعمل فكذلك المؤمنون بك فقل الحمد لله وأكثرهم لا يعقلون أن الحمد كله لله فيحمدون غير الله على نعمة هي من الله الثالث: أن يكون المراد أنهم يقولون إنه من الله ويقولون بإلهية غير الله فيظهر تناقض كلامهم وتهافت مذهبهم فقل الحمد لله على ظهور تناقضهم وأكثرهم لا يعقلون هذا التناقض أو فساد هذا التناقض.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي من السحاب مطراً. {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا} أي جدبها وقحط أهلها. {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} أي فإذا أقررتم بذلك فلم تشركون به وتنكرون الإعادة. وإذا قَدَر على ذلك فهو القادر على إغناء المؤمنين؛ فكرر تأكيداً. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} أي على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي لا يتدبرون هذه الحجج. وقيل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» على إقرارهم بذلك. وقيل: على إنزال الماء وإحياء الأرض. {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي شيء يُلهَى به ويُلعَب. أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحل ويزول؛ كاللعب الذي لا حقيقة له ولا ثبات، قال بعضهم: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها. وأنشد:شعر : تروحُ لنا الدنيا بغير الذي غَدَتْ وتَحدثُ من بعدِ الأمور أمورُ وتجري الليالي باجتماعٍ وفُرقةٍ وتطلُعُ فيها أنجمٌ وتَغورُ فمن ظنّ أنّ الدهرَ باقٍ سرورُهُ فذاكَ محالٌ لا يَدُومُ سرورُ عَفَا اللَّهُ عَمَّن صَيَّر الهمَّ واحداً وأيقن أن الدائراتِ تَدورُ تفسير : قلت: وهذا كله في أمور الدنيا من المال والجاه والملبس الزائد على الضروري الذي به قوام العيش، والقوّة على الطاعات. وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة، وهو الذي يبقى كما قال: {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}تفسير : [الرحمن: 27] أي ما ابتغى به ثوابه ورضاه. {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها. وزعم أبو عبيدة: أن الحيوان والحياة والحِيّ بكسر الحاء واحد. كما قال:شعر : وقـد تـرى إذ الـحـيـاةُ حِـيُّ تفسير : وغيره يقول: إن الحِيّ جمع على فِعول مثل عِصيّ. والحيوان يقع على كل شيء حيّ. وحيوان عينٌ في الجنة. وقيل: أصل حَيَوان حَيَيَان فأبدلت إحداهما واواً؛ لاجتماع المثلين. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أنها كذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَئِن } لام قسم {سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مآءً فَأَحْيَا بِهِ &#1649لأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } فكيف يشركون به؟ {قُلِ } لهم {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } على ثبوت الحجة عليكم {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } تناقضهم في ذلك.

القشيري

تفسير : كما عَلِموا أَنَّ حياةِ الأرضِ بعد موتها بالمطر من قِبَل الله فليعلموا أَنَّ حياةَ النفوسِ بعد موتها - عند النّشْرِ والبعث - بقدرة الله. وكما علموا ذلك فليعلموا أَنَّ حياةَ الأوقات بعد نفرتها، وحياة القلوب بعد فترتها... بماء الرحمة بالله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولئن سألتهم} اى مشركى العرب {من} [كه] {نزل من السماء ماء فاحيا} [بس زنده كرد وتازه ساخت] {به} [بسبب آن آب] {الارض} باخراج الزرع والنبات والاشجار منها {من بعد موتها} يبسها وقحطها: وبالفارسية [بس از مردكى وافسر دكى]. ويقال للارض التى ليست بمنبتة ميتة لانه لاينتفع بها كمالا ينتفع بالميتة {ليقولن} نزل واحيى {الله} اى يعترفون بانه الموجد للممكنات باسرها اصولها وفروعها ثم انهم يشركون به بعض مخلوقاته الذى لايكاد يتوهم منه القدرة على شىء ما اصلا {قل الحمد لله} على ان جعل الحق بحيث لايجترىء المبطلون على جحوده وان اظهر حجتك عليهم {بل اكثرهم} اى اكثر الكفار {لايعقلون} اى شيئا من الاشياء فلذلك لايعملون بمقتضى قولهم فيشركون به سبحانه اخس مخلوقاته وهو الصنم. يقول الفقير اغناه الله القدير قد ذكر الله تعالى آية الرزق ثم آية التوحيد ثم كررهما فى صورتين اخريين تنبيها منه لعباده المؤمنين على انه سبحانه لايقطع ارزاق الكفار مع وجود الكفر والمعاصى فكيف يقطع ارزاق المؤمنين مع وجود الايمان والطاعات شعر : اى كريمى كه از خزانه غيب كبر وترسا وظيفه خوردارى دوستانرا كجا كنى محروم توكه بادشمنان نظر دارى تفسير : وانه سبحانه لايسأل من العباد الا التوحيد والتقوى والتوكل فانما الرزق على الله الكريم وقد قدر مقادير الخلق قبل خلق السموات والارض بخمسين الف سنة وماقدر فى الخلق والرزق والاجل لايتبدل بقصد القاصدين ألا ترى الى الوحوش والطيور لاتدخر شيئا الى الغد تغدو خماصا وتروح بطانا اى ممتلئة البطون والحواصل لاتكالها على الله تعالى بما وصل الى قلوبها من نور معرفة خالقها فكيف يهتم الانسان لاجل رزقه ويدخر شيئا لغده ولايعرف حقيقة رزقه واجله فربما يأكل ذخيرته غيره ولايصل الى غده ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لايدخل شيئا لغد اذ الارزاق مجددة كالانفاس المجددة فى كل لمحة والرزق يطلب الرجل كما يطلبه اجله [خواجه عالم صلى الله عليه وسلم فرموده كه اى مردم رزق قسمت كرده شده است تجاوز نمى كند ازمرد آنجه از براى وى نوشته شده است بس خوبى كنيد در طلب روزى يعنى بطاعت جوييد نه بمعصيت اى مردم درقناعت فراخى است ودرميانه رفتن واندازه بكار داشتن يسندكى وكفايت است درزهد راحت است وخفت حساب وهر عملى را جزاييست وكل آت قريب]: قال المولى الجامى شعر : درين خرابه مكش بهر كنج غصه ورنج جونقد وقت توشد فقر خاك برسر كنج بقصر عشرت وايوان عيش شاهان بين كه زاغ نغمه سرا كشت وجفد قافيه سنج تفسير : وعن بعضهم قال كنت انا وصاحب لى نتعبد فى بعض الجبال وكان صاحبى بعيدا منى فجاءنى يوما وقال قد نزل بقربنا بدو فقم نمش اليهم لعله يحصل لنا منهم شىء من لبن غيره فامتنعت فلم يزل يلح علىّ حتى وافقته فذهبنا اليهم فاطعمونا من طعامهم ورجعنا وعاد كل واحد منا الى مكانه الذى كان فيه ثم انى انتظرت الظبية فى الوقت الذى كانت تأتينى فيه فلم تأتنى ثم انتظرتها بعد ذلك فلم تأتنى فانقطعت عنى فعرفت ان ذلك بشؤم ذنبى الذى احدثته بعد ان كنت مستغنيا بلبنها وهذا الذنب الذى ذكر ثلاثة اشياء احدها خروجه من التوكل الذى كان دخل فيه والثانى طمعه وعدم قناعته بالرزق الذى كان مستغنيا به والثالث اكله طعاما خبيثا فحرم رزقا حلالا طيبا محضا اخرجته القدرة الالهية من باب العدم وادخلته فى باب الايجاد بمحض الجود والكرم آتيا من طريق باب خرق العادة كرامة لولى من اوليائه اولى السعادة ذكره اليافعى فى الرياض

الجنابذي

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا} لمّا كان الاسباب القريبة للرّزق بعد السّماوات والارض والشّمس والقمر وامطار الامطار واحياء الارض بانبات النّبات اتى به بعد السّؤال عن السّماوات والارض وتسخير الشّمس والقمر {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ} بعد اقرارهم بذلك {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} شكراً لانعامه عليك بتبصيرك ذلك، او قل لهم بعد ذلك: جميع الصّفات الّتى يحمد عليها لله فانّ جميع الخيرات المنتشرة المحسوسة الّتى لا يتجاوز مداركهم عنها محصورة فى خلق السّماوات والارض والشّمس والقمر وامطار الامطار وانبات النّبات فهؤلاء لا يجحدون الله وتسبيبه لاسباب الرّزق {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} فيتوسّلون بالاسباب وينصرفون عن مسبّبها لعدم تعقّلهم لا لانكارهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يعني المشركين {مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} يعني المطر {فََأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا} أي: فأخرج به النبات بعد أن كانت تلك الأرض ميتة، أي: يابسة ليس فيها نبات {لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي: فيؤمنون. أي: إنهم قد أقروا أن الله خالق هذه الأشياء، ثم عبدوا الأوثان من دونه. قوله: {وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي: أهل الدنيا أهل لهو ولعب، يعني المشركين والمنافقين هم أهل الدنيا الذين لا يريدون غيرها، أي: لا يقرّون بالآخرة. {وَإِنَّ الدَّارَ الأَخِرَةَ} أي الجنة {لَهِيَ الحَيَوَانُ} أي: يبقى أهلها لا يموتون. قال الله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي: المشركون، لعلموا أن الآخرة خير من الدنيا.

اطفيش

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءْ مَآءِ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ} فقد اعترفوا بأن الله سبحانه هو الموجد للكائنات اصولها وفروعها ثم انهم قد اشركوا به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك على ان فاعل هذه الاشياء هو الله وعلى اقرارهم ولزوم الحجة لهم. {قُلِ الحَمْدُ للهِ} على ما عصمني من مثل هذه الضلالة وعلى التصديق واظهار الحجة وعلى الانتفاع بالاقرار. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} فيتناقضون حيث يقرون بأنه المبدي لكل ما عداه ثم انهم يشركون به الصنم ولا يعقلون ما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد أو لا يعقلون ما تريد بقولك الحمد لله ولا يفطنون لما حمدت الله عند مقالتهم هذه.

اطفيش

تفسير : {ولئن سألتَهُم مَن نَزَّلَ من السَّماء ماءً فأحيا به الأرض من بعْد مَوْتها} شبه كونها نابتة بحياة الروح، وكونها غير نابتة بموت ذى الروح {ليقولنَّ اللهُ} نزله فأحياها به، او نزله الله فاحياها به، ومع ذلك الاقرار يشركون به غيره، والفاء تفريعية وسببية لا ترتيب باتصال {قُل الحمدُ لله} على اظهار الحجة، واعترافهم بما هو حجة تلزمهم، وعلى عصمتك وعصمة من آمن بك من ضلالهم كجحد الانسان على ما انعم الله عليه، وعلى معافاته مما ابتلى به غيره {بل أكثرهم لا يعْقِلون} ما يقولون مما هو حجة عليهم اولا يعقلون شيئاً فهم يعملون بما يخالف ما اقروا به، والأكثر الكل او فيهم بعض عقل، وكفر عنادا، او بعض قد آمن فهو من أصحابك.

الالوسي

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } معترفين بأنه عز وجل الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها ثم إنهم يشركون به سبحانه بعض مخلوقاته الذي لا يكاد يتوهم منه القدرة على شيء ما أصلاً {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } على إظهار الحجة واعترافهم بما يلزمهم، وقيل: حمده عليه الصلاة والسلام على العصمة مما هم عليه من الضلال حيث أشركوا مع اعترافهم بأن أصول النعم وفروعها منه جل جلاله فيكون كالحمد عند رؤية المبتلى، وقيل: يجوز أن يكون حمداً على هذا وذاك {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد أو لا يعقلون شيئاً من الأشياء فلذلك لا يعملون بمقتضى قولهم هذا فيشركون به سبحانه أخس مخلوقاته، قيل: إضراب عن جهلهم الخاص في الإتيان بما هو حجة عليهم إلى أن ذلك لأنهم مسلوبو العقول فلا يبعد عنهم مثله، وقوله تعالى: {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } معترض وجعله الزمخشري في سورة لقمان إلزاماً وتقريراً لاستحقاقه تعالى العبادة، وقيل: {لاَ يَعْقِلُونَ } ما تريد بتحميدك عند مقالهم ذلك، ولم يرتضه بعض المحققين لخفائه وقلة جدواه وتكلف توجيه الإضراب فيه.

ابن عاشور

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فأَحيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ} أعيد أسلوب السؤال والجواب ليتصل ربط الأدلة بعضها ببعض على قرب. فقد كان المشركون لا يدَّعُون أن الأصنام تُنزل المطر كما صرحت به الآية فقامت الحجة عليهم ولم ينكروها وهي تقرع أسماعهم. وأدمج في الاستدلال عليهم بانفراده تعالى بإِنزال المطر أن الله أحيا به الأرض بعد موتها وإن كان أكثر المشركين ينسبون المسببات إلى أسبابها العادية كما تبين في بحث الحقيقة والمجاز العقليين في قولهم: أنبت الربيع البقل، أنه حقيقة عقلية في كلام أهل الشرك لأنهم مع ذلك لا ينسبون الإنبات إلى أصنامهم، وقد اعترفوا بأن سبب الإنبات وهو المطر منزل من عند الله فيلزمهم أن الإنبات من الله على كل تقدير. وفي هذا الإدماج استدلال تقريبي لإِثبات البعث كما قال: {أية : فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير}تفسير : [الروم: 50] وقال: {أية : ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون} تفسير : [الروم: 19]. ولما كان سياق الكلام هنا في مساق التقرير كان المقام مقتضياً للتأكيد بزيادة {من} في قوله {من بعد موتها} إلجاء لهم إلى الإقرار بأن فاعل ذلك هو الله دون أصنامهم فلذلك لم يكن مقتضى لزيادة (مِن) في آية البقرة، وفي الجاثية (5) {أية : فأحيا به الأرض بعد موتها}. تفسير : وقد أشار قوله {من بعد موتها} إلى موت الأرض، أي موت نباتها يكون بإمساك المطر عنها في فصول الجفاف أو في سنين الجدب لأنه قابله بكون إنزال المطر لإرادته إحياء الأرض بقوله {فأحيا به الأرض}، فلا جرم أن يكون موتها بتقدير الله للعلم بأن موت الأرض كان بعد حياة سبقت من نوع هذه الحياة، فصارت الآية دالة على أنه المتصرف بإحياء الأرض وإماتتها، ويعلم منه أن محيي الحيوان ومميته بطريقة لحن الخطاب. فانتظم من هذه الآيات المفتتحة بقوله {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض} تفسير : [العنكبوت: 61] إلى هنا أصول صفات أفعال الله تعالى وهي: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، من أجل ذلك عقيب بأمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده بكلام يدل على تخصيصه بالحمد.. {قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} لما اتضحت الحجة على المشركين بأن الله منفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ولزم من ذلك أن ليس لأصنامهم شرك في هذه الأفعال التي هي أصول نظام ما على الأرض من الموجودات فكان ذلك موجباً لإِبطال شركهم بما لا يستطيعون إِنكاره ولا تأويله بعد أن قرعت أسماعهم دلائله وهم واجمون لا يبدون تكذيباً فلزم من ذلك صدقُ الرسول عليه الصلاة والسلام فيما دعاهم إليه. وكَذِبهم فيما تطاولوا به عليه في أمر الله ورسوله بأن يحمده على أن نصرهُ بالحجة نصراً يؤذن بأنه سينصره بالقوة. وتلك نعمة عظيمة تستحق أن يحمد الله عليها إذ هو الذي لقنها رسوله صلى الله عليه وسلم بكتابه وما كان يدري ما الكتاب ولا الإِيمان. فهذا الحمد المأمور به متعلِّقه محذوف تقديره: الحمد لله على ذلك. وهو الحجج المتقدمة، وليس خاصاً بحجة إنزال الماء من السماء، وكذلك شأن القيود الواردة بعد جعل متعددة أن ترجع إلى جميعها، وكذلك ترجع معها متعلِّقاتها -بكسر اللام- وقرينة المقام كنار على علَم، ألا ترى أن كل حجة من تلك الحجج تستأهل أن يحمد الله على إقامتها فلا تختص بالحمد حجة إنزال المطر فقد قال تعالى في سورة لقمان (25) {أية : ولَئِن سألتَهُم مَن خَلَقَ السَّماوات والأرضَ ليقولُنَّ الله قُلْ الحمدُ لله بَلْ أكثَرهُم لا يَعْلَمون} تفسير : فلذلك لا يجعل قوله {قل الحمد لله} اعتراضاً. و {بل أكثرهم لا يعقلون} إضراب انتقال من حمد الله على وضوح الحجج إلى ذم المشركين بأن أكثرهم لا يتفطنون لنهوض تلك الحجج الواضحة فكأنهم لا عقل لهم لأن وضوح الحجج يقتضي أن يفطن لنتائجها كلُّ ذي مُسكة من عقل فنزلوا منزلة من لا عقول لهم. وإنما أسند عدم العقل إلى أكثرهم دون جميعهم لأن من عقلائهم وأهل الفطن منهم من وضحت له تلك الحجج فمنهم من آمنوا، ومنهم من أصرّوا على الكفر عناداً.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَئِن} (63) - وَإِذَا سَأَلتَ هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: مَنْ يُنْزِلُ مِنَ السَّحَابِ المَطَرَ، فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ المَوَاتَ، فَتُصْبحُ خَضْرَاءَ بالنَّبْتِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فيها شَيءٌ مِنَ النَّبَاتِ، لَيقُولُنَّ: اللهُ هُوَ المُوجِدُ لِسَائِرِ المَخْلُوقَاتِ، وَلكِنَّهم، مَعَ اعتِرَافِهِم بِهَذا، يُشْرِكُونَ باللهِ بعضَ مَخْلُوقَاتِه، التي لاَ تَقْدِرُ عَلى شَيءٍ مِنَ الخَلْقِ. فَقُلْ لَهُمْ: الحَمْدُ للهِ عَلى إِظْهَارِ الحُجَّةِ، وَعَلى اعْتِرافِهِمْ بأنَّ النَّعَمَ كُلَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلكِنَّ أكثَرَ المُشْرِكِينَ لا يَعْقِلُونَ مَا يَقَعُون فيهِ مِنْ تَنَاقُضٍ، وأَنَّ الأَصْنَامَ التي يَعْبُدُونها لاَ تَمْلِكُ لَهُمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، وَلاَ تَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْبُدَهَا البَشَرُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا أيضاً قالوا {ٱللَّهُ} لأن إنزال المطر من السماء وإحياء الأرض به بعد موتها آية كونية واضحة لم يدَّعِها أحد، فهي ثابتة لله تعالى، لا يُنكرها أحد حتى الكافرون، فلئن سألتهم هذا السؤال {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} [العنكبوت: 63] لذلك يأمرنا الحق سبحانه بأن نقول بعد هذا الإقرار {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ..} [العنكبوت: 63] الذي أنطقهم بالحق، وأقام عليهم الحجة {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] لأنهم أقرُّوا بآيات الله في خَلْق الكون، ومع ذلك كفروا به.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {مَآءً} [العنكبوت: 63] أي: ماء الإيمان {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ} [العنكبوت: 63] أرض القلوب {مِن بَعْدِ مَوْتِهَا} [العنكبوت: 63] بسم الضلالة {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} [العنكبوت: 63] الذي أنعم عليهم بنعمة الإحياء لقلوبهم الميتة {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] أي: لا يفهمون تحقيق هذه الإشارة وأيضاً لا يعقلون؛ لأنه ليس هذا المعنى مناسباً لقولهم بأن من أخطأه رشاش ذلك النور في البداية وهو موجب للضلالة كيف يهديه الله في النهاية، وقد قال تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور: 40] وذلك لأن عقولهم بمعزل عن فهم أن الله تعالى نور مصباح زجاجة قلب نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بنور جماله وجلاله، ثم بعثه إلى الخلق وقال: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ} تفسير : [المائدة: 15] وهو سراج منير، فمن آمن به واتبع سراج قلبه المنطفئ من ذلك النور سراج قلبه المنير، نور الله سراج قلبه بذلك النور فأحياه بعد موته. كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ} تفسير : [الأنعام: 122] أي: في الظلمات التي خلق فيها، ولم يصبه رشاش النور وبقوله: {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} [العنكبوت: 64] يُشير إلى هذه الحياة الدنيا يعيش بها المرء في الدنيا بالنسبة إلى الحياة التي يعيش بها أهل الآخرة في الآخرة، وجوار الله تعالى لهو ولعب، وإنما شبهها باللهو واللعب لشيئين: أحدهما: أن اللهو واللعب سريع الانقضاء لا يداوم، فلهذا المعنى أن الدنيا بشهواتها كظل زائل لا يكون لها بقاء، فلا تصبح لاطمئنان القلب بها والركون إليها. والثاني: أن اللهو واللعب من شأن الصبيان والسفاء دون العقلاء وذوي الأحلام؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما أنا من ددٍ ولا دد مني" تفسير : والدد اللهو واللعب فالعاقل يصون نفسه منه وبقوله: {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64] يشير إلى أن دار الدنيا لهي الموت؛ لأنه تعالى سمى الكافر وإن كان حياً بالميت بقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [النمل: 80]. وقال تعالى: {أية : لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} تفسير : [يس: 70] فثبت أن الدنيا وما فيها لهي الموتات إلا من أحياه الله بنور الإيمان، فهو الحق والآخرة عبارة عن عالم الأرواح والملكوت فهي حياة كلها، وإنما سماها الحيوان؛ لأن الحيوان ما يكون حياً وله حياة فيكون جميع أجزائه حياً في الآخرة حيوان؛ لأن جميع أجزائها حية، فقد ورد في الحديث أن الجنة بما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنهار حتى ترابها وحصاها كلها حية، فالحياة الحقيقية التي لا تشينها الغصص والمحن والأمراض والعلل، ولا يدركها الموت والفوت هي حياة أهل الجنات والقربات لو كانوا يعلمون قدرها وغاية كماليتها وحقيقة عزتها لكانوا أشد حرصاً في تحصيلها هاهنا، فمن فاتته لا يدركها في الآخرة ألا ترى أن من صفة أهل النار أنه لا يموت فيها ولا يحيا يعني بحياة حقيقية يستريح بها فإنهم يتمنون الموت ولا يجدونه. وقوله: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} [العنكبوت: 65] يشير إلى أن الإخلاص تفريغ القلب عن كل ما سوى الله والثقة بأن لا نفع ولا ضرر إلا منه، وهذا لا يحصل إلا عند نزول البلاء في معرض التلف دوامة الهلاك؛ ولهذا وكل البلاء بالأنبياء والأولياء لتخليص الجوهر الإنساني القابل للفيض الإلهي من فيها التعلقات بالتكوين والرجوع إلى حضرة المكون، فإن الرجوع إليها مركون في الجوهر الإنساني لو خلي إلى طبعه لقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} تفسير : [العلق: 8] فالفرق بين إخلاص المؤمن وإخلاص الكافر أن يكون إخلاص المؤمن مؤيداً بالتأييد الإلهي، وأنه قد عبد الله مخلصاً في الرضا قبل نزول البلاء فنال درجة الإخلاص المؤيد من الله بالسر. قال تعالى: "الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعنب فيخ ملك مقرب ولا نبي مرسل"، فلا يتغير في الشدة والرخاء ولا في السخط والرضا، وإخلاص الكافر إخلاص طبيعي قد حصل عند نزول البلاء وخوف الهلاك بالرجوع الطبيغير مؤيد بالتأييد الإلهي عند خمود التعلقات ككواكب الفلك: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} [العنكبوت: 65] دعاء اضطرار فأجابهم من يجيب المضطر بالنجاة من ورطة الهلاك، {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ} وزوال الخوف والاضطرار عاد المشئوم إلى طبعه {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} أي ليكون حاصل أمرهم من شقاوتهم أن يكفروا بنعمة الله ليستوجبوا العذاب الشديد، {وَلِيَتَمَتَّعُواْ} أياماً قلائل، {فَسَوْفَ يَعلَمُونَ} [العنكبوت: 66] أن عاقبة أمرهم دوام العقوبة على الأبد. ثم أخبر عن شقاوة أهل العناد وسعادة أهل الجهاد بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] يشير إلى حرم القلب فإنه آمن من دخول الشيطان فيه بأن الله حرم عليه دخوله فيه؛ ولكنه تتخطف الناس الصفات الناسوتية النفسانية من حولهم أي: حول القلب وصفاته {أَفَبِٱلْبَاطِلِ} وهو ما سوى الله مشارب النفس {يُؤْمِنُونَ} يصرفون صدقهم في طلبه {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} وهي مشاهدة الحق تعالى {يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67] بألا يطلبون. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [العنكبوت: 68] بأن يرى نفسه لأن له مع الله وقتاً أو حالاً أو كشفاً أو مشاهدة، ولم يكن له من ذلك شيء وقالوا: {أية : وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} تفسير : [الأعراف: 28] به يشير إلى الإباحية وأكثر مدعي زماننا هذا إذا صدر منه شيء على خلاف السنة والشريعة يقولون: إنا وجدنا مشايخنا عليه، والله أمرنا بهذا أي: مسلم لنا من الله هذه الحركات لمكانة قربنا غلى الله وقوة ولايتنا، فإنها لا تقربنا بل تنفعنا وتقيدنا {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ} [العنكبوت: 68] أي: بالشريعة وطريقة المشايخ وسيرتهم. {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ} [العنكبوت: 68] النفس {مَثْوًى} [العنكبوت: 68] محبس {لِّلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] أي: لكافر نعمة الدين والإسلام والشريعة والطريقة بما يفترون ويدعون بلا معين القيام كذابين في دعواهم، وقد وعد الله الصديقين المجاهدين بما وعدهم بقوله: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] أي سبل وجداننا كما قال: "حديث : ألا من طلبني وجدني ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً... تفسير : الحديث". وقد قالت المشايخ: المجاهدات تورث المشاهدات، ولو قال قائل: ما للوهابيين والبراهمة والفلاسفة أنهم يجاهدون النفس حق جهادها، ولا يورث لهم المشاهدات؟ قلنا: لأنهم أقاموا بالمشاهدات فجاهدوا وتركوا الشرط الأعظم منه وهو قوله: {فِينَا} أي: خالصاً وهم جاهدوا في الهدى والدنيا والخلق والرياء والسمعة والشهوة وطلب الرئاسة والعلو في الأرض والتكبر على خلق الله فأما من جاهد في الله جاهد أولاً بالتنقية من شواغل القلب على جميع الأوقات وتخليته عن الأوصاف المذمومات تصفية للقلب، ثم بترك الالتفات إلى الكونين وقطع الطمع عن الدارين تحلية للروح، {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ} في قطع النظر عن الأغيار بالانقطاع والانفعال لنهدينهم سبلنا بالوصول والوصال. ثم اعلم أن الهداية على نوعين: هداية تتعلق بالمواهب فمن وهبه الله، فهي سابقة والتي تتعلق بالمكاسب فمن كسب العبد وهي مسبوقة ففي قوله: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} [العنكبوت: 69] إشارة إلى أن الهداية الموهبة سابقة على جهد العبد وجهده ثمرة تلك البذرة، فإن لم يكن بذر الهداية الموهبة مزروعة بنظر العناية في أرض طينية العبد لما نبت منها حضرة الجهد، ولو لم يكن المزروع مزكى بسقي جهد العبد لما أثمر ثمار الهداية المكتسبة.