Verse. 3405 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

فَاِذَا رَكِبُوْا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللہَ مُخْلِصِيْنَ لَہُ الدِّيْنَ۝۰ۥۚ فَلَمَّا نَجّٰىہُمْ اِلَى الْبَرِّ اِذَا ہُمْ يُشْرِكُوْنَ۝۶۵ۙ
Faitha rakiboo fee alfulki daAAawoo Allaha mukhliseena lahu alddeena falamma najjahum ila albarri itha hum yushrikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين» أي الدعاء، أي: لا يدعون معه غيره لأنهم في شدة لا يكشفها إلا هو «فلما نجّاهم إلى البر إذا هم يشركون» به.

65

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة إلى أن المانع من التوحيد هو الحياة الدنيا، وبيان ذلك هو أنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا وأخلصوا، فإذا أنجاهم وأرجأهم عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ} يعني السفن وخافوا الغرق {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي صادقين في نياتهم، وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} أي يدعون معه غيره، وما لم ينزل به سلطاناً. وقيل: إشراكهم أن يقول قائلهم لولا الله والرئيس أو الملاّح لغرقنا، فيجعلون ما فعل الله لهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه. قوله تعالى: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ} قيل: هما لام كي أي لكي يكفروا ولكي يتمتعوا. وقيل: {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} ليكون ثمرة شركهم أن يجحدوا نعم الله ويتمتعوا بالدنيا. وقيل: هما لام أمر معناه التهديد والوعيد. أي اكفروا بما أعطيناكم من النعمة والنجاة من البحر وتمتعوا. ودليل هذا قراءة أُبيّ «وَتَمَتَّعُوا». ابن الأنباري: ويقوي هذا قراءة الأعمش ونافع وحمزة: {وَلْيَتَمَتَّعُوا} بجزم اللام. النحاس: {وَلِيَتَمَتَّعُوا} لام كي، ويجوز أن تكون لام أمر؛ لأن أصل لام الأمر الكسر، إلا أنه أمر فيه معنى التهديد. ومن قرأ: {وَلْيَتَمَتَّعُوا} بإسكان اللام لم يجعلها لام كي؛ لأن لام كي لا يجوز إسكانها. وهي قراءة ابن كثير والمسيّبي وقالون عن نافع، وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. الباقون بكسر اللام. وقرأ أبو العالية: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد ووعيد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } أي الدعاء، أي: لا يدعون معه غيره لأنهم في شدة لا يكشفها إلا هو {فَلَمَّا نَجَّٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } به.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ} قال الزمخشري: (فإن قُلتَ): بم اتصلَ قوله فَإذَا رَكبُوا في الفُلْك؟ قلتُ: بمحذوف دل عليه ما وصفهم (به) وشرح من امرهم معناه هم على ما وصفوا به من الشرك والغفلة فإذا ركبوا. قوله: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ} معناه: فإذا خافوا (مِنَ) الغرق دعوا الله مخلصين له الدين، وتركوا الأصنام، وهذا إشارة إلى تحقيق أن المانع من التوحيد هو الحياة الدنيا؛ لأنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رَجَعُوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا وأخلصوا، وإذا نجاهم وأرجأهم عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا، وأشركوا لقوله: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} وهذا إخبار عنهم بأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله - عزّ وجلّ - وحده، وإذا زالت عادوا إلى كفرهم، قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام فإذا اشتدت عليهم الريح ألقوها في البحر، وقالوا: يا رب يا رب. قوله: "ليَكْفُرُوا" فيه وجهان: أظهرهما: أن اللام لام "كي" أي سَيُشْرِكُونَ لِيَكُونَ إشراكُهُم كفراً بنعمة الإنجاء "وَلِيَتَمَتَّعُوا" بسبب الشرك "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" وبال عملهم. والثاني: أن تكون لام الأمر، ومعناه التهديد والتوعيد، كقوله: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ}تفسير : [فصلت: 40] أي ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم فسيعلمون فساد ما يعملون. قوله: "وَلِيَتَمَتَّعُوا"، قرأ ابو عمرو وابنُ عامر وعاصمٌ وورشٌ بكسرها، وهي محتملة للأمرين المتقدمين، والباقون بسكونها، (وهي) ظاهرة في الأمر، فإن كانت الأولى للأمر فقد عطف أمراً على مثله، وإن كانت للعلة فيكون عطف كلاماً على كلام، فيكون المعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة وقرأ عبد الله فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، وأبو العالية "فَيُمَتَّعُوا" بالياء من تحت مبنياً للمَفْعُولِ. قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} وجه تعلقه بما قبله إن الإنسان يكون في البحر على أخوف ما يكون لا سيما إذا كان بيته في بلدٍ حصين فلما ذكر الله حال المشركين عند الخوف الشديد ورأوا أنفسهم في تلك الحالة راجعة إلى الله ذَكَّرَهُمْ حالهم عند الأمن العظيم وهي كونهم في مكة فإنها مدينتهم وبلدهم، وفيها سُكْنَاهُمْ، ومولدهم وهي حصين بحصن الله حيث من دخلها يمتنع من حصل فيها، والحصول فيها يدفع الشرور عن النفوس يعني: إنكم في أخوف ما أنتم دعوتم الله وفي أتم ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض، لأن دعاءكم في ذلك الوقت على سبيل الإخلاص ما كان إلا لِقَطْعِكُم بأن النعمة من الله لا غير وهذه النعمة العظيمة التي حصلت، وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله فكيف تكفرون بها، والأصنام التي قد (قطعتم) في حال الخوف أن لا أمن منها لها كيف أَمِنْتُمْ بها في حال الأمن؟ ثم قال: {أَفِبَالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} (قرأ العامة) يؤمنون ويكفرون بياء الغيبة، والحسن، والسلمي بتاء الخطاب فيهما، والمعنى: أفبالأَصْنَام والشياطين يؤمنون وبنعمة الله محمد والإسلام يكفرون؟ قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فزعم أن له شريكاً، والظلم وضع الشيء في غير موضعه فإذا وضعه في موضع لا يمكن ذلك موضعه يكون أظلم، لأن عدم الإمكان أقوى من عدم الحصول. قوله: {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ} أي بمحمد، والقرآن لما جاءه {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ} وهذا استفهام تقرير، كقوله: شعر : 4032 - أَلَسْتُـمْ خَيْـرَ مَـنْ رَكِـبَ المَطَايَـا وَأَنْـدَى العَالَمِيـنَ بُطُـونَ رَاحِ تفسير : والمعنى: أما لهذا الكافر المكذب مأوى في جهنم؟ قوله: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ} (يجوز) فيه ما جاز في "الذين آمنوا" أول السورة وفيه رد على ثَعْلَب حيث زعم أَنَّ جملة القسم لا تقع خبراً للمبتدأ، والمعنى: والذين جاهدوا المشركين لنُصرة ديننا "لَنَهْدَينَّهُمْ سُبُلَنَا" لَنُثَبَتَنَّهُمْ على ما قاتلوا عليه وقيل: لنَزِيدنهم هدى، كما قال: {أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى}تفسير : [مريم: 76] وقيل: لَنَهْدِيَنَّهُمْ لإصابة الطرق المستقيمة، والطرق المستقيمة هي التي توصل إلى رضى الله - عزّ وجلّ - قال سفيان بن عيينة: إذا اختلفت الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات قال الحسن: أفصلُ الجهاد مخالفة الهوى، وَقَالَ الفضيل بن عياض "والَّذِينَ جَاهَدُوا في إقامة السنة لنهدينهم سبيل الجنة". قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} من إقامة الظاهر مُقَام المضمر، إظهاراً لشرفهم، والمعنى لمع المحسنين بالنصر والمعونة في دنياهم، وبالثواب والمغفرة في عقابهم. روى أبو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسناتٍ بعدد المؤمنين والمنافقين .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} [الآية: 65]. قال الجنيد رحمة الله عليه: الإخلاص إنحياز القلب من الكل وخلو السر عن الجميع والعلم بأن الحق هو الذى يقبلك بجميع عيوبك وينجيك مع جميع همومك وهو دليل مقام الإخلاص.

القشيري

تفسير : الإخلاصُ تفريغُ القلب عن الكلّ، والثقةُ بأن الإخلاص ليس إلا به - سبحانه، والتحقق بأنه لا يستكبر حالاً في المحمودات ولا في المذمومات، فعند ذلك يعبدونه مخلصين له الدّين. وإذا توالت عليهم الضرورات، وانقطع عنه الرجاء أذعنوا لله متضرعين فإذا كشف الضُّرَّ عنهم عادوا إلى الغفلة، ونَسُوا ما كانوا فيه من الحال كما قيل: شعر : إذا ارعوى عاد إلى جهلــه كذي الضنى عاد إلى نُكْسِــه

اسماعيل حقي

تفسير : {فاذا ركبوا فى الفلك} متصل بما دل عليه شرح حالهم. والركوب هو الاستعلاء على الشىء المتحرك وهو متعد بنفسه كما فى قوله تعالى {أية : والخيل والبغال والحمير لتركبوها}تفسير : واستعماله ههنا وفى امثاله بكلمة فى للايذان بان المركوب فى نفسه من قبيل الامكنة وحركته قسرية غير ارادية. والمعنى ان الكفار على ماوصفوا من الاشراك فاذا ركبوا فى السفينة لتجاراتهم وتصرفاتهم وهاجب الرياح واضطربت الامواج وخافوا الغرق: وبالفارسية [بس جون نشينند كافران در كشتى وبسبب موج در كرداب اضطراب افتند] {دعوا الله} حال كونهم {مخلصين له الدين} اى على صورة المخلصين لدينهم من المؤمنين حيث لايدعون غير الله لعلمهم بانه لايكشف الشدائد عنهم الاهو. وقال فى الاسئلة المقحمة مامعنى الاخلاص فى حق الكافر والاخلاص دون الايمان لايتصور وجوده والجواب ان المراد به التضرع فى الدعاء عند مسيس الضرورة والاخلاص فى العزم على الاسلام عند النجاة من الغرق ثم العود والرجوع الى الغفلة والاصرار على الكفر بعد كشف الضر ولم يرد الاخلاص الذى هو من ثمرات الايمان انتهى ويدل عليه ماقال عكرمة كان اهل الجاهلية اذا ركبوا البحر حملوا معهم الاصنام فاذا اشتدت بهم الريح القوا تلك الاصنام فى البحر وصاحوا "ياخداى ياخداى" كما فى الوسيط و "يارب يارب" كما فى كشف الاسرار {فلما نجاهم الى البر} البر خلاف البحر وتصور منه التوسع فاشتق منه البر اى التوسع فى فعل الخير كما فى المفردات: والمعنى بالفارسية [بس آن هنكام كه نجات دهد خداى تعالى ايشانرا از بحر وغرق وبرون آرد بسلامت بسوى خشك ودشت] {اذا هم} [آنكاه ايشان] {يشركون} اى فاجأوا المعاودة الى الشرك. يعنى [بازكردند بعادت خويش]

الجنابذي

تفسير : {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ} عطف باعتبار المعنى كأنّه قال اذا كانوا فى البرّ مطمئنّين كانوا غافلين عن الله والآخرة مهتمّين بامر الحيٰوة الدّنيا فاذا ركبوا فى الفلك وخافوا على الحيٰوة الدّنيا {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} اى الطّريق اليه لا الملّة او الاسلام او الايمان فانّ الآية عامّة لذوى الملل الآلهيّة وغيرهم {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} بالله او بالآخرة او بالدّين او يصيرون مشركين.

الهواري

تفسير : قوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي: إذا خافوا الغرق {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا ءَاتَيْنَاهُمْ}. وقال في آية أخرى: (أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً) تفسير : [إبراهيم: 28] قال: {وَلِيَتَمَتَّعُوا} أي: في الدنيا {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي: إذا صاروا إلى النار. وهذا وعيد. قوله: {أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً} أي: بلى قد رأوا ذلك {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}، يعني أهل الحرم، إنهم آمنون، والعرب حولهم يَقتُل بعضهم بعضاً ويَسْبِي بعضهم بعضاً. قال الله: {أفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} أفبإبليس يؤمنون، أي: يصدّقون، أي: يعبدونه بما وسوس إليهم من عبادة الأوثان، وهي عبادته. قال في آية أخرى: (أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) تفسير : [يس: 60-61] قال: {وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ} وهذا على الاستفهام، أي: قد فعلوا. قوله: {وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ} يعني ما جاء به النبي عليه السلام من الهدى. قال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} فعبد الأوثان دونه {أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ} أي: بالقرآن {لَمَّا جَاءَهُ} أي: لا أحد أظلم منه، ثم قال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِّلْكَافِرِينَ} وهو على الاستفهام، أي: بلى فيها مثوى للكافرين. قوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} [يعني عملوا لنا] {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي: سبيل الهدى، أي: الطريق إلى الجنة. نزلت قبل أن يؤمر بالجهاد، ثم أُمِر بالجهاد بعدُ بالمدينة. قال الله: {وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} أي: المؤمنين.

اطفيش

تفسير : {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ} وخافوا الغرق. {دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وتركوا الأصنام ومعنى اخلاصهم الدين لله سبحانه وتعالى كونهم في صورة من اخلص دينه من المؤمنين حيث لا يذكرون الا الله ولا يدعون سواه لعلمهم بأنه لا كاشف للشدائد الا الله او الدين هو الدعاء اي مخلصين له الدعاء ويحتمل ان يكون نوع من التهكم في قوله {مُخْلِصِينَ} والكلام متصل بما وصفوا به من عناد وشرك اي بينما هم على عناد وشرك خصوا الله بالدعاء لخوف الغرق وذكر بعضهم ان الجاهلية يحملون معهم الاصنام فاذا اشتدت الريح القوها في البحر وقال يا رب يا رب. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} اي سارعوا الى الاشراك وفي قرن جواب لما الوجودية باذا الفجائية دليل على جواز قرنه بالفاء الا ان يقدر لها جواب مثل نسوا نعمة التنجية.

اطفيش

تفسير : {فإذا ركبوا في الفُلك} عطف على محذوف، أى هم مصرون على الكفر فاذا ركبوا فى الفلك {دَعوا الله مخلصِين لهُ الدين} اى فى صورة من اخلص الدين والعبادة لله عز وجل، علما بانه لا ينجيهم من الغرق الا هو، او الدين التوحيد اذا ركبوا، قالوا: اخلصوا، فيقلون: لا اله إلا الله، كان سبب اسلام بعض اراد الركوب، فسمعهم يقولون: اخلصوا، فقال: لا اله الا الله محمد رسول الله، {فلمَّا نجاهم إلى البر إذا هُم يشركون ليَكفروا بما آتيناهم} من نعم النجاة. {وليتمتَّعُوا} بعبادة الاصنام وتوادهم عليها، وااللام فى الموضعين للعاقبة لا للتعليل يقدمون الاشراك قبل الفلك، وبعده الكفر بالنعم، والتمتع او التعليل مبالغة فيهما، كأنه يوقعون الاشراك لاجلهما، هو سببهما، ويجوز ان تكون للامان للامر تهديد كقوله تعالى: {أية : اعملوا ما شئتم} تفسير : [فصلت: 40] ان كان الخطاب فيه للكفار، وقولك لعاصيك، اعمل ما شئت، ويدل له قراءة قالون، عن نافع والكسائى، وحمزة باسكان الثانية، ولام العليل او العاقبة،لا تسكن، والاولى متحركة فتتبع الثانية فى انها للامر ليتفق العطف، وكونهما متخالفين عطف كلام على آخر مطلقا خلاف الاصل {فسَوف يعْلمُون} تهديد بتعذيب يوم القيامة.

الالوسي

تفسير : {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ} متصل بما دل عليه شرح حالهم، والركوب الاستعلاء على الشيء المتحرك وهو متعد بنفسه كما في {أية : لِتَرْكَبُوهَا} تفسير : [النحل: 8] واستعماله هٰهنا وفي أمثاله نفي للإيذان بأن المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة وحركته قسرية غير إرادية، والفاء للتعقيب وفي الكلام معنى الغاية فكأنه قيل: هم مصروفون عن توحيد الله تعالى مع إقرارهم بما يقتضيه لاهون بما هو سريع الزوال ذاهلون عن الحياة الأبدية حتى إذا ركبوا في الفلك ولقوا الشدائد {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي كائنين في صورة من أخلص دينه وملته أو طاعته من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله تعالى ولا يدعون سواه سبحانه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو عز وجل، وفيه تهكم به سواء أريد بالدين الملة أو الطاعة أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنهم لا يستمرون على هذه الحال فهي قبيحة باعتبار المآل {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} أي فاجؤوا المعاودة إلى الشرك ولم يتأخروا عنها ولا وقتاً.

ابن عاشور

تفسير : أفادت الفاء تفريع ما بعدها على ما قبلها، والمفرع عليه محذوف ليس هو واحد من الأخبار المتقدمة بخصوصه ولكنه مجموع ما تدل عليه قوة الحديث عنهم وما تقتضيه الفاء. والتقدير: هم أي المشركون على ما وُصفوا به من الغفلة عن دلائل الوحداينة وإلغائهم ما في أحوالهم من دلائل الاعتراف لله بها لا يضرعون إلا إلى الله فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله، فضمائر جمع الغائبين عَائدة إلى المشركين. وهذا انتقال إلى إلزامهم بما يقتضيه دعاؤهم حين لا يشركون فيه إلهاً آخر مع الله بعد إلزامهم بموجبات اعترافاتهم فإنهم يدعون أصنامهم في شؤون من أحوالهم ويستنصرونهم ولكنهم إذا أصابهم هول توجهوا بتضرعهم إلى الله. وإنما خصّ بالذكر حال خوفهم من هول البحر في هذه الآية وفي آيات كثيرة مثل ما في سورة يونس وما في سورة الإسراء لأن أسفارهم في البر كانوا لا يعتريهم فيها خوفٌ يعم جميع السفر لأنهم كانوا يسافرون قوافلَ، معهم سلاحهم، ويمرون بسبل يألفونها فلا يعترضهم خوف عام، فأما سفرهم في البحر فإنهم يَفْرَقون من هوْله ولا يدفعه عنهم وفرة عدد ولا قوة عُدد، فهم يضرعون إلى الله بطلب النجاة ولعلهم لا يدعون أصنامهم حينئذ فأما تسخير المخلوقات فما كانوا يطمعون به إلا من الله تعالى، وأيضاً كان يخامرهم الخوف عند ركوبهم في البحر لقلة إلفهم بركوبه إذ كان معظم أسفارهم في البراري. وقد تقدم تعدية الركوب بحرف (في) عند قوله {أية : وقال اركبوا فيها}تفسير : في سورة [ هود: 41]. والإخلاص: التمحيص والإفراد. و {الدين}: المعاملة. والمراد به هنا الدعاء، أي دعوا الله غير مشركين معه أصنامهم. ويفسر ذلك قوله {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}. فجيء بحرف المفاجأة للدلالة على أنهم ابتدروا إلى الإشراك في حين حصولهم في البر، أي أسرعوا إلى ما اعتادوه من زيارة أصنامهم والذبح لها. والمفاجأة عرفية بحسب ما يقتضيه الإرساء في البر والوصول إلى مواطنهم فكانوا يبادرون بإطعام الطعام عند الرجوع من السفر. واللام في {لِيَكْفُرُوا} لام التعليل وهي لام كي وهي متعلقة بفعل {يشْرِكُون}. والكفر هنا ليس هو الشرك ولكنه كفران النعمة بقرينة قوله {بما آتَيْنَاهُم} فإِن الإِيتاء بمعنى الإنعام وبقرينة تفريعه على {يشْرِكُون} فالعلة مغايرة للمعلول وكفران النعمة مسبب عن الإشراك لأنهم لما بادروا إلى شؤون الإشراك فقد أخذوا يكفرون النعمة، فاللام استعارة تبعية، شبه المسبَّب بالعلة الباعثة فاستعير له حرف التعليل عوضاً عن فاء التفريع. وأما اللام في قوله {ولِيَتَمَتَّعُوا} بكسر اللام على أنها لام التعليل في قراءة ورش عن نافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر ويعقوب. وقرأه قالون عن نافع وابنُ كثير، وحمزة والكسائي وخلف بسكونها فهي لام أمر، وهي بعد حرف العطف تسكَّن وتكْسر، وعليه فالأمر مستعمل في التهديد نظير قوله {أية : اعْمَلُوا ما شِئْتُم} تفسير : [فصلت: 40] وهو عطف جملة التهديد على جملة {فَلَمَّا نَجاهُمْ إِلى البَرِّ} الخ... نظير قوله في سورة [الروم: 34] {أية : لِيكفُروا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. تفسير : والتمتع: الانتفاع القصير زمنُه. وجملة {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تفريع على التهديد بالوعيد.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء: 67] إلى قوله: {أية : تَبِيعاً} تفسير : [الإسراء: 69]، وفي مواضع أخر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 65- هم على ما وُصفوا به من شرك، فإذا ركبوا السفن فى البحر وأدركهم شئ من أهواله توجهوا إلى الله مخلصين له الدعاء أن يكشف عنهم الضر، فلما نجاهم إلى البر سارعوا بالعودة إلى الإشراك. 66- لينكروا ما أعطيناهم من النعم، ولينتفعوا بما يرضى هواهم فى هذه الحياة، فسوف يعلمون عاقبة الكفر حين يشاهدون العذاب الأليم. 67- أَعَمِى كفار مكة عن نعم الله التى أسبغها عليهم، أَوَ لَمْ يروا أنا جعلنا بلدهم مصوناً لا يُنهب ولا يُسْلَب، مقدسا لا يُسْبَى أهله ولا يقع فيه قتل، ويُسْلَب الناس ويُسبون من حولهم؟! أعموا عن هذه النعم. فَبمَ لا أصل له يصدقون، وبمحمد وبكل ما جاء به يكذبون؟!. 68- وليس هناك أحد أشد ظلماً ممن نسب إلى الله ما لم يشرعه، أو كذَّب بالدين الحق حين بلغه، إن فى جهنم لمأوى لهؤلاء الظالمين الكافرين. 69- والذين بذلوا جهدهم، واحتملوا المشقة فى نصرة ديننا، لنزيدنَّهم هداية إلى الخير والحق. وإن الله لمع الذين يحسنون أعمالهم، يعينهم وينصرهم. والله أعلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: في الفلك: أي في السفينة. مخلصين له الدين: أي دعوا الله وحده فلم يذكروا معه غيره من الآلهة. إذا هم يشركون: أي يفاجئونك بالشرك وهو دعاء غير الله تعالى. ليكفروا بما آتيناهم: أي بنعمة الإِنجاء من الغرق وغيرها من النعم. فسوف يعلمون: أي سوف يعلمون عاقبة كفرهم إذا أُلقوا في جهنم. ويتخطف الناس من حولهم: أي يُسبون ويُقتلون في ديار جزيرتهم. أفبالباطل يؤمنون: أي يؤمنون بالأصنام وهي الباطل، ينكر تعالى عليهم ذلك. والذين جاهدوا فينا: أي بذلوا جهدهم في تصحيح عقائدهم وتزكية نفوسهم وتهذيب أخلاقهم ثم بقتال أعداء الله من أهل الكفر المحاربين للإِسلام والمسلمين. لنهدينهم سبلنا: أي لنوفقنَّهم إلى معرفة ما يوصل إلى محبتنا ورضانا ونعينهم على تحصيله. معنى السياق: ما زال السياق الكريم في التنديد بالمشركين وشركهم فقد تقدم في السياق أنهم يعترفون بربوبية الله تعالى إذ لو سئلوا عمن خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر لقالوا الله ولو سُئلوا عمن نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها لقالوا الله. ومع هذا هم يشركون بالله آلهة أوثاناً، وكما يعترفون بربوبيَّة الله ثم يشركون به الأصنام، فإِنهم إذا رَكِبوا في الفلك أي في سفينة من السفن وجاءهم موج واضطربت بهم وخافوا الغرق دعوا الله تعالى {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي الدعاء فسألوه وحده دون آلهتهم أن ينجيهم من الغرق. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ} ونزلوا سالمين من الغرق إذا هم يشركون يفاجئونك بالشرك فهذا التناقض منهم كالتناقض في اعترافهم بربوبيَّة الله تعالى ثم بالإِشراك به. ومردٌّ هذا إلى الجهل والتقليد والعناد والمجاحدة والمكابرة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى من هذا السياق وهي قوله {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}. وقوله تعالى في الآية [66]: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} أي عودتهم إلى الشرك بعد نجاتهم من الغرق ونزولهم في البر كان كأنه من أجل أن يكفروا بنعمة الله تعالى بإِنجائهم من الغرق، إذ لو لم يكفروها لاستمروا على الاخلاص لله بدعائه وعبادته وحده دون الآلهة التي تركوها عند حلول الشدة ومعاينة البلاء. وقوله تعالى: {وَلِيَتَمَتَّعُواْ} قرئ بسكون اللام ورجح ابن جرير هذه القراءة فيكون المعنى: وليتمتعوا في دنياهم بما آتاهم الله من متاع الحياة الدنيا {فَسَوْفَ يَعلَمُونَ} عاقبة ذلك بعد موتهم وهي عذاب الآخرة، والأمر حينئذ في قوله وليتمتعوا للتهديد والوعيد. أما على قراءة جر اللام ولِيتمتعوا فالجملة معطوفة على قوله ليكفروا اي أخلصوا في الشدة وأشركوا في الرخاء ليكفروا وليتمتعوا بما أُوتوا في الحياة، ولم يكن ذلك بنافعهم ولا بمغن عنهم من الله شيئاً فسوف يعلمون ما يحل بهم من عذاب وما ينزل بهم من بلاء وشقاء. وقوله تعالى في الآية الثالثة [67] {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} أي ألم ير أُولئك المشركون الكافرون بنعمة الله في الإِنجاء من الغرق نعمة أخرى وهي أن جعل الله تعالى لهم حرما آمنا يسكنونه آمنين من غارات الأعداء وحروب الظالمين المعتدين، لا يعتدي عليهم في حرمهم ولا يظلمون في حين أنّ الناس من حولهم في أطراف جزيرتهم وأوساطها يتخطفون فتُشنُّ عليهم الغارات ويقتَّلون ويؤسرون في كل وقت وحين، أليست هذه نعمة من أعظم النعم تستوجب شكرهم لله تعالى بعبادته وترك عبادة ما سواه. ولذا قال تعالى عاتباً عليهم مندداً بسلوكهم: {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} أي بالشرك وعبادة الأصنام يصدقون ويعترفون {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ} أي يجحدون إنعام ربهم عليهم فلا يشكرونه بعبادته وتوحيده فيها. وقوله تعالى في الآية الرابعة [68] {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ} وصفهم بالظلم الفظيع في حالتين الأولى في كذبهم على الله بتحريم ما أحل وتحليل ما حرم واتخاذ شركاء الله زاعمين أنها تشفع لهم عند الله عز وجل والثانية في تكذيبهم للحق الذي جاءهم به رسول الله وهو الدين الإِسلامي بعقائده وشرائعه حيث كذبوا بالقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم. وبعد هذا التسجيل لأكبر ظلم عليهم قال تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ}؟ والاستفهام للتقرير أي إن في جهنم مثوى أي مسكناً للكافرين من أمثالهم وهم كافرون ظالمون وذلك جزاؤهم ولبئس الجزاء جهنم. وقوله تعالى في الآية الخامسة [69] {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} في هذه الآية بشرى سارة ووعد صدق كريم، وذلك أن من جاهد في سبيل الله أي طلبا لمرضاة الله بالعمل على إعلاء كلمته بأن يعبد ولا يعبد معه سواه فقاتل المشركين يوم يؤذن له في قتالهم يهديه الله تعالى أي يوفقه إلى سبيل النجاة من المرهوب والفوز بالمحبوب، وكل من جاهد في ذات الله نفسه وهواه والشيطان وأولياءه فإِن هذه البشرى تناله وهذا الوعد ينجز له وذلك أن الله مع المحسنين بعونه ونصره وتأييده على من جاهدهم في سبيل الله، والمراد من المحسنين الذين يحسنون نياتهم وأعمالهم وأقوالهم فتكون صالحة مثمرة لزكاة نفوسهم وطهارة أرواحهم. اللهم اجعلنا منهم وآتنا ما وعدتهم إنك جواد كريم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) بيان أن مشركي العرب لم يكونوا ملاحدة لا يؤمنون بالله تعالى وتقرير أنهم كانوا موحدين توحيد الربوبية مشركين في توحيد الألوهية أي العبادة. 2) إيقاظ ضمائر المشركين بتنبيههم بنعم الله تعالى عليهم لعلهم يشكرون. 3) لا ظلم أعظم من ظلم من افترى على الله الكذب، وكذَّب بالحق لما جاءه وانتهى إليه وعرفه فانصرف عنه مؤثراً دنياه متبعا لهواه. 4) بشرى الله لمن جاهد المشركين وجاهد نفسه والهوى والشياطين بالهداية إلى سبيل الفوز والنجاة في الحياة الدنيا والآخرة. 5) فضل الإِحسان وهو إخلاص العبادة لله تعالى وأداؤها متقنة مُجوَّدة كما شرعها الله تعالى، وبيان هذا الفضل للإِحسان بكون الله تعالى مع المحسنين بنصرهم وتأييدهم والإِنعام عليهم وإكرامهم في جواره الكريم.

د. أسعد حومد

تفسير : {نَجَّاهُمْ} (65) - وَالمُشْرِكُونَ يُؤْثِرُونَ حَيَاةَ العَبَثِ وَاللَهْوِ في الرَّخَاءِ، ولَكِنَّهُمْ حِينَ ابْتِلائِهِمْ بالشَّدَائِدِ: كَرُكُوبِهِمُ البَحْرَ، وخَوْفِهِمْ مِنَ الغَرَقِ فيهِ، فإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلى اللهِ، وَيُعْلِنونَ أنّهُ لا إِله إلا هُوَ، وَلا قَادِرَ عَلى حِفْظِهِمْ وإِنْجَائِهِمْ مِنَ المَهَالِكِ غَيرُهُ، فيَدْعُونَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَكِنَّهُمْ إِذا خَرَجُوا مِنَ البَحرِ عَادُوا إِلى مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَالعَبَثِ والبَاطِلِ. الدِّينَ - العِبَادَةَ والطَّاعَةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ينقلنا السياق هنا من الكلام عن حقيقة كل من الدنيا والآخرة إلى الحديث عن الفُلْك، فما العلاقة بينهما؟ المتكلم هنا هو الله تعالى، وواضع كل شيء في موضعه، ولا يغيب عنك أنه لا بُدَّ أنْ تتدبر كلام الله لتفهم مراده، فالله لا يريدنا مُقبلين على ظاهر القرآن فحسب، إنما أنْ نتعمق في فهمه وتأمله، وننظر في معطياته الحقيقية: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ...} تفسير : [النساء: 82]. والعلاقة هنا أن الآية السابقة جاءتْ لتقرر أن الدنيا دار لهو ولعب لا فائدة منها إذا ما بَعُدت عن منهج الله، ولم تحسب حساباً لحياة أخرى هي الحياة الحقيقية وهي الحيوان، فكان على العاقل أنْ يحرص على الآخرة، وأنْ يعمل لها باتباع منهج الله في الدنيا. إذن: فالدنيا ليست غاية، بل هي وسيلة، وأنت أيها الذي أعرضتَ عن منهج ربك جعلتَ الدنيا غايتك، والدنيا إنْ كانت هي الغاية فما أتفهها من غاية، إنما اجعلها وسيلة للآخرة ومزرعة لدار الحيوان. وكذلك الحال في الفُلْك، فهي وسيلة تُوصِّلك إلى هدف، وإلى غاية، وليست هي غاية في حَدِّ ذاتها. {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ..} [العنكبوت: 65] والفلك: السفينة، وتُطلق على المفرد وعلى الجمع، فيقول تعالى: {أية : وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ ..} تفسير : [هود: 38] وقوله {أية : دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ..} تفسير : [يونس: 22] واضح من السياق أنها ليستْ دعوة الحمد، كأن يقولوا مثلاً {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} تفسير : [الزخرف: 13] بل هي دعوة الاضطرار بعد أنْ تعرَّضوا لشدة وعطب لا تنجيهم منها أسبابهم، بدليل قوله تعالى بعدها: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]. فهذه تعطينا أنهم ركبوا في السفينة، فلما تعرَّضوا للعطب، وضاقتْ بهم أسبابهم دعوا الله مخلصين له الدين. وفي لقطة أخرى يقول القرآن: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [يونس: 22]. فمعنى {أية : أُحِيطَ بِهِمْ ..} تفسير : [يونس: 22] أي: لا يوجد لهم مفر ولا مهرب ولا مفزع يفزعون إليه إلا أنْ يتوجهوا إلى الله بدعاء خالص ويقين إيمان في أنهم لا ملجأ لهم إلا الله، وقد كانوا في أول الرحلة فرحين بمركبهم مسرورين به، وساعتها لم يكُن الله في بالهم، إنما لما ضاقت بهم الحيل عادوا إلى الحق، فالوقت لا يحتمل المراوغة. لأن الإنسان عادةً لا يخدع نفسه، فحتى الكافر حين تضيق به أسباب النجاة يلجأ بالفطرة إلى الله الحق، وينسى آلهته ومعبوداته من دون الله؛ لأنه لا يسلم نفسه أبداً، ولا يتمادى حينئذ في كذبة الآلهة والأصنام. لذلك: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ..} [العنكبوت: 65] دعوة خالصة بيقين ثابت في الإله الحق، دعوة لا تشوبها شائبة شرك، لا ظاهر ولا خفي، فلا ينفع في هذا الوقت إلا الله المعبود بحقٍّ. وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بمثَلٍ من حياتنا الواقعية، قلنا: إن حلاق الصحة كان يقوم بدور الطبيب في القرية، وله بين الناس نفس مكانة الطبيب في وقت لم يكُنْ هناك أطباء، فلما خرَّجَتْ كلية الطب أطباء وانتشروا في القرى كان الحلاق أول المهاجمين للطبيب؛ لأنه يزاحمه في رزقه، ويصرف الناس عنه؛ لذلك كان يذم في الطبيب ويُشكِّك في خبرته وقدراته. لكن لما مرض ابنه، وارتفعت درجة حرارته، وخاف عليه قال لزوجته: انتظري إلى ظلام الليل لأذهب به إلى الطبيب - يعني: في غفلة الناس. فالإنسان بطبعه لا يخدع نفسه، ولا يسلمها إذا جدَّ الجد، وفيه فطرة إيمانية إذا ما صفيتها في الذات البشرية لا تجد في النهاية إلا قوة واحدة هي قوة الله. حتى الملاحدة حين تضيق بهم الأسباب يقولون: يا رب، يا الله. يقولونها من تلقاء أنفسهم، دون مرور بالعقل الذي أنكروا به وجود الله. وهذا يعني أن الفطرة الإيمانية قد تحجبها الأغيار البشرية وتلغيها، فإذا ما نامت الأغيار البشرية وتلاشتْ لحدثٍ من الأحداث ظهرتْ الفطرة الإيمانية على السطح تلهمك بلا شعور. لذلك نلحظ في قوله سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ ..} تفسير : [الأعراف: 172] شهدوا لأنهم ما يزالون في عالم الذر، لا تتحكم فيهم الأغيار البشرية {أية : أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 172-173]. والله خلق الإنسان خليفة له في الأرض، وسخر له كل هذا الكون، فإنْ ظلَّ متمسكاً بهذا المنهج، ووقف عند حد الخلافة يفوز، أما إنْ ظن أنه أصيل في الكون يخيب ويخسر، لكن الله الذي خلقه يعلم الأغيار فيه وهو خَلْقه وصنعته؛ لذلك وجهه: أنت خليفتي في أرضي، وعليك أن تنظر إلى ما طُلِب منك فتؤديه، وإلا فسدت حياتك وتصادمت مع الآخرين؛ لأنك لست وحدك فيها، ولكي تنسجم مع غيرك لا بُدَّ أن تسير وَفْق منهجي، وفي دائرة قوانين من استخلفك. ثم يُنبِّهه من ناحية أخرى: يقول أنت أيها الإنسان، اعلم أن الأسباب ستستجيب لك، فإياك أن تظن أن لك قدرةً عليها، أو أن لك جاهاً وعظمة، فتنسى أنك خليفة؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7] احذر حين تتم لك الأمور وتطاوعك الأسباب {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} تفسير : [العلق: 8] فسوف يقابلك من الأحداث ما لا تستطيع أسبابك أنْ تدفعَها، ولن تجد مرجعاً إلا إليَّ. وكيف يطغى الإنسان وقد أعطاه الله فيضاً من فيض كماله، أعطاه قدرة من قدرته، وعلماً من علمه .. إلخ فإذا نظرتَ نظرة بسيطة في فيوضات الله عليك لوجدتها كثيرة، بالله ماذا تفعل إنْ أردتَ أن تقوم من مكانك، أو أن تُحرِّك يدك أو رِجْلك؟ لا شيء، بمجرد أن تريد تنفعل لك أعضاؤك، وتطاوعك من حيث لا تدري. وسبق أنْ قارنّا بين حركة الإنسان وحركة الحفار مثلاً، وكيف أنه يحتاج إلى عمليات مُعقدة، فكل حركة منه لها زرّ خاص يؤديها، فماذا تفعل أنت إنْ أردتَ أنْ تؤدي مثل هذه الحركات؟ إنك بمجرد الإرادة ينفعل لك العضو، وكأن فيك فيضاً من قوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] فإذا كنتَ أنت تفعل بمجرد أن تريد، فلماذا لا تصدق هذا في حقِّ الله تبارك وتعالى؟ لكن هذه الحركة وانفعال الأعضاء لك ليس ذاتياً فيك، ويستطيع خالقك أنْ يسلبها منك، فتريد أن ترفع يدك فلا تستطيع، فأنت تحت قيوميته تعالى، فلم يُعطِكَ من صفاته، ثم يتركك .. فربنا سبحانه يحذرنا: إذا استغنيتَ ستَطغى؛ فتنبَّه أن إلى ربك الرُّجْعى. ثم يلفت نظرنا من الآن إلى قضية أخرى قبل أنْ نتعرض للمخاطر: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ ..} تفسير : [يونس: 107] فلا تتعب نفسك، وتذهب هنا أو هناك؛ لأنه {أية : فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [يونس: 107]. هذه نصيحتي لك؛ لأنك صنعتي، وأنا أحب أن تكون صنعتي على أرقى ما تكون من الكمال، فإذا مسَّك ضر لا تقدر على دَفْعه بأسبابك، فعليك بباب ربك. هذه ثلاث قضايا أو نصائح نقدمها لك قبل أنْ تحلَّ بك الأحداث والمصائب: إن استغنيت ستطغى، وأن إلى ربك الرجعى، وإذا مسَّك ضر، ولا حيلةَ لك في دفعه بأسبابك، فليس لك إلا الله تفزع إليه، والإله الذي يُنبِّهنا إلى المخاطر لنتلافاها إله رحيم. إذن: فأنتم تحبون الحياة، ولما نزلتْ بكم الأحداث والخطوب في السفينة خِفْتم الموت، ودعوتُم الله بالنجاة، فأنتم حريصون على الحياة الدنيا، فلماذا لا تؤمنون بالله فتنالون حياة أخرى أبْقى وأدوم؟ والطريق إليها بالإيمان واليقين، وبمنهج الله في (افعل) و (لا تفعل). هذه قضية ذكرها القرآن، أمَّا واقع الحياة فقد أكدها، وجاءت الأحداث وَفْق ما قال. القضية: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ ..} تفسير : [يونس: 12] الإنسان يعني مُطْلق الإنسان: المؤمن والكافر {أية : أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ..} تفسير : [يونس: 12] يعني: في كل الأحوال، فلما جاءه الخطر وأصابه الضر دعا الله على أيِّ حال كان. وهذه الأحوال تمثل مراحل راحات النفس، فمثلاً حين تسير وأنت تحمل شيئاً، فحين تتعب أولاً تضع عنك هذا الحِمْل، ثم تتوقف عن السير لتستريح، فإنْ كان التعب أشد تقعد، وإلا تَضطجع على جنبك. فأنت في وضع الوقوف تحمل ثقل الجسم كله على القدمين فتكون الراحة أقل، أمّا في حالة القعود يُوزع ثقل الجسم على الوركين والمقعدة، وفي الاضطجاع يُوزع نصف الجسم على نصفه فتكون الراحة أكبر، وفي ضوء هذا نفهم أن الله يستجيب لك حين تدعوه قائماً، أو قاعداً، أو على جنبك. وعجيب أمر الإنسان إذا نجَّاه الله مما يخاف وكشف عنه الضر عاد مرة أخرى ظالماً لنفسه: {أية : فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ..} تفسير : [يونس: 12]. وفي لقطة أخرى يقول تعالى في هذه المسألة: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ ..} تفسير : [الزمر: 8] أيُّ ضر {أية : دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ..} تفسير : [الزمر: 8] ويا ليته نسي وسكت إنما {أية : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً ..} تفسير : [الزمر: 8] فقال: الفضل لفلان، وقد استغثت بفلان، ولجأت إلى فلان. نلحظ أن الكلام في هذه الآيات عن الإنسان المفرد، والإنسان حين يتضرع إلى الله لا يطلع عليه أحد، فالأمر بينه وبين ربه، لكن الحق سبحانه يريد أن يفضح الناس ببعض، فيقول في موضع آخر: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} تفسير : [الإسراء: 67]. فذكر الجماعة ليفضحهم أمام بعض؛ لأن الإنسان يستر على نفسه، فالحكمة من الجمع هنا أن رؤية الناس قد تكون مانعة من الشر، فمثلاً في موسم الحج ترى أكابر القوم وأوسطهم وأدناهم سواسية في الطواف، ويقف الواحد منهم يبكي عند الملتزم، وحين يراك صاحب المنصب أو المركز وهو مَنْ هو في بلده ساعة يعرف أنك رأيته وهو يبكي في هذا الموقف تراه يتواضع لك، ولا يتعالى عليك بعدها. فالحق سبحانه حين يُحذِّرنا من العودة إلى المعصية بعد أنْ يكشف عنا الضر إنما يعطينا المصل الواقي بصورة تحدث في الواقع، وكأنه تعالى يقول لنا: خذوا بالكم، واعلموا أنكم مفضوحون بكتاب الله فيما تُحدثون من أحداث في حياتكم، فكل منكم ينبغي أنْ يعلم أنه مراقب من الأزل ومكتوبة عليه خواطره؛ لأن معنى القرآن الحق أنه لا يتغير، وإذا قال الله فيه شيئاً فلا بُدَّ أنْ يحدث كما أخبر الله به.

الجيلاني

تفسير : والعجب منهم ومن حالهم كل العجب أنهم مع شركهم وإصرارهم على الكفر، وعدم تأثرهم بالزواجر والروادع الواردة من قِبَل الحق، ظهور المعجزات المزعجة إلى الإيمان {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ} متضرعين نحوه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي: كائنين كالمؤمنين المطيعين، الخالصين إطاعتهم وانقيادهم لله بلا شوب الشرك وشين الكفر {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ} من كمال فضلنا وجودنا إياهم {إِلَى ٱلْبَرِّ} وأخلصناهم من المهلكة آمنين {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] يعني: هم ما جاءوا على الفور بُعيْد ما خلصوا من التهلكة إلى الشرك والطغيان وأنواع العصيان والكفران. قل لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا آمراً لهم على سبيل التهديد: {لِيَكْفُرُواْ} أولئك الكافرون {بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} من النعم العظام، سيما نعمة الإنجاء من مضيق البحر {وَلِيَتَمَتَّعُواْ} أولئك المتمتعون بما عندهم من الحطام الدنيوية، وما هم عليه من الإصرار على الكفر الضلال {فَسَوْفَ يَعلَمُونَ} [العنكبوت: 66] ما يترتب على كفرانهم وتمتعهم وشركهم وضلالهم. {أَ} ينكرون نعمنا وإنعامنا إياهم أولئك الكافرون المبطلون {وَلَمْ يَرَوْاْ} ولم يعلموا أهل مكة {أَنَّا} من مقام جودنا وفضلنا إياهم {جَعَلْنَا} بلدهم؛ يعني: مكة {حَرَماً} يعني: ذا حرمة عظيمة يأوي إليها الناس من جميع أقطار الأرض من لك مرمى سحيق وفج عميق {آمِناً} ذا أمن أهله من النهب والسبي وأنواع الأذى {وَيُتَخَطَّفُ} نهباً وسبياً، وهم آمنون فيها، مصونون عن المؤذيات كلها، وهم مع ذلك يكفرون نعمنا ويشركون بنا غيرنا {أَ} أي: يختلس ويؤخذ {ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} ما تستحيون من الله أيها المبطلون، وما تخافون من بطشه أيها المفسدون المسرفون؟! {فَبِٱلْبَاطِلِ} العاطل الزاهق الزائل؛ يعني: الأصنام والأوثان {يُؤْمِنُونَ} أي: يطيعون ويعبدون، مع أنهم لا يقدرون على جلب نفع ودفع ضر {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} القادر المقتدر القوي على البطش والانتقام {يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67] فستعلمون أيها الجاهلون الضالون أيّ منقلب تنقلبون. ثمَّ قال سبحانه على سبيل التهديد والوعيد الشديد: {وَمَنْ أَظْلَمُ} وأشد عدواناً على الله، وخروجاً عن مقتضى حدوده، وعلى نفسه بالعرض على بطشه وعذابه {مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ} وانتسب إلى الله مراءً وافتراءً {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} عظيماً بأن يُشرك معه غيره، مع أنه ليس في الوجود سواه {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع، الثابت النازل من عنده سبحانه؛ يعني: الرسول {لَمَّا جَآءَهُ} كذبه فجأة بلا تأمل وتدبر عناداً ومكابرةً {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] يعني: أيزعمون أولئك المسرعون في التكذيب، المجترئون على الإنكار أنهم لا يدخلون جهنم الطرد وجحيم الخذلان، خالدين مخلدين بسبب هذا الجرم العظيم والافتراء البالغ نهاية البغي والفساد على الله وعلى كتابه ورسوله؟! بلى هم المستوجبون المقصودون على الخلود فيها أبداً مهانين صاغرين. ثمَّ قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} يعني: المؤمنين الموقنين الذين حازوا كلا مرتبتي العين و الحق على مقتضى استعداداتهم الفطرية، ثمَّ اجتهدوا ببذل وسعهم بأن يفنوا فينا، ويبقوا ببقائنا، باذلين مهجهم في سبيلنا، تاركين أنانيتهم وأعيانهم الباطلة في هويتنا وعيننا الحق {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} ونوفقنَّ عليهم {سُبُلَنَا} ولنزيدنَّ هديهم ورشدهم إلينا جذباً منا إياهم، وعنايةً لهم، وأحساناً معهم {وَ} كيف لا يجذبهم ولا يعتني بشأنهم، ولا يزيد برشدهم وتوفيقهم؟! {إِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي لخلَّص عباده بمقتضى أسمائه وصفاته {لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] منهم، وهم الذين يحسنون الأدب مع الله، ويجتهدون في إفناء ذواتهم في ذاته بعدما تحققوا بمقام الكشف والشهود، وتيقنوا ألاَّ موجود سواه، ولا إله ي الوجود إلا هو، اجتهدوا حينئذٍ أن يحكوا أضلال هوياتهم الباطلة، وعكوس تعيناتهم الهالكة العاطلة عن دفتر الوجود مطلقاً؛ لئلا يبقى لهم عين ولا اسم ولا رسم. وبعدما طرحوا بتوفيق الله وجذب من جانبه ما أطرحوا من أباطيل التعينات ولوازم الهويات والأنانيات، وعموم الاعتبارات عن دفتر الوجود وفضاء الشهود، بحيث لم يبق لهم عين ولا أثر، بل لا معنى للمعية والمصاحبة والمقارنة، ولا تشوشك منطوقات الألفاظ والعبارات إن كنت من أهل الرموز والإشارات، هو يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. خاتمة السورة. عليكم أيها المجتهد المتوجه نحو الحق، المتعطش بزلال توحيده، المعرض عن الباطل وما يترتب عليه من غوائل الشيطان ووساوسه أن يجتهد أولاً في استخلاص نفسك البشرية عن أمانيها مطلقاً، سيما أنية أمارتك المائلة بأنواع الفجور، المبغية على الله بأصناف الكفر والفسوق، والغيبة التي لا تفهم مقتضيات الوحدة وإشارات أرباب التوحيد أصلاً، العرية عن مبدأ المعارف والحقائق والأسرار والمكاشفات، الواقعة في طريقه رأساً، فلك أن تروضها بمتاعب الرياضات ومشاق التكليفات إلى أن تجعلها مطمئنة راضية بما جرى عليها من القضاء. ثمَّ بعدما صارت نفسك مطمئنة راضية انبعث شوقك، واقتضى ذوقك مع جذب من جانب الحق إلى أن تجعلها فانية في هوية الله، مضمحلة في ذاته، متلاشية في أوصافه وأسمائه، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، فحيئنذٍ صرت في زمرة المحسنين المهديين، المرضيين الذين هم من الله في جميع حالاتهم لا بطريق المصاحبة والمقارنة، ولا بطريق الحلول والاتحاد على ما يخيلك الألفاظ والعبادات، بل بطريق الفناء فيه والرجوع إليه، والبقاء ببقائه. جعلنا الله ممن اجتهد في طريق التوحيد، وجاهد نفسه في مسلك الفناء حتى بذلها في سبيل الله وأفناها في هويته بمنَّه وسعة جوده.