٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت
29 - Al-Ankabut (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين أنهم يعترفون بكون الله هو الخالق وكونه هو الرزاق وهم يتركون عبادته ولا يتركونها إلا لزينة الحياة الدنيا بين أن ما يميلون إليه ليس بشيء بقوله: {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ما الفرق بين اللهو واللعب، حتى يصح عطف أحدهما على الآخر؟ فنقول الفرق من وجهين أحدهما: أن كل شغل يفرض، فإن المكلف إذا أقبل عليه لزمه الإعراض عن غيره ومن لا يشغله شأن عن شأن هو الله تعالى، فالذي يقبل على الباطل للذة يسيرة زائلة فيه يلزمه الإعراض عن الحق فالإقبال على الباطل لعب والإعراض عن الحق لهو، فالدنيا لعب أي إقبال على الباطل، ولهو أي إعراض عن الحق الثاني: هو أن المشتغل بشيء يرجح ذلك الشيء على غيره لا محالة حتى يشتغل به، فإما أن يكون ذلك الترجيح على وجه التقديم بأن يقول أقدم هذا وذلك الآخر آتي به بعده أو يكون على وجه الاستغراق فيه والإعراض عن غيره بالكلية فالأول لعب والثاني لهو، والدليل عليه هو أن الشطرنج والحمام وغيرهما مما يقرب منهما لا تسمى آلات الملاهي في العرف، والعود وغيره من الأوتار تسمى آلات الملاهي لأنها تلهي الإنسان عن غيرها لما فيها من اللذة الحالية، فالدنيا للبعض لعب يشتغل به ويقول بعد هذا الشغل أشتغل بالعبادة والآخرة، وللبعض لهو يشتغل به وينسى الآخرة بالكلية. المسألة الثانية: قال الله تعالى في سورة الأنعام: { أية : وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الأنعام:32] ولم يقل وما هذه الحياة وقال ههنا: {وَمَا هَـٰذِهِ } فنقول لأن المذكور من قبل ههنا أمر الدنيا، حيث قال تعالى: { أية : فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا } تفسير : [البقرة: 164] فقال هذه والمذكور قبلها هناك الآخرة حيث قال: { أية : يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } تفسير : [الأنعام: 31] فلم تكن الدنيا في ذلك الوقت في خاطرهم فقال: {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا }. المسألة الثالثة: قال هناك: {إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } وقال ههنا: {إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ } فنقول لما كان المذكور هناك من قبل الآخرة وإظهارهم للحسرة، ففي ذلك الوقت يبعد الاستغراق في الدنيا بل نفس الاشتغال بها فأخر الأبعد، وأما ههنا لما كان المذكور من قبل الدنيا وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها والاستغراق فيها، اللهم إلا لمانع يمنعه من الاستغراق فيشتغل بها من غير استغراق فيها، ولعاصم يعصمه فلا يشتغل بها أصلاً، فكان ههنا الاستغراق أقرب من عدمه فقدم اللهو. المسألة الرابعة: قال هناك: { أية : وَلَلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ } تفسير : [الأنعام: 32] وقال ههنا: {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ } فنقول لما كان الحال هناك حال إظهار الحسرة ما كان المكلف يحتاج إلى رادع قوي فقال {الآخرة خير}، ولما كان ههنا الحال حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى رادع قوي فقال لا حياة إلا حياة الآخرة، وهذا كما أن العاقل إذا عرض عليه شيئان فقال في أحدهما هذا خير من ذلك يكون هذا ترجيحاً فحسب، ولو قال هذا جيد وهذا الآخر ليس بشيء يكون ترجيحاً مع المبالغة فكذلك ههنا بالغ لكون المكلف متوغلاً فيها. المسألة الخامسة: قال هناك: { أية : خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } تفسير : [الأنعام:32] ولم يقل ههنا إلا {لهي الحيوان}، لأن الآخرة خير للمتقي فحسب أي المتقي عن الشرك، وأما الكافر فالدنيا جنته فهي خير له من الآخرة، وأما كون الآخرة باقية فيها الحياة الدائمة فلا يختص بقوم دون قوم. المسألة السادسة: كيف أطلق الحيوان على الدار الآخرة مع أن الحيوان نام مدرك؟ فنقول الحيوان مصدر حي كالحياة لكن فيها مبالغة ليست في الحياة والمراد بالدار الآخرة هي الحياة الثانية، فكأنه قال الحياة الثانية هي الحياة المعتبرة أو نقول لما كانت الآخرة فيها الزيادة والنمو كما قال تعالى: { أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } تفسير : [يونس: 26] وكانت هي محل الإدراك التام الحق كما قال تعالى: { أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَائِرُ } تفسير : [الطارق: 9] أطلق عليها الاسم المستعمل في النامي المدرك. المسألة السابعة: قال في سورة الأنعام: { أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } تفسير : [الأنعام:32] وقال ههنا: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } وذلك لأن المثبت هناك كون الآخرة خيراً وأنه ظاهر لا يتوقف إلا على العقل والمثبت ههنا أن لا حياة إلا حياة الآخرة، وهذا دقيق لا يعرف إلا بعلم نافع.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها وغاية ما فيها لهو ولعب {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} أي الحياة الدائمة الحق التي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد. وقوله تعالى: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لآثروا ما يبقى على ما يفنى، ثم أخبر تعالى عن المشركين أنهم عند الإضطرار يدعونه وحده لا شريك له، فهلا يكون هذا منهم دائماً {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} تفسير : [الإسراء: 67] الآية، وقال ههنا: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عكرمة بن أبي جهل، أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكة ذهب فاراً منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربهم الدعاء، لا ينجي فإنه ههنا إلا هو، فقال عكرمة: والله لئن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه. لا ينجي في البر أيضاً غيره، اللهم لك علي عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رؤوفاً رحيماً، فكان كذلك، وقوله تعالى: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ} هذه اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة، لأنهم لا يقصدون ذلك، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم، وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل، وقد قدمنا تقرير ذلك في قوله {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ } وأما القُرَبُ فمن أمور الآخرة لظهور ثمرتها فيها {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ } بمعنى الحياة {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } ذلك ما آثروا الدنيا عليها.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} قال الضحاك: الحياة الدائمة وقال أبو عبيدة: الحيوان والحياة واحد.
ابن عطية
تفسير : وصف الله تعالى {الدنيا} في هذه الآية بأنها {لهو ولعب} أي ما كان منها لغير وجه الله تعالى، فأما ما كان لله فهو من الآخرة، وأما أمور الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قوام العيش والقوة على الطاعات فإنما هو {لهو ولعب}، وتأمل ذلك في المطاعم والملابس والأقوال والمكتسبات وغير ذلك، وانظر أن حالة الغني والفقير في الأمور الضرورية واحدة كالتنفس في الهواء وسد الجوع وستر العورة وتوقي الحر والبرد وهذه عظم أمر العيش، و {الحيوان} و {الحياة} بمعنى واحد، وهو عند الخليل وسيبويه مصدر كالهيمان ونحوه، والمعنى لا موت فيها قاله مجاهد وهو حسن، ويقال أصله حييان فبدلت إحداهما واواً لاجتماع المثلين، ثم وقفهم تعالى على حالهم في البحر عند الخوف العظيم، فإن كل بشر ينسى كل صنم وغيره ويتمسك بالدعاء والرغبة إلى الله تعالى، وقوله {إذا هم يشركون} أي يرجعون إلى ذكر أصنامهم، وتعظيمها، وقوله {ليكفروا} نصب بلام كي، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم "ولِيتمتعوا" بكسر اللام، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "ولْيتمتعوا" بسكون اللام على صيغة الأمر التي هي للوعيد والتهديد، والواو على هذا عاطفة جملة كلام، لا عاطفة فعل على فعل وفي مصحف أبي بن كعب "فتمتعوا فسوف تعلمون"، وفي قراءة ابن مسعود "لسوف تعلمون" باللام، ثم عدد تعالى على كفار قريش نعمته عليهم في الحرم في أنه جعله لهم آمناً لا خوف فيه من أحوال العرب وغارتهم وسوء أفعالهم من القتل وأخذ الأموال ونحوه، وذلك هو "التخطف" الذي كان الناس بسبيله، ثم قررهم على جهة التوبيخ على إيمانهم بالباطل وكفرهم بالله وبنعمته، وقرأ جمهور القراء "يؤمنون" بالياء من تحت وكذلك "يكفرون"، وقرأهما بالتاء من فوق الحسن وأبو عبد الرحمن.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْحَيَاةُ} الحياة الدائمة. قال أبو عبيدة: الحيوان والحياة واحد.
النسفي
تفسير : {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ } أي وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون، وفيه ازدراء بالدنيا وتصغير لأمرها وكيف لا يصغرها وهي لاتزن عنده جناح بعوضة! واللهو ما يتلذذ به الإنسان فيلهيه ساعة ثم ينقضي {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ } أي الحياة أي ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة لا موت فيها فكأنها في ذاتها حياة. والحيوان مصدر حي وقياسه حييان فقلبت الياء الثانية واواً ولم يقل «لهي الحياة» لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب، والحياة حركة والموت سكون، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة مبالغة في معنى الحياة، ويوقف على {الحيوان} لأن التقدير {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } حقيقة الدارين لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي، ولو وصل لصار وصف الحيوان معلقاً بشرط علمهم ذلك وليس كذلك. {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ } هو متصل بمحذوف دل عليه ما وصفهم به وشرح من أمرهم معناه: هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد فإذا ركبوا في الفلك {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون معه إلاهاً آخر {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ } وأمنوا {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } عادوا إلى حال الشرك {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ } من النعمة. قيل: هي لام كي وكذا في {وَلِيَتَمَتَّعُواْ } فيمن قرأها بالكسر أي لكي يكفروا وكي يتمتعوا، والمعنى يعودون إلى شركهم ليكونوا بالعود إلى شركهم كافرين بنعمة النجاة قاصدين التمتيع بها والتلذذ لا غير على خلاف عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة فإنهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم، ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى ازدياد الطاعة لا إلى التلذذ والتمتع، وعلى هذا لا وقف على {يشركون}. ومن جعله لام الأمر متثبتاً بقراءة ابن كثير وحمزة وعلي {وليتمتعوا} بسكون اللام على وجه التهديد كقوله: {أية : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [الكهف: 29] وتحقيقه في أصول الفقه يقف عليه {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } سوء تدبيرهم عند تدميرهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} وصفَ اللّهُ تعالى الدنيا في هذه الآيةِ بأنها لهوٌ ولعب، أي: ما كان منها لغير وجه اللّه تعالى؛ وأما مَا كان للَّه تعالى فهو من الآخرة، وأما أمورُ الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قِوَامُ العَيْشِ، والقوةُ على الطاعات؛ فإنما هي لهو ولعب، وتأملْ ذلك في الملابِس، والمطاعِم، والأقوال، والمكتسبات، وغير ذلك، وانظر أن حالةَ الغني والفقير من الأمور الضرورية واحدة: كالتنفسِ في الهواء، وسد الجوع، وستر العورة، وتَوَقِّي الحر والبرد؛ هذه عظم أمر العيش، و {ٱلْحَيَوَانُ} و {ٱلْحَيَاةُ} بمعنًى، والمعَنى: لا موت فيها، قاله مجاهد وهو حسن، ويقال: أصله: حييان؛ فأبدلت إحداهما واواً لاجتماع المِثْلَين. ثم وقَفَهُمْ تعالى على حالهم في البحر؛ عند الخوف العظيم؛ ونسيانهم عند ذلك للأصنام، وغيرها، على ما تقدم بيانُه في غير هذا الموضع: و {لِيَكْفُرُواْ} نصبٌ بـــ «لام كي» ثم عدَّد تعالى على كَفَرَةِ قريش نعمتَه عليهم؛ في الحَرَمِ و«المثوى»: موضع الإقامة، وألفاظ هذه الآية في غايةِ الاقْتِضَابِ والإيجاز؛ وجمع المعاني. ثم ذكر تعالى حالَ أوليائه والمجاهدين فيه. وقوله: {فِينَا} معناه: في مرضاتنا وبغيةِ ثوابِنا. قال السدي وغيره: نزلت هذه الآيةُ قبل فَرضِ القتال. قال * ع *: فهي قَبْلَ الجهادِ العَرْفي وإنما هو جِهَاد عامُّ في دين اللّه وطلب مرضاته. قال الحسن بن أبي الحسن: الآيةُ في العُبَّادِ. وقال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما علموا. وقال أبو سليمان الدَّارانيُّ: ليس الجهادُ في هذه الآية قتالَ العدو فقط؛ بل هو نَصْرُ الدِّين والردُّ على المبطلينَ وقمعُ الظالمينَ؛ وأعظمُه الأمر بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ، ومنه، مجاهدةُ النفوسِ في طاعةِ اللّه عز وجل وهو الجهاد الأكبر؛ قاله الحسن وغيره، وفيه حديثٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم «حديث : رَجَعْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ»تفسير : و«السُّبل» هنا يحتملُ أن تكونَ طُرَقَ الجنةِ ومَسَالِكَهَا، ويحتملُ أن تكونَ سبلَ الأعمال المؤَدِّيَةِ إلى الجنةِ، قال يوسف بن أسباط: هي إصلاح النيّة في الأعمال، وحب التَزَيُّدِ والتَفَهُّمِ، وهو أن يُجَازَى العبدُ عَلى حَسَنَةٍ بازدياد حسنةٍ وبعلمٍ يَنْقَدِحُ مِن عِلْمٍ متقدمٍ. قال * ص *: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ}: مبتدأ خبرُه القسمُ المحذوفُ، وجوابُه وهو: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ}، انتهى. وقال الثعلبي: قال سهل بن عبد اللّه: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ} في إقامة السنة {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} سبل الجنة؛ انتهى. واللام في قوله {لَمَعَ} لام تأكيد.
البقاعي
تفسير : ولما تبين بهذا الآيات أن الدنيا مبنية على الفناء والزوال، والقلعة والارتحال، وصح أن السرور بها في غير موضعه فلذلك قال تعالى مشيراً بعد سلب العقل عنهم إلى أنهم فيها كالبهائم يتهارجون: {وما هذه الحياة الدنيا} فحقرها بالإشارة ولفظ الدناءة مع الإشارة إلى أن الاعتراف بهذا الاسم كافٍ في الإلزام بالاعتراف بالأخرى. ولما كان مقصود السورة الحث على الجهاد والنهي عن المنكر، وكان في معرض سلب العقل عنهم، قدم اللهو لأن الإعراض عنه يحسم مادة الشر فإنه الباعث عليه فقال: {إلا لهو} أي شيء يلهي عما ينفع {ولعب} يشتغل به صبيان العقول، وكل غافل وجهول، فإن اللهو كل شيء من شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء وغيره، فيحصل به فرح وزيادة سرور، فيكون سبباً للغفلة والذهول والنسيان والشغل عن استعمال العقل في اتباع ما ينجي في الآخرة فينشأ عنه ضلال - على ما أشارت إليه آية لقمان {أية : ليشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} تفسير : [آية: 6] ومنه اللعب، وهو فعل ما يزيد النفس في دنياها سروراً كالرقص بعد السماع وينقضي بسرعة لأنه ضد الجد ومثل الهزل، وهو كل شيء سافل، وكل باطل يقصد به زيادة البسط والترويح والتمادي في قطع الزمان فيما يشتهي من غير تعب، واللعبة - بالضم: التمثال، وما يلعب به كالشطرنج، والأحمق يسخر به، ولعب لعباً: مرح، وفي الأمر والدين: استخف به. ولما كانوا ينكرون الحياة بعد الموت، أخبر على سبيل التأكيد أنه لا حياة غيرها فقال: {وإن الدار الآخرة لهي} أي خاصة {الحيوان} أي الحياة التامة الباقية العامة الوافية نفسها من حيث أنه لا موت فيها ولا فناء لشيء من الأشياء، ولذلك اختير هذا البناء الدال على المبالغة، وحركته مشعرة بما في الحياة من مطلق الحركة والاضطراب، فلا انقضاء لشيء من لعبها ولا لهواها الذي لا يوافق ما في الدنيا إلا في الصورة فقط لا في المعنى، لأنه ليس فيها شيء سافل لا في الباعث ولا في المبعوث إليه، بل كان ذلك بالتسبيح والتقديس وما يترتب عليه من المعارف والبسط والترويح، والانشراح والأنس والتفريح. ولما كانوا قد غلطوا في الدارين كلتيهما فأنزلوا كل واحدة منهما غير منزلتها، فعدوا الدنيا وجوداً دائماً على هذا الحالة والآخرة عدماً، لا وجود لها بوجه، قال: {لو كانوا} أي كوناً هو كالجبلة {يعلمون*} أي لهم علم ما لم يغلطوا في واحدة منهما فلم يركبوا مع إيثارهم للحياة وشدة نفرتهم من الموت، لا عتقادهم أن لا قيام بعده إلى الدنيا، مع أن أصلها عدم الحياة الذي هو الموتان. ولما ختم هذه الآية بما أفهم أنهم لا يعلمون، والتي قبلها بأن أكثرهم لا يعقلون، سبب عن ذلك قوله: {فإذا} أي فتسبب عن عدم عقلهم المستلزم لعدم علمهم أنهم إذا {ركبوا } أي البحر {في الفلك} أي السفن {دعوا الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء إذا أصابتهم مصيبة خافوا منها الهلاك {مخلصين} بالتوحيد {له الدين*} بالإعراض عن شركائهم بالقلب واللسان، لما هم له محققون أنه لا منجى عند تلك الشدائد غيره {فلما نجّاهم} أي الله سبحانه، موصلاً لهم {إلى البر إذا هم} أي حين الوصول إلى البر {يشركون*} فصح أنهم لا يعلمون، لأنهم لا يعقلون، حيث يقرون بعجز آلهتهم ويشركونها معه، ففي ذلك أعظم التهكم بهم؛ قال البغوي: قال عكرمة: كانوا إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب! يا رب. وقال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان، وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء - انتهى. فعلم أن الاشتغال بالدنيا هو الصادّ عن كل خير وأن الانقطاع عنها معين للفطرة الأولى المستقيمة، ولهذا نجد الفقراء أقرب إلى كل خير. ولما كانوا مع هذا الفعل - الذي لا يفعله إلا مسلوب العقل - يدعون أنهم أعقل الناس وأبصرهم بلوازم الأفعال وما يشين الرجال، وكان فعلهم هذا كفراً للنعمة، مع ادعائهم أنهم أشكرالناس للمعروف، قال مبيناً أن عادتهم مخالفة لعادة المؤمنين في جعلهم نعمة النجاة سبباً لزيادة طاعاتهم، فعلم أنه ما كان إخلاصهم في البحر إلا صورة لا حقيقة لها: {ليكفروا بما آتيناهم} على عظمتنا من هذه النعمة التي يكفي في عظمتها أنه لا يمكن غيرنا أن يفعلها ما أشركوا إلا لأجل هذا الكفر، وإلا لكانوا فاعلين لشيء من غير قصد، فيكون ذلك فعل من لا عقل له أصلاً وهم يحاشون عن مثل ذلك {وليتمتعوا} بما يجتمعون عليه في الإشراك من التواصل والتعاون، وعند من سكن اللام - وهم ابن كثير وحمزة والكسائي وقالون عن نافع - يكون معطوفاً تهديداً على مقدر هو "فليكفروا" أو على {ليكفروا} السابق، على أن لامه للأمر، وسيأتي في الروم إن شاء الله تعالى ما يؤيده {فسوف يعلمون*} بوعد لا خلف فيه ما يحل بهم بهذا الفعل الذي هو دائر بين كفر وجنون. ولما كان قد فعل بهم سبحانه من الأمن الشديد المديد في البر دون سائر العرب عكس ما ذكر من حال خوفهم الشديد في البحر، وكان قادراً على إخافتهم في البر كما قدر على إخافتهم في البحر ليدوم إخلاصهم، وكان كفرهم عند الأمن بعد الإخلاص عند الخوف - مع أنه أعظم النقائص - هزلاً لا يفعله إلا من أمن مثل تلك المصيبة في البر، توجه الإنكار في نحو أن يقال: ألم يروا أنا قادرون على إخافتهم وإهلاكهم في البر كما نحن قادرون على ذلك في البحر كما فعلنا بغيرهم، فعطف عليه قوله: {أولم يروا} أي بعيون بصائرهم {أنا جعلنا} أي بعظمتنا لهم {حرماً} وقال تعالى: {آمناً} لأنه لا خوف على من دخله، فلما أمن كل حالّ به كان كأنه هو نفس الأمن، وهو حرم مكة المشرفة، وأمنه موجب للتوحيد والإخلاص، رغبة في دوامه، وخوفاً من انصرامه، كما كان الخوف في البحر موجباً للإخلاص خوفاً من دوامه، ورغبة في انصرامه {و} الحال أنه {يتخطف} وبناه للمفعول لأن المقصود الفعل لا فاعل معين. ولما كان التخطف غير خاص بناس دون آخرين، بل كان جميع العرب يغزو بعضهم بعضاً، ويغير بعضهم على بعض بالقتل والأسر والنهب وغير ذلك من أنواع الأذى، قال: {الناس من حولهم} أي من حول من فيه من كل جهة تخطفَ الطيور مع قلة من بمكة وكثر من حولهم، فالذي خرق العادة في فعل ذلك حتى صار على هذا السنن قادر على أن يعكس الحال فيجعل من بالحرم متخطفاً ومن حوله آمناً، أو يجعل الكل في الخوف على منهاج واحد. ولما تبين أنه لا وجه لشركهم ولا لكفرهم هذه النعمة الظاهرة المكشوفة، تسبب الإنكار في قوله: {أفبالباطل} أي خاصة من الأوثان وغيرها {يؤمنون} والحال أنه لا يشك عاقل في بطلانه، وجاء الحصر من حيث إن من كفر بالله تبعه الكفر بكل حق والتصديق بكل باطل {وبنعمة الله} التي أحدثها لهم من الإنجاء وغيره {يكفرون*} حيث جعلوا موضع شكرهم له على النجاه شركهم بعبادة غيره.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} قال: باقية. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {لهي الحيوان} قال: الحياة الدائمة. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الحيوان، وهو يسعى لدار الغرور! ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فإذا ركبوا في الفلك...} قال: الخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فتمتعوا فسوف تعلمون} قال: ما كان في الدنيا فسوف ترونه، وما كان في الآخرة فسيبدو لكم.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} إشارةُ تحقيرٍ وازدراءٍ للدُّنيا وكيفَ لا وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لو كانتِ الدُّنيا تزنُ عندَ الله جناحَ بَعُوضةٍ ما سَقَى الكافرَ منها شَرْبةَ ماءٍ » تفسير : {إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي إلا كما يُلهى ويلعبُ به الصبـيانُ يجتمعون عليهِ ويبتهجون به ساعةً ثم يتفرَّقُون عنه {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} أي لهيَ دارُ الحياةِ الحقيقية لامتناعِ طريانِ الموتِ والفناءِ عليها أو هي في ذاتِها حياةٌ للمبالغةِ. والحيوانُ مصدرُ حَيِـيَ سُمِّيَ بهِ ذُو الحياة وأصلُه حَيَـيانُ فقُلبتْ الياءُ الثَّانيةُ واواً لما في بناءِ فَعَلان من مَعْنى الحَرَكةِ والاضطرابِ اللازم للحَيَوان ولذلك اختِير على الحياةِ في هذا المقامِ المُقتضي للمبالغةِ {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لما آثرُوا عليها الحياةَ الدُّنيا التي أصلُها عدمُ الحياةِ ثمَّ ما يحدثُ فيها من الحَيَاةِ عارضةٌ سريعةُ الزَّوالِ وشيكةُ الاضمحلالِ {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ} متَّصلٌ بما دلَّ عليه شرحُ حالِهم، والرُّكوب هو الاستعلاءُ على الشيءِ المتحرِّكِ وهو متعدَ بنفسِه كما في قولِه تعالى: { أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} تفسير : [سورة النحل: الآية 8] واستعمالُه هٰهنا وفي أمثالِه بكلمة في للإيذانِ بأنَّ المركوبَ في نفسِه من قبـيلِ الأمكنةِ، وحركتُه قسريةٌ غيرُ إراديةٍ كما مرَّ في سورةِ هُودٍ والمعنى أنَّهم على ما وُصفوا من الإشراكِ فإذا ركبُوا في البحرِ ولقُوا شدَّةً {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ} أي كائنينَ على صورةِ المُخلصين لدينِهم من المؤمنينَ حيثُ لا يدعُون غيرَ الله تعالى لعلمِهم بأنَّه لا يكشفُ الشَّدائدَ عنهم إلا هُو {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} أي فاجؤا المعاودةَ إلى الشِّركِ {لِيَكْفُرُواْ بِمَا ءاتَيْنَـٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ} أي يفاجئونَ الإشراكَ ليكونُوا كافرينَ بما آتيناهُم من نعمةِ الإنجاءِ التي حقُّها أنْ يشكرُوها {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي عاقبةَ ذلكَ وغائلتَه حينَ يَرَون العذابَ {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أي ألم ينظرُوا ولم يشاهدُوا {أَنَّا جَعَلْنَا} أي بلدَهم {حَرَماً ءامِناً} مصُوناً من النَّهبِ والتَّعدِّي سالماً أهلُه من كلِّ سوءٍ {وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} أي والحالُ أنَّهم يُختلسون من حولِهم قتلاً وسبـياً إذ كانتِ العربُ حولَه في تغاورٍ وتناهُبٍ {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ} أي أبعد ظهورِ الحقِّ الذي لا ريبَ فيه بالباطلِ خاصَّة يُؤمنون دُون الحقِّ {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ} وهي المستوجبةُ للشُّكرِ حيثُ يُشركون به غيرَهُ. وتقديمُ الصِّلةِ في الموضعينِ لإظهارِ كمالِ شناعةِ ما فعلُوا {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بأنْ زعمَ أنَّ له شريكاً أي هو أظلمُ من كلِّ ظالمٍ وإنْ كانَ سبكُ النَّظمِ دالاًّ على نفيِ الأظلمِ من غيرِ تعرضٍ لنفيِ المُساوي وقد مرَّ مراراً {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُ} أي بالرَّسولِ أو بالقُرآنِ وفي لمَّا تسفيهٌ لهم بأنْ لم يتوقفُوا ولم يتأمَّلوا حينَ جاءَهم بل سارعُوا إلى التَّكذيبِ آثر ذي أثيرٍ {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ} تقريرٌ لثُوائِهم فيها كقولِ من قالَ: [الوافر] شعر : ألستُم خيرَ من رَكبَ المَطَايا [وأنْدَى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ] تفسير : أي أَلاَ يستوجبونَ الثَّواء فيها وقد فعلُوا ما فعلُوا من الافتراءِ على الله تعالى والتَّكذيبِ بالحقِّ الصَّريحِ أو إنكارٌ واستبعادٌ لاجترائِهم على ما ذُكر من الافتراءِ والتَّكذيبِ مع علمِهم بحالِ الكَفَرةِ أي ألم يعلمُوا أن في جهنَّم مثوى للكافرين حتَّى اجترؤا هذه الجرأةَ.
القشيري
تفسير : الدنيا الأحلام - وعند الخروج منها انتباهٌ من النوم. والآخرة هنالك العيش بكماله، والتخلص - من الوحشة - بتمامه ودوامه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وماهذه الحياة الدنيا} اشارة تحقير للدنيا وكيف لاوهى لاتزن عند الله جناح بعوضة: والمعنى بالفارسية [ونيست اين زندكانىء دنيا]. قال الامام الراغب الحياة باعتبار الدنيا والآخرة ضربان الحياة الدنيا والحياة الآخرة فهى اشارة الى ان الحياة الدنيا بمعنى الحياة الاولى بقرينة المقابلة بالآخرة فانه قد يعبر بالادنى عن الاول المقابل للآخر والمراد بالحياة الاولى ماقبل الموت لدنوه اى قربه وبالآخرة مابعد الموت لتأخره {الا لهو} وهو مايلهى الانسان ويشغله عما يعنيه ويهمه والملاهى آلات اللهو {ولعب} يقال لعب فلان اذا لم يقصد بفعله مقصدا صحيحا. قال الكاشفى {الا لهو} [مكر مشغولى وبيكارى ولعب وبازى يعنى درسرعت انقضا وزوال ببازى كود كان مى ماندكه يكجا جمع آيند وساعتى بدان متهيج كردند واندك زمانى را ملول ومانده كشته متفرق شوند وجه زيبا كفته است] شعر : بازجه ايست طفل قريب اين متاع دهر بى عقل مردمان كه بدين مبتلا شوند تفسير : وفى التاويلات النجيمة يشير الى ان هذه الحياة التى يعيش بها المرء فى الدينا بالنسبة الى الحياة التى يعيش بها اهل الآخرة فى الآخرة وجوار الحق تعالى لهو ولعب وانما شبهها باللهو واللعب لمعنيين. احدهما ان امر اللهو واللعب سريع الانقضاء لايداوم عليه فالمعنى ان الدنيا وزينتها وشهواتها لظل زائل لايكون لها بقاء فلا تصلح لاطمئنان القلب بها والركون اليها. والثانى ان اللهو واللعب من شأن الصبيان والسفهاء دون العقلاء وذوى الاحلام ولهذا كان النبى عليه السلام يقول "حديث : ما انا من دد ولا الدد منى"تفسير : والدد اللهو واللعب فالعاقل يصون نفسه منه انتهى. قال فى كشف الاسرار فان قيل لم سماها لهوا ولعبا وقد خلقها لحكمة ومصلحة قلنا انه سبحانه بنى الخطاب على الاعم الاغلب وذلك ان غرض اكثر الناس من الدنيا اللهو واللعب انتهى ورد فى الخبر النبوى حين سئل عن الدنيا فقال "حديث : دنياك مايشغلك عن ربك"تفسير : وفى المثنوى شعر : جيست دنيا از خدا غافل شدن نى قماش نقره فرزند وزن مال را كر بهر دين باشى حمول نعم مال صالح خواندش رسول آب در كشتى هلاك كشتى است آب اندر زير كشتى بشتى است جونكه مال وملك را ازدل براند زان سليمان خويش جزمسكين نخواند كوزه سربسته اندر آب رفت از دل بر باد فوق آب رفت باد دروبشى جو در باطن بود بر سرآب جهان سان بود كرجه جمله اين جهان ملك ويست ملك درجشم دل اولاشى است تفسير : قيل الشرك كله فى بيت واحد ومفتاحه حب الدنيا وما احسن من شبهها بخيال الظل حيث قال شعر : رأيت خيال الظل اعظم عبرة لمن كان فى علم الحقائق راق شخوص واصوات يخالف بعضها لبعض واشكال بغير وفاق تمر وتقضى اوبه بعض اوبه وتفنى جميعا والمحرك باقى تفسير : ومن اشارات المثنوى ما قال شعر : اى دريده بوستين يوسفان كراد برخيزى ازين خواب كران كشته كر كان يك خواهاى تو مى درانند از غضب اعضاى تو خون نخسبد بعد مركت در قصاص تومكو كه مردم ويابم خلاص اين قصاص نقد حيلت سازيست بيش زخم آن قصاص اين بازيست زين لعب خواندست دنيارا خدا كين جزا لعبست بيش آن جزا اين جزا تسكين جنك وفتنه است آن جواخصا است واين جون ختنه است تفسير : {وان الدار الآخرة لهى الحيوان} اى وان الجنة لهى دار الحياة الحقيقة لامتناع طريان الموت والفناء عليها او هى فى ذاتها حياة للمبالغة. والحيوان مصدر حيى سمى به ذو الحياة واصله حييان فقلبت الياء الثانية واوا لئلا يحذف احدى الالفات وهو ابلغ من الحياة لما فى بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحيوان ولذلك اختير على الحياة فى هذا المقام المقتضى للمبالغة {ولو كانوا يعلمون} لما آثروا عليها الدنيا التى اصلها عدم الحياة ثم مايحدث فيها من الحياة عارضة سريعة الزوال وفى التأويلات النجمية يشير الى ان دار الدنيا لهى الموتان لانه تعالى سمى الكافر وان كان حيا بالميت بقوله {أية : انك لاتسمع الموتى}تفسير : وقال {أية : لتنذر من كان حيا}تفسير : فثبت ان الدنيا وما فيها من الموتان الا من احياه الله بنور الايمان فهو الحى والآخرة عبارة عن عالم الارواح والملكوت فهى حياة كلها وانما سماها الحيوان والحيوان مايكون حيا وله حياة فيكون جميع اجزائه حيا فالآخرة حيوان لان جميع اجزائها حى فقد ورد فى الحديث "حديث : ان الجنة بما فيها من الاشجار والثمار والغرف والحيطان والانهار حتى ترابها وحصاها كلها حى"تفسير : فالحياة الحقيقية التى لاتشينها الغصص والمحن والامراض والعلل ولايدكها الموت والفوت لهى حياة اهل الجنات والقربات لو كانوا يعلمون قدرها وغاية كماليتها وحقيقة عزتها لكانوا أشد حرصا فى تحصيلها ههنا فمن فاتته لايدركها فى الآخرة ألا ان من صفة اهل النار ان لايموت فيها ولايحيى يعنى ولا يحيى بحياة حقيقة يستريح بها وانهم يتمنون الموت ولا يجدونه انتهى. قال فى كشف الاسرار [غافل بى حاصل تاشند شربت مرادى آميزى وتاكى ارزوى بزى. كاه جون شير هرجت بيش آيدمى شكنى. كاه جون كرك هرجه بينى همى درى. كاه جون كبك در كوههاى مرادمى برى كاه جون آهو در مرغزار ارزو همه جرى. خبرندارى كه اين دنياكه توبدان همى نازى وتراهمى فرييدوا دردام غرورى كشد لهو ولعبست سراى بى سر مايكان وسرمايه بى دولتان وبازيجه بى كاران وبند معشوقه فتاتست ورعناى بى سرو سامان دوستى بى وفا وايه بى مهر دشمنى بركزند بو العجى برفند هركرا بامداد بنوازد شبانكاه بكدازد وهركرا يك دو زدل بشادى بيفروزد وديكروزنش بانش هلاك مى سوزد] شعر : احلام نوم او كظل زائل ان اللبيب بمثلها لايخدع تفسير : وفى المثنوى شعر : صوفى در باغ از بهرى كشاد صوفيانه روى بر زانوا نهاد بس فرورفت او بخود اندر نفول شد ملون از صورت خوابش فضول كه جه خسبى آخر اندر رزنكر اين درختان بين وآثار خضر امر حق بشنوكه كفتست انظروا سوى اين آثار رحمت آر رو كفت آثار ش دلست اى بوالهوس آن برون آثار آثارست وبس باغها وسبزها بر عين جان بربرون عكسش جودر آب روان آن خيال باغ باشد اندر آب كه كند از لطف آب آن اضطراب باغها وميوها اندر دلست عكس لطف آن برين آب وكلست كرنبودى عكسى آن سرو وسرور بس بخواندى ازيدش دار الغرور اين غرور آنست يعنى اين خيال هست از عكس دل جان رجال جمله مغروران برين عكس آمده بر كمانى كين بود جنت كده مى كريزند از اصول باغها بر خيالى ميكنند آن لاغها جونكه خواب غفلت آيد شان بسر راست بينند وجه سودست آن نظر بس بكورستان غريو افتادواه تا قيامت زين غلط واحصرتاه اى خنك آنراكه بيش ازمراك مرد جان او از اصل اين رز بويى برد تفسير : [اين حيات لعب ولهو در جشم كسى آيدكه از حياة طيبه وزندكانى مهر خبر ندارد مراورا دوستانندكه زندكانى ايشان امروز بذكر است وبمهر وفردا زندكانى ايشان بمشاهدت بود ومعاينت زندكانى ذكررا ثمره انس است وزندكانى مهررا ثمره فنا ايشانندكه يك طرف ازو محجوب نيند وهيج محجوب مانند زنده نمانند] شعر : غم كى خورد آنكه شادمانيش تويى ياكى ميرد آنكه زندكانيش تويى تفسير : فالعاقل لايضع العمر العزيز فى الهوى واشتغال الدنيا الدنية الرذيلة بل يسارع فى تحصيل الباقى. قال الفضيل رحمه الله لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لكان ينبغى لنا ان نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى كما روى ان سليمان عليه السلام قال لتسبيحة فى صحيفة مؤمن خير مما اوتى ابن داود فانه يذهب والتسبيحة تبقى ولايبقى مع العبد عند الموت الا ثلاث صفات صفاء القلب اى عن كدورات الدنيا وانسه بذكر الله وحبه لله ولايخفى ان صفاء القلب وطهارته عن ادناس الدنيا لا تكون الا مع المعرفة والمعرفة لا تكون الا بدوام الذكر والفكر وخير الاذكار التوحيد
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما هذه الحياةُ الدنيا إلا لهوٌ ولعب} أي: وما هي؛ لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها، إلا كما يلعب الصبيان ساعة، ثم يفترقون متعبَين بلا فائدة. وفيه ازدراء بالدنيا وتحقير لشأنها، وكيف لا يحقرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة؟ واللهو: ما يتلذذ به الإنسان، فيلهيه ساعة، ثم ينقضي. {وإنَّ الدار الآخرة لهي الحيوان}، أي: الحياة الحقيقية؛ لأنها دائمة. والحيوان: مصدر، وقياسه: حيَيَان، فَقَلَبَ الياءَ الثانية واواً. ولم يقل: لهي الحياة؛ لِمَا في بناء فَعَلاَن من معنى الحركة والاضطراب. وفي المصباح: الحيوان: مبالغة في الحياة، كما قيل: للموت الكثير مَوَتَان. هـ. {لو كانوا يعلمون} حقيقة الدارين؛ لَمَا اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي. {فإذا رَكِبُوا في الفلك}، هو مرتب على محذوف، دل عليه ما وصفهم به قَبْلُ، والتقدير: هم على ما هم عليه من الشرك والعناد، وإذا ركبوا في الفلك {دَعَوا الله مخلصين له الدين}، أي: كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون معه إلهاً آخر، {فلما نجاهم إلى البر}، وأمنوا من الغرق، {إذا هم يُشركون}، أي: عادوا إلى حال الشرك، {ليكفروا بما آتيناهم} من النعمة، {وَلِيَتَمَّتعوا} باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها. واللام فيهما: إما لاَمُ كي، أي: يعودون إلى شركهم؛ ليكونوا به كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع بها والتلذذ, لا غير, على خلاف عادة المؤمنين المخلصين, فإنهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم, ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى توحيده وطاعته, لا إلى التلذذ والتمتع. أو: لام الأمر، علة وجه التهديد، كقوله: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ }تفسير : [الكهف: 29]، ويقويه: قراءةُ مَنْ سَكَّنَ الثانية، أي: ليكفروا وليتمتعوا {فسوف يعلمون} تدبيرهم عند تدميرهم. الإشارة: الدنيا عند أهل الجد والاجتهاد جد، يتوصلون فيها إلى معرفة الحق، ويترقون منها إلى أسرار ومعارف لا يحصرها عقل؛ ولا يحيط بها نقل، لأن في هذه الدار: عرفه من عرف، وجَهِلَهُ من جهله. والترقي عند العارفين فيها أكثر؛ لأنه يسير بين جلاله وجماله، وهناك ليس إلا الجمال، والترقي بين الضدين أعظم، فإذا مات بقي يترقى في أنوار الجمال على قدر ما أدرك هنا. والله أعلم. فتحصل أن الدنيا في حق أهل الغفلة لعب ولهو؛ لأنها شغلتهم وغرتهم بزخارفها عن معرفة الله والوصول إليه، ولذلك حذّر منها صلى الله عليه وسلم، فقد قال في بعض خطبه: "حديث : أيها الناس، لا تكونوا ممن خَدَعَتْهُ العاجلة، وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزوال، وشيكة الانتقال؛ إذ لن يبقى من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو درّ حالب، فعلام تعرجون؟ وما تنتظرون؟ فكأنكم، والله، بما قد أصبحتم فيه من الدنيا، كأن لم يكن، وما تصيرون إليه من الآخرة، لم يزل، فخذوا في الأهْبة لأزُوف النقلة، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل إمرىء على ما قَدَّمَ قادِمٌ، وعلى ما خَلَّفَ نادمٌ"تفسير : . وفي حق أهل الجد جدٌ وحق؛ لأنها مزرعة للآخرة، ومتجر من أسواق الله، فيها ربحهم وغنيمتهم. وبالله التوفيق. ثم ذكرهم بما أنعم عليهم ليشكروا، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً...}
الجنابذي
تفسير : {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} الجملة حاليّة او معطوفة باعتبار المعنى كأنّه قال: انّه هيّأ اسباب الحيٰوة الدّنيا الدّانية الّتى حٰيوة جميع احيائها مشوبة بالممات، ووجودها مشوب بالاعدام، وجدّها لهو او لعب ولم يتركها بدون تهيّة اسباب الوجود والبقاء والتّعيّش باعتراف المقرّ والمنكر فكيف بالحيٰوة الآخرة الّتى حيٰوة جميع اجزائها عين ذواتهم، ووجودها خالص من شوب النّقص ولذّاتها مبرّأة من شوب الالم فانّ الحيٰوة الدّنيا حيٰوة بالعرض {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} بجميع اجزائها {لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} محصوراً فيها الحيٰوة او المعنى انّهم مهتمّون بامر الحيٰوة الدّنيا الّتى يرون انّها كلعب الاطفال غير باقية وغير مترتّب عليها فائدة وانّ الدّار الآخرة لهى الحيوان {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} لامتنعوا من الاهتمام بامر الحيٰوة الدّنيا ولكانوا مهتمّين بامر الحيٰوة الآخرة او لفظ لو للتّمنّى وقد مضى الفرق بين اللّهو واللّعب وانّ الاوّل ما لا يكون له غاية لا عقلانيّة ولا خياليّة، والثّانى ما لا يكون له غاية عقلانيّة ويكون له غاية خياليّة وان كان الاوّل ايضاً لا يخلو عن غايةٍ خفيّةٍ.
الأعقم
تفسير : {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب} يعني التمتع بالحياة بمنزلة اللهو واللعب لقصر مدتها وسرعة زوالها {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} يعني هذه الحياة الدائمة {لو كانوا يعلمون} أي لو علموا ما اختاروا الدنيا على الآخرة {فإذا ركبوا في الفلك} وخافوا الغرق {دعوا الله مخلصين له الدين} له الدعوة ولا يدعون غيره عند الضرورة {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا} وهذا تهديدٌ، أي دعهم وما اختاروا من الكفر والتمتع {فسوف يعلمون} عند نزول العذاب بهم قبح ما كانوا عليه {أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً} أي لم يتفكروا ما خصّهم الله من فضله والنعم العظيمة وهي الحرم الذي أسكنهم فيه آمناً لأن أحداً لا يتعرض لهم ولأنه {ويتخطف الناس من حولهم} أي تسب أموالهم حول الحرم وهم في الحرم آمنون، وقيل: يتخطف البادي يقتلون ويؤسرون {أفبالباطل يؤمنون} استفهام، والمراد الانكار، أي كيف يؤمنون بالباطل وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ {وبنعمة الله يكفرون} {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} يعني لا ظلم أعظم من ظلم من يكذب على الله في صفاته وفعاله فيصفه بما لا يليق به، أو يصف الله بما لا يليق بحكمته كمن يقول أن له شريكاً وولداً فإنه جسم كمن يقول القبائح خلقه {أو كذب بالحق} قيل: القرآن، وقيل: محمد {أليس في جهنم مثوىً للكافرين} أي مقامهم ومنزلهم {والذين جاهدوا فينا} في طلب رضانا، أو جاهدوا الأعداء باليد واللسان، أو جاهدوا أنفسهم {لنهدينهم سبلنا} يعني سبيل الجنة والثواب، وقيل: سبل الخير بالتوفيق {لنهدينهم} هداية إلى الخيرات وتوفيقاً كقوله: {أية : والذين اهتدوا زادهم هدىً} تفسير : [محمد: 17] {وإن الله لمع المحسنين} لناصرهم ومعينهم.
اطفيش
تفسير : {وَمَا هَذِهِ الحَيَٰوةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ} الا كما يلهوا الصبيان ويلعبون ويجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين وذلك ازدراء بالدنيا وتحقير لها وكيف لا يصغرها وهي لا توزن عنده جناح بعوضة وفي سرعة الزوال كاجتماع الصبيان على شيء الا ما كان منها لله من طاعة واللهو الاستمتاع بلذات الدنيا وقيل الاشتغال بما لا يعني واللعب العبث. {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ} اي لهي ذات الحيوان الدائم او دار الحيوان الدائم فحذف المضاف والحيوان بمعنى الحياة وعبر به لا بالحياة لانه على وزن فعلان بفتح الفاء والعين وفعلان يدل على الحركة والاضطراب اللازم للحياة فهو ابلغ وهو من حيي كعلم كالجولان والدوران من جال ودار والاصل حييان قلبت الياء الثانية واوا ولك ان لا تقدر مضافا فتكون فيه المبالغة بجعل الآخرة نفس الحياة. {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فناء الدنيا بسرعة وبقاء الآخرة فما اختاروا الدنيا على الآخرة.
اطفيش
تفسير : {وما هذه الحياة الدنيا} اشارة القرب لهوان الدينا، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" تفسير : ويقال: ان الدنيا احقر عند الله من ذراع خنزير ميت، بال عليه كلب بيد مجذوم {إلاَّ لهْوٌ ولعَبٌ} ما امرها الا كلهو ولعب، او ما هى الا شئ يلهى به ويلعب به ساعة، كما تفعل الصبيان، ويتفرقون عنه بلا فائدة {وإنَّ الدَّار الآخرة} حياة الدار الآخرة {لَهِي الحَيَوان} الحياة التامة الحقيقة التى لا يعقبها موت، او ان الدار الآخرة لهى دار الحيوان، او هى نفس الحياة مبالغة، والحيوان مصدر بمعنى الحياة، وجاء بوزن فعلان للتأكيد، لان فعلان للاضطراب اللازم للحركة، ولذلك ذكر فى حياة الاخرة، وواوه عن ياء على خلاف القياس، والاصل حييان، ويدل له حيى، هذا سيبويه، وقيل: لام الحياة ولو قلبت ألفا، وأصل حيى حيو قلبت ياء لكسر ما قبلها كشقى بدليل الآية، وحيوة علم رجل الصحيح مذهب سيبويه {لَوْ كانوا يعْلَمُون} ما اثروا حياة الدنيا عليها، تقدم مثله.
الالوسي
تفسير : {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا } إشارة تحقير وكيف لا والدنيا لا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة، فقد أخرج الترمذي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء»تفسير : . وقال بعض العارفين: الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليها كلب بيد مجذوم، ويعلم مما ذكر حقارة ما فيها من الحياة بالطريق الأولى {إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي إلا كما يلهو ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون عنه، وهذا من التشبيه البليغ {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ} أي لهي دار الحياة الحقيقية إذ لا يعرض الموت والفناء لمن فيها أو هي ذاتها حياة للمبالغة، و {ٱلْحَيَوَانُ} مصدر حي سمي به ذو الحياة في غير هذا المحل، وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واواً على خلاف القياس فلامه ياء وإلى ذلك ذهب سيبويه. وقيل: إن لامه واو نظراً إلى ظاهر الكلمة وإلى حياة علم رجل، ولا حجة على كونه ياءً في حي لأن الواو في مثله تبدل ياء لكسر ما قبلها نحو شقي من الشقوة، وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليها في هذا المقام المقتضي للمبالغة وقد علمتها في وصف الحياة الدنيا المقابلة للدار الآخرة {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } شرط جوابه محذوف أي لو كانوا يعلمون لما آثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة، ثم ما يحدث فيها من الحياة فيها عارضة سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال وكون {لَوْ } للتمني بعيد.
ابن عاشور
تفسير : هذا الكلام مبلَّغ إلى الفريقين اللذين تضمنهما قوله تعالى: {أية : بل أكثرهم لا يعقلون} تفسير : [العنكبوت: 63] فإن عقلاءهم آثروا باطل الدنيا على الحق الذي وضح لهم، ودهماءهم لم يشعروا بغير أمور الدنيا، وجميعهم أنكروا البعث فأعقب الله ما أوضحه لهم من الدلائل بأن نبههم على أن الحياة الدنيا كالخيال وأن الحياة الثانية هي الحياة الحق. والمراد بالحياة ما تشتمل عليه من الأحوال وذلك يسري إلى الحياة نفسها. واللهو: ما يلهو به الناس، أي يشتغلون به عن الأمور المكدرة أو يعْمرون به أوقاتهم الخلية عن الأعمال. واللعب: ما يقصد به الهزل والانبساط. وتقدم تفسير اللعب واللهو ووجه حصر الحياة الدنيا فيهما عند قوله تعالى: {أية : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} تفسير : في سورة الأنعام (32). والحصر: ادعائي كما تقدم. وقد زادت هذه الآية بتوجيه اسم الإشارة إلى الحياة وهي إشارة تحقير وقلة اكتراث، كقول قيس بن الخطيم مشيراً إلى الموت: شعر : متى يأت هذا الموتُ لا يُلف حَاجة لنفسيَ إلا قَد قضيتُ قضاءها تفسير : ولم توجه الإِشارة إلى الحياة في سورة الأنعام. ووجه ذلك أن هذه الآية لم يتقدم فيها ما يقتضي تحقير الحياة فجيء باسم الإِشارة لإفادة تحقيرها، وأما آية سورة الأنعام فتقدم قوله: {أية : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها}تفسير : [الأنعام: 31] فذُكر لهم في تلك الآية ما سيظهر لهم إذا جاءتهم الساعة من ذهاب حياتهم الدنيا سُدى. وأمر تقديم ذكر اللهو هنا وذكر اللعب في سورة الأنعام فلأن آية سورة الأنعام لم تشتمل على اسم إشارة يقصد منه تحقير الحياة الدنيا فكان الابتداء بأنها لعب مشيراً إلى تحقيرها لأن اللعب أعرق في قلة الجدوى من اللهو. ولما أشير في هذه الآية إلى الحياة الآخرة في قوله {أية : فأحيا به الأرض من بعد موتها}تفسير : [العنكبوت: 63] زاده تصريحاً بأن الحياة الآخرة هي الحياة الحق فصيغ لها وزن الفعلان الذي هو صيغة تنبئ عن معنى التحرك توضيحاً لمعنى كمال الحياة بقدر المتعارف، فإن التحرك والاضطراب أمارة على قوة الحيوية في الشيء مثل الغليان واللهبان. وهم قد جهلوا الحياة الآخرة من أصلها فلذلك قال {لو كانوا يعلمون}. وجواب {لو} محذوف دليله ما تقدم، أو هو الجواب مقدّماً.
القطان
تفسير : لما بين الله فيما تقدم ان المشركين يعترفون بان الله هو الخالق والمدبر لهذا الكون، ومع ذلك فانهم يتركون عبادته اغترارا بزخرف الدنيا وزينتها - بين هنا ان الدنيا وما فيها باطلٌ وعبث زائل، وانما الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة التي لا فناء بعدها، ولكنهم لا يعلمون. ثم ارشد الى انهم مع اشراكهم بربهم سِواه في الدعاء والعبادة، اذا هم ابتلوا بالشدائد كما اذا ركبوا البحر وعلتهم الامواج من كل جانب، وخافوا الغرق - دعوا الله معترفين بوحدانيته ولكنهم سرعان ما يرجعون بعد نجاتهم ويعودون سيرتهم الأولى. {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ} لينكروا ما أعطيناهم من النعم، ويتمتعوا بلذّاتهم وشهواتهم، فسوف يعلمون عاقبةَ الكفر حين يشاهدون العذابَ الأليم. وفي هذا تهديد كبير لو كانوا يعلمون. ثم يذكّرهم بنعمة الله عليهم باعطائهم هذا الحرمَ الآمن يعيشون فيه بأمن وسلام، فلا يذكرون نعمة الله ولا يشكرونها. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ؟} لقد جعلهم الله تعالى في بلد آمن يعيشون فيه، يعظّمهم الناس من أجل بيت الله، ومن حولهم القبائل تقتتلُ وتتناحر، فلا يجدون الأمان الا في ظل البيتِ العظيم. وقد من الله عليهم بقوله: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}. ثم بين ان العقل كان يقضي بأن يشكروا هذه النِعم، لكنهم كفروا بها فقال: {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ؟}. ولما وضحت الحُجة، وظهر الدليل، ولم يكن لهم فيه مقنَع - بين انهم قوم ظلمة مفترون مكذبون فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ}. ليس هناك احدٌ أشدَّ ظلماً ممن نَسَب الى الله ما لم يشرعه، او كذّب بالدين الحق. ان مثوى هؤلاء واشباههم جَهنمُ وبئس المصير. ثم يختم السورةَ بصورة المؤمنين الّذين جاهدوا في الله، واحتملوا الأذى، وصبروا ولم ييأسوا، الذين اهتدوا بهدى الله وساروا على الصراط المستقيم فقال: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ}. أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع ايمانهم، ولن ينسى جهادهم، وان الله لمعهم يعينهم ويؤيدهم بالنصر والتوفيق. قراءات: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: لْيكفروا ولْيتمتعوا، بسكون اللام. والباقون: لِيكفروا وليتمتعوا، بكسر اللام.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةُ} {ٱلآخِرَةَ} (64) - يُخبِرُ تَعَالى الخَلْقَ عَنْ حَقَارَةِ الدُّنيا وَزَوَالِهَا، فَيَقُولُ: إِنَّ الحَيَاةَ الدُّنيا شَيءٌ مُنْقَضٍ زَائِلٌ عَمَّا قَرِيبٍ، وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ هيَ دَارُ الحَيَاة الدَّائِمَةِ، التِي لا زَوَال لَهَا، وَلا انقِطَاعَ، ولَو كَانُوا يَعْلَمُونَ هذِهِ الحَقيقَةَ لَمَا آثرُوا الحَيَاةَ الفَانِيةَ عَلَى الحَياةِ الدّائِمَةِ. لَهْوٌ وَلَعِبٌ - لَذَائِذُ مُتَصَرِّمَةٌ، وَعَبَثٌ بَاطِلٌ. لَهِيَ الحَيَوانُ - لَهِيَ دَارُ الحَيَاةِ الدَّائِمَةِ الخَالِدَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحياة: نعرفها بأنها ما يكون في الإنسان الأعلى في الوجود من حِسٍّ وحركة، فإذا انتهى حِسُّه وحركته لم تَعُدْ له حياة، وهذه الحياة موصوفة هنا بأوصاف ثلاثة: دنيا ولهو ولعب، كلمة دنيا تدل على أن مقابلها عُلْيا فساعة تسمع هذا الوصف "الحياة الدنيا" فاعلم أن هذا الوصف ما جاء إلا ليميزها عن حياة أخرى، تشترك معها في أنها حياة لله إلا أنها حياة عليا، هذه الحياة العُلْيا هي التي قال عنها ربنا - تبارك وتعالى - "الدار الآخرة". وإنْ كنا قد عرَّفنا الحياة الدنيا بأنها الحِسُّ والحركة في الإنسان، فالواقع عند التقنين أن لكل شيء في الوجود حياةً تُناسب مهمته، بدليل قوله تعالى حين يُنهي هذه الحياة: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..} تفسير : [القصص: 88]. فما يُقال له شيء لا بُدَّ أنْ يطرأ عليه الهلاك، والهلاك تقابله الحياة، بدليل قوله سبحانه: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ..} تفسير : [الأنفال: 42]. فالحياة ضد الهلاك، إلا أنك تعرف الحياة عندك بالحس والحركة، وكذلك الحياة في كل شيء بحسبه، حتى في الجماد حياة نلحظها في أن الجبل يتكون من أصناف كثيرة من الحجارة، ترتقي مع الزمن من حجارة إلى أشياء أخرى أعلى من الحجارة وأثمن، وما دامت يطرأ عليها هذا التغيير فلا بُدَّ أن فيها حياةً وتفاعلاً لا ندركه نحن. إذن: فكل شيء له حياة، لكن الآفة أننا نريد حياة كالتي فينا نحن، وأذكر نحن في مراحل التعليم قالوا لنا: هناك شيء اسمه المغناطيس، وعملية اسمها المغنطة، فحين تُمغنط قطعة من الحديد تُكسِبها قدرة على جَذْب قطعة أخرى وفي اتجاه معين، إذن: في الحديد حياة وحركة وتفاعل، لكن ليس عندك الآلة التي تدرك بها هذه الحركة، وفيها ذرات داخلية لا تُدرَك بالعين المجردة تم تعديلها بالمغنطة إلى جهة معينة. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ..} تفسير : [فصلت: 21] فللجوارح نفسها حياة، ولها كلام ومنطق، لكن لا ندركه نحن؛ لأن حياتها ليست كحياتنا. إنك لو تتبعتَ مثلاً طبقاً أو كوباً من البلاستيك لوجدته تغيَّر لونه مع مرور الزمن، وتغيُّر اللون فيه يدل على وجود حياة وحركة بين ذراته، ولو لم تكُنْ فيه حياة لكان جامداً مثل الزجاج، لا يطرأ عليه تغيُّر اللون. والحق - تبارك وتعالى - يصف الدار الآخرة بأنها {ٱلْحَيَوَانُ ..} [العنكبوت: 64] وفرْق بين الحياة والحيوان، الحياة هي هذه التي نحياها في الدنيا يحياها الأفراد، ويحياها النبات، ثم تؤول إلى الموت والفناء، أمّا الحيوان فيعني الحياة الأرقى في الآخرة؛ لأنها حياة باقية حياة حقيقية. والحق - سبحانه وتعالى - أعطانا صورة للحياة الدنيا، الحياة المادية في قوله تعالى عن آدم {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ..} تفسير : [الحجر: 29] فمن الطين خَلق آدم، وسوَّاه ونفخ فيه من روحه تعالى، فدبَّتْ فيه الحياة المادية. لكن هناك حياة أخرى أسمى من هذه يقول الله عنها: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 24] فكيف يخاطبهم بذلك وهم أحياء؟ لا بُدَّ أن المراد حياة أخرى غير هذه الحياة المادية، المراد حياة الروح والقيم والمنهج الذي يأتي به رسول الله. لذلك سمَّى المنهج روحاً {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ..} تفسير : [الشورى: 52] وسمَّى الملَك الذي نزل به روحاً: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. إذن: {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ ..} [العنكبوت: 64] أي: الحياة الحقيقية التي لا تفوتها ولا تفوتك، ولا يفارقك نعيمها، ولا يُنغِّصه عليك شيء، كما أن التنعُّم في الدنيا على قَدْر إمكاناتك وأسبابك، أمّا في الآخرة فالنعيم على قَدْر إمكانات المنعم سبحانه وتعالى. ثم يأتي وَصْف الدنيا بأنها لَهْو ولَعِب، وهما حركتان من حركات جوارح الإنسان، لكنها حركة لا مَقصدَ لها إلا الحركة في ذاتها دون هدف منها؛ لذلك نقول لمن يعمل عملاً لا فائدة منه "عبث". إذن: اللهو واللعب عبث، لكن يختلفان من ناحية أخرى، فاللعب حركة لا فائدة منها، لكنه لا يصرفك عن واجب يعطي فائدة، كالولد حين يلعب، فاللعب لا يصرفه عن شيء إذن: فاللعب لمن لم يبلغ، أمّا البالغ المكلف فاللعب في حقِّه يسمى لَهْواً، لأنه كُلِّف فترك ما كُلِّف به إلى ما لم يكلّف به، ولَهَا عن الواجب، ومنه: لَهْو الحديث. فقوله تعالى {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ..} [العنكبوت: 64] أي: إنْ جُرِّدت عن الحياة الأخرى حياة القيم التي تأتي باتباع المنهاج. وقوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] يُحتمل أن تكون الجملة هنا امتناعية يعني: امتنع علمهم بها، أو تكون تمنياً يعني: يا ليتهم يعلمون هذه الحقيقة، حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة؛ لأنهم لو علموها لأقبلوا على منهج ربهم لينالوا كُلَّ هذا العطاء الممتدّ، ولَسلكوا طريق الإيمان بدل طريق الكفر، فكأن المعنى أنهم لم يعرفوا. ثم يقول الحق سبحانه: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} معناه الحَياةُ والبقاءُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حالة الدنيا والآخرة، وفي ضمن ذلك، التزهيد في الدنيا والتشويق للأخرى، فقال: { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } في الحقيقة { إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ } تلهو بها القلوب، وتلعب بها الأبدان، بسبب ما جعل اللّه فيها من الزينة واللذات، والشهوات الخالبة للقلوب المعرضة، الباهجة للعيون الغافلة، المفرحة للنفوس المبطلة الباطلة، ثم تزول سريعا، وتنقضي جميعا، ولم يحصل منها محبها إلا على الندم والحسرة والخسران. وأما الدار الآخرة، فإنها دار { الحيوان } أي: الحياة الكاملة، التي من لوازمها، أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في غاية الشدة، لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودا فيها كل ما تكمل به الحياة، وتتم به اللذات، من مفرحات القلوب، وشهوات الأبدان، من المآكل، والمشارب، والمناكح، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولو كانوا يعقلون لما رغبوا عن دار الحيوان، ورغبوا في دار اللهو واللعب، فدل ذلك على أن الذين يعلمون، لا بد أن يؤثروا الآخرة على الدنيا، لما يعلمونه من حالة الدارين. ثم ألزم تعالى المشركين بإخلاصهم للّه تعالى، في حالة الشدة، عند ركوب البحر وتلاطم أمواجه وخوفهم الهلاك، يتركون إذا أندادهم، ويخلصون الدعاء للّه وحده لا شريك له، فلما زالت عنهم الشدة، ونجى من أخلصوا له الدعاء إلى البر، أشركوا به من لا نجاهم من شدة، ولا أزال عنهم مشقة. فهلا أخلصوا للّه الدعاء في حال الرخاء والشدة، واليسر والعسر، ليكونوا مؤمنين به حقا، مستحقين ثوابه، مندفعا عنهم عقابه. ولكن شركهم هذا بعد نعمتنا عليهم، بالنجاة من البحر، ليكون عاقبته كفر ما آتيناهم، ومقابلة النعمة بالإساءة، وليكملوا تمتعهم في الدنيا، الذي هو كتمتع الأنعام، ليس لهم همٌّ إلا بطونهم وفروجهم. { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } حين ينتقلون من الدنيا إلى الآخرة، شدة الأسف وأليم العقوبة. ثم امتن عليهم بحرمه الآمن، وأنهم أهله في أمن وسعة ورزق، والناس من حولهم يتخطفون ويخافون، أفلا يعبدون الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. { أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ } وهو ما هم عليه من الشرك، والأقوال، والأفعال الباطلة. { وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ } هم { يَكْفُرُونَ } فأين ذهبت عقولهم، وانسلخت أحلامهم حيث آثروا الضلال على الهدى، والباطل على الحق، والشقاء على السعادة، وحيث كانوا أظلم الخلق. { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } فنسب ما هو عليه من الضلال والباطل إلى اللّه، { أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ } على يد رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم. ولكن هذا الظالم العنيد، أمامه جهنم { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } يؤخذ بها منهم الحق، ويخزون بها، وتكون منزلهم الدائم، الذين لا يخرجون منه. { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } وهم الذين هاجروا في سبيل اللّه، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون. { وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } بالعون والنصر والهداية. دل هذا، على أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أمر به أعانه اللّه ويسر له أسباب الهداية، وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه أمور إلهية، خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم، فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل اللّه، بل هو أحد نَوْعَي الجهاد، الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول واللسان، للكفار والمنافقين، والجهاد على تعليم أمور الدين، وعلى رد نزاع المخالفين للحق، ولو كانوا من المسلمين. تم تفسير سورة العنكبوت بحمد اللّه وعونه.
همام الصنعاني
تفسير : 2267- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة: {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ}: [الآية: 64]، قال: هي الحياة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):