Verse. 3407 (AR)

٢٩ - ٱلْعَنْكَبُوت

29 - Al-Ankabut (AR)

اَوَلَمْ يَرَوْا اَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا اٰمِنًا وَّيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِہِمْ۝۰ۭ اَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُوْنَ وَبِنِعْمَۃِ اللہِ يَكْفُرُوْنَ۝۶۷
Awalam yaraw anna jaAAalna haraman aminan wayutakhattafu alnnasu min hawlihim afabialbatili yuminoona wabiniAAmati Allahi yakfuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أَو لم يروْا» يعلموا «أنَّا جعلنا» بلدهم مكة «حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم» قتلاً وسبياً دونهم «أفبالباطل» الصنم «يؤمنون وبنعمة الله يكفرون» بإشراكهم.

67

Tafseer

الرازي

تفسير : التفسير ظاهر، وإنما الدقيق وجه تعلق الآية بما قبلها، فنقول الإنسان في البحر يكون على أخوف ما يكون وفي بيته يكون على آمن ما يكون لا سيما إذا كان بيته في بلد حصين فلما ذكر الله المشركين حالهم عند الخوف الشديد ورأوا أنفسهم في تلك الحالة راجعة إلى الله تعالى ذكرهم حالهم عند الأمن العظيم وهي كونهم في مكة فإنها مدينتهم وبلدهم وفيها سكناهم ومولدهم، وهي حصين بحصن الله حيث كل من حولها يمتنع من قتال من حصل فيها، والحصول فيها يدفع الشرور عن النفوس ويكفها يعني أنكم في أخوف ما كنتم دعوتم الله وفي آمن ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض لأن دعاءكم في ذلك الوقت على سبيل الإخلاص ما كان إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير فهذه النعمة العظيمة التي حصلت وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله كيف تكفرون بها؟ والأصنام التي قطعتم في حال الخوف أن لا أمن منها كيف آمنتم بها في حال الأمن؟.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} قال عبد الرحمن بن زيد: هي مكة وهم قريش أَمَّنهم الله تعالى فيها. {وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} قال الضحاك: يقتل بعضهم بعضاً ويَسبي بعضهم بعضاً. والخطف الأخذ بسرعة. وقد مضى في «القصص» وغيرها. فأذكرهم الله عز وجل هذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة. أي جعلتُ لهم حرماً آمناً أمنوا فيه من السَّبي والغارة والقتل، وخلّصتهم في البر كما خلصتهم في البحر، فصاروا يشركون في البر ولا يشركون في البحر. فهذا تعجب من تناقض أحوالهم. {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} قال قتادة: أفبالشرك. وقال يحيـى بن سلاّم: أفبإبليس. {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } قال ابن عباس: أفبعافية الله. وقال ابن شجرة: أفبعطاء الله وإحسانه. وقال ابن سلاّم: أفبما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى. وحكى النقاش: أفبإطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف يكفرون. وهذا تعجب وإنكار خرج مخرج الاستفهام. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي لا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكاً وولداً، وإذا فعل فاحشة قال: {أية : وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}تفسير : [الأعراف: 28]. {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ} قال يحيـى بن سلاّم: بالقرآن. وقال السّديّ: بالتوحيد. وقال ابن شجرة: بمحمد صلى الله عليه وسلم. وكل قول يتناول القولين. {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} أي مستقر. وهو استفهام تقرير.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ممتناً على قريش فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، ومن دخله كان آمناً فهم في أمن عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 1 ــــ 4] وقوله تعالى: {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ} أي أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد و{أية : بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ} تفسير : [إبراهيم: 28] فكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وأن لا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه، وأخرجوه من بين ظهرهم، ولهذا سلبهم الله تعالى ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدر، ثم صارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم. ثم قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ} أي لا احد أشد عقوبة ممن كذب على الله، فقال: إن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله، وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما جاءه، فالأول مفتر والثاني مكذب، ولهذا قال تعالى: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ} ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا} يعني الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي لنبصرنهم سبلنا، أي طرقنا في الدنيا والآخرة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، أخبرنا عباس الهمداني أبو أحمد من أهل عكا في قول الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون. قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت به أبا سليمان الداراني، فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد الله حتى وافق ما في قلبه. وقوله {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن جعفر قاضي الري، حدثنا أبو جعفر الرازي عن المغيرة عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } يعلموا {أَنَّا جَعَلْنَا } بلدهم مكة {حَرَماً ءَامِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } قتلاً وسبياً دونهم {أَفَبِٱلْبَٰطِلِ } الصَّنم {يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } بإشراكهم؟.

الماوردي

تفسير : قوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَآمِناً} قال عبد الرحمن بن زيد: هي مكة وهم قريش أمنهم الله بها. {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} قال الضحاك: يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً فأذكرهم الله بهذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة. {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أفبالشرك، قاله قتادة. الثاني: بإبليس، قاله يحيى بن سلام. {وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: بعافية الله، قاله ابن عباس. الثاني: بعطاء الله وإحسانه، قاله ابن شجرة. الثالث: ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى، قاله يحيى بن سلام. الرابع: بإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف، حكاه النقاش، وهذا تعجب وإنكار خرج مخرج الاستفهام. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} بأن جعل لله شريكاً أو ولداً. {أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بالتوحيد، قاله السدي. الثاني: بالقرآن، قاله يحيى بن سلام. الثالث: بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن شجرة. {مَثْوًى...} أي مستقراً. قوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} فيه أربعة أوجه: أحدها: قاتلوا المشركين طائعين لنا. الثاني: جاهدوا أنفسهم في هواها خوفاً منا. الثالث: اجتهدوا في العمل بالطاعة والكف عن المعصية رغبة في ثوابنا وحذراً من عقابنا. الرابع: جاهدوا أنفسهم في التوبة من ذنوبهم. {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني الطريق إلى الجنة، قاله السدي. الثاني: نوفقهم لدين الحق، حكاه النقاش. الثالث: معناه الذين يعملون بما يعلمون يهديهم لما لا يعلمون، قاله عباس أبو أحمد. الرابع: معناه لنخلصنّ نياتهم وصدقاتهم وصلواتهم وصيامهم، قاله يوسف بن أسباط. {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} أي في العون لهم، الله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ} بالقتل والسبي. {أَفَبِالْبَاطِلِ} الشرك، أو إبليس {وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ} بعافيته "ع"، أو عطائه وإحسانه أو بالهدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بإطعامهم من جوع وأمنهم من خوف.

النسفي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } أي أهل مكة {إِنَّا جَعَلْنَا } بلدهم {حَرَماً } ممنوعاً مصوناً {آمناً} يأمن داخله {وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } يستلبون قتلاً وسبياً {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ } أي أبالشيطان والأصنام {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } أي بمحمد عليه السلام والإسلام {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بأن جعل له شريكاً {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقّ } بنبوة محمد عليه السلام والكتاب {لَمَّا جَاءهُ } أي لم يتلعثموا في تكذيبه حين سمعوه {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لّلْكَـٰفِرِينَ } هذا تقرير لثوائهم في جهنم لأن همزة الإنكار إذا أدخلت على النفي صار إيجاباً يعني ألا يثوون فيها وقد افتروا مثل هذا التكذيب على الله وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب؟ أو ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حين اجترؤوا مثل هذه الجراءة؟ وذكر المثوى في مقابلة {لنبوئنهم} يؤيد قراءة الثاني {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ } أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول ليتناول كل ما تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين {فِينَا } في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصاً {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } {سبلنا} أبو عمرو أي لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقاً. وعن الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا فقد قيل: من عمل بما علم وفق لما لا يعلم. وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم إنما هو لتقصيرنا فيما نعلم. وعن فضيل: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وعن سهل: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وعن ابن عطاء: جاهدوا في رضانا لنهدينهم الوصول إلى محل الرضوان. وعن ابن عباس: جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وعن الجنيد: جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا والأنس بنا، أو جاهدوا في طلبنا تحرياً لرضانا لنهدينهم سبل الوصول إلينا. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ } بالنصرة والمعونة في الدنيا وبالثواب والمغفرة في العقبى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ قد كان لهم في ذلك آية، إن الناس يغزون ويتخطفون وهم آمنون ‏{‏أفبالباطل يؤمنون‏} ‏ أي بالمشرك ‏ {‏وبنعمة الله يكفرون‏}‏ أي يجحدون‏.‏ وأخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم قالوا‏:‏ يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا، والعرب أكثر منا، فمتى بلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا فكنا أكلة رأس‏.‏ فأنزل الله {‏أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً‏} ‏.

القشيري

تفسير : مَنَّ عليهم بدَفْعٍ المحن عنهم وكَوْنِ الحَرَمِ آمناً. وذَكَّرَهم عظيمَ إحسانه عليهم، ثم إعراضهم عن شكر ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {أو لم يروا} اى الم ينظر اهل مكة ولم يشاهدوا {انا جعلنا} أى بلدهم {حرما} محترما {آمنا} مصونا من النهب والتعدى سالما اهله آمنا من كل سوء {ويتخطف الناس من حولهم} التخطف بالفارسية [ربودن] وحول الشىء جانبه الذى يمكنه ان يتحول اليه اى والحال ان العرب يختلسون ويؤخذون من حولهم قتلا وسبيا اذا كانت العرب حوله فى تغاور وتناهب {أفبالباطل يؤمنون} اى أبعد ظهور الحق الذى لاريب فيه بالباطل وهو الصنم او الشيطان يؤمنون دون الحق وتقديم الصلة لاظهار شناعة مافعلوه وكذا فى قوله {وبنعمة الله} المستوجبة للشكر {يكفرون} حيث يشركون به غيره. وفى التأويلات النجمية {أفبالباطل} وهو ماسوى الله من مشارب النفس {يؤمنون} اى يصرفون صدقهم {وبنعمة الله} وهى مشاهدة الحق {يكفرون} بان لايطلبوها انتهى انما فسر الباطل بما سوى الله لان ماخلا الله باطل مجازى اما بطلانه فلكونه عدما فى نفسه واما مجازيته فلكونه مجلى ومرآة للوجود الاضافى. واعلم ان لكفر بالله اشد من الكفر بنعمة الله لان الاول لايفارق اثانى بخلاف العكس والكفار جمعوا بينهما فكانوا اذم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {أَوَلَمْ يَرَوا} أي: أهل مكة {أنا جعلنا} بلدهم {حَرَماً} أي: ممنوعاً مصوناً من الهبب، {آمِنا}؛ يأمن كل من دخله، أو آمناً أهله من القتل والسبي، {ويُتَخَطّفُ الناس من حولهم} أي: يخطف بعضهم بعضاً، قتلاً وسبياً، إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب، {أفبالباطل يؤمنون}؛ أبعد هذه النعمة العظمى يُؤمنون بالأصنام ويعبدونها، أو: الشيطان، {وبنعمة الله يكفرون}؛ حيث أشركوا به غيْرَهُ، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو النعمة المهداة، أو: الإسلام. وتقديم المعمولين؛ للاهتمام، أو للاختصاص. {ومَنْ أظلمُ} أي: لا أحد أظلم {ممن افترى علىا لله كذباً}؛ بأن جعل له شريكاً، {أو كذّب بالحق}؛ الرسول صلى الله عليه وسلم، أو: الكتاب، {لمَّا جاءه} أي: لم يتلعثموا في تكذيبه لَمّا سمعوه، وفي "لَمَّا"، المقتضية للاتصال، تسفيه لرأيهم، حيث لم يتوقفوا ولم يتأملوا قط حين جاءهم، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه. {أليس في جهنم مَثْوىً}؛ مقاماً {للكافرين}، وهو تقرير لمثواهم في جهنم، لأن همزة الإنكار، إذا دخلت على النفي، صار إثباتاً، كقوله: شعر : أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا تفسير : أي: أتم خير من ركب المطايا، والتقدير: ألا يستوجبون الثوى فيها؟ وقد افتروا مثل هذه العظيمة، كذبوا على الله وكذّبوا بالحق الذي جاء من عنده، أو: ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين؟ حين اجترأوا مثل هذه الجرأة، بل لهم فيها مثوى وإقامة. وهذه الآية في مقابلة قوله: {أية : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً}تفسير : [العنكبوت: 58]. لا سيما في قراءة الثاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحرم الآمن، في هذه الدار، هو التبتل والانقطاع عن الدنيا وأبنائها، والتجريد من أسبابها، فمن دخله أَمِنَ ظاهراً وباطناً، ومن هجرها، وترك الناس حوله يتخطفون ويتهارجون عليها، وهو يتفرج عليهم، فالدنيا جيفة والناس كلابها، فإن خالطتهم ناهشوك، وإن تركت لهم جيفتهم سَلِمتَ منهم، فمن كذّب بهذا فقد كذَّب بالحق وآمن بالباطل، فلا أحد أظلم منه. وبالله التوفيق. ثم ذكر مآل أهل الجدّ والاجتهاد ممّن تبتّل وانقطع إلى الله فقال: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لهؤلاء الكفار {أولم يروا} ومعناه اولم يعلموا {أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} أي يتناول الناس من حوالي مكة بسرعة، وتؤخذ أموالهم. ومنه خطف البصر لسرعته. ومنه اختطاف الطير لصيده ومنه الخطاف الذي يخرج الدلو. والمعنى بذلك تنبيههم على جميل صنع الله بهم، وسبوغ نعمه عليهم، بأن جعلهم في أمن مع ان الناس يؤخذون من حولهم. وذلك لا يقدر عليه غير الله. ثم قال مهدداً لهم {أفبالباطل يؤمنون}! أي يصدقون بعبادة الأصنام وهي باطلة مضمحلة {وبنعمة الله} التي انعم بها عليهم {يكفرون}؟! ثم قال {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} أي من اظلم لنفسه ممن جحد آيات الله واضاف اليه ما لم يقله ولم يأمر به من عبادة الأصنام وغيرها {أو كذب بالحق لما جاءه} من نبوة محمد صلى الله عليه وآله من القرآن الذي أنزل عليه. ثم قال {أليس في جهنم مثوى للكافرين} أي موضع مقام للذين يجحدون نعم الله، ويكفرون بآياته. ثم قال {والذين جاهدوا فينا} يعني جاهدوا للكفار بأنفسهم، وجاهدوا نفوسهم بمنعها عن المعاصي وإلزامها فعل الطاعة لوجه الله {لنهدينهم سبلنا} أي نرشدهم السبيل الموصل إلى الثواب. وقيل: معناه لنوفقنهم لازدياد الطاعات فيزدادوا ثوابهم. وقيل: معناه لنرشدنهم إلى الجنة {وإن الله لمع المحسنين} أي ناصر الذين فعلوا الأفعال الحسنة، ويدفع عنهم اعداءهم.

الجنابذي

تفسير : {أَ} يكفر اهل مكّة بنعمه ويشركون به {وَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} اى لهم فانّ الحرم قديماً وحديثاً كان بالمواضعة آمناً اهله من الصّدمات الواردة على سائر البلاد وسائر العرب وكان آمناً بمشيّة الله من تعرّض المتعرّضين له مثل تعرّض ملك اليمن لخرابه {وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} بالقتل والاسر {أَ} اهواءهم يتّبعون {فَبِٱلْبَاطِلِ} الّذى هو اهواءهم اوّلاً، والشّياطين ثانياً، والاصنام والكواكب او شركاء الولاية ثالثاً {يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} الّتى هى جعل الحرم آمناً لهم او جملة نعم الله او الولاية الّتى هى اصل كلّ النّعم {يَكْفُرُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} مفعول به لافترى اذا كان على التّجريد، او مفعول مطلق من غير لفظ الفعل وهذه العبارة تستعمل فى اظلميّة المفترى وان كانت بمفهومها اللّغوىّ اعمّ منه، والافتراء على الله اعمّ من ان يجعل مالم يأذن به شريكاً له او يفتى او يقضى بين النّاس او يؤمّ النّاس به او يترأسّ من غير اذنٍ واجازة من الله وخلفائه، فانّ الاجازة من الله او خلفائه تجعل وجود المجاز كالانفحة الّتى فى كلّ لبن وصل اليها كيفيّة بها تنعقد وتصير جبّناً وبدون الاجازة لا يؤثّر ملاقاة العالم ولا قوله ولا البيعة معه بل يكون العالم اضرّ على ضعفاء العقول من جيش يزيد لعنه الله على اصحاب الحسين (ع) لانّ ملاقاة العالم حينئذٍ والبيعة معه يبطل استعداد الملاقى فى الاغلب، ومن هذا يعلم حال من يقول: لا حاجة لى الى الاجازة بل النّاس محتاجون الى اجازتى {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ} اى الامر الثّابت او الولاية فانّها الحقّ حقيقة وسائر الاشياء حقّيّتها لا تكون الاّ بها {لَمَّا جَآءَهُ} من نبىّ وقته (ع) نبصبه وتعيينه لولىّ الامر {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما حال المفترى والمكذّب واين يكون مقامه؟- فقال: حاله انّه كافر فانّه ما لم يستر الحقّ ووجهته لا يمكنه الافتراء والتّكذيب، وكلّ كافرٍ مثواه جهنّم، لكنّه ادّاه بهذه العبارة تأكيداً له واشعاراً بانّ كفر مثله لا حاجة له الى البيان.

اطفيش

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْا} أي أهل مكة. {أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناَ} اي جعلنا بلدهم معظما آمنا اهله من ان يقع بهم ذلك او جعلنا حرما آمنا لهم. {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} بالسي والسلب والقتل. {أَفِبالبَاطِلِ} الصنم قيل او الشيطان والايمان به متابعته. {يُؤْمِنُونَ} بعد هذه النعم الظاهرة التي اوجدها الله لا الصنم. {وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ} اذ اشركوا به غيره وأراد بالنعمة الجنس وقيل: النعمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: ما جاء به من الهدى وقدم بالباطل وبنعمة للفاصلة وللاهتمام وللاختصاص على طريق المبالغة.

اطفيش

تفسير : {أو لَمْ يَروْا} الم ينظروا بعقولهم، ويروا بأبصارهم، فان اثر الامن مشاهدة بالعين كحضور الناس بلا سوء، او الرؤية العلم {إنَّا جَعَلنا} لهم، او جعلنا بلدهم {حرماً آمناً} من النهب والقتال والتعدى، والعرب حوله تتناهب وتتناحر، ويتبع السبع الصيد، واذا دخل الحرم كف عنه، والاسناد مجاز عقلى، لان الامن اهل البلد لا البلد، او يقدر مضاف اى آمنا اهله حتى تطير والوحش فيه، ولعله تعالى لم يقل: جعلنا لهم، او جعلنا بلدهم، ليعم الوحش والطير، ولو كان ذلك لتوهم ان الامن لهم، وعلى كل حال ليس فى الاية ما يمنع دخول الوحش والطير فى الاية، ولو كانت الاية احتنانا على اهل مكة، بان جعل بلدهم وما حوله آمنا عم الناس محلقا، والوحش والطير بأمنه. {ويتخطف الناسُ من حَوْلهم} حول حرمهم خارج الحرم نهباً وقتلا وتعديا، وعن ابن عباس ان اهل مكة قالوا: لولا ان تتخطفنا العرب، وهم اكثر منا، ونحن فيهم اكلة راس لدخلنا فى دينك، فنزلت الآية {أفالباطل} الشيطان او الصنم بعد ظهور الحق {يُؤمنُون وبنعمة الله} المستوجبة للايمان {يكْفُرون} قدم بالباطل وبنعمة على طريق الاهتمام.

الالوسي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} ألم ينظروا أَوَلم يشاهدوا {أَنَّا جَعَلْنَا} أي بلدهم {حَرَماً} مكاناً حرم فيه كثير مما ليس بمحرم في غيره من المواضع {ءامَنَّا} أهله عما يسوءهم من السبـي والقتل على أن أمنه كناية عن أمن أهله أو على أن الإسناد مجازي أو على أن في الكلام مضافاً مقدراً، وتخصيص أهل مكة وأن أمن كل من فيه حتى الطيور والوحوش لأن المقصود الامتنان عليهم ولأن ذلك مستمر في حقهم. وأخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا والعرب أكثر منا فمتى بلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا فكلنا أكلة رأس فأنزل الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً}. {وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} يختلسون من حولهم قتلاً وسبياً إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب، والظاهر أن الجملة حالية بتقدير مبتدأ أي وهم يتخطف الخ {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ} أن أبعد ظهور الحق الذي لا ريب فيه أو أبعد هذه النعمة المكشوفة وغيرها بالصنم، وقيل: بالشيطان يؤمنون {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } وهي المستوجبة للشكر حيث يشركون به تعالى غيره سبحانه، وتقديم الصلة في الموضعين للاهتمام بها لأنها مصب الإنكار أو للاختصاص على طريق المبالغة لأن الإيمان إذا لم يكن خاصاً لا يعتد به ولأن كفران غير نعمته عز وجل بجنب كفرانها لا يعد كفراناً. وقرأ السلمي والحسن {تُؤْمِنُونَ} و {تَكْفُرُونَ } بتاء الخطاب فيهما.

ابن عاشور

تفسير : هذا تذكير خاص لأهل مكة وإنما خُصُّوا من بين المشركين من العرب لأن أهل مكة قدوة لجميع القبائل؛ ألا ترى أن أكثر قبائل العرب كانوا ينتظرون ماذا يكون من أهل مكة فلما أسلم أهل مكة يومَ الفتح أقبلت وفود القبائل معلنة إسلامهم. والجملة معطوفة على جملة {أية : فإِذَا رَكبوا فِي الفُلك دَعُوا الله}تفسير : [العنكبوت: 65] باعتبار ما اشتملت عليه تلك الجملة من تقريعهم على كفران نعم الله تعالى، ولذلك عقبت هذه الجملة بقولة {وبنعمة الله يكفرون} والاستفهام إنكاري، وجعلت نعمة أمن بلدهم كالشيء المشاهد فأنكر عليهم عدم رؤيته، فقوله {أنا جعلنا حرماً آمناً} مفعول {يَرُوا} ومعنى هذه الآية يعلم مما تقدم عند الكلام على قوله تعالى: {أية : وَقَالُوا إنْ نَتَّبِعْ الهُدَى معَكَ نُتخَطَّفْ من أرْضِنَا أوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حرَماً آمِناً}تفسير : في سورة [القصص:57]، وقد كان أهل مكة في بحبوحة من الأمن وكان غيرهم من القبائل حول مكة وما بعدُ منها يغزو بعضهم بعضاً ويتغاورون ويتناهبون، وأهل مكة آمنون لا يعدو عليهم أحد مع قتلهم، فذكرهم الله هذه النعمة عليهم. والباطل: هو الشرك كما تقدم عند قوله تعالى {أية : والذين آمنوا بالباطل} تفسير : في هذه السورة العنكبوت (52). و (نِعْمَةَ الله) المراد بها الجنس الذي منه إنجاؤهم من الغرق وما عداه من النِعم المحسوسة المعروفة، ومن النِعم الخفية التي لو تأملوا لأدركوا عظمها، ومنها نعمة الرسالة المحمدية. والمضارع في المواضع الثلاثة دال على تجدّد الفعل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} الآية. امتن الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، على قريش، بأنه جعل لهم حرماً آمناً يعني حرم مكة، فهم آمنون فيه على أموالهم ودمائهم، والناس الخارجون عن الحرم، يتخطفون قتلاً وأسراً. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى في القصص: {أية : وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً} تفسير : [القصص: 57]. وقوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97] وقوله تعالى: {أية : جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 97] الآية. وقوله تعالى: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3ـ4].

د. أسعد حومد

تفسير : {آمِناً} {أَفَبِٱلْبَاطِلِ} (67) - أَوَ لَمْ يَرَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيِشٍ مَا خَصَصْنَاهُمْ بهِ مِنَ النِّعَمِ، فَأَسْكَنَّاهُمْ بَلَداً حَرَّمْنَا عَلى النَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوه لِغَارَةٍ أَوْ لِحَربٍ، وَجَعَلنَا مَنْ سَكَنَهُ آمِنا عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، والنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ خَائِفُونَ، يَقْتَلُونَ ويُسْبَوْنَ، وتُسْلَبُ أَمْوالُهُمْ، فَكَيفَ لاَ يَشْكُرُونَ رَبَّهُمْ عَلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الكُبْرَى بالإِيمان والطَّاعَةِ، والإِقلاَعِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ البَاطِلِ وَالشِّرْكِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ والأَصْنَامِ مِنْ دُونِ اللهِ؟. يُتَخَطَّفُ الناسُ - يُسْتَلَبُونَ قتلاً وأَسراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (رأى) قلنا: تأتي بصرية، وتأتي بمعنى عَلِم، ومنه قولنا في الجدال مثلاً أرى في الموضوع الفلاني كذا وكذا، ويقولون: (وَلِرَأىَ الرؤْيا انْمِ ما لِعَلِمَا)، وتجد في أساليب القرآن كلاماً عن الرؤيا المخاطب بها غير راء للموضوع، كما في قوله سبحانه مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. ومعلوم أن النبي لم يَرَ ما حدث من أمر الفيل؛ لأنه وُلِد في هذا العام فرأى هنا بمعنى علم، لكن لماذا عدل عن (ألم تعلم) إلى (ألم تر)؟ قالوا: لأن المتكلم هنا هو الله تعالى، فكأنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتُك بشيء، فإن إخباري لك به أصدق من رؤيتك. يقول سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ..} [العنكبوت: 67] فالحرم آمِن رغم ما حدث له من ترويع قبل الإسلام حين فزّعه أبرهة، وفي العصر الحديث لما فزَّعه (جهيمان)، وعلى مَرِّ العصور حدثتْ تجاوزات في الحرم تتناقض في ظاهرها مع هذا الأمن. ونقول: كلمة {حَرَماً آمِناً ..} [العنكبوت: 67] في القرآن بالنسبة للكعبة فيها ثلاث إطلاقات: فالذين يعيشون فيه وقت نزول هذه الآيات يروْنَ أنه حرم آمن، وهذا الأمن موهوب لهم منذ دعوة سيدنا إبراهيم - عليه السلام -. فحين دعا ربه: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ..} تفسير : [إبراهيم: 37] كان مكاناً خالياً، لا حياة فيه وغير مسكون، ومعنى ذلك أنه لم تكُنْ به مُقوِّمات الحياة، فالإنسان لا يبني ولا يستقر إلا حيث يجد مكاناً يأمن فيه على نفسه، ويتوفر له فيه كل مُقوِّمات حياته. لذلك دعا إبراهيم ربه أنْ يجعل هذا المكان بلداً آمناً يعني يصلح لأنْ يكون بلداً، فقال: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} تفسير : [البقرة: 126]. وبلد هنا نكرة تعني: أيّ بلد لمؤمنين أو لكافرين، فلما استجاب الله له، وجعلها بلداً كأيِّ بلد تتوفر له مُقوِّمات الحياة دعا مرة أخرى: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً ..} تفسير : [إبراهيم: 35] أي: هذه التي صارت بلداً أريد لها مَيْزة على كل البلاد، وأمناً أزيد من أمن أيّ بلد آخر، أمناً خاصاً بها، لا الأمن العام الذي تشترك فيه كل البلاد، لماذا؟ لأن فيها بيتك. لذلك يرى فيها الإنسان قاتلَ أبيه، ولا يتعرَّض له حتى يخرج، فالجاني مؤمَّن إنْ دخل الحرم، لكن يُضيق عليه أسباب الحياة حتى يخرج، حتى لا يجترئ الناس على بيت الله ويفسدون أمنه، ومن هذا الأمن الخاص ألاَّ يصاد فيه، ولا يُعْضَد شجرة، ولا يُروَّع ساكنه. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول للمشركين: لماذا لا تؤمنون بهذا الدين الذي جعل لكم بلداً آمناً، في حين يُتخطف الناس من حولكم؟ لماذا لا تحترمون وجودكم في هذا الأمن الذي وهبه الله لكم. وعجيب منهم أن يقولوا كما حكى القرآن عنهم: {أية : وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ..} تفسير : [القصص: 57] كيف وقد حَمْيناكم أيام كنتم مشركين تعبدون الأصنام، أنترككم بعد أنْ تؤمنوا مع رسول الله. وقصة هذا الأمن أولها في حادثة الفيل، لما جاء أبرهةُ ليهدم بيت الله ويُحوِّل الناس إلى بيت بناه باليمن، فردَّ الله كيدهم، وجعلهم كعصف مأكول، وحين نقرأ هذه السورة على الوَصْل بما بعدها تتبين لنا العِلَّة من هذا الأمن، ومن هذه الحماية، اقرأ: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 1-5] لماذا؟ {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} تفسير : [قريش: 1-2]. فالعلة في أن جعلهم الله كعصف مأكول {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} تفسير : [قريش: 1] لأن اللام في (لإيلاَف) للتعليل، وهي في بداية كلام، فالعلة في أن الله لم يُمكِّن الأعداء من هدم البيت لتظلّ لقريش مهابتها ومكانتها بين العرب، ومهابتها مرتبطة بالبيت الذي يقصده الناس من كل مكان. وهذه المكانة تُؤمِّن تجارة قريش في رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، لا يتعرَّض لهم أحد بسوء، وكيف يجترىء أحد عليهم أو يتعرّض لتجارتهم وهم حُماة البيت؟ فمعنى {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} تفسير : [قريش: 1] أن الله أهلك أبرهة وجنوده ولم يُمكِّنهم من البيت لتظل لقريش، وليُديم الله عليها أنْ يُؤْلَفوا وأنْ يُحبُّوا من الناس جميعاً، ويواصلوا رحلاتهم التجارية الآمنة. لذلك يقول تعالى بعدها {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4] فكان من الواجب عليهم أن يعبدوا رب البيت الذي وهبهم هذه النعم، فما هم فيه من أمن وأمان وطعام وشراب ليس بقوتهم، إنما بجوارهم لبيت الله، ولبيت الله قداسته عند العرب، فلا يجرؤ أحد منهم على الاعتداء على تجارة قريش. فقولهم لرسول الله: {أية : &#1764إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ..} تفسير : [القصص: 57] حجة لله عليهم، ففي الوقت الذي يُتخطّف الناس فيه من حولهم كانوا هم في أمان، فهي حجة عليهم. ثم إن الشرط هنا {أية : إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ ..} تفسير : [القصص: 57] غير مناسب للجواب {أية : نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ..} تفسير : [القصص: 57] فما دمتم قلتم عن الدين الذي جاءكم به محمد أنه هدى - يعني هدى لله - فكان يجب عليكم أنْ تؤمنوا به لو تأكد لديكم أنه هدى، وإلا فأنتم كاذبون في هذا القول، ولِمَ لا وأنتم تُكذِّبون القرآن وتقولون عنه افتراء وكذب وسحر، والآن تقولون عنه هدى، وهذا تناقض عجيب. ألم يقولوا {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] ومعنى هذا أن القرآن لا غبارَ عليه، لكن آفته أنه نزل على هذا الرجل بالذات. وقوله تعالى {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ..} [العنكبوت: 67] أي: بالأصنام {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67] قال {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ ..} [العنكبوت: 67] ولم يقل مثلاً: وبعبادة الله، أو بالإيمان بالله يكفرون؛ لأن إيمانهم لو لم يكُنْ له سبب إلا نِعمَ الله عليهم أنْ يُطعِمهم من جوع، ويُؤمنهم من خوف لكان واجباً عليهم أنْ يؤمنوا به. والباطل مقابل الحق، وهو زَهُوق لا دوامَ له، فسرعان ما يفسد وينتهي، فإنْ قلتَ ما دام أن الباطل زهوق وسينتهي، فما الداعي للمعركة بين حَقٍّ وباطل؟ نقول: لولا عضة الباطل للمجتمع لما استشرفَ الناس للحق ينقذهم، فالباطل نفسه جُنْد من جنود الحق، كما أن الكفر جُنْد من جنود الإيمان، فلولا الكفر وما يفعله الكافرون بالناس لما اشتاق الناس للإيمان، الذي يُوفِّر لهم الأمن والطمأنينة والراحة والمساواة. كما أن معنى كَفَرَ يعني ستر الإله الواجب الوجود، والسَّتْر يحتاج إلى مستور، فما هو المستور بالكفر؟ المستور بالكفر الإيمان، فكلمة كفر نفسها دليلُ وجود الإيمان. وسبق أن قلنا: إن الإنسان قد يكره بعض الأشياء، وهي لمصلحته ولحكمة خلقها الله، ومثَّلْنا لذلك بالألم الذي يتوجّع منه الإنسان، وهو في الحقيقة تنبيه له واستنهاض ليعلم سبب هذ الألم ويتنبه، فيدفع المرض عن نفسه، ويطلب له الدواء. فالألم بهذا المعنى جُنْد من جنود العافية، وإلاَّ فأفتَكُ الأمراض بالبشر ما ليس له ألم يُنبّه إليه، فيظل كامناً في الجسم حتى يستفحل أمره، وتعزّ مداواته؛ لذلك يصفونه بالمرض الخبيث؛ لأنه يتلصَّص في الجسم دون أنْ يظهر له أثر يدل عليه. فالحق - سبحانه وتعالى - خلق الألم لحكمة؛ ليُنبِّهك أن في موضع الألم عطباً، وأن الجارحة التي تألم غير صالحة لأداء مهمتها؛ لذلك يقولون في تعريف العافية: العافية ألاَّ تشعر بأعضائك، لك أسنان تأكل بها، لكن لا تدري بها، وربما لا تتذكر هذه النعمة إلا إذا أصابها عَطَب فآلمتك. إذن: حين تعلم جارحتك وتتألم، فاعلم أنها غير طبيعية، وأنها لا تؤدي مهمتها كما ينبغي، فعليك أنْ تبادر بعلاجها. وأيضاً حين يزدهر الباطل، وتكون له صَوْلة، فإنما ذلك ليُشعِرك بحلاوة الحق، فتستشرف له وتتمناه. لذلك انتشر الإسلام في البلاد التي فيها أغلبية إسلامية، لا بالسيف كما يحلو للبعض أن يقول، إنما انتشر برؤية الناس لمبادئه وسماحته. ففي بلاد فارس والروم ذاق الناسُ هناك كثيراً من المتاعب من دياناتهم ومن قوانينهم، فلما سمعوا عن الإسلام ومبادئه وسماحة تعاليمه أقبلوا عليه. فلولا أن الباطل عضَّهم لما لجأوا للإيمان، فالإسلام انتشر انتشاراً عظيماً في نصف قرن من الزمان، ولم يكن هذا نتيجة الاندفاع الإيماني ليدخل الناس في الإسلام، إنما لجذْب الضلال للإيمان، فكأن الإسلام مدفوع بأمرين: أهله الحريصون على انتشاره، وباطل يجذب الناس إليه. والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا مثلاً للحق وللباطل في قوله تعالى: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. فالزبَد: هو القشّ والفُتات الذي يحمله الماء، فيكون طبقة على سطح الماء، ثم يزيحه الهواء إلى الجوانب، ويظل الماء بعده صافياً، فالزبَد مثلٌ للباطل؛ لأنه يعلو على سطح الماء، لكن إياك أن تظن أنه ذو شأن، أو أن عُلوه سيدوم؛ لأنه غثاء لا قيمة له، وسرعان ما يزول ويبقى الماء النافع، وكما يتكون الزبَد على سطح الماء كذلك يتكوَّن عند صَهْر المعادن، فحين يصهر الصائغ مثلاً الذهب أو الفضة يخرج المعدن الأصيل تاركاً على الوجه الخبَث الذي خالطه. لذلك يقول بعض العارفين: إن الله تعالى لا يترك الحق، ولا يُسْلِمه أبداً للباطل، إنما يتركه لحين ليبلو غيرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا على الحق غار هو سبحانه عليه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ...}.