Verse. 3415 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَعْدَ اؘ۝۰ۭ لَا يُخْلِفُ اللہُ وَعْدَہٗ وَلٰكِنَّ اَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۶
WaAAda Allahi la yukhlifu Allahu waAAdahu walakinna akthara alnnasi la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وعد الله» مصدر بدل من اللفظ بفعله، والأصل وعدهم الله النصر «لا يخلف الله وعده» به «ولكن أكثر الناس» أي كفار مكة «لا يعلمون» وعده تعالى بنصرهم.

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} لأن كلامه صدق. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم الكفار وهم أكثر. وقيل: المراد مشركو مكة. وانتصب «وَعْدَ اللَّهِ» على المصدر؛ أي وعد ذلك وعداً. ثم بيّن تعالى مقدار ما يعلمون فقال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني أمر معايشهم ودنياهم: متى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يغرِسون وكيف يبنون؛ قاله ابن عباس وعِكرمة وقتادة. وقال الضحاك: هو بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها؛ والمعنى واحد. وقيل: هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع من سماء الدنيا؛ قاله سعيد بن جبير. وقيل: الظاهر والباطن؛ كما قال في موضع آخر {أية : أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ}تفسير : [الرعد: 33]. قلت: وقول ابن عباس أشبه بظاهر الحياة الدنيا، حتى لقد قال الحسن: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي. وقال أبو العباس المبرِّد: قسم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج. قال ابن خالَوَيْه: ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا. {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ} أي عن العلم بها والعمل لها {هُمْ غَافِلُونَ} قال بعضهم:شعر : ومن البليّة أن ترى لك صاحباً في صورة الرجل السميع المبصر فطنٍ بكل مصيبة في ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ } مصدر بدل من اللفظ بفعله، والأصل وعدهم الله النصر {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } به {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } أي كفار مكة {لا يَعْلَمُونَ } وعده تعالى بنصرهم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَعْدَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد ناصبه مضمر أي وَعَدَهُم اللَّهُ ذلك وعداً بظهور الروم على فارسَ {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} وهذا مقدر لمعنى هذا المصدر ويجوز أن يكون قوله: {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} حالاً من المصدر فيكون كالمصدر الموصوف فهو مبين للنوع (و) كأنه قيل: وعد اله وعداً غير مخلف {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. قوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني أمر معايشهم كيف يكتسبون ويتَّجِرُونَ ومتى يغرسون قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه، ولا يخطىء وهو لا يحسن (يصلي) والمعنى أن علمهم منحصر في الدنيا بل لا يعلمون الدنيا كما هي وإنما يعلمون ظاهرها وهو ملاذها، ولا يعلمون باطنها وهو مضارها ومتاعبها ولا يعلمون فناها {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} ساهون جاهلون بها لا يتفكرون فيها، وذكرهم الثانية ليفيد أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكر حاصلة. قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} فقوله في أنفسهم ظرف للتفكّر، وليس مفعولاً للتفكر (إذ متعلقه خلق) السماوات والأرض، والمعنى أن أسباب التفكر حاصلة وهي أنفسهم لو تفكروا فيها لعلموا وَحْدَانِيَّة الله، وصدقوا بالحشر أما الوحدانية فلأن الله تعالى خلقهم في أحسن تقويم، ومن يفكر في تشريح بدن الإنسان وحواسه رأى في ذلك حِكَماً كل واحدة منها كافية في معرفة كون الله فاعلاً مختاراً قادراً كاملاً عالماً، ومن يكون كذلك يكون واحداً وإلا لكان عاجزاً عن إرادة شريكه ضد ما أراده وأما دلاله الإنسان على الحشر فلأنه إذا تفكر في نفسه يرى قُوَى مصائره إلى الزوال، وأجزاء ماثلة إلى الانحلالِ وله فناء ضروري فلو لم يكن حياة أخرى لكان خلقه على هذا الوجه عبثاً وإليه الإشارة بقوله {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً}تفسير : [المؤمنون: 115]، هذا ظاهر، لأن من يفعل شيئاً للعبث، فلو بالغ في أحكامه لضحك منه فأذن خلقه لذلك للبقاء ولا بقاء دون اللقاء بالآخرة فإذن لا بد من البعث. ثم إنه تعالى ذكر بعد دليل الأنفس دليل الأقطار فقال: {مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} فقوله: "إلا بالحق" إشارة إلى وجه دلالتها على الوحدانية وقد بينا ذلك في قوله: {أية : إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [العنكبوت: 44]. قوله: "ما خلق" "ما" نافية، وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها. والثاني: أنها معلقة للتفكّر فتكون في محل نصب على إسقاط الخافض ويضعف أن تكون استفهامية بمعنى النفي، وفيها الوجهان المذكوران. والباء في "بالحق" إما سببية، وإما حالية لإقامة قيل الحق، وقوله: "وَأَجَلٌ مُسَمّىً" تذكير بالأصل الآخر الذي أنكروه أي لوقت معلوم، إذا انتهت إليه فنيت وهو يوم القيامة، {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُون} لا يعلمون أنه لا بد بعد هذه الحياة من لقاء وبقاء. قوله: "بلقاء" متعلق "بالكافرين" واللام لا تمنع من ذلك لكونها في خبر "إنَّ". فإن قيل: ما الحكمة في تقديمه ههنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق وقدم دليل الآفاق على دلائل الأنفس في قوله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53]؟. فالجواب: أن المفيد إذا أفاد فائدة يتذكرها على وجه جيد يختاره فإن مهمة السامع المستفيد فذاك، وإلا يذكرها على وجه أبْيَنَ منه وينزل درجة فدرجة وأما المستفيد فإنه يفهم أولاً الأبين ثم يرتقي إلى فهم ذلك الأخفى الذي لم يكن فهمه فيفهمه بعد فهم الأبين المذكور آخراً فالمذكور من المفيد أخِراً مفهوم عند المستمع أولا، إذا علم هذا فنقول ههنا (الفعل) كان منسوباً إلى السامع حيث قال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} فقال: "في أنفسهم" يعني فيما فهموه أولاً ولم يرتقوا إلى ما فهموه ثانياً، وأما في قوله "سَنُرِيهِمْ" الأمر منسوباً إلى المفيد المسمع فذكر أولاً الآفاق، فإن لم يفهموه فالأنفس، لأن دلائل الأنفس لا ذهول للإنسان عنها، وأما دلائل الآفاق فيمكن الذهول عنها، وهذا الترتيب مراعىً في قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 191] أي يعلمون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال ويتفكرون في خلق السماوات والأرض بدلائل الآفاق. فصل وجه دلالة الخلق بالحَقِّ على الوحدانية ظاهر، وأما وجه دلالته على الحشر فلأن (تخريب) السموات وعدمها لا يعلم بالعقل إلا إمكانه، وأما وقوعه فلا يعلم إلا بالسمع لأن الله قادر على إبقاء الحوادث أبداً كما أنه يبقي الجنة والنار بعد إحداثهما أبداً، والخلق دليل إمكان العدم، لأن المخلوق لم يَجِبْ له القِدَمُ فجاز عليه العدم، فإذا أخبر الصادق عن أمر ممكن وجب على العاقل التصديق والإذعان؛ لأن العالم لما كان خلقه بالحق ينبغي أن يكون بعد هذه الحياة حياةٌ أخرى باقية لأن هذه الحياة ليست لَعباً ولهواً كما تبين بقوله: {أية : وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ}تفسير : [العنكبوت: 64] (وخلق السموات والأرض للهو واللعب عبث، والعبث ليس بحق) فخلق السماوات والأرض بالحق يدل على أنه لا بد بعد هذه الحياة الدنيا من الحياة. فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} وقال من قبل: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}؟. فالجواب: (فائدته) أنه من قبل لم يذكر دليلاً على الأصلين وههُنَا قَدْ ذكر الدلائل الراسخة والبراهين اللائحة ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل أكثر من الإيمان قبل الدليل فبعد الدليل لا بد (أن يؤمن) من ذلك الأكثر جمع فلا يبقى الأكثر كما هو، فقال بعد إقامة الدليل وإنَّ كَثِيراً، وقال قبله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} لأنه بعد الدليل الذي لا يمكن الذهول عنه وهو السماوات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه، والأرض التي تحته، فلهذا ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمر أمثالهم، وحكاية أشكالهم فقال: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} وقال في الدليلين المتقدمين "أَوَلَمْ يَرَوا" "أَوَلَم يَتَفَكَّروا" إذ لا حاجة هناك إلى السير بحضور النفس والسماء والأرض، وقال ههُنا "أوَ لَمْ يَسِيرُوا فينظروا" ذكرهم بحال أمثالهم، ومآل أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك، لأن من تقدم من "عَادٍ وَثُمودَ" كانوا أشدّ منهم قوة، ولم ينفعهم قُوَاهم وكانوا أكثر مالاً وعمارةٌ، ولم يمنعهم من الهلاك أَموالُهُمُ وحُصُونُهُمْ. قوله: "وَأَثَارُوا الأَرْضَ" حَرَثُوهَا وقلبوها للزراعة (ومنه "البَقَرَة تُثِيرُ الأَرْضَ" وقيل: منه سمي ثوراً)، وأنتم لا حراثة لكم، "وعَمَرُوها أَكْثَرَ ممّا عَمَرُوهَا" أهل مكة، قيل: قال ذلك لأنه لم يكن لأهل مكة حرث، وقوله: "أكثر مما" نعت مصدر محذوف أي عمارة أكثر من عمارتهم. وقرىء: "وآثَارُوا" بألف بعد الهمزة وهي إشباع لفتح الهمزة. قوله: {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} فلم يؤمنوا فأهلكهم الله، {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} بنقص حقوقهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بِبَخْسِ حُقُوقِهِمْ. قوله: "عَاقِبَةُ الذَّيِنَ" قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمروٍ بالرفع، والباقون بالنصب، فالرفع على أنها اسم كان، وذكر الفعل لأن التأنيث مجازي، وفي الخبر حينئذ وجهان: أحدهما: "السوءى" أي الفعلة السوءى والخَصْلَةُ السوءى. والثاني: "أَنْ كَذَّبُوا" أي كان آخر أمرهم التكذيب فعلى الأول يكون في "أَنْ كَذَّبُوا" وجهان: أحدهما: أنه على إسقاط الخافض إما لام العلة أي لأن كذبوا، وإما باء السببية أي بأن كذبوا فلما حذف الحرف جرى القولان المشهوران بين الخليل وسيبويه في محل "أَنْ". والثاني: أنه بدل من "السُّوءَى" أي ثم كان عاقبتهم التكذيب، وعلى الثاني يكون "السوءى" مصدراً "لأساءوا" أو يكون نعتاً لمفعول محذوف أي أساء والفعلةَ والسُّوءَى، و "السوءى" تأنيث "لِلأَسْوَأ". وجوز بعضهم أن يكون خبر كان محذوفاً للإبهام، و "السوءى" إما مصدر وإما مفعول كما تقدم أي اقْتَرَفُوا الخَطِيئَةَ السُّوءَى؛ أي كان عاقبتهم الدّمار. وأما النصب فعلى خبر كان، وفي الاسم وجهان: أحدهما: "السوءى" إن كانت الفعلة السوءى عاقبةَ المُسِيئينَ، و "أَنْ كَذَّبُوا" على ما تقدم. الثاني: أن الاسم "أَنْ كَذَّبُوا" و "السُّوءَى" على ما تقدم. المعنى: ثم كان عاقبة الذين أساءُوا السُّوءى يعني: الخلة التي تسوؤهم وهي النار (وهي) السُّوءَى اسم لجهنم كما أن الحُسْنَى اسم للجنة "أن كذبوا" أي لأن كذبوا، وقيل: تفسير "السوءى" ما بعده، وهو قوله: "أَنْ كَذَّبُوا" يعني: ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب حَمَلَهُمْ تلك السيئات على أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون.

البقاعي

تفسير : ولما نزل هذا على قوم أكثرهم له منكر، أكده سبحانه بما يقوي قلوب أصفيائه بتبيين المراد، ويرد ألسنة أعدائه عن كثير من الناد، ويعرفهم أنه كما صدق في هذا الوعد لأجل تفريح أوليائه فهو يصدق في وعد الآخرة ليحكم بالعدل، ويأخذ لهم حقهم ممن عاداهم، ويفضل عليهم بعد ذلك بما يريد، فقال: {وعد الله} أي الذي له جميع صفات الكمال، وهو متعال عن كل شائبة نقص، فلذلك {لا يخلف} وأعاد ذكر الجلالة تنبيهاً على عظم الأمر فقال: {الله} أي الذي له الأمر كله. ولما كان لا يخلف شيئاً من الوعد، لا هذا الذي في أمر الروم ولا غيره، أظهر فقال: {وعده} كما يعلم ذلك أولياؤه {ولكن أكثر الناس} وهو أهل الاضطراب والنوس {لا يعلمون*} أي ليس لهم علم أصلاً، ولذلك لا نظر لهم يؤدي إلى أنه وعد وأنه لا بد من وقوع ما وعد به في الحال التي ذكرها لأنه قادر وحكيم. ولما كان من المشاهدة أن لهم عقولاً راجحة وأفكار صافية، وأنظار صائبة، فكانوا بصدد أن يقولوا: إن علمنا أكبر من علمكم، كان كأنه قيل بياناً لأنه يصح سلب ما ينفع من العلم بتأديته إلى السعادة الباقية، وتنبيهاً على أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا: نعم {يعلمون} ولكن {ظاهراً} أي واحداً {من} التقلب في {الحياة الدنيا} وهو ما أدتهم إليه حواسهم وتجاربهم إلى ما يكون سبباً للتمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطىء وهو لا يحسن يصلي - انتهى. وأمثال هذا لهم كثير، وهو وإن كان عند أهل الدنيا عظيماً فهو عند الله حقير، فلذلك حقره لأنهم ما زادوا فيه على أن ساووا البهائم في إدراكها ما ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل، وما يضرها فتدفعه بأنواع من الخداع، وأما علم باطنها وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها بالطاعة، فهو ممدوح منبه عليه بوصفها بما يفهم الأخرى. ولما ذكر حالهم في الدنيا، أتبعه ذكر اعتقادهم في الآخرة، مؤكداً إشارة إلى أن الحال يقتضي إنكار أن يغفل أحد عنها، لما لها من واضح الدلائل أقربه أن اسم ضدها يدل عليها، لأنه لا تكون إلا في مقابلة قصياً، ولا أولى إلا بالنسبة إلى أخرى، فقال: {وهم} أي هؤلاء الموصوفون خاصة {عن الآخرة} التي هي المقصود بالذات وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ليظهر الحكم بالقسط وجميع صفات العز والكبر والجلال والإكرام {هم غافلون*} أي في غاية الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا يخطر في خواطرهم، فصاروا لاستيلاء الغفلة عليهم إذا ذكرت لهم كذبوا بها، واستهزؤوا بالمخبر، ولم يجوزوها نوع تجير مع أن دلائلها تفوت الحصر، وتزيد على العد، فصاروا كأنهم مخصوصون بالغفلة عنها من بين سائر الناس ومخصصون لها بالغفلة من بين سائر الممكنات، فلذلك لا يصدقون الوعد بإدالة الروم لما رسخ في نفوسهم من أن الأمور تجري بين العباد على غير قانون الحكمة، لأنهم كثيراً ما يرون الظالم يموت ولم يقتص منه، وهم في غفلة عن أنه أخر جزاؤه إلى يوم الدين، يوم يكشف الجبار حجاب الغفلة ويظهر عدله وفضله، وتوضع الموازين القسط، فتطيش بمثاقيل الذر، ويقتص للمظلومين من الظالمين، ومن أريد القصاص منه عاجلاً فعل، وقضية الروم هذه من ذلك، وهذا السياق يدل على أنه لا حجاب عن العلم أعظم من التكذيب بالآخرة، ولا شيء أعون عليه من التصديق بها والاهتمام بشأنها، لأن ذلك حامل على طلب الخلاص في ذلك اليوم، وهو لا يكون على أتم الوجوه إلا لمن وصل إلى حالة المراقبة، وذلك لا يكون إلا لمن علم إما بالكشف أو الكسب كل علم فلم يتحرك حركة إلا بدليل يبيحها له ويحمله عليها، وبهذا التقرير يظهر أن هاتين الجملتين بكمالهما علة لنفي العلم عنهم، والمعنى أن العلم منفي عنهم لما شغل قلوبهم من هذا الظاهر في حال غفلتهم عن الآخرة، فانسد عليهم باب العلم - والله الموفق. ولما كان التقدير: أفلم يتدبروا القرآن وما كشف لهم عنه من الحكم والأمور التي وعد الله بها على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيه أو في السنة، فكانت على حسب ما وعد، أو لم يتأملوا مصنوعات الله عموماً فتدلهم عقولهم منها على أنه لا يصلح للإلهية إلا من كان حكيماً، ولا يكون حكيماً إلا من صدق في وعده، و أنه لا تتم الحكمة إلا بإيجاد الآخرة، عطف عليه قوله منكراً عليهم موبخاً لهم: {أولم يتفكروا} أي يجتهدوا في إعمال الفكر، ثم ذكر آلة الفكر زيادة في تصوير حال المتفكرين والتذكير بهيئة المعتبرين فقال: {في أنفسهم} ويجوز أن تكون هي المتفكر فيه فيكون المعنى: يتفكروا في أحوالها خصوصاً فيعلموا أن من كان منهم قادراً كاملاً لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص، فكيف بالإله الحق، ويعلموا أن الذي ساوى بينهم في الإيجاد من العدم وطورهم في أطوار الصور، وفاوت بينهم في القوى والقدر، وبين آجالهم في الطول والقصر، وسلط بعضهم على بعض بأنواع الضرر، وأمات أكثرهم مظلوماً قبل القصاص والظفر، لا بد في حكمته البالغة من جمعهم للعدل بينهم في جزاء من وفى أو غدر، أو شكر أو كفر، ثم ذكر نتيجة ذلك وعلله بقوله في أسلوب التأكيد لأجل إنكارهم، وعلى التقدير الأول يكون هذا هو المتفكر فيه {ما خلق الله} أي بعز جلاله، وعلوه في كماله {السماوات والأرض} على ما هما عليه من النظام المحكم، والقانون المتقن، وأفرد الأرض لعدم دليل حسي أو عقلي يدلهم على تعددها بخلاف السماء {وما بينهما} من المعاني التي بها كمال منافعهما {إلا} خلقاً متلبساً {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، فإذا ذكر البعث الذي هو مبدأه الآخرة التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير النطف ونفخ الروح وتمييز الصالح منها للتصوير من الفاسد يطابق ذلك، وإذا تدبر النبات بعد أن كان هشيماً قد نزل عليه الماء فزها واهتز وربا وجده مطابقاً للأمر البعث، وإذا ذكر القدرة فرأى اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب الصغار والكبار، وإمطار الأمطار، وإجراء الأنهار، ونحو ذلك من الأسرار، رآه مطابقاً لكل ما يخطر في باله من الأقدار، وإذا خطر له العلم، فتبصر في جري هذه الأمور وغيرها على منهاج مستقيم، ونظام واضح قويم، وسير متقن حكيم، علم أن ذلك في غاية المطابقة للخبر بالعلم الشامل والقدرة التامة على البعث وغيره، أو إلا بالأمر الثابت والقضاء النافذ الذي لا يتخلف عنه المراد، ولا يستعصي عليه حيوان ولا جماد، وخلقكم من هذا الخلق الكبير الذي قام بأمره من بعض ترابه. ثم جعلكم من سلالة من ماء مهين، فالقدرة التي خلق بها ذلك كله وابتدأكم ثم يبيدكم، بها بعينها يحييكم ويعيدكم، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون، أو إلا بسبب إحقاق الحق وإبطال الباطل، فلا بد من تصديق وعده بإدالة الروم لأخذ حقهم من الفرس، ولا بد من أن يقيمكم بعد أن ينيمكم ويثبت كل حق رأيتموه قد أبطل، ويبطل كل باطل رأيتموه قد أعمل، لأنه أحكم الحاكمين، فلو أقر على إماتة حق أو إحياء باطل لما كان كذلك. ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت لا إلى نفاد، قال: {وأجل} لا بد أن ينتهي إليه {مسمى} أي في العلم من الأزل، وذلك الأجل هو وقت قيام الساعة، وذلك أنه كما جعل لهم آجالاً لأصلهم وفرعهم لم يشذ عنها أحد منهم فكذلك لا بد من أجل مسمى لما خلقوا منه، فإذا جاء ذلك الأجل انحل هذا النظام، واختل هذا الإحكام، وزالت هذه الأحكام، فتساقطت هذه الأجرام، وصارت إلى ما كانت عليه من الإعدام، وإلا كان الخلق عبثاً يتعالى عنه الملك العلام. ولما كانوا ينكرون أنهم على كفر، أكد قوله: {وإن كثيراً من الناس} مع ذلك على وضوحه {بلقاء ربهم} الذي ملأهم إحساناً برجوعهم في الآخرة إلى العرض عليه للثواب والعقاب {لكافرون} أي لساترون ما في عقولهم من دلائل وحدانيته وحجج قدرته وحكمته ستراً عظيماً، كأنه غريزة لهم، فهم لذلك يكذبون بما وعدكم سبحانه من إدالة الروم على الفرس، فلا يهولنكم ذلك لأنهم قد كذبوا بما هو أكبر منه، وهو الآخرة على ما لها من الدلائل التي تفوت الحصر، وإذا راجعت ما تقدم في آية الأنعام {أية : وهو الذي خلقكم من طين}تفسير : [آية: 2] ازددت في هذا بصيرة.

القشيري

تفسير : الكريمُ لا يُخلفُ وعده لا سيما والصدقُ نعته. يقول المؤمنون: مِنا يومَ الميثاق وعدٌ بالطاعة، ومنه ذلك اليومَ وعدٌ بالجنة، فإن وَقع في وعدنا تقصيرٌ لا يقع في وعده قُصورٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وعد الله} مصدر مؤكد لنفسه لان ما قبله وهو ويؤمئذ الخ في معنى الوعد إذ الوعد هو الاخبار بايقاع شىء نافع قبل وقوعه وقوله ويومئذ الخ من هذا القبيل ومثل هذا المصدر يجب حذف عامله والتقدير وعد الله وعدا يعنى انظروا وعد الله ثم استأنف تقرير معنى المصدر فقال {لا يخلف الله وعده} لا هذا الذي في امر الروم ولا غيره مما يتعلق بالدنيا والآخرة لاستحالة الكذب عليه سبحانه {ولكن اكثر الناس} وهم المشركون واهل الاضطراب {لا يعلمون} صحة وعده لجهلهم وعدم تفكرهم في شئون الله تعالى.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الحجاز والبصرة والبرجمي، والسموني، والكسائي عن ابي بكر {عاقبة الذين} بالرفع. الباقون بالنصب. من نصب جعلها خبر {كان} وقدمها على الاسم، واسمها يحتمل ان يكون السوء وتقديره: ثم كان السوء عاقبة الذين. ويحتمل ان يكون ما بعد {أن} في قوله {أن كذبوا}. ومن رفع [عاقبة] جعلها اسم {كان} والخبر السوء. ويحتمل ان يكون الخبر {أن كذبوا} وتقديره ثم كان عاقبة المسيء التكذيب بآيات الله، أي لم يظفر في شركه وكفره إلا بالتكذيب، ويكون السوء على هذا نصباً على المصدر في قوله {وعد الله} نصب على المصدر، وتقديره: إن ما ذكره الله تعالى من ان الروم ستغلب فارس في ما بعد، وعد وعداً لله لا يخلف وعده، وتقديره وعداً لله وعده كما قال الشاعر: شعر : يسعى الوشاة جنابيها وقيلهم إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول تفسير : أي ويقولون: قيلهم، والاخلاف فعل خلاف ما تقدم الوعد به، وسبيل الوعد بالخير والوعيد بالشر واحد في انه إذا وقع فيه خلاف ما تضمنه كان خلفاً، ثم قال {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} صحة ما اخبرناك به لجهلهم بالله وتفريطهم في النظر المؤدي إلى معرفة الله، ولا يناقض قوله {لا يعلمون} لقوله {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا} لأن ذلك ورد مورد المبالغة لهم بالذم لتضييعهم على ما يلزمهم من أمر الله، كأنهم لا يعلمون شيئاً. ثم بين حالهم في ما عقلوا عنه، وما عملوه. ومعنى {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا} أي عمران الدنيا متى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يبنون ومن أين يعيشون وهم جهال بأمر الآخرة، وله مضيعون - ذكره ابن عباس - أي عمروا الدنيا واخربوا الآخرة. والظاهر هو الذي يصح ان يدرك من غير كشف عنه. فالله تعالى ظاهر بالأدلة. باطن عن حواس خلقه. والأمور كلها ظاهرة له، لأنه يعلمها من غير كشف عنها ولا دلالة تؤديه اليها. وكلما يعلم بأوائل العقول ظاهر وكلما يعلم بدليل العقل باطن، لأن دليل العقل يجري مجرى الكشف عن صحة المعنى - في صفته - والغفلة ذهاب المعنى عن النفس كحال النائم، ونقيضه اليقظة. وهي حضور المعنى للنفس كحال المنتبه. ونقيضه السهو. ثم قال تعالى منبهاً لخلقه على وجه الدلالة على توحيده {أولم يتفكروا في أنفسهم} فيعلموا ان الله لم يخلق {السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} بمعنى الاستدلال بهما على توحيده {وأجل مسمى} للاشياء التي للعباد فيها مصلحة بالاعتبار به اذا تصوروا ذلك في الاخبار عنه انه مع كثرته وعظمه محصل بتسمية تنبئ عنه، لا يتأخر ولا يتقدم، بالاوصاف التي ذكرها الله تعالى عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه شيء منه. ثم قال {وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون} أي بلقاء ثواب الله وعقابه كافرون. يجحدون صحة ذلك ولا يعترفون به. ثم قال منبهاً لهم دفعة أخرى {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} من الأمم {كانوا أشد منهم قوة وآثاروا الأرض} أي حرثوها لعمارتها - في قول مجاهد والسدي - و {عمروها أكثر مما عمروها} هؤلاء يعني أهل مكة {وجاءتهم رسلهم بالبينات} يعني أتتهم الرسل بالدلالات من عند الله. وفي الكلام حذف، لان تقديره، فكذبوا بتلك الرسل، وجحدوا الآيات فأهلكهم الله بأنواع العذاب. ثم قال {فما كان الله ليظلمهم} بأن يهلكهم من غير استحقاق ابتداء، وفي ذلك بطلان قول المجبرة: ان الله يبتدئ خلقه بالهلاك. ثم قال {ولكن كانوا} هم {أنفسهم يظلمون} بأن جحدوا نعم الله واشركوا في العبادة معه غيره، وكذبوا رسله وعصوه بأنواع العصيان، حتى استحقوا العقاب عاجلا وآجلا. ثم قال {ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء} اخبار منه تعالى بأن عاقبة الذين أساؤا إلى نفوسهم بالكفر بالله تعالى، وتكذيب رسله وارتكاب معاصيه {السوء} وهي الخصلة التي تسوء صاحبها إذا أدركها، وهي عذاب النار - في قول ابن عباس وقتادة وغيرهما - {أن كذبوا} ومعناه لأن كذبوا {بآيات الله} أي جحدوا أدلته ولم يؤمنوا بها {وكانوا بها} بتلك الادلة {يستهزؤن} أي يسخرون منها ويتهزؤن بها. وقيل: معنى الآية أنهم حفروا الأنهار وغرسوا الأشجار وشيدوا البنيان وصاروا إلى الهلاك على أسوء حال بالعصيان ولم يفكروا في الموت، وانهم يخرجون من الدنيا ويصيرون إلى الحساب والجزاء.

الجنابذي

تفسير : {وَعْدَ ٱللَّهِ} اى وعد الله نصرهم وفرح المؤمنين وعداً {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} عدم خلف وعده، او نصره للمؤمنين، او نصره لمن يشاء، او كيفيّة وعده، او كيفيّة نصره؛ ولذلك لا يرون من النّصر الاّ الغلبة فى الظّاهر دون الغلبة فى الباطن.

اطفيش

تفسير : {وَعْدَ اللهِ} أي وعد الله ذلك النصر وعداً فحذف المفعول والعامل وأضيف المصدر للفاعل وهو مصدر مؤكد لما قبله لأن ما قبله في معنى الوعد. {لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ} لامتناع الكذب عليه. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} كفار مكة والعرب. {لا يَعْلَمُونَ} ان الله لا يخلف الوعد ولا يعلمون ان الله وعد بالنصر ان الأمر من الله وان ما يقوله محمد حق.

اطفيش

تفسير : {وعْدَ الله} وعد الله ذلك وعدا، فحذف المفعول والعامل، واضيف المصدر الى الفاعل {لا يُخْلف الله وعْده} اراد ما يشمل الوعيد، وما يعم الدنيا والاخرة، واظهر لفظ الجلالة للتأكيد والايذان بان من هو اله لا يليق به اخلاف ما وعد من خير او شر، فايقنوا ان سيكون الروم غالبين {ولكنَّ أكْثر النَّاس لا يعْلمُون} ومن يعلم الحق قليل، فالاكثر لا يعلمون ان الله لا يخلف الوعد، او لا يعلمون شيئا من الحجج او ليسوا من اهل العلم فلا يقدر له مفعول، او كأنهم لا يعلمون شيئا ما، وذلك كله لعدم استعمالهم عقولهم، واستثنى بقوله.

الالوسي

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ } مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة من قوله تعالى: {أية : سَيَغْلِبُونَ} تفسير : [الروم: 3] وقوله سبحانه: {أية : يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [الروم: 4] ويقال له المؤكد لنفسه لأن ذلك في معنى الوعد وعامله محذوف وجوباً كأنه قيل: وعد الله تعالى ذلك وعداً {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } أي وعد كان مما يتعلق بالدنيا والآخرة لما في خلفه من النقص المستحيل عليه عز وجل، وإظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار للتعليل الحكمي وتفخيمه، والجملة استئناف مقرر لمعنى المصدر، وجوز أن يكون حالاً منه فيكون كالمصدر الموصوف كأنه سبحانه يقول: وعد الله تعالى وعداً غير مخلف {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أنه تعالى لا يخلف وعده لجهلهم بشؤونه عز وجل وعدم تفكرهم فيما يجب له جل شأنه وما يستحيل عليه سبحانه أو لا يعلمون ما سبق من شؤونه جل وعلا، وقيل: لا يعلمون شيئاً أو ليسوا من أولي العلم حتى يعلموا ذلك.

ابن عاشور

تفسير : انتصب {وعد الله} على المفعولية المطلقة. وهذا من المفعول المطلق المؤكد لمعنى جملةٍ قبله هي بمعناه ويُسميه النحويون مصدراً مؤكداً لنفسه تسمية غريبة يريدون بنفسه معناه دون لفظه. ومثله في «الكشاف» ومثلوه بنحو «لك عليَّ ألفٌ عرفاً» لأن عرفاً بمعنى اعترافاً، أكد مضمون جملة: لك علي ألف، وكذلك {وَعْدَ الله}أكد مضمون جملة{أية : وهُمْ مِنْ بَعْدِ غلبهم سيغلبون في بِضع سنين}تفسير : [الروم: 3،4]. وإضافة الوعد إلى الله تلويح بأنه وعد محقق الإيفاء لأن وعد الصادق القادر الغني لا موجب لإخلافه. وجملة {لا يخلف الله وعده} بيان للمقصود من جملة {وَعْدَ الله}فإنها دلت على أنه وعد محقَّق بطريق التلويح، فبيّن ذلك بالصريح بجملة {لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ.}ولكونها في موقع البيان فصلت ولم تعطف، وفائدة الإجمال ثم التفصيل تقرير الحكم لتأكيده، ولما في جملة {لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ}من إدخال الرَّوع على المشركين بهذا التأكيد. وسماه وعداً نظراً لحال المؤمنين الذي هو أهم هنا. وهو أيضاً وعيد للمشركين بخذلان أشياعهم ومن يفتخرون بمماثلة دِينهم. وموقع الاستدراك في قوله {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} هو ما اقتضاه الإجمال. وتفصيله من كون ذلك أمراً لا ارتياب فيه وأنه وعد الله الصادق الوعد القادر على نصر المغلوب فيجعله غالباً، فاستدرك بأن مراهنة المشركين على عدم وقوعه نشأت عن قصور عقولهم فأحالوا أن تكون للروم بعد ضعفهم دَولة على الفرس الذين قهروهم في زمن قصير هو بضع سنين ولم يعلموا أن ما قدره الله أعظم. فالمراد بــــ {أكثر الناس}ابتداءً المشركون لأنهم سمعوا الوعد وراهنوا على عدم وقوعه. ويشمل المرادُ أيضاً كلَّ من كان يَعُد انتصار الروم على الفرس في مثل هذه المدة مستحيلاً، من رجال الدولة ورجال الحرب من الفرس الذين كانوا مزدهين بانتصارهم، ومن أهل الأمم الأخرى، ومن الروم أنفسهم، فلذلك عبر عن هذه الجمهرة بــــ {أكْثَر النَّاس}بصيغة التفضيل. والتعريف في {النَّاس}للاستغراق. ومفعول {يَعْلَمُون}محذوف دل عليه قوله {أية : سيغلبون في بضع سنين}تفسير : [الروم: 3، 4]. فالتقدير: لا يعلمون هذا الغلب القريب العجيب. ويجوز أن يكون المرادُ تنزيل الفعل منزلة اللازم بأن نزلوا منزلة من لا علم عندهم أصلاً لأنهم لما لم يصلوا إلى إدراك الأمور الدقيقة وفهم الدلائل القياسية كان ما عندهم من بعض العلم شبيهاً بالعَدَم إذ لم يبلغوا به الكمال الذي بلغه الراسخون أهل النظر، فيكون في ذلك مبالغة في تجهيلهم وهو مما يقتضيه المقام. ولما كان في أسباب تكذيبهم الوعد بانتصار الروم على الفرس بعد بضع سنين أنهم يعدون ذلك محالاً، وكان عدهم إياهم كذلك من التباس الاستبعاد العادي بالمُحال، مع الغفلة عن المقادير النادرة التي يقدرها الله تعالى ويقدر لها أسباباً ليست في الحسبان فتأتي على حسب ما جرى به قدره لا على حسب ما يقدره الناس، وكان من حق العاقل أن يفرض الاحتمالات كلَّها وينظر فيها بالسَبْر والتقييم، أنحى الله ذلك عليهم بأن أعقب إخباره عن انتفاء علمهم صدق وعد القرآن، بأن وصف حالة علمهم كلَّها بأن قُصارى تفكيرهم منحصر في ظواهر الحياة الدنيا غير المحتاجة إلى النظر العقلي وهي المحسوسات والمجريات والأمارات، ولا يعلمون بواطن الدلالات المحتاجة إلى إعمال الفكر والنظر. والوجه أن تكون {مِن}في قوله {من الحياة الدنيا} تبعيضية، أي يعلمون ظواهر ما في الدنيا، أي ولا يعلمون دقائقها وهي العلوم الحقيقية وكلها حاصلة في الدنيا. وبهذا الاعتبار كانت الدنيا مزرعة الآخرة. والكلام يشعر بذم حالهم، ومحطُّ الذم هو جملة {وهم عن الآخرة هم غافلون}. فأما معرفة الحياة الدنيا فليست بمذمة لأن المؤمنين كانوا أيضاً يعلمون ظاهر الحياة الدنيا، وإنما المذموم أن المشركين يعلمون ما هو ظاهر من أمور الدنيا ولا يعلمون أن وراء عالم المادة عالماً آخر هو عالم الغيب. وقد اقتُصر في تجهيلهم بعالم الغيب على تجهيلهم بوجود الحياة الآخرة اقتصاراً بديعاً حصل به التخلص من غرض الوعد بنصر الروم إلى غرض أهم وهو إثبات البعث مع أنه يستلزم إثبات عالم الغيب ويكون مثالاً لجهلهم بعالم الغيب وذَمّاً لجهلهم به بأنه أوقعهم في ورطة إهمال رجاء الآخرة وإهمالِ الاستعداد لما يقتضيه ذلك الرجاء، فذلك موقع قوله {وهم عن الآخرة هم غافلون}؛ فجملة {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا} بدل من جملة {لا يعلمون}بدل اشتمال باعتبار ما بعد الجملة من قوله {وهم عن الآخرة هم غافلون}لأن علمهم يشتمل على معنى نفي علم بمغيبات الآخرة وإن كانوا يعلمون ظواهر الحياة الدنيا. وجملة {وهم عن الآخرة هم غافلون} يجوز أن تجعلها عطفاً على جملة {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا}فحصل الإخبار عنهم بعلم أشياء وعدم العلم بأشياء، ولك أن تجعل جملة {وهم عن الآخرة}الخ في موقع الحال، والواو واو الحال. وعُبر عن جهلهم الآخرة بالغَفلة كناية عن نهوض دلائل وجود الحياة الآخرة لو نظروا في الدلائل المقتضية وجود حياة آخرة فكان جهلهم بذلك شبيهاً بالغفلة لأنه بحيث ينكشف لو اهتموا بالنظر فاستعير له {غَافِلون} استعارة تبعية. {وهُم}الأولى في موضع مبتدأ و{هم} الثانية ضمير فصل. والجملة الاسمية دالة على تمكنهم من الغفلة عن الآخرة وثباتهم في تلك الغفلة، وضمير الفصل لإفادة الاختصاص بهم، أي هم الغافلون عن الآخرة دون المؤمنين. ومن البديع الجمع بين {لا يَعْلَمون}و{يَعْلَمُون.}وفيه الطباق من حيث ما دلّ عليه اللفظان لا من جهة متعلقهما. وقريب منه قوله تعالى {أية : ولقَد عَلمُوا لِمن اشتَرَاه ما لَهُ في الآخِرَة من خلاق ولبِئْسَ ما شَرَوْا به أنفُسَهُم لَو كَانُوا يَعْلَمون}تفسير : [البقرة: 102].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: وعد الله، مصدر مؤكد لنفسه، لأن قوله قبله: {أية : وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} تفسير : [الروم: 3] إلى قوله: {أية : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 4ـ5] هو نفس الوعد كما لا يخفى، أي وعد الله ذلك وعداً. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أمور: الأول: أنه لا يخلف وعده. والثاني: أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون. والثالث: أنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا. والرابع: أنهم غافلون عن الآخرة. وهذه الأمور الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع. أما الأول منها: وهو كونه لا يخلف وعده، فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} تفسير : [الرعد: 31] وقد بين تعالى أن وعيده للكفار لا يخلف أيضاً في آيات من كتابه كقوله تعالى: {أية : قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} تفسير : [ق: 28ـ29] الآية. والتحقيق: أن القول الذي لا يبدل لديه في هذه الآية الكريمة، هو وعيده للكفار. وكقوله تعالى: {أية : كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} تفسير : [ق: 14] وقوله: {أية : إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} تفسير : [ص: 14]، فقوله: حق في هاتين الآيتين. أي وجب وثبت، فلا يمكن تخلفه بحال. وأما الثاني منها: وهو أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعملون، فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة، فقد بين تعالى في آيات أن أكثر الناس هم الكافرون كقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [هود: 17]. وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الصافات: 71]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 8 ـ67ـ103ـ139ـ158ـ174-190]. وقوله تعالى: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} تفسير : [الأنعام: 116]، وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين جل وعلا أيضاً في آيات من كتابه أن الكفار لا يعلمون كقوله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 170]. وقوله تعالى: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [المائدة: 104]، وقوله تعالى: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 171]، وقوله تعالى: {أية : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان: 44] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 179]، وقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 10] إلى غير ذلك من الآيات. وأما الثالث منها: وهو كونهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، فقد جاء أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 38]: أي في الدنيا. وقوله تعالى: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [النجم: 29ـ30] الآية. وأما الرابع منها: وهو كونهم غافلين عن الآخرة فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى عنهم: {أية : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} تفسير : [المؤمنون: 36ـ37] الآية. وقوله تعالى عنهم: {أية : وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} تفسير : [الدخان: 35]، {أية : وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} تفسير : [الأنعام: 29] و [المؤمنون: 37]، {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} تفسير : [يس: 78] والآيات في ذلك كثيرة معلومة. تنبيه اعلم أنه يجب على كل مسلم في هذا الزمان: أن يتدبر آية الروم تدبراً كثيراً، ويبين ما دلت عليه لكل من استطاع بيانه له من الناس. وإيضاح ذلك أن من أعظم فتن آخر الزمان التي ابتلى ضعاف العقول من المسلمين شدة إتقان الإفرنج، لأعمال الحياة الدنيا ومهارتهم فيها على كثرتها، واختلاف أنواعها مع عجز المسلمين عن ذلك، فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنه على الحق، وأن من عجز عنها متخلف وليس على الحق، وهذا جهل فاحش، وغلط فادح. وفي هذه الآية الكريمة إيضاح لهذه الفتنة وتخفيف لشأنها أنزله الله في كتابه قبل وقوعها بأزمان كثيرة، فسبحان الحكيم الخبير ما أعلمه، وما أعظمه، وما أحسن تعليمه. فقد أوضح جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أكثر الناس لا يعلمون، ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولاً أولياً، فقد نفى عنهم جل وعلا اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل، لأنهم لا يعلمون شيئاً عمن خلقهم، فأبرزهم من العدم إلى الوجود، وزرقهم، وسوف يميتهم، ثم يحييهم، ثم يجازيهم على أعمالهم، ولم يعلموا شيئاً عن مصيرهم الأخير الذي يقيمون فيه إقامة أبدية في عذاب فظيع دائم: ومن غفل عن جميع هذا فليس معدوداً من جنس من يعلم كما دلت عليه الآيات القرآنية المذكورة، ثم لما نفى عنهم جل وعلا اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل أثبت لهم نوعاً من العلم في غاية الحقارة بالنسبة إلى غيره. وعاب ذلك النوع من العلم بعيبين عظيمين: أحدهما: قلته وضيق مجاله، لأنه لا يجاوز ظاهراً من الحياة الدنيا، والعلم المقصور على ظاهر من الحياة الدنيا في غاية الحقارة، وضيق المجال بالنسبة إلى العلم بخالق السماوات والأرض جل وعلا، والعلم بأوامره ونواهيه، وبما يقرب عبده منه، وما يبعده منه، وما يخلد في النعيم الأبدي والعذاب الأبدي من أعمال الخير والشر. والثاني منهما: هو دناءة هدف ذلك العلم، وعدم نيل غايته، لأنه لا يتجاوز الحياة الدنيا، وهي سريعة الانقطاع والزوال ويكفيك من تحقير هذا العلم الدنيوي أن أجود أوجه الإعراب في قوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً} أنه بدل من قوله قبله لا يعلمون، فهذا العلم كلا علم لحقارته. قال الزمخشري في الكشاف، وقوله: يعلمون بدل من قوله: لا يعلمون، وفي هذا الإبدال من النكته أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه، ويسد مسده ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا. وقوله: { ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يفيد أن الدنيا ظاهراً وباطناً فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعيم بملاذها وباطنها، وحقيتها أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة، وفي تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من ظواهرها. وهم الثانية يجوز أن يكون مبتدأ، وغافلون خبره، والجملة خبر، هم الأولى، وأن يكون تكريراً للأولى، وغافلون: خبر الأولى، وأية كانت فذكرها مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة، ومقرها، ومحلها وأنها منهم تنبع وإليهم ترجع. انتهى كلام صاحب الكشاف. وقال غيره: وفي تنكير قوله: ظاهراً تقليل لمعلومهم، وتقليله يقربه من النفي، حتى يطابق المبدل منه. اهـ. ووجهه ظاهر. واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية، كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} تفسير : [مريم: 78] وهذه العلوم الدنيوية التي بينا حقارتها بالنسبة إلى ما غفل عنه أصحابها الكفار، إذا تعلمها المسلمون، وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقاً لما أمر الله به، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: كانت من أشرف العلوم وأنفعها، لأنها يستعان بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته جل وعلا، وإصلاح الدنيا والآخرة، فلا عيب فيها إذن كما قال تعالى: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} تفسير : [الأنفال: 60] فالعمل في إعداد المستطاع من القوة امتثالاً لأمر الله تعالى وسعياً في مرضاته، وإعلاء كلمته ليس من جنس علم الكفار الغافلين عن الآخرة، كما ترى الآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (6) - وَهذا الذِي أَخْبَرَكَ بهِ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَنَّهُ سَيَنْصُرُ الرُّومَ عَلَى الفُرسِ، هُوَ وَعْدٌ حَقٌّ مِنَ اللهِ تَعَالى، واللهُ لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ أَبَداً، لأَنَّ سُنَّتَهُ قَدْ جَرَتْ بأَنْ يَنْصُرَ أَقْرَبَ الطَّائِفَتَيِنِ إِلى الحَقِّ، وَيَجْعَلَ لَهَا العَاقِبَةَ. ولكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ذلِكَ لِجَهْلِهِمْ، وَعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في النَّوامِيسِ التِي وَضَعَهَا اللهُ في الكَوْنِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الوعد: هو الإخبار بما يسرُّ قبل أنْ يكون {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ..} [الروم: 6] وفرْقٌ بين وعد الله ووعد الناس؛ لأنك قد تعد إنساناً بخير، وتحول الأسباب بينك وبين إنفاذ ما وعدتَ به، كأن يتغير رأيك أو تضعف إمكاناتك، أو يتغير السبب الذي كنت ستفعل من أجله. إذن: أنت لا تملك عناصر الوفاء وأسبابه، أمّا وعد الحق سبحانه وتعالى فوعد محقق، حيث لا توجد قوة تُخرِجه عما وعد، وهو سبحانه لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما دام الوعد وعدَ الله فثِقْ أنه محقق. لذلك يُعلِّمنا الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 23-24] والمعنى: اجعل لنفسك مَخرجَاً من الكذب إنْ حالت الأسباب بينك وبين ما وعدتَ به، بأن تجعل أمرك تحت مشيئة ربك، لا مشيئتك، لأنك لا تملك من عناصر إتمام الفعل شيئاً. إذن: أدرِكْ نفسك، وقُلْ إنْ شاء الله، حتى إذا حالتْ الأسباب بينك وبين ما أردتَ قلت: شِئْت، ولكن الله تعالى لم يشَأ. والله تعالى لا يُخلِف وعده؛ لأنه سبحانه يعلم الأشياء على وَفْق ما تكون، ولا توجد قوة تُحوِّله عن مراده، وليس له شريك يراجعه، أو يُخرِجه عن مراده. وإنْ شئت فاقرأ: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. ألم يكُنْ من الممكن وقتها أنْ يُسلِم أبو لهب كما أسلم حمزة وعمر وخالد وعكرمة وغيرهم؟ أليست له حرية الاختيار كهؤلاء؟ بل ألم يسمع هذه السورة؟ ومع هذا كله كفر وأصرَّ على كفره، ولم ينطق بكلمة الإيمان، ولو حتى للكيد لرسول الله فيقول في نادي قريش ولو نفاقاً: قال محمد كذا وأنا أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. أليس هذا دليلاً على غبائه؟ إذن: ما دام أن القرآن أخبر فلا بُدَّ أن يتم الأمر على وَفْق ما أخبر به. ونلحظ هنا أن كلمة الوعد تعني البشارة بالخير القادم في المستقبل والكلام هنا عن فريقين: فريق منتصر يفرح بالنصر، وفريق منهزم يحزن للهزيمة، فكيف يستقيم الوعد في حَقِّه؟ فالفرح للمؤمن غَمٌّ لغير المؤمن. ولتوضيح هذه المسألة نذكر أن المستشرقين وقفوا عند قوله تعالى من سورة الرحمن: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 14-16] وقالوا: هذا الكلام معقول بالخلق من نعم الله، لكن ماذا عن قوله: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 35-36] فأيُّ نعمة في النار وفي الشواظ؟ وفات هؤلاء أنه من النعمة أن ننبهك إلى الخطر قبل أنْ تقع فيه، ونحذرك من عاقبة الكفر لتنتهي عنه كالوالد الذي يقول لولده: إنْ أهملتَ دروسك ستفشل، وساعتها سأفعل بك كذا وكذا. إذن: فذِكْر النار والعذاب نعمة لكل من خالف منهج الحق، فلعله حين يسمع الإنذار يعود ويرعوي. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 6] نفى عنهم العلم أي: ببواطن الأمور وحقيقتها. ثم أخبر عنهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ...}.