٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } لما صدر من الكفار الإنكار بالله عند إنكار وعد الله وعدم الخلف فيه كما قال تعالى: { أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الأعراف: 187] والإنكار بالحشر كما قال تعالى: { أية : وَهُمْ عَنِ ٱلأَخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ } تفسير : [الروم: 7] بين أن الغفلة وعدم العلم منهم بتقدير الله وإلا فأسباب التذكر حاصلة وهو (أن) أنفسهم لو تفكروا فيها لعلموا وحدانية الله وصدقوا بالحشر، أما الوحدانية فلأن الله خلقهم على أحسن تقويم، ولنذكر من حسن خلقهم جزأ من ألف ألف جزء وهو أن الله تعالى خلق للإنسان معدة فيها ينهضم غذاؤه لتقوى به أعضاؤه ولها منفذان أحدهما لدخول الطعام فيه، والآخر لخروج الطعام منه، فإذا دخل الطعام فيها انطبق المنفذ الآخر بعضه على بعض بحيث لا يخرج منه ذرة ولا بالرشح، وتمسكه الماسكة إلى أن ينضج نضجاً صالحاً، ثم يخرج من المنفذ الآخر، وخلق تحت المعدة عروقاً دقاقاً صلاباً كالمصفاة التي يصفى بها الشيء فينزل منها الصافي إلى الكبد وينصب الثفل إلى معى مخلوق تحت المعدة مستقيم متوجهاً إلى الخروج، وما يدخل في الكبد من العروق المذكورة يسمى الماساريقا بالعبرية، والعبرية عربية مفسودة في الأكثر، يقال لموسى ميشا وللاله إيل إلى غير ذلك، فالماساريقا معناها ماساريق اشتمل عليه الكبد وأنضجه نضجاً آخر، ويكون مع الغذاء المتوجه من المعدة إلى الكبد فضل ماء مشروب ليرقق وينذرق في العروق الدقاق المذكورة، وفي الكبد يستغني عن ذلك الماء فيتميز عنه ذلك الماء وينصب من جانب حدبة الكبد إلى الكلية ومعه دم يسير تغتذي به الكلية وغيرها، ويخرج الدم الخالص من الكبد في عرق كبير، ثم يتشعب ذلك النهر إلى جداول، والجداول إلى سواق، والسواقي إلى رواضع ويصل فيها إلى جميع البدن، فهذه حكمة واحدة في خلق الإنسان، وهذه كفاية في معرفة كون الله فاعلاً مختاراً قادراً كاملاً عالماً شاملاً علمه، ومن يكون كذلك يكون واحداً وإلا لكان عاجزاً عند إرادة شريكه ضد ما أراده. وأما دلالة الإنسان على الحشر فذلك لأنه إذا تفكر في نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال، وأجزاءه مائلة إلى الانحلال فله فناء ضروري، فلو لم يكن له حياة أخرى لكان خلقه على هذا الوجه للفناء عبثاً، وإليه أشار بقوله: { أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً } تفسير : [المؤمنون: 115] وهذا ظاهر، لأن من يفعل شيئاً للعبث فلو بالغ في إحكامه وإتقانه يضحك منه، فإذا خلقه للبقاء ولا بقاء دون اللقاء فالآخرة لا بد منها، ثم إنه تعالى ذكر بعد دليل الأنفس دليل الآفاق فقال: {مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} فقوله: {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } إشارة إلى وجه دلالتها على الوحدانية، وقد بينا ذلك في قوله: { أية : خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ بِٱلْحَقّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [العنكبوت: 44] ونعيده فإن التكرير في الذهن يفيد التقرير لذي الذهن، فنقول إذا كان بالحق لا يكون فيها بطلان فلا يكون فيها فساد لأن كل فاسد باطل وإذا لم يكن فيها فساد لا تكون آلهة وإلا لكان فيها فساد كما قال تعالى: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] وقوله: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } يذكر بالأصل الآخر الذي أنكروه. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَاء رَبّهِمْ لَكَـٰفِرُونَ } يعني لا يعلمون أنه لا بد بعد هذه الحياة من لقاء وبقاء إما في إسعاد أو شقاء، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قدم ههنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق، وفي قوله تعالى: { أية : سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [فصلت: 53] قدم دلائل الآفاق، وذلك لأن المفيد إذا أفاد فائدة يذكرها على وجه جيد يختاره فإن فهمه السامع المستفيد فذلك وإلا يذكرها على وجه أبين منه وينزل درجة فدرجة، وأما المستفيد فإنه يفهم أولاً الأبين، ثم يرتقي إلى فهم ذلك الأخفى الذي لم يكن فهمه فيفهمه بعد فهم الأبين المذكور آخراً، فالمذكور من المفيد آخراً مفهوم عند السامع أولاً، إذا علم هذا فنقول ههنا الفعل كان منسوباً إلى السامع حيث قال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } يعني فيما فهموه أولاً ولم يرتقوا إلى ما فهموه ثانياً، وأما في قوله: {سَنُرِيهِمْ } الأمر منسوب إلى المفيد المسمع فذكر أولاً: الآفاق فإن لم يفهموه فالأنفس لأن دلائل الأنفس لا ذهول للإنسان عنها، وهذا الترتيب مراعى في قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 191] أي يعلمون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } بدلائل الآفاق. المسألة الثانية: وجه دلالة الخلق بالحق على الوحدانية ظاهر، وأما وجه دلالته على الحشر فكيف هو؟ فنقول وقوع تخريب السموات وعدمها لا يعلم بالعقل إلا إمكانه، وأما وقوعه فلا يعلم إلا بالسمع، لأن الله قادر على إبقاء الحادث أبداً كما أنه يبقى الجنة والنار بعد إحداثهما أبداً، والخلق دليل إمكان العدم، لأن المخلوق لم يجب له القدم فجاز عليه العدم، فإذا أخبر الصادق عن أمر له إمكان وجب على العاقل التصديق والإذعان، ولأن العالم لما كان خلقه بالحق فينبغي أن يكون بعد هذه الحياة حياة أخرى باقية لأن هذه الحياة ليست إلا لعباً ولهواً كما بين بقوله تعالى: { أية : وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ } تفسير : [العنبكوت: 64] وخلق السموات والأرض للهو واللعب عبث، والعبث ليس بحق وخلق السموات والأرض بالحق فلا بد من حياة بعد هذه. المسألة الثالثة: قال ههنا: {كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ } وقال من قبل: { أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الروم:6] وذلك لأنه من قيل لم يذكر دليلاً على الأصلين، وههنا قد ذكر الدلائل الواضحة والبراهين اللائحة ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل أكثر من الإيمان قبل الدليل، فبعد الدلائل لا بد من أن يؤمن من ذلك الأكثر جمع فلا يبقى الأكثر كما هو، فقال بعد إقامة الدليل {وَإِنَّ كَثِيرًا } وقبله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ } ثم بعد الدليل الذي لا يمكن الذهول عنه، والدليل الذي لا يقع الذهول عنه وإن إمكن هو السموات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه والأرض التي تحته، ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمر أمثالهم وحكاية أشكالهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فِيۤ أَنفُسِهِمْ} ظرف للتفكر وليس بمفعول، تعدّى إليه «يَتَفَكَّرُوا» بحرف جرّ؛ لأنهم لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم، إنما أمروا أن يستعملوا التفكر في خلق السموات والأرض وأنفسهم، حتى يعلموا أن الله لم يخلق السموات وغيرَها إلا بالحق. قال الزجاج: في الكلام حذف، أي فيعلموا؛ لأن في الكلام دليلاً عليه. {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} قال الفرّاء: معناه إلا للحق؛ يعني الثواب والعقاب. وقيل: إلا لإقامة الحق. وقيل: «بِالْحَقِّ» بالعدل. وقيل: بالحكمة؛ والمعنى متقارب. وقيل: «بِالْحَقِّ» أي أنه هو الحق وللحق خلقها، وهو الدلالة على توحيده وقدرته. {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي للسموات والأرض أجل ينتهيان إليه وهو يوم القيامة. وفي هذا تنبيه على الفناء، وعلى أن لكل مخلوق أجلاً، وعلى ثواب المحسن وعقاب المسيء. وقيل: «وَأَجَلٍ مُسَمًّى» أي خلق ما خلق في وقت سماه لأن يخلق ذلك الشيء فيه. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ } اللام للتوكيد، والتقدير: لكافرون بلقاء ربهم، على التقديم والتأخير؛ أي لكافرون بالبعث بعد الموت. وتقول: إن زيداً في الدار لجالس. ولو قلت: إن زيداً لفي الدار لجالس جاز. فإن قلت: إن زيداً جالس لفي الدار لم يجز؛ لأن اللام إنما يؤتى بها توكيداً لاسم إن وخبرها، وإذا جئت بهما لم يجز أن تأتي بها. وكذا إن قلت: إن زيداً لجالس لفي الدار لم يجز.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منبهاً على التفكر في مخلوقاته الدالة على وجوده، وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، فقال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ} يعني به: النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدى ولا باطلاً، بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة، ولهذا قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَـٰفِرُونَ} ثم نبههم على صدق رسله فيما جاؤوا به عنه، بما أيدهم من المعجزات والدلائل الواضحات؛ من إهلاك من كفر بهم، ونجاة من صدقهم، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: بأفهامهم وعقولهم ونظرهم، وسماع أخبار الماضين، ولهذا قال: {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي: كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم قوة - أيها المبعوث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم - وأكثر أموالاً وأولاداً، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومكنوا في الدنيا تمكيناً لم تبلغوا إليه، وعمروا فيها أعماراً طوالاً، فعمروها أكثر منكم، واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا، فلما جاءتهم رسلهم بالبينات، وفرحوا بما أوتوا، أخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس الله، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال، {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: وإنما أُتوا من أنفسهم، حيث كذبوا بآيات الله، واستهزؤوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة، وتكذيبهم المتقدم، ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 110] وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5] وقال تعالى: {أية : فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} تفسير : [المائدة: 49] وعلى هذا تكون السوأى منصوبة مفعولاً لأساؤوا، وقيل: بل المعنى في ذلك {ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ} أي: كانت السوأى عاقبتهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله، وكانوا بها يستهزئون. فعلى هذا تكون السوأى منصوبة خبر كان، هذا توجيه ابن جرير، ونقله عن ابن عباس وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم عنهما وعن الضحاك بن مزاحم، وهو الظاهر ــــ والله أعلم ــــ لقوله: {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } ليرجعوا عن غفلتهم {مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } لذلك تفنى عند انتهائه وبعده البعث {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ } أي: كفار مكة {بِلِقَاِئِ رَبّهِمْ لَكَٰفِرُونَ } أي لا يؤمنون بالبعث بعد الموت.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} يحتمل أربعة أوجه: أحدها: بالعدل. الثاني: بالحكمة. الثالث: إلا ما استحق عليهم الطاعة والشكر. والرابع: قاله الفراء، معناه إلا للحق يعني الثواب والعقاب. {وَأَجَلِ مُّسَمًّى} فيه وجهان: أحدهما: قيام الساعة، قاله ابن عباس. الثاني: وهو محتمل أنه أجل كل مخلوق على ما قدر له. فدل ذل على أمرين: أحدهما: دل به على الفناء وعلى أن لكل مخلوق أجلاً. الثاني: نبه على ثواب المحسن وعقاب المسيء. قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أَسَآءُواْ} قال ابن عباس: كفرواْ. {السُّوأَى} فيه وجهان: أحدهما: جهنم، قاله السدي. الثاني: العذاب في الدنيا والآخرة، قاله الحسن. وفي الفرق بين الإساءة والسوء وجهان: أحدهما: أن الإساءة إنفاق العمر في الباطل، والسوء إنفاق رزقه في المعاصي. الثاني: أن الإِساءَة فعل المسيء والسوء الفعل مما يسوء. {أَن كَذَّبُواْ} لأن كذبواْ. {بِئَايَاتِ اللَّهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، قاله الكلبي. الثاني: بالعذاب أن ينزل بهم، قاله مقاتل. الثالث: بمعجزات الرسل، قاله الضحاك. {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ} أي بالآيات.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْحَقِّ} بالعدل، أو الحكمة، أو بأن استحق عليهم الطاعة والشكر، أو للثواب والعقاب. {وَأَجَلٍ مُّسَمّىً} القيامة "ع" أو أجل كل مخلوق.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} يعني لإقامة الحق {وأجل مسمى} أي لوقت معلوم إذا انتهت إليه فنيت وهو يوم القيامة {وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون أولم يسيروا في الأرض} أي يسافروا فيها {فينظرو كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} أي ينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم فيعتبروا {كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض} أي حرثوها وقلبوها للزراعة {وعمروها} يعني الأمم الخالية {أكثر مما عمروها} يعني أهل مكة {وجاءتهم رسلهم بالبينات} أي فلم يؤمنوا فأهلكهم الله {فما كان الله ليظلمهم} أي بنقص حقوقهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي ببخس حقوقهم {ثم كان عاقبة الذين أساءوا} أي أساءوا العمل فاستحقوا {السوأى} يعني الخلة التي تسوءهم وهي النار وقيل السوء اسم لجهنم، ومعنى الآية أن عاقبة الذين عملوا السوء النار {أن كذبوا} أي لأنهم كذبوا وقيل معنى الآية ثم كان عاقبة المسيئين أن حملتهم تلك السيئات على أن كذبوا {بآيات الله وكانوا بها يستهزئون} قوله تعالى {الله يبدأ الخلق ثم يعيده} أي خلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء {ثم إليه يرجعون} أي فيجزيهم بأعمالهم {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} قيل: معناه أنهم ييأسون من كل خير وقيل: ينقطع كلامهم وحججهم وقيل يفتضحون {ولم يكن لهم من شركائهم} يعني أصنامهم التي عبدوها {شفعاء} أي يشفون لهم {وكانوا بشركائهم كافرين} أي جاحدين متبرئين يتبرؤون منها وتتبرأ منهم {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} أي يتميز أهل الجنة من أهل النار. وقيل يتفرقون بعد الحساب أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار فلا يجتمعون أبداً فهو قوله تعالى {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة} أي في جنة وقيل الروضة البستان الذي هو في غاية النضارة {يحبرون} قال ابن عباس يكرمون وقيل يتنعمون ويسرون والحبرة السرور. وقيل في معنى يحبرون: هو السماع في الجنة. قال الأوزاعي: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتاً من إسرافيل فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم وقال: إذا أخذ السماع فلا يبقى في الجنة شجرة إلا وردته، وسأل أبا هريرة رجل: هل لأهل الجنة من سماع؟ فقال: نعم شجرة أصلها من ذهب وأغصانها من فضة وثمارها اللؤلؤ والزبرجد والياقوت يبعث الله ريحاً فيجاوب بعضها بعضاً فما يسمع أحد أحسن منه {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي البعث يوم القيامة {فأولئك في العذاب محضرون} قوله تعالى {فسبحان الله} أي فسبحوا الله ومعناه صلوا لله {حين تمسون} أي تدخلون في المساء وهي صلاة المغرب والعشاء {وحين تصبحون} أي تدخلون في الصباح وهي صلاة الصبح {وله الحمد في السموات والأرض} قال ابن عباس يحمده أهل السموات والأرض ويصلون له {وعشيّاً} أي وصلوا لله عشيّاً يعني صلاة العصر {وحين تظهرون} أي تدخلون في الظهيرة وهي صلاة الظهر. قال نافع ابن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم وقرأ هاتين الآيتين وقال: جمعتا الصلوات الخمس ومواقيتها. واعلم أنه خص هذه الأوقات بالتسبيح لأن أفضل الأعمال أدومها والإنسان لا يقدر أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح لأنه محتاج إلى ما يعيشه من مأكول ومشروب وغير ذلك فخفف الله عنه العبادة في غالب الأوقات وأمره بها في أول النهار وفي أول الليل وآخره فإذا صلى العبد ركعتي الفجر فكأنما سبح قدر ساعتين وكذلك باقي الركعات وهي سبع عشرة ركعة مع ركعتي الفجر فإذا صلى الإنسان الصلوات الخمس في أوقاتها فكأنما سبح الله سبع عشرة ساعة من الليل والنهار بقي عليه سبع ساعات في جميع الليل والنهار وهي مقدار النوم والنائم مرفوع عنه القلم فيكون قد صرف جميع أوقاته في التسبيح والعبادة. فصل في فضل التسبيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قال سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"تفسير : . وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زيد عليه"تفسير : . أخرجهما الترمذي وقال فيهما حسن صحيح (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"تفسير : . وهذا الحديث أخرجه في صحيح البخاري (م) "حديث : عن جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة من عندها وهي في مسجدها فرجع بعدما تعالى النهار فقال مازلت في مجلسك هذا مذ خرجت بعد؟ قالت نعم فقال: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرار لو وزنت بكلماتك لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته""تفسير : (م) عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه سلم فقال "حديث : أيعجز أحدكم أن يكتسب كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه قال كيف يكتسب ألف حسنة؟ قال: يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ألف خطيئة"تفسير : . وفي رواية غير مسلم "حديث : يحط عنه أربعين ألفاً ".
ابو السعود
تفسير : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} إنكارٌ واستقباحٌ لِقصَرِ نظرِهم على ما ذُكر من ظاهرِ الحياةِ الدُّنيا مع الغفلةِ عن الآخرةِ. والواوُ للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيِه المقامُ. وقولُه تعالى: {فِى أَنفُسِهِمْ} ظرفٌ للتفكُّرِ وذكرُه مع ظهورِ استحالةِ كونِه في غيرِها لتحقيق أمرهِ وتصويرِ حالِ المتفكِّرينِ. وقولُه تعالى: {مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} الخ متعلقٌ إمَّا بالعلمِ الذي يؤدِّي إليه التَّفكُّر ويدلُّ عليهِ أو بالقولِ الذي بترتَّبُ عليه كما في قولِه تعالى: { أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً} تفسير : [سورة آل عمران: الآية 191] أي أعلمُوا ظاهرَ الحياةِ الدُّنيا فقط أو أقصَروا النَّظرَ عليه ولم يُحدِثُوا التفكُّرَ في قلوبِهم فيعلمُوا أنَّه تعالى ما خلقَهما وما بـينهما من المخلُوقاتِ التي هُم من جُملتها ملتبسةً بشيءٍ من الأشياءِ {إِلا} ملتبسةً {بِٱلْحَقّ} أي يقولُوا هذا القولَ مُعترفين بمضمونِه إثرَ ما علمُوه. والمرادُ بالحقِّ هوالثابتُ الذي يحقُّ أنْ يثبتَ لا محالةَ لا بتنائِه على الحكمةِ البالغةِ والغرضِ الصَّحيحِ الذي هو استشهادُ المكلَّفين بذواتِها وصفاتِها وأحوالِها المتغيرةِ على وجودِ صانعِها عزَّ وجلَّ ووحدتِه وعلمِه وقدرتِه وحكمتِه واختصاصِه بالمعبُوديَّةِ وصحَّةِ أخبارِه التي مِن جُملتِها إحياؤهم بعد الفناءِ بالحياةِ الأبديَّةِ ومجازاتِهم بحسبِ أعمالِهم غبَّ ما تبـيَّن المحسنُ من المسيء وامتازتْ درجاتُ أفرادِ كلَ من الفريقينِ حسبَ امتيازِ طبقاتِ علومِهم واعتقاداتِهم المترتبةِ على أنظارِهم فيما نُصبَ في المصنُوعاتِ من الآياتِ والدَّلائلِ والأماراتِ والمخائلِ كما نطقَ به قولُه تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [سورة هود: الآية 7] فإنَّ العملَ غيرُ مختصَ بعملِ الجوارحِ ولذلك فسَّره عليه الصَّلاة والسَّلام بقولِه: « حديث : أيكم أحسنُ عقلاً وأورعُ عن محارمِ الله وأسرعُ في طاعةِ الله » تفسير : وقد مرَّ تحقيقُه في أوائلِ سورةِ هُودٍ عليه السَّلام. وقولُه تعالى: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} عطفٌ على الحقِّ أي وبأجلٍ معينٍ قدرَه الله تعالى لبقائِها لا بدَّ لها مِن أنْ تنتهيَ إليه لا محالةَ وهو وقتُ قيامِ السَّاعةِ. هذا وقد جُوِّز أنْ يكونَ قولُه تعالى: في أنفسِهم صلةً للتفكُّرِ على معنى أَوَلَم يتفكرُوا في أنفسِهم التي هي أقربُ المخلوقاتِ إليهم وهُم أعلمُ بشؤونِها وأخبرُ بأحوالِها منهم بأحوالِ ما عداها فيتدبَّروا ما أودَعها الله تعالى ظاهراً وباطناً من غرائبِ الحكمِ الدَّالَّةِ على التَّدبـيرِ دونَ الإهمالِ وأنَّه لا بدَّ لها من انتهاءٍ إلى وقتٍ يُجازيها فيه الحكيم الذي دبَّر أمرَها على الإحسانِ إحساناً وعلى الإساءةِ مثلَها حتَّى يعلموا عند ذلك أنَّ سائرَ الخلائقِ كذلك أمرُها جارٍ على الحكمةِ والتَّدبـيرِ وأنَّه لا بدَّ لها من الانتهاءِ إلى ذلك الوقتِ. وأنتَ خبـيرٌ بأنَّ أمرَ معادِ الإنسانِ ومُجازاتِه بما عملَ من الإساءةِ والإحسانِ هو المقصودُ بالذَّاتِ والمحتاجُ إلى الإثباتِ فجعلُه ذريعةً إلى إثباتِ معادِ ما عَداهُ مع كونِه بمعزلٍ من الجزاءِ تعكيسٌ للأمة فتدبَّر. وقولُه تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَاء رَبّهِمْ لَكَـٰفِرُونَ} تذيـيلٌ مقررٌ لما قبله ببـيانِ أن أكثرَهم غيرُ مقتصرين على ما ذُكر من الغفلةِ عن أحوالِ الآخرةِ والإعراضِ عن التَّفكُّرِ فيما يُرشدهم إلى معرفتِها من خلقِ السَّمواتِ والأرضِ وما بـينهما من المصنُوعاتِ بل هم مُنكرون جاحدون بلقاءِ حسابِه تعالى وجزائِه بالبعثِ.
القشيري
تفسير : إنَّ مَنْ نَظَرَ حقَّ النظر، ووَضَعَ النظر موضعَه أثمر له العلم واجباً، فإذا استبصر بنور اليقين أحكامَ الغائبات، وعَلِمَ موعوده الصادق فى المستأنف - نجا عن كَدِّ التردد والتجويز فسبيلُ مَنْ صحا عقلُه ألا يجنحَ إلى التقصير فيما به كمال سكونه.
اسماعيل حقي
تفسير : {أولم يتفكروا فى أنفسهم} الواو للعطف على مقدر. والتفكر تصرف فى معانى الاشياء لدرك المطلوب وهو قبل ان يتصفى اللب والتذكر بعده ولذا لم يذكر فى كتاب الله تعالى مع اللب الا التذكر. قال بعض الادباء الفكر مقلوب الفرك لكن يستعمل الفكر في المعانى وهو فرك الامور وبحثها طلبا للوصول الى حقيقتها قوله {فى انفسهم} ظرف للتفكر وذكره فى ظهور استحالة كونه فى غيرها لتصوير حال المتفكر فهو من بسط القرآن نحو يقولون بأفواههم والمعنى اقصر كفار مكة نظرهم على ظاهر الحياة الدنيا ولم يحدثوا التفكر فى قلوبهم فيعلموا انه تعالى {ما خلق الله السموات} الاجرام العلوية وكذ سموات الارواح {والارض} الاجرام السفلية وكذا ارض الاجسام {وما بينهما} من المخلوقات والقوى ملتبسة بشئ من الاشياء {الا} ملتبسة {بالحق} والحكمة والمصلحة ليعتبروا بها ويستدلوا على وجود الصانع ووحدته ويعرفوا انها مجالى صفاته ومرائى قدرته وإنما جعل متعلق الفكر والعلم هو الخلق دون الخالق لان الله تعالى منزه عن ان يوصف بصورة في القلب ولهذا روى (تفكروا فى آلاء الله تعالى ولا تتفكروا في ذات الله): وفي المثنوى. شعر : علم خلقست باسوى جهات بى جهت دان عالم امر وصفات بى تعلق نيست مخلوقى بدو آن تعلق هست بيجون اى عمو اين تعلق را خرد جون بى برد بسته فصلت ووصلست اين خرد زين وصيت كرد مارا مصطفى بحث لكم جوييد در ذات خدا آنكه درذاتش تفكر كردنيست در حقيقت آن نظر درذات نيست هست آن يندار اوزيرا براه صد هزاران برده آمد تااله هريكى دربرده موصول جوست وهم او آنست كه آن عين هوست بس يمبر دفع كرد اين وهم ازو تانباشد درغلط سودا بزاو در عجائبهاش فكر اندر رويد از عظيمى وزمهابت كم شويد جونكه صنعش ريش وسلبت كم كند حد خود داند زصانع تن زند جزكه لا احصى نكويد اوزحان كزشمار وحد برونست آن بيان تفسير : ثم انه لما كان معنى الحق فى اسماء الله تعالى هو الثابت الوجود على وجه لا يقبل الزوال والعدم والتغير كان الجارى على ألسنة اهل الفناء من الصوفية فى اكثر الاحوال هو الاسم الحق لانهم يلاحظون الذات الحقيقية دون ما هو هالك فى نفسه وباطل فى ذاته وهو ما سوى الله تعالى {واجل مسمى} عطف على الحق اى وباجل معين قدره الله تعالى لبقائها لا بد لها من ان تنتهى اليه وهو وقت قيام الساعة {وان كثيرا من الناس} مع غفلتهم عن الآخرة واعراضهم عن التفكر فيما يرشدهم الى معرفتها {بلقاء ربهم} اى بلقاء حسابه وجزائه بالبعث والباء متعلق بقوله {لكافرون} اى منكرون جاحدون يحسبون ان الدنيا ابدية وان الآخرة لا تكون بحلول الاجل المسمى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "في أنفسهم": يحتمل أن يكون ظرفاً، أي: أَوَ لمْ يحدثوا التفكر فيها، وأن تكون صلة للتفكر، نحو: تفكر في الأمر: أجال فيه فكره. والأول أظهر. يقول الحق جل جلاله: {أَوَ لَمْ يَتَفَكروا في أنفسهم} أي: أَوَ لَمْ يثبتوا التفكر في أنفسهم، أي: في قلوبهم الفارغة، فيتفكروا بها في مصنوعات الله، حتى يعلموا أنها ما خُلِقَتْ عبثاً، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكن زيادة تصوير لحال المتفكرين، كقوله: اعتقده في قلبك. أو: أَوَلَمْ يتفكروا في أنفسهم، التي هي أقرب إليهم من غيرها، وهم أعلم بأحوالها، فيتدبروا ما أودعها الله تعالى، ظاهراً وباطناً، من غرائب الحكمة الدالة على التدبير من الحكيم القديم، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازي فيه، على الإحسان إحساناً، وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا، عند ذلك، أن سائر الخلائق مثلها، وأنه لا بُدَّ لهم من الانتهاء إلى ذلك الوقت، فعلموا أن {ما خَلَقَ الله السماواتِ والأرض وما بينهما إلا بالحقِ وأَجَلٍ مُّسَمىًّ} أي: ما خلقها باطلاً وعبثاً من غير حكمة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة البالغة، وتنتهي إلى أجل مسمى، وهو قيامُ الساعة، ووقت الحساب، بالثواب والعقاب، فيخرب هذا العالم، ويقوم عالم آخر، لا انتهاء لوجوده. قال في الحاشية الفاسية: وبالجملة: فخلقُ السموات والأرض؛ للدلالة على التوحيد بوجودهما، وعلى الآخرة بفنائهما، وانقضاء أجلهما. ثم قال: والحاصل أن خلقه بمقتضى الحكمة يقتضي جزاء أوليائه، وتعذيب أعدائه. وقد نصب تعالى القلب شاهداً ومُنزلاً منزلة الآخرة، والقلب منزلة الدنيا، وكما أن عمل القالب يعود نفعه، إذا فعل الطاعة، على القلب؛ بالتنوير والتقريب لحضرة الربوبية، ويعود ضرره عليه، إذا فعل ضد ذلك، كما يعرفه أهل القلوب، وأنه مزرعة للقلب، ولا بقاء له، وإنما خلق لقضاء ذلك، فكذلك الدنيا مزرعة للآخرة، وإنما خلقت لذلك، كما يعرفه أهل القلوب والبصائر الصافية السالمة، فاعتبر ذلك. هـ. {وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم}؛ بالبعث والجزاء {لكافرون}: لجاحدون. الإشارة: قد تقدم الكلام على فضل التفكر في آل عمران. وقوله تعالى: {إلا بالحق} أي: ما خلق الكائنات إلا بالحق، من الحق إلى الحق، فهي من تجليات الحق، ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالحق عبارة عن عين الذات عند أهل الحق، فافهم. ثم قال زيادةً في الأمر، بالاعتبار أو تقول: لما ذكر عمهم بظاهر الحياة الدنيا ذكر أن من قبلهم كانوا أعلم بها ولم ينفعهم مع التكذيب، فقال: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...}
الجنابذي
تفسير : {أَ} لم يرجعوا الى مداركهم الباطنة {وَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} فى حقّ انفسهم حتّى يجدوا انّ فيها سماءً وارضاً يعنى روحاً وجسداً وانّ حيٰوة الجسد الّتى هى الحيٰوة الدّنيا ليست الاّ بالحيٰوة الرّوحيّة الّتى هى الحيٰوة الاخرويّة حتّى يعلموا الآخرة ولا يكونوا غافلين عنها، او المعنى او لم يتفكّروا عند انفسهم حتّى يعلموا {مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ} اى سماوات الارواح {وَٱلأَرْضَ} اى ارض الاشباح {وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} الّذى هو حقيقة الحيٰوة الدّنيا والآخرة حتّى يعلموا انّ فى الدّاثرات الّتى منها الحيٰوة الدّنيا حقّاً باقياً ثابتاً فلم يغفلوا عنه وطلبوا الوصول اليه وهو جهة الآخرة والجملة معلّق عنها لم يتفكّروا فانّه فى معنى لم يعلموا {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} فانّهم وان لم يكونوا يحصل لهم بالتّفكّر علمٌ بدثور سماوات الطّبع وارضه فى العالم الكبير لكن يحصل العلم بدثورهما فى العالم الصّغير وانّ لهما اجلاً معيّناً بحسب الاسباب الطّبيعيّة من العمر الطّبيعىّ واجلاً معلّقاً بحسب القواطع والموانع من الوصول الى اجله الطّبيعىّ {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} ولذلك يعملون الاعمال السّيّئة واذا تفكّروا انّ اعمال هؤلاء الكثير نشأت من كفرهم بلقاء ربّهم اجتنبوا مثل اعمالهم والجملة عطف على جملة ما خلق الله السّماوات او معلّق عنها لم يتفكّروا مثل المعطوف عليها.
الهواري
تفسير : قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسهِم مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب. أي: لو تفكّروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن الذي خلقهما يبعث الخلق يوم القيامة. قال: {وَأَجَلٍ مُّسَمّىً} يعني يوم القيامة. أي: خلق الله السماوات والأرض للقيامة، ليجزي الناس بأعمالهم. والقيامة اسم جامع يجمع النفختين جميعاً: الأولى والآخرة. قال: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ} يعني المشركين، وهم أكثر الناس {بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ}. قوله: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [يعني بطشاً]، {وَأَثَارُوا الأَرْضَ} أي: حرثوها {وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} أي: أكثر مما عمرها هؤلاء {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ} [يعني كفار الأمم الخالية الذين كذَّبوا في الدنيا. يقول: لم يظلمهم فيعذبهم على غير ذنب] {وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: يضرّون بكفرهم وتكذيبهم. وقال بعضهم: ينقضون. أي: قد ساروا في الأرض ورأوا آثار الذين من قَبلهم؛ يخوّفهم أن ينزل بهم ما نزل بهم إن لم يؤمنوا. قال: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ} أي: جزاء {الَّذِينَ أَسَاؤُوا} أي: أشركوا {السُّوأى} أي: جهنم {أَن كَذَّبُوا} أي: بأن كذبوا {بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ}. قال الحسن: يعني بالسوأى: العذاب، أي: في الدنيا والآخرة. قوله: {اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعني البعث {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة.
اطفيش
تفسير : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ} فانها أقرب ولهم فيها عبرة تتجلى لهم بها قدرة الله على الممكنات كالبعث والحكمة في خلق السماوات والأرض او لم تحدث الفكرة في انفسهم بأن يتفكروا بقلوبهم في امر السماوات والأرض قال ابن عطاء الله: الفكرة سراج القلب فاذا ذهبت فلا اضاءة له وقال: ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكره. {مَّا خَلَقَ اللهَ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمىًّ} محدود معلوم لله تنتهي عنده السماوات والأرض وهو يوم القيامة اي ما خلقهن باطلا بل خلقهن لحكمة بالغة ولا يبقين خالدات وانما خلقهن مقرونات بالحق ولهن اجل ينتهين اليه للجزاء والياء للألصاق أو لمصاحبة المجازية ومر اعراب مثل منها ذلك ويأتي ايضا والجملة مفعول لمحذوف اي اولم يتفكروا فيقولوا ما خلق الله الخ.. أو فيعلموا ما خلق الله الخ.. وقيل مفعول للتفكر كتضمنه معنى العلم. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ} كفار مكية او الناس مطلقا. {بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ} بلقاء جزائه عند انقضاء قيام الاجل المسمى او قيام الساعة والمعنى واحد. {لَكَافِرُونَ} فهم يجحدون البعث ويقولون ان الدنيا ابدية.
اطفيش
تفسير : {أو لم يتفكروا} اى اهملوا عقولهم ولم يتفكروا {في انفسهم} وعلق التفكر لانه من معنى العلم بالنفى فى قوله: {ما خَلقَ الله السَّماوات والأرْض وما بينْهما إلاَّ بالحقِّ} من ان يعبد فيهن ويثبت المطيع، ويعاقب المسئ ومن الاستدلال بها على وحدانيته وقدرته عز وجل، قال الله عز وجل: "أية : ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً" تفسير : [آل عمران: 191] والتفكر لا يكون الا فى النفس، فذكرها للتأكيد بتصوير التفكر فيها، كقولك: اعتقدته فى قلبى ورايته بعينى، ويجوز ان يفسر الانفس باجسامهم بمعنى ان يسدلوا بها، وبأحوالها على وحدانيته تعالى الغرائب الحكم فيها حتى تعلم انه لا تخلق مهملة، بل للتعبد والجزاء فى اجل كما قال: {وأجلٍ مُسمى} يوم القيامة {وإنَّ كثيراً من الناس بلقاء ربِّهم} للحساب والجزاء بعد البعث {لكافرون} لاهمالهم التفكير فى خلق السماوات والارض، وانفسهم، فمن قائلين: ان قامت الساعة لم نبعث فضلا عن الجزاء، ومن قائلين: بداوم الدينا وهم الفلاسفة لعنهم الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ } إنكار واستقباح لقصر نظرهم على ما ذكر من ظاهر الحياة الدنيا مع الغفلة عن الآخرة، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام، وقوله سبحانه: {فِى أَنفُسِهِمْ} ظرف للتفكر، وذكره مع أن التفكر لا يكون إلا في النفس لتحقيق أمره وزيادة تصوير حال المتفكرين كما في اعتقده في قلبك وأبصره بعينك، وقوله عز وجل: {مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ } متعلق إما بالعلم الذي يؤدي إليه التفكر ويدل عليه أو بالقول الذي يترتب عليه كما في قوله تعالى: {أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } تفسير : [آل عمران: 191] أي أعلموا ظاهر الحياة الدنيا فقط أو أقصروا النظر على ذلك ولم يحدثوا التفكر في قلوبهم فيعلموا أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات التي هم من جملتها ملتبسة بشيء من الأشياء إلا ملتبسة بالحق أو يقولوا هذا القول معترفين بمضمونه إثر ما علموه. والمراد بالحق هو الثابت الذي يحق أن يثبت لا محالة لابتنائه على الحكم البالغة التي من جملتها استشهاد المكلفين بذواتها وصفاتها وأحوالها على وجود صانعها ووحدته وعلمه وقدرته واختصاصه بالمعبودية وصحة أخباره التي من جملتها إحياؤهم بعد الفناء بالحياة الأبدية ومجازاتهم بحسب أعمالهم عما يتبين المحسن من المسيء ويمتاز درجات أفراد كل من الفريقين حسب امتياز طبقات علومهم واعتقاداتهم المترتبة على أنظارهم فيما نصب في المصنوعات من الآيات والدلائل والأمارات والمخايل كما نطق به قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [هود: 7] فإن العمل غير مختص بعمل الجوارح ولذلك فسره عليه الصلاة والسلام بقوله: «أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله تعالى وأسرع في طاعة الله عز وجل». وقوله سبحانه: {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} عطف على (الحق) أي وبأجل عين قدره الله تعالى لبقائها لا بد لها من أن تنتهي إليه لا محالة وهو وقت قيام الساعة وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات. هذا وجوز أن يكون قوله تعالى: {فِى أَنفُسِهِمْ } متعلقاً بيتفكروا ومفعولاً له بالواسطة على معنى أو لم يتفكروا في ذواتهم وأنفسهم التي هي أقرب المخلوقات إليهم وهم أعلم بشؤونها وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فيتدبروا ما أودعها الله تعالى ظاهراً وباطناً من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال وأنه لا بد لها من انتهاء إلى وقت يجازيها [فيه] الحكيم الذي دبر أمرها على الإحسان إحساناً وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جار على الحكمة والتدبير. وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت. وتعقب بأن أمر معاد الإنسان ومجازاته بما عمل من الإساءة والإحسان هو المقصود بالذات والمحتاج إلى الإثبات فجعله ذريعة إلى إثبات معاد ما عداه مع كونه بمعزل من الإجزاء تعكيس للأمر فتدبر. وجوز أبو حيان أن يكون {مَا خَلَقَ } الخ مفعول {يَتَفَكَّرُواْ } معلقاً عنه بالنفي، وأنت تعلم أن التعليق في مثله ممنوع أو قليل. وقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَاء رَبّهِمْ لَكَـٰفِرُونَ } تذييل مقرر لما قبله ببيان أن أكثرهم غير مقتصرين على ما ذكر من الغفلة من أحوال الآخرة والإعراض عن التفكر فيما يرشدهم إلى معرفتها من خلق السماوات والأرض وما بينهما من المصنوعات بل هم منكرون جاحدون لقاء حسابه تعالى وجزائه عز وجل بالبعث، وهم القائلون بأبدية الدنيا كالفلاسفة على المشهور.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وهُمْ عن الآخرةِ هم غَافِلون}تفسير : [الروم: 7] لأنهم نفوا الحياة الآخرة فسيق إليهم هذا الدليل على أنها من مقتضى الحكمة. فضمير {يتفكروا}عائد إلى الغافلين عن الآخرة وفي مقدمتهم مشركو مكة. والاستفهام تعجيبي من غفلتهم وعدم تفكرهم. والتقدير: هم غافلون وعجيب عدم تفكرهم. ومناسبة هذا الانتقال أن لإحالتهم رجوع الدَّالة إلى الروم بعد انكسارهم سببين: أحدهما: اعتيادهم قصر أفكارهم على الجولان في المألوفات دون دائرة الممكنات، وذلك من أسباب إنكارهم البعث وهو أعظم ما أنكروه لهذا السبب. وثانيهما: تمردهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن شاهدوا معجزته فانتقل الكلام إلى نقض آرائهم في هذين السببين. والتفكر: إعمال الفكر، أي الخاطر العقلي للاستفادة منه، وهو التأمل في الدلالة العقلية. وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : قُلْ هَلْ يَسْتوي الأعْمَى والبَصِير أفَلا تَتَفَكرون} تفسير : في سورة الأنعام (50). والأنفس: جمع نفْس. والنفس يطلق على الذات كلها، ويطلق على باطن الإنسان، ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: {أية : تعْلَم مَا فِي نَفْسِي}تفسير : [المائدة: 116] كقول عمر يوم السقيفة: «وكُنت زوّقت في نفسي مقالة» أي في عقلي وباطني. وحرف {في}من قوله {فِي أنْفُسهم}يجوز أن يكون للظرفية الحقيقية الاعتبارية فيكون ظرفاً لمصدر {يَتَفَكَرُّوا}، أي تفكراً مستقراً في أنفسهم. وموقع هذا الظرف مما قبله موقع معنى الصفة للتفكر. وإذ قد كان التفكر إنما يكون في النفس فذكر في أنفسهم لتقوية تصوير التفكر وهو كالصفة الكاشفة لتقرر معنى التفكر عند السامع، كقوله {أية : ولاَ تخطّهُ بِيَمِينك}تفسير : [العنكبوت: 48] وقوله {أية : ولاَ طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيه}تفسير : [الأنعام: 38]، وتكون جملة {مَا خَلَقَ الله السَّمَاوات والأرْض} الخ على هذا مُبينة لجملة {يَتَفَكَرُّوا} إذ مدلولها هو ما يتفكرون فيه كقوله تعالى: {أية : أو لمْ يَتَفَكَّروا ما بِصَاحبهم من جنة}تفسير : [الأعراف: 184]. ويجوز أن يكون {في}للظرفية المجازية متعلقة بفعل {يَتَفكروا} تعلق المفعول بالفعل، أي يتدبروا ويتأملوا في أنفسهم. والمراد بالأنفس الذوات فهو في معنى قوله تعالى {أية : وفي أنْفُسكم أفَلا تُبْصِرون}تفسير : [الذاريات: 21]؛ فإن حق النظر المؤدّي إلى معرفة الوحدانية وتحقق البعث أن يبدأ بالنظر في أحوال خلقة الإنسان قال تعالى: {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون}تفسير : [المؤمنون: 115] وهذا كقوله تعالى: {أية : أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض}تفسير : [الأعراف: 185] أي في دلالة ملكوت السماوات والأرض، وتكون جملة {مَا خَلَق الله السماوَات والأرْض}الخ على هذا التفسير بدل اشتمال من قوله {أنْفُسهم}إذ الكلام على حذف مضاف، تقديره: في دلالة أنفسهم، فإن دلالة {أنفُسهم}تشتمل على دلالة خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق لأن {أنفُسهم}مشمولة لما في الأرض من الخلق ودالة على ما في الأرض، وكذلك يطلق ما في الأرض دال على خلق أنفسهم. وعلى الاحتمالين وقع تعليق فعل {يَتَفَكَّروا}عن العمل في مفعولين لوجود النفي بعده. ومعنى {خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}: أن خلقهم ملابسٌ للحق. والحق هنا هو ما يحق أن يكون حِكمة لِخلق السماوات والأرض وعلة له، وحق كل ماهية ونوع هو ما يحق أن يتصرف به من الكمال في خصائصه وأنه به حقيق كما يقول الأب لابنه القائم ببره: أنت ابني حقاً، ألا ترى أنهم جعلوا تعريف النكرة بلام الجنس دالاً على معنى الكمال في نحو: أنت الحبيب، لأن اسم الجنس في المقام الخطابي يؤذن بكماله في صفاته، وإنما يعرف حق كل نوع بالصفات التي بها قابليته، ومن ينظر في القابليات التي أودعها الله تعالى في أنواع المخلوقات يجد كل الأنواع مخلوقة على حدود خاصة بها إذا هي بلغتها لا تقبل أكثر منها؛ فالفرس والبقرة والكلب الكائنات في العصور الخالية وإلى زمن آدم لا تتجاوز المتأخرة من أمثالها حدودها التي كانت عليها فهي في ذلك سواءٌ. دلت على ذلك تجارب الناس الحاضرين لأجيالها الحاضرة، وأخبارُ الناس الماضين عن الأجيال المعاصرة لها، وقياسُ ما كان قبل أزمان التاريخ على الأجيال التي انقرضت قبلها حاشا نوع الإنسان فإن الله فَطَره بقابلية للزيادة في كمالات غير محدودة على حسب أحوالِ تجدُّدِ الأجيال في الكمال والارتقاء وجعله السلطان على هذا العالم والمتصرف في أنواع مخلوقات عالَمِه كما قال {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً}تفسير : [البقرة: 29] وذلك بما أودع فيه من العقل. ودلت المشاهدة على تفاوت أفراد نوع الإنسان في كمال ما يصلح له تفاوتاً مترامي الأطراف، كما قال البحتري:شعر : ولم أر أمثال الرجال تفاوتاً لدى الفضل حتى عُدّ ألف بواحد تفسير : فدلت التجربة في المشاهدة كما دلت الأخبار عن الماضي وقياس ما قبل التاريخ على ما بعده، كل ذلك دل على هذا المعنى، ولأجل هذا التفاوت كلف الإنسان خالقُه بقوانين ليبلغ مرتقى الكمال القابل له في زمانه، مع مراعاة ما يحيط به من أحوال زمانه، وليتجنب إفساد نفسه وإفساد بني نوعه، وقد كان ما أعطيه نوع الإنسان من شُعب العقل مخوِّلاً إياه أن يفعل على حسب إرادته وشهوته، وأن يتوخّى الصواب أو أن لا يتوخّاه، فلما كلفه خالقهُ باتباع قوانين شرائعه ارتكب واجتنب فالتحق تارة بمراقي كماله، وقصَّر تارة عنها قصوراً متفاوتاً، فكان من الحكمة أن لا يُهمَل مسترسلاً في خطوات القصور والفساد، وذلك إما بتسليط قوة مُلْجِئَة عليه تستأصل المفسد وتستبقي المصلح، وإما بإراضته على فعل الصلاح حتى يصير منساقاً إلى الصلاح باختياره المحمود، إلا أن حكمة أخرى ربانية اقتضت بقاء عمران العالم وعدمَ استئصاله، وبذلك تعطل استعمال القوة المستأصلة، فتعين استعمال إراضته على الصلاح، فجمع الله بين الحكمتين بأن جعل ثواباً للصالحين على قدر صلاحهم وعقاباً للمفسدين بمقدار عملهم، واقعاً ذلك كلُّه في عالم غير هذا العالم، وأبلغ ذلك إليهم على ألسنة رسله وأنبيائه إزالة للوصمة، وتنبيهاً على الحكمة، فخاف فريق ورجا فارتكب واجتنب، وأعرض فريق ونأى فاجترح واكتسب، وكانَ من حق آثار هاته الحِكم أن لا يُحرم الصالح من ثوابه، وأن لا يفوتَ المفسد بمَا به ليظهر حق أهل الكمال ومَن دونهم من المراتب، فجعل الله بقاء أفراد النوع في هذا العالم محدوداً بآجال معينة وجعل لبقاء هذا العالم كله أجلاً معيناً، حتى إذا انتهت جميع الآجال جاء يوم الجزاء على الأعمال، وتميز أهل النقص من أهل الكمال. فكان جَعْل الآجال لبقاء المخلوقات من جملة الحق الذي خُلقت ملابِسةً له، ولذلك نُبّه عليه بخصوصه اهتماماً بشأنه، وتنبيهاً على مكانه، وإظهاراً أنه المقصدُ بكيانه، فعطفه على الحق للاهتمام به، كما عطف ضده على الباطل، في قوله {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}تفسير : [المؤمنون: 115] فقال {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى}. وقد مضى في سورة الأنعام (73) قوله {أية : وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} تفسير : الآية. وفائدة ذكر السماوات هنا أنّ في أحوال السماوات من شمسها وكواكبها وملائكتها ما هو من جملة الحق الذي خلقت ملابسة له، أما ما وراء ذلك من أحوالها التي لا نَعرف نسبة تعلقها بهذا العالم، فنَكِلُ أمره إلى الله ونقيسُ غائبه على الشاهد، فنُوقنُ بأنه ما خُلق إلا بالحق كذلك. فشواهد حقيَّة البعث والجزاء بادية في دقائق خلق المخلوقات، ولذلك أعقبه بقوله {وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون}، وهذا كقوله تعالى {أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون}تفسير : [المؤمنون: 115]. والمسمَّى: المقدَّر. أطلقت التسمية على التقدير، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ونُقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى} تفسير : في سورة الحج (5). وعند قوله تعالى {أية : ولولا أجل مسمّى لجاءهم العذاب} تفسير : في سورة العنكبوت (53). وجملة {وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون} تذييل. وتأكيده بــــ {إن}لتنزيل السامع منزلة من يشك في وجود من يجحد لقاء الله بعد هذا الدليل الذي مضى بَلْهَ أن يكون الكافرون به كثيراً. والمراد بالكثير هنا: مشركو أهل مكة وبقية مشركي العرب المنكرين للبعث ومن ماثلهم من الدهريين. ولم يعبر هنا بــــ {أية : أكثر الناس}تفسير : [العنكبوت: 60] لأن المثبتين للبعث كثيرون مثل أهل الكتاب والصابئة والمجوس والقبط.
الشنقيطي
تفسير : لما بين جل وعلا أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون، ثم ذكر أنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم غافلون، أنكر عليهم غفلتهم عن الآخرة، مع شدة وضوح أدلتها بقوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} الآية؛ والتفكر التأمل، والنظر العقلي، وأصله إعمال الفكر، والمتأخرون يقولون الفكر في الاصطلاح حركة النفس في المعقولات. وأما حركتها في المحسوسات فهو في الاصطلاح تخييل. وقال الزمخشري في الكشاف: في أنفسهم يحتمل أن يكون ظرفاً كأنه قيل: أو لم يحدثوا التفكر في أنفسهم: أي في قلوبهم الفارغة من الفكر، والفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكنه: زيادة تصوير لحال المتفكرين كقولك: اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك، وأن يكون صلة للتفكر كقولك: تفكر في الأمر أجال فيه فكره، وما خلق متعلق بالقول المحذوف، معناه: أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول. وقيل معناه: فيعلموا، لأن في الكلام دليلاً عليه إلا بالحق، وأجل مسمى أي ما خلقها باطلاً وعبثاً بغير غرض صحيح، وحكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب، والثواب، والعقاب. ألا ترى إلى قوله: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 115] كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثاً، والباء في قوله: إلا بالحق مثلها في قولك: دخلت عليه بثياب السفر، واشترى الفرس بسرجه ولجامه، تريد: اشتراه وهو متلبس بالسرج واللجام غير منفك عنهما، وكذلك المعنى: ما خلقها إلا وهي متلبسة بالحق مقترنة به. فإن قلت: إذا جعلت في أنفسهم صلة للتفكر فما معناه؟ قلت: معناه أو لم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات وهم أعلم، وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فتدبروا ما أودعها الله ظاهراً، وباطناً من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من انتهاء إلى وقت يجازيها فيه الحكم الذي دبر أمرها على الإحسان إحساناً، وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جار على الحكمة والتدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، والمراد بلقاء ربهم الأجل المسمى. انتهى كلام صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن خلقه تعالى للسماوات والأرض، وما بينهما لا يصح أن يكون باطلاً، ولا عبثاً بل ما خلقهما إلا بالحق، لأنه لو كان خلقهما عبثاً لكان ذلك العبث باطلاً ولعباً، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، بل ما خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما بينهما إلا بالحق، وذلك أنه يخلق فيهما الخلائق، ويكلفهم فيأمرهم وينهاهم ويعدهم ويوعدهم، حتى إذا انتهى الأجل المسمى لذلك بعث الخلائق، وجازاهم فيظهر في المؤمنين صفات رحمته ولطفه وجوده وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، وتظهر في الكافرين صفات عظمته، وشدة بطشه، وعظم نكاله، وشدة عدله، وإنصافه، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الدخان: 38ـ40] فقوله تعالى: {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} الآية بعد قوله {مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقّ} يبين ما ذكرنا. وقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ} تفسير : [الحجر: 85] الآية. فقوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَة} بعد قوله: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} يوضح ذلك، وقد أوضحه تعالى في قوله: {أية : وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} تفسير : [النجم: 31]. وقد بين جل وعلا أن الذين يظنون أنه خلقهما باطلاً لا لحكمة الكفار وهددهم على ذلك الظن الكاذب بالويل من النار، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 27]، وبين جل وعلا أنه لو لم يبعث الخلائق ويجازهم، لكان خلقه لهم أولاً عبثاً، ونزه نفسه عن ذلك العبث سبحانه وتعالى عن كل ما يليق بكماله وجلاله علواً كبيراً، وذلك في قوله تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [المؤمنون: 115ـ116]. فهذه الآيات القرآنية تدل على أنه تعالى ما خلق الخلق إلا بالحق، وأنه لا بد باعثهم، ومجازيهم على أعمالهم، وإن كان أكثر الناس لا يعلمون هذا، فكانوا غافلين عن الآخرة كافرين بلقاء ربهم. وقوله تعالى في الآيات المذكورة وما بينهما: أي ما بين السماوات والأرض، يدخل فيه السحاب المسخر بين السماء والأرض، والطير صافات، ويقبض بين السماء والأرض والهواء الذي لا غنى للحيوان عن استنشاقه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 8- أَطُمِسَ على أعينهم وقلوبهم ولم يتفكروا فى أمر أنفسهم ليعرفوا مصيرهم؟ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما من كواكب وغيرها إلا مقرونة بالجد، مصحوبة ومحدودة بوقت تنتهى عنده، وإن كثيراً من الناس بلقاء الله وقيام الساعة لجاحدون. 9- أَلَزِمُوا وطنهم ولم يسيروا فى أرجاء الأرض ليشاهدوا كيف كانت نهاية الذين كفروا من قبلهم؟ كانوا أشد من هؤلاء الكافرين الحاضرين قوة، وقلبوا وجه الأرض، ليستخرجوا ما فيها من مياه ومعادن وزروع، وعمروا الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء، وجاءتهم رسل الله بالمعجزات الواضحات فكفروا، فأخذهم الله - لأنه ما كان ليجزيهم من غير ذنب، ولا ليأخذهم قبل تذكيرهم وإمهالهم - ولكن كان هؤلاء لا يظلمون إلا أنفسهم. 10- ثم كانت نهاية الذين ارتكبوا أشد ألوان الإساءة أن جحدوا آيات الله، وكانوا يُحقِّرون من شأنها. 11- الله - سبحانه وتعالى - ينشئ خلق الناس ابتداء، ثم يُعيد خلقهم بعد موتهم، ثم إليه - وحده - يعودون للحساب والجزاء. 12- ويوم تأتى القيامة ييأس الكافرون من الدفاع عن أنفسهم. 13- ولم يوجد لهم من الذين عبدوهم مع الله شفعاء، وكانوا فى الدنيا بسببهم كافرين. 14- ويوم تقوم الساعة - يوم إذ تقوم - يذهب كل فريق إلى مصيره الأبدى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: في أنفسهم: أي كيف خُلقوا ولم يكونوا شيئا، ثم كيف أصبحوا رجالا. إلا بالحق: أي لم يخلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي هو العدل. وأجل مسمى: وهو نهاية هذه الحياة لتكون الحياة الثانية حياة الجزاء العادل. بلقاء ربهم لكافرون: أي بالبعث والوقوف بين يدي الله ليسألهم ويحاسبهم ويجزيهم. وأثاروا الأرض: قلبوها للحرث والغرس والإِنشاء والتعمير. وعمروها: أي عمروا الأرض عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء المشركون. وجاءت رسلهم بالبينات: أي بالدلائل والحجج والبراهين من المعجزات وغيرها. ولكن كانوا أنفسهم يظلمون: أي بتكذيبهم وشركهم ومعاصيهم فعرضوا أنفسهم للهلاك. أساءوا السوأى: أي بالتكذيب والشرك والمعاصي والسوءى هي الحالة الأسوأ. أن كذبوا بآيات الله: أي بتكذيبهم بآيات الله القرآنية واستهزائهم بها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المنكرين للبعث الآخر إلى الإِيمان به من طريق ذكر الأدلة العقلية التي تحملها الآيات القرآنية فقوله تعالى {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ} أي أيُنكرون البعث ولم يتفكروا في أنفسهم كيف كانوا عدماً ثم وجدوا أطفالاً ثم شبابا ثم رجالا كهولا وشيوخا ثم يموتون أليس القادر على خلقهم وتربيتهم ثم إماتتهم قادر على بعثهم وحسابهم ومجازاتهم على كسبهم في هذه الحياة الدنيا وقوله تعالى {مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي لم يخلقهما عبثاً بل خلقهما ليّذكر ويُشكر، ثم إذا تم الأجل المحدد لهما أفناهما ثم بعث عباده ليحاسبهم هل ذكروا وشكروا أو تركوا ونسوا وكفروا ثم يجزيهم بحسب إيمانهم وطاعتهم أو كفرهم وعصيانهم. وقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} يخبر تعالى أنه مع ظهور الأدلة وقوة الحجج على صحة عقيدة البعث والجزاء فإِن كثيراً من الناس كافرون بالبعث والجزاء وقوله تعالى في الآية [9] {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي أيكذِّب أولئك المشركون بالبعث والجزاء ولم يسيروا في الأرض شمالا وجنوبا فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم هلاكاً ودماراً، {كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} بالإِنشاء والتعمير والزراعة والفلاحة {وَعَمَرُوهَآ} عمارة أكثر مما عَمَرَها هؤلاء، {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ}، ولما أهلكهم لم يكن ظالماً لهم بل كانوا هم الظالمين لأنفسهم. أليس في هذا دليلا على حكمة الله وعلمه وقدرته فكيف ينكر عليه بعثه لعباده يوم القيامة لحسابهم ومجازاتهم؟. وقوله تعالى {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ} أي الأعمال فلم يصلحوها حيث كذَّبوا برسل الله وشرائعه. وقوله: {ٱلسُّوۤأَىٰ} أي عاقبة الذين أساءوا السُّوأى أي العاقبة السوأى وهو خسرانهم وهلاكهم، وقوله {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي من أجل أنهم كذبوا بآيات الله {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} وأصروا على ذلك ولم يتوبوا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة العقلية المثبتة لها. 2) كفر أكثر الناس بالبعث مع كثرة الأدلة وقوتها. 3) مشروعية السير في الأرض للاعتبار مع اشتراط عدم حصول إثم في ذلك بترك واجب أو بفعل محرم. 4) بيان جزاء الله العادل في أنَّ عاقبة الإِساءة السوأى. 5) كفر الاستهزاء بالشرع وأحكامه والقرآن وآياته.
القطان
تفسير : أثاروا الأرض: حرثوها وأصلحوها. عمروها: بالبناء والعمران. السَّوأى: الحالة السيئة، وهي مؤنث الاسوأ. يُبلِسُ المجرمون. ييأس المجرمون. في روضة: الروضة هي الأرض ذات النبات والماء المعني في رضوان الله. يحبُرون: يسرون. محضَرون: مدخلون فيه. لمّا أنكَرَ المشركون الإله، والبعث كما قال {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}، أردف هذا بأن الأدلة متظاهرةٌ ومحسوسة في الأنفس والآفاق على وجوده وتفرده بخلْقها، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه. وأن الأنفسَ لم تُخلق سدى ولا باطلا، بل بالحق، وأنها مؤجَّلة الى اجل محدودٍ هو يوم القيامة. ثم امرهم بالسير في اقطار الأرض ليعلموا حالَ المكذبين من الأمم قبلهم، وقد كانوا أشد منهم قوة، وزرعوا الأرض وعمروا البلاد اكثر من قريش - لكنّهم كذبّوا رسلهم فأهلكهم الله، ثم كانت نهايتُهم. فلتأخذ قريش عبرة من ذلك. قراءات: قرأ ابن عامر والكوفيون: ثم كان عاقبةَ بالنصب، والباقون: عاقبةُ بالضم. {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.... } الآيات. يبين الله ان هناك حياةً ثانية فيها الحسابُ والجزاء، وان الله قادر على اعادة هذا الخلق يوم القيامة كما بدأ إنشاءه. ثم يبيّن ما يكون حين الرجوع إليه من إبلاس المجرمين ويأسِهم من الدفاع عن انفسهم، وان شركاءهم لا ينفعونهم ولا يستطيعون الدفاع عنهم، بل يكفرون بهم. يومئذٍ ينقسم الناس الى فريقين: فريقٍ في الجنة عند ربهم في عيشة راضية، وفريقٍ في السعير وبئس المصير. قراءات قرأ ابو بكر وابو عمرو وروح: ثم اليه يرجعون بالياء. والباقون: بالتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {بِلِقَآءِ} {لَكَافِرُونَ} (8) - أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرْ هؤلاءِ المُكَذِّبونَ بِالبَعْثِ، مِنْ قَوْمِكَ، فِي خَلْقِ اللهِ لَهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا شَيئاً، وَتَعَهُّدِهِ لَهُم، حَتَّى صَارُوا كَامِلِي الخَلْقِ وَالعَقْلِ. إِنَّ الذِي فَعَلَ ذَلِكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَهُمْ بَعْدَ فَنَائِهِمْ خَلْقاً جَدِيداً، ثُمَّ يَبْعَثُهُم لُيَجَازِيَ كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، واللهُ تَعَالى لاَ يَظْلِمُ أَحَداً، فَلاَ يُعَاقِبُ مَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ ذَنْباً، وَهُوَ تعالى لَمْ يَخْلُقِ السَّماوَاتِ والأَرْضِ إِلاَ بالعَدْلِ، وَإِقَامَةِ العَدْلِ وَالحَقِّ، إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى. فإِذا جَاءَ الأَجَلُ أَفْنَى اللهُ ذَلِكَ الخَلْقَ كُلَّهُ، وَبَدَّلَهُ، فَأَصْبَحَتِ الأَرْضُ غَيرَ الأَرْضِ، وحَشَرَ النَّاسَ لِلحِسَابِ، وَلكِنَّ كَثيراً مِنَ النَّاسِ غَفَلُوا عَنِ الآخِرَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ حِسَابٍ وَجَزَاءٍ، لأَنَّهم لَمْ يَتَفكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم، وَلَوْ تَفَكَّرُوا فِيها، وَدَرَسُوا عَجَائِبَها لأَيقَنُوا بِلِقَاءِ اللهِ. أَجَلٍ مُسَمّى - وَقْتٍ مُقَدَّرٍ لِبَقَائِهَا.
الثعلبي
تفسير : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} يعني ولوقت معلوم إذا انتهت إليه فُنيت، وهو يوم القيامة. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} حرثوها وقلّبوها للزراعة والعمارة. {وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} فلم يؤمنوا وأهلكهم الله عزّ وجلّ. {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ} العمل {ٱلسُّوۤأَىٰ} يعني الخلّة التي تسوؤهم وهي النار. وقيل: (السّوأى) اسم لجهنّم كما أنّ (الحسنى) اسم للجنة. {أَن كَذَّبُواْ} يعني لأن كذّبوا. وقيل: تفسير (السّوأى) ما بعدها وهو قوله: {أَن كَذَّبُواْ} يعني: ثمّ كان عاقبة المسيئين التكذيب حملهم تلك السيئات على أنْ كذَّبوا {بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} استهزءوا بها. { ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ}. روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (يبلس) يكتئب. أبو يحيى عنه: يفتضح. قتادة ومقاتل والكلبيّ: بياءين، ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به البلاء والشّرّ. الفرّاء: ينقطع كلامهم وحججهم. أبو عبيدة: يندمون، وأنشد: شعر : يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا تفسير : وقرأ السلمي {يُبْلِسُ} بفتح اللاّم، والأوّل أجود. {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ} أوثانهم التي عبدوها من دون الله ليشفعوا لهم {شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ} جاحدين وعنهم متبرّين. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ} بستان {يُحْبَرُونَ} قال ابن عبّاس: يكرمون. مجاهد وقتادة: ينعمون. أبو عبيدة: يسرّون، ومنه قيل: كلّ حبرة تتبعها عبرة. وقال العجاج: شعر : فالحمدُ لله الذي أعطى الحبر موالي الحقّ إن المولى شكر تفسير : أي السرور. وقال بعضهم: الحبرة في اللغة كلّ نعمة حسنة. والتّحبير: التحسين. ومنه قيل للمداد: حبر لأنّه يُحسّن به الأوراق. والعالم: حِبْر لأنّه متخلّق بأخلاق حسنة، وقال الشاعر: يحبرها الكاتب الحميري. وقيل: يحبرون يلذّذون بالسّماع. أخبرنا عبدالله بن حامد، عن حامد بن محمد بن عبدالله عن محمد بن يونس، عن روح عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال: السماع في الجنّة. أخبرني الحسين بن محمد بن عبدالله عن ابن شنبه، عن عمير بن مرداس عن سلمة بن شبيب عن عبد القدّوس بن الحجّاج قال: سمعت الأوزاعي يقول: {فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال: السّماع. وقال: إذا أخذ في السّماع لم يبق في الجنّة شجرة إلاّ وَرّدَت. وبه عن سلمة بن شبيب عن داود بن الجرّاح، العسقلاني قال: سمعت الأوزاعي يقول: ليس أحد ممّن خلق الله أحسن صوتاً من إسرافيل؛ فإذا أخذ في السّماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم. وأخبرنا الحسين بن محمد الدينوري، عن أحمد بن الحسن بن ماجه القزويني، عن الحسن ابن أيّوب، عن عبدالله بن عراد الشيباني قالا: أخبرنا القاسم بن مطيب العجلي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين منها كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها سموّاً وأوسطها محلّه، ومنها تنفجر أنهار الجنّة، وعليها يوضع العرش يوم القيامة ". تفسير : فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله إنّي رجل حُبّب إليّ الصّوت، فهل في الجنّه صوت حسن؟ قال: إي والذي نفسي بيده، إنَّ الله سبحانه ليوحي إلى شجرة في الجنّة أن أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عَزف البرابط والمزامير، فترفع صوتاً لم يسمع الخلائق مثله قط من تسبيح الرّبّ وتقديسه. وأخبرني الحسين بن محمد عن هارون، عن محمّد بن هارون العطّار، عن حازم بن يحيى الحلواني، عن الوليد بن عبد الملك، عن مسروح الحرّاني، عن سليمان بن عطاء، عن سلمة بن عبدالله الجهني، عن عمّه، عن أبي الدرداء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكّر الناس فذكر الجنّة وما فيها من الأزواج والنعيم وفي (آخر) القوم أعرابي فجثا لركبتيه وقال: يا رسول الله هل في الجنّة من سماع؟ قال: "حديث : نعم يا إعرابي إنّ في الجنّة لنهراً حافتاه الأبكار من كلّ بيضاء خوصانية، يتغنّين بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها، فذلك أفضل نعيم أهل الجنّة ". تفسير : قال: فسألت أبا الدرداء بِمَ يتغنّين؟ قال: بالتسبيح إن شاء الله. قال: والخوصانية: المرهفة الأعلى الضخمة الأسفل. وأخبرني الحسين بن محمد عن أحمد بن محمد بن علي الهمداني عن علي بن سعيد العسكري قال: أخبرني أبو بدر عبّاد بن الوليد الغُبري، عن محمّد ابن موسى الخراساني عن عبدالله بن عرادة الشيباني، عن القاسم بن مطيب عن مغيرة عن إبراهيم قال: "إنّ في الجنّة لأشجاراً عليها أجراس من فضّة فإذا أراد أهل الجنّة السماع بعث الله عزّ وجلّ ريحاً من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرّك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الأرض لماتوا طرباً". وأخبرني الحسين، عن أبي شنبه وعبدالله بن يوسف قالا: قال محمد بن عمران، عن محمد بن منصور، قال: أخبرني يحيى بن أبي الحجّاج، عن عبدالله بن مسلم عن مولى لبني أُميّة يقال له: سليمان، قال: سمعت أبا هريرة يسأل: هل لأهل الجنّة من سماع؟قال: نعم، شجرة أصلها من ذهب وأغصانها فضّة وثمرها اللؤلؤ والزّبرجد والياقوت بعث الله سبحانه وتعالى ريحاً فيحكّ بعضها بعضاً، فما سمع أحد شيئاً أحسن منه. قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ * فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} فصلّوا لله {حِينَ تُمْسُونَ} وهو صلاة العصر والمغرب {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} صلاة الصبح {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً} وهو صلاة العشاء الآخرة. أيّ وسبّحوه عشياً {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} صلاة الظهر. أخبرنا عبدالله بن حامد الوزّان عن أحمد بن محمد بن الحسين الحافظ، عن محمد بن يحيى، عن عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال نافع بن الأزرق لابن عبّاس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}... إلى قوله: {وَحِينَ تُظْهِرُونَ}. حدّثنا أبو بكر بن عبدوس قال: حدّثني أبو بكر الشرقي قال: حدّثني أبو حاتم الرازي قال: حدّثني أبو صالح كاتب الليث، حدّثني الليث، عن سعيد بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن السلماني، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه قال: "حديث : من قال حين يصبح {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}... إلى قوله: {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} أدرك ما فاته في يومهِ، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته ". تفسير : وأخبرني محمد بن القاسم بن أحمد قال: كتب إليّ عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي أنّ زيد بن محمد بن خلف القرشي حدّثهم عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمي، عن الماضي بن محمد عن جويبر، عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} هذه الآيات الثلاث من سورة الروم وآخر سورة الصافات دبر كلّ صلاة يصلّيها كُتِبَ له من الحسنات عدد نجوم السماء وقطر المطر وعدد ورق الشجر وعدد تراب الأرض، فإذا مات أُجري له بكلّ حسنة عشر حسنات في قبره ". تفسير : وأخبرني عبدالله بن فنجويه، عن ابن شنبه وأحمد بن جعفر بن حمدان والفضل بن الفضل قالوا: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام الزنجاني، عن الحجّاج بن يوسف بن قتيبة بن مسلم، عن بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}... إلى قوله: {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180]... إلى قوله: {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الصافات: 182] ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه عن عمر بن أحمد بن القاسم عن محمد بن عبد الغفّار عن حبارة بن المغلس عن كثير عن الضحاك قال: من قال: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} إلى آخر الآية كان له من الأجر كعدل مائتي رقبة من ولد إسماعيل (عليه السلام). وأخبرني ابن فنجويه عن ابن شنبه عن علي بن محمد الطيالسي، عن يحيى بن آدم عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد العمي، عن محمد بن واسع، عن كعب قال: من قال حين يصبح: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} إلى آخر الآية، لم يفتهُ خير كان في يومه ولم يدركه شرّ كان فيه، ومن قالها حين يمسي لم يدركه شرّ كان في ليلِهِ ولم يفتهُ خير كان في ليلِهِ، وكان إبراهيم خليل الله صلّى الله عليه يقولها في كلّ يوم وليلة ست مرّات.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المعنى: أن يكون ذلك منهم: لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، ويغفلون عن الآخرة، ولم يتفكروا في أنفسهم، فيأتي لهم بالدليل مرة في أنفسهم، ومرة في السماوات والأرض. الدليل في الأنفس يقول لك: فكِّر في نفسك. أي: اجعلها موضوع تفكيرك، وتأمل ما فيها من أسرار دالة على قدرة الخالق عز وجل، فإلى الآن ومع ما توصَّل إليه العلم ما زال في الإنسان أسرار لم تُكتشف بعد. تأمل في مقومات حياتك: الأكل والشرب والتنفس، وكيف أنك تصبر على الطعام حتى شهر، تتغذى من المخزون في جسمك، وتصبر على الماء من ثلاثة إلى عشرة أيام على مقدار ما في جسمك من مائية، لكنك لا تصبر على الهواء إلا بمقدار شهيق وزفير. لذلك من حكمته تعالى حين أمَّن للبشر هذه المقوِّمات أنْ جعل مدة صبرك على الطعام أطول، لأن طعامك قد يحتكره غيرك، فتحتاج إلى طلبه والسَّعْي إليه، أما الماء فمدة الصبر عليه أقل، لذلك جعل الحق سبحانه احتكار الماء قليلاً. أما الهواء الذي لا تصبر عليه إلا بمقدار شهيق وزفير، فمن حكمة الله تعالى ألاَّ يُملَّك لأحد أبداً، وإلا لو احتكر الناسُ الهواء لما استقامت الحياة، فلو منعك صاحب الهواء هواءه لمتَّ قبل أنْ يرضى عنك. تأمل في نفسك حين تأكل الطعام، وفيك مدخلان متجاوران: القصبة الهوائية، وهي مجرى الهواء للرئتين، والبلعوم وهو مجرى الطعام للمعدة، تأمل ما يحدث لك إنْ دخلتْ حبة أرز واحدة في القصبة الهوائية، فبلا شعور تشرَق بها، وتظل تقاومها حتى تخرج، وتأمل حركة لسان المزمار حين يسد القصبة الهوائية أثناء البلع، هذه الحركة التلقائية التي لا دخلَ لك فيها، ولا قدرة لك عليها بذاتك. تأمل وضع المعدة، وكيف أن الله جعل لها فتحة يُسمونها فتحة الفؤاد، هي التي تُغلق المعدة بإحكام بعد الطعام، حتى لا تؤذيك رائحته بأنْ تتسرب عصارة المعدة إلى الفم فتؤلمك، فمن أصابه خلل في إغلاق هذه الفتحة تجد رائحة فمه كريهة يسمونه (أبخر). كذلك تأمل في عملية إخراج الطعام وكيف تكون طبيعياً مستريحاً؟ وفجأت تحتاج إلى الحمام وإلى قضاء الحاجة، ماذا حدث؟ والأمر كذلك في شربة الماء، ذلك لأن لجسمك طاقة تحمُّل في الأمعاء وفي المثانة، ففي لحظة يزيد الحمل عن الطاقة، فتشعر بالحاجة إلى الإخراج. وهذا مجال لا حصرَ له مهما تقدمتْ العلوم، ومهما بحثنا في أنفسنا، ويكفي أن نقرأ: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21] فدعانا ربنا إلى البحث في أنفسنا قبل البحث فيما حولنا من آيات السماء والأرض؛ لأن أنظارنا قد تقصر عن رؤية ما في السماوات والأرض من آيات، أما نفسي فهي أقرب دليل منك وأقوى دليل عليك. {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ ..} [الروم: 8] أي: فكِّروا في أنفسكم بعيداً عن ضجيج الناس وجدالهم ومِرائهم، فحين تجادل الناس تجد لجاجة وحرصاً على الظهور، ولو بالباطل، إنما حينما تكون مع نفسك تسألها وتتأمل فيها، فلا مُهيج ولا مُعاند، لا تخجل أنْ ينتصر عليك خَصْمك، ولا تطمع في مكانة أو منزلة؛ لذلك تصل بالنظر في نفسك إلى الحقيقة. لذلك يخاطب القرآن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ..} تفسير : [سبأ: 46] يعني: يا مَنْ تفكِّرون في صدق هذا الرسول، وتتهمونه بالكذب والافتراء والسحر .. الخ أريد منكم شيئاً واحداً {أية : أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ..} تفسير : [سبأ: 46] أي: مثنى مثنى، أو منفردين، كلٌّ على حدة {أية : ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} تفسير : [سبأ: 46]. إذن: الطريق إلى الحقيقة لا يكون بالمجادلة الجماهيرية، إنما بتأمل الإنسان مع نفسه، أو مع مثله، فمع الجماعة تتحرك في النفس الرغبة في العْلُو والانتصار؛ لذلك حين تناقش العاقل يقول لك (حسيبك تراجع نفسك) يعني: تفكَّر وحدك بحيث لا تُحرج من أحد، فتكون أقرب للموضوعية وللوصول إلى الحق. وبعد أنْ أمرنا ربنا بالتفكّر في أنفسنا يلفتنا إلى التأمل فيما حولنا من السماوات والأرض {مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ..} [الروم: 8]. وهناك آية أخرى تقدم التفكُّر في السماء والأرض على التفكّر في النفس، هي قوله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [غافر: 57]. لماذا؟ لأن الإنسان قد يموت قبل أنْ يُولد، ويموت بعد عدة سنوات، أو حتى بعد مئات السنين، أما السماوات والأرض بما فيهما من أرض وسماء وشمس وقمر .. إلخ فهي كما هي منذ خلقها الله لم تتغير، وهي تؤدي مهمتها دون تخلُّف، ودون صيانة، ودون أعطال، فهي بحقٍّ أعظم من خَلْق الناس وأكبر. إذن: الآيات والأدلة في أنفسكم وفي السماوات والأرض، لكن أيهما الآية الأقوى؟ قالوا: ما دامت السماوات والأرض أكبر من خَلْق الناس فهي الأقوى، فإن لم تقنع بها فانظر في نفسك؛ لذلك يقول العلماء بالمفيد والمستفيد، المفيد هو الله - عز وجل - فحينما يضرب لي مثلاً يضرب لي بالأقوى، فإنْ لم أُطِقْه يأتي لي بالأقل، والمستفيد هو الذي ينتقل من الأقل للأكبر. ومعنى {وَمَا بَيْنَهُمَآ ..} [الروم: 8] أي: من الكواكب والأفلاك والنجوم التي نشاهدها في جَوِّ السماء، وكانوا في الماضي لما أرادوا أنْ يُقرِّبوا أمور الدين لعقول الناس يقولون: الكواكب السبعة هي السماوات السبع، ووقع فيها علماء كبار، لكن الحقيقة أن هذه الكواكب السبعة كلها دون السماء الدنيا، واقرأ قول الله تعالى: {أية : وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ..} تفسير : [فصلت: 12]. فأين السماء من الكواكب التي نشاهدها؟! أتعلم كم ثانية ضوئية بينك وبين الشمس، أو بينك وبين القمر؟ بيننا وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وبيننا وبين المرأة المسلسلة مائة سنة ضوئية، وبيننا وبين المجرة مليون سنة ضوئية. ولك أن تضرب مليون سنة في 365 يوماً، وتضرب الناتج في 24 ساعة، وتضرب الناتج في ستين دقيقة، ثم في ستين ثانية، ثم تضرب الناتج من ذلك في 300 ألف كيلو، ثم تأمل الرقم الذي وصلتَ إليه. وما أسكتَ القائلين بأن الكواكب السبعة هي السماوات السبع إلا أن العلماء اكتشفوا بعدها كوكباً جديداً حول الشمس، وبعد سنوات اكتشفوا آخر. كذلك حين صعد رواد الفضاء إلى سطح القمر أسرع هؤلاء (الفلاحسة) يقولون: لقد سبق القرآن، وأخبر بهذا في قوله تعالى: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} تفسير : [الرحمن: 33]. وقالوا: إن السلطان هو سلطان العلم الذي مكّننا من اعتلاء سطح القمر، وعجيب أن يقول هذا الكلام علماء كبار، فأين القمر من السماء؟ القمر ما هو إلا ضاحية من ضواحي الأرض كمصر الجديدة بالنسبة للقاهرة، ثم إنْ كان السلطان هنا هو سلطان العلم، فماذا تقولون في قوله تعالى بعدها: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ}تفسير : [الرحمن: 35]. لقد حدث هذا التخبط نتيجة الخلط بين علوم الدين والشريعة، وبين علوم الكونيات، وهذه آفة علماء الدين أنْ يتدخلوا فيما لا علمَ لهم به، فالكونيات يُؤخَذ منها الدليل على عظمة الصانع وقدرته سبحانه، إنما لا يُؤخذ منها حكم شرعي. ورأينا من هؤلاء مَنْ ينكر كروية الأرض، وأنها تدور حول الشمس، ومنهم مَنْ ظن أن علماء الكونيات - مع أنهم كفرة - يعلمون الغيب لأنهم توصَّلوا بحسابات دقيقة لحركة الأرض إلى موعد الخسوف والكسوف، وجاء الواقع وَفْق ما أخبروا به بالضبط. وهذه المسألة - كما سبق أنْ قُلْنا - ليست من الغيب المطلق، بل من الغيب الذي أعطانا الله المقدمات التي توصل إليه، وقد توصّل العلماء إليه بالبحث ودراسة معطيات الكون، ونفهم هذا في ضوء قوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53]. وهذه أيضاً من الآيات التي تُقدّم فيها أدلة السماوات والأرض على أدلة النفس. إذن: فالكونيات تُبنَى على علوم ودراسات، لا دخلَ للدين بها، الدين جاء ليقول لك: افعل كذا، ولا تفعل كذا، ثم ترك الكونيات إلى أنْ تتسع العقول لفهمها. وقوله سبحانه: {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ..} [الروم: 8] لأن السماوات والأرض وما بينهما من الكواكب والأفلاك تسير على نظام ثابت لا يتخلف، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبداً، وتأمل حركة الكواكب والأفلاك تجد أنها تسير وَفْق نظام دقيق منضبط تماماً. فالشمس لم تتخلف يوماً فتقول مثلاً: لن أطلع اليوم على هؤلاء الناس؛ لأنهم ظالمون، لأن لها قانوناً تسير به، وهي مخلوقة بحق ثابت لا يتغير، وما دامتْ هذه الكونيات خلقت بحق وبشيء ثابت فلك أن ترتب عليها حساباتك وتضبط بها وقتك، وأنت لا تضبط وقتك على ساعة إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة. لذلك يقول سبحانه: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5] أي: مخلوقة بحساب؛ ولأنه سبحانه خلقها بحساب جعلها آلة للحساب، فقال: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ * لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 39-40]. ويقول سبحانه: {أية : وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ..} تفسير : [يونس: 5] وهل تعلمون بالقمر عدد السنين والحساب، إلا إذا كان هو مخلوقاً بحساب؟ ومع ذلك، ومع أن الكون خلقه الله بالحق الثابت إياك أن تظن أن ثباته دائم باقٍ؛ لأن الله تعالى خلقه على هيئة الثبات لأجل {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ..} [الروم: 8] فبعد أن ينقضي هذا الأجل الذي أجَّلَه الله تُكوّر الشمس وتنكدر النجوم، وتُبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات، فالأمر ليس مجرد أنْ يتغير الشيء الثابت، إنما يزول وينتهي. ثم يقول سبحانه {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] كنا نجادل الشيوعيين نقول لهم: لقد بالغتم في تعذيب مخالفيكم من الإقطاعيين والرأسماليين، وتعديتم في عقابكم، قالوا: لأنهم ظلموا وأفسدوا في المجتمع، فقلنا لهم: فما بال الذين ظلموا قبل هؤلاء وماتوا ولم ينالوا ما يستحقون من العقاب؟ أليس من العدل أن تقولوا بدار أخرى يُعاقبون فيها على ما اقترفوه؟ ألا يلفتكم هذا إلى ضرورة القيامة، ووجوب الإيمان بها؟ فمن أفلت من أيديكم في الدنيا عاقبه الله تعالى في الآخرة، ثم أنتم تروْنَ مبدأ الثواب والعقاب في كل شيء، فالذي أطلق لنفسه العَنان في الدنيا، وسار فيها على هواه، وعَاثَ في الأرض فساداً، ولم تنلْه يد العدالة فهو الفائز إنْ لم تكُنْ له دار أخرى يُحاسَب فيها. إذن: فالإيمان بالآخرة وبلقاء الله ضرورة يقتضيها المنطق السليم، ومع ذلك يكفر بها كثير من الناس {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8]. فالمؤمن يجب أن يكون على ثقة بهذا اللقاء؛ لأن قوانين الأرض إنما تَحْمي من ظاهر المنكر، وأما باطن المنكر فلا يعلمه إلا الله، فلا بُدَّ من فترة يُعاقب فيها أصحاب باطن المنكر.
الجيلاني
تفسير : {أَ} يقنعون بهذه المزخرفات الفانية الضالون الغافلون، ويرضون أنفسهم بلذاتها الوهمية وشهواتها البهيمية {وَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} ويتدبروا في آلاء الله ونعمائه الفائضة على الترادف والتوالي في الآفاق على الصور العجيبة، والهيئات الغريبة، سيما {فِيۤ أَنفُسِهِمْ} التي هي أقرب الأشياء إليهم، وأبدعها نظماً وتركيباً، وأعجبها ظهوراً، وأشملها تصرفاً، وأكملها علماً ومعرفة، وأعلاها شأناً، وأوضحها برهاناً؛ لذلك ما وسع الحق إلا فيها، وما انعكس أوصافه وأسماؤه إلا منها، واستحقت هي بخصوصها من بين مظاهره سبحانه لخلافته ونيابته، ايطمئنون بهذه المزخرفات الزائلة الخسيسة، ولم يعبروا منها إلى مبادئها التي هي الأوصاف الذاتية والأسماء الإلهية، مع أنهم مجبولون على الجواز والعبرة بحسب أصل الفطرة ولم يعلموا، ولم يفهموا أنه {مَّا خَلَقَ} وأظهر {ٱللَّهُ} الحكيم المتقن في جميع أفعاله {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: العلويات والسفليات {وَمَا بَيْنَهُمَآ} من البرازخ المتكونة من امتزاجاتهما واختلاطاتهما أثراً وأجزاءً {إِلاَّ} ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} ومنتهياً إليه إعادةً وإبداءً، لكنه قدر بقاءه وظهوره بوقت معين. {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} عنده، وحين انقضائه انتهى إليه ورجع نحوه ما ظهر من الموجود، وانتفى وفني ما لمع عليه نور الوجود، وحينئذٍ لم يبق في فضاء الوجود إلا الواحد القهار للأظلال الأغيار {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على الكفران والنسيان {بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ} في النشأة الأخرى {لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] منكرون جاحدون عتواً واستكباراً؛ بسبب ما عندهم من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية. {أَوَلَمْ يَسيرُواْ} أولئك المسرفون المفرطون {فِي} أقطار {ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} بنظرة العبرة {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} أمر المسرفين {ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} كعاد وثمود، مع أنهم {كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} لدلالة أظلالهم وآثارهم على تمكنهم {وَ} من دلائل قوتهم أنهم {أَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} وقلبوها للمعادن وإخراج العيون، وإجراء الأنهار، وإحداث الزروع وغير ذلك {وَ} بالجملة: {عَمَرُوهَآ} أولئك فيمامضى {أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} هؤلاء اليوم، فدل زيادة عمارتهم على ازدياد قوتهم وتمكنهم. {وَ} بعدما أفسدوا على أنفسهم بأنواع الفسادات مباهياً بمالهم وجاههم، قلبنا عليهم أمرهم بأن أرسلنا إليهم رسلاً مؤيدين بأنواع المعجزات، فلما {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} القاطعة والبراهني الساطعة، فلجأوا على تكذيبهم وإنكارهم بلا تأمل وتدبر فيما جاءوا به، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر، فاستأصلناهم وقلبنا عليهم أماكنهم، وخرجنا بلادهم ومزارعهم {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ} العزيز المتقدر الحكيم المتقن {لِيَظْلِمَهُمْ} أي: يفعل بهم فعل الظلمة بأخذهم وبطشهم بلا جرم صدر عنهم موجب لانتقامهم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9] أي: يظلمون أنفسهم بعتوهم واستكبارهم على ضعفاء عباد الله، تكذيب خلَص أنبيائه وأوليائه، وخروجهم عن مقتضى حدوده سبحانه. {ثُمَّ كَانَ} بعدما تمادوا في الغفلة والعصيان، وتكذيب الرسل، والاستكبار على عباد الله وأنواع الإساءة مع رسله {عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ} مع الله ورسوله والمؤمنين {ٱلسُّوۤأَىٰ} أي: الخصلة الذميمة والعاقبة الوخيمة المترتبة على إساءتهم في الأخرى جزاء ما كانوا عليها في الأولى، كل ذلك بواسطة {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} وأنكروا عليها، واستخفوا بها ولمن أُنزلت عليه {وَكَانُواْ} من غاية عتوهم واستكبارهم {بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} [الروم: 10] ويستسخرون، ونسبون إليها ما لا يليق بشأنها افتراءً ومراءً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} [الروم: 8] بالعقل السليم {فِيۤ أَنفُسِهِمْ} [الروم: 8] أي: في خلق أنفسهم وكمالية استعدادها أنه {مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الروم: 8] سماوات الروحانية والأرض أرض النفسانية {وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} [الروم: 8] أي: مظهر لصفات الحق فإنها مخصوصة من الموجودات بمرآة صفات جماله وجلاله. {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} [الروم: 8] يعني: بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلب عن صدأ الأوصاف الذميمة النفسانية، والأجل المسمى هو صفاء القلب وتوجهه إلى الحق تعالى شوقاً إلى لقائه {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} [الروم: 8] من الناسين أي لا من المؤمنين الذاكرين، {بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] أي: مع أنهم عن الشهود لمعزولون بالإيمان بلقائه أيضاً، لكافرون جاحدون منكرون كالمعتزلة وتابعيهم. ثم أخبر أن بالسير يحصل اعتبار الأخيار بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} [الروم: 9] يشير إلى طلبة العلم الذين يشرعون في علوم غير نافعة بل مضرة مثل الكلام والمنطق والمعقولات فتؤثر عليهم عقيدتهم على مذهب أهل السنة والجماعة، وإن وقعوا في أدنى شك في الكفر فيقول لهم: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أرض البشرية والسير فيها إنما يكون بالعبور عليها والخروج عنها وتبديلها بالأخلاق الحميدة الروحانية لتزكي النفس عن لوث هذه الصفات مثل الكبر والغضب والحقد والحرص والشهوات والشره والحسد، وأمثالها من المذمومات وتصفي القلب عن ظلمته ورينه وتخلص الروح عن حجبها وتتجلى بحلية نور الإيمان {فَيَنظُرُواْ} بعد ذلك بنور الإيمان الحقيقي. {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [الروم: 9] من الفلاسفة أنهم كانوا أشد منهم قوة في علم المقال، {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} [الروم: 9] أرض البشرية بالرياضة والمجاهدة {وَعَمَرُوهَآ} بتبديل الأخلاق والاستدلال بالدلائل العقلية والبراهين المنطقية {أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم: 9] المتأخرون؛ لأنهم كانوا أطول أعماراً منهم فوسوس لهم الشيطان وغرهم بعلومهم العقلية واستبدت نفوسهم بها وظنوا أنهم غير محتاجين إلى الشرائع ومتابعة الأنبياء. {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} [الروم: 9] بالمعجزات الظاهرة فلم يؤمنوا بها ونسبوها إلى السحر والنيرنج واعتمدوا على سؤلات نفوسهم من الشبهات بحسبان أنها من البراهين القاطعة فأهلكهم الله في أودية الشكوك والخيال، {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} بالابتلاء بهذه الآفات بأن يكلهم إلى وساوس الشيطان وهواجس نفوسهم ولا يرسل إليهم الرسل ولا ينزل معهم الكتب {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9] بتكذيب الأنبياء ومتابعة الشيطان وعبادة الهوى. {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ} [الروم: 10] أي: عاقبة أمر الفلاسفة الذين هم مكذبوا الأنبياء لما أساءوا بتكذيب الأنبياء بأن صاروا أئمة الكفرة وصنعوا الكتب في الكفر وأوردوا فيها الشبهات على بطلان ما جاء به الأنبياء من الشرائع والتوحيد وسمو الحكمة وسمو أنفسهم الحكماء فالآن بعض المتعلمين من الفقهاء، إما لوفور حرصهم على العلم والحكمة، وإما لخباثة الجوهر، وليتخلصوا من تكاليف الشرع، يطالعون تلك الكتب ويتعلمونها، وبتلك الشبهات التي درسوا بها كتبهم يهلكون في أودية الشكوك ويقعون في الكفر. وهذه الآفة وقعت في الإسلام من المتقدمين والمتأخرين منهم، فكم من مؤمن عالم فسدت عقيدتهم بهذه الآفة وأخرجوا ربقة الإسلام من عنقهم فصاروا من جملتهم، ودخلوا في زمرتهم داخل هذه الآفة يبقى في هذه الأمة إلى قيام الساعة فإن كل يوم يزدادون ويقل طلبة علوم الدين من التفسير والأحاديث والمذهب، ويكثر طلبة علوم الفلسفة والزندقة ويسمونها الأصول والكلام. وقد قال الشافعي رضي الله عنه: "من تكلم تزندق" ثم وبال هذه الجملة إلى قيام الساعة يكتب في ديوان من سن هذه السنة السيئة ومن أوزار من عمل من غير أن ينقص من أوزارهم شيء على أن كذبوا بآيات الله بالقرآن واستهزءوا بها وسموا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصحاب النواميس وسموا الشرائع الناموس الأكبر عليهم لعائن الله تترى. وبقول: {ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم: 11] يشير إلى أنه تعالى كما بدأ روح الإنشاء ورده إلى أسفل سافلين القالب، ثم يعيده بطريق السير والسلوك على المعاملات والمنازل التي أنزل عليها إلى عالم الأرواح ثم بجذبة ارجعي إليه ترجعون.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أفلم يتفكر هؤلاء المكذبون لرسل اللّه ولقائه { فِي أَنْفُسِهِمْ } فإن في أنفسهم آيات يعرفون بها أن الذي أوجدهم من العدم سيعيدهم بعد ذلك وأن الذي نقلهم أطوارا من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى آدمي قد نفخ فيه الروح إلى طفل إلى شاب إلى شيخ إلى هرم، غير لائق أن يتركهم سدى مهملين لا ينهون ولا يؤمرون ولا يثابون ولا يعاقبون. { مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ } [أي] ليبلوكم أيكم أحسن عملا. { وَأَجَلٍ مُسَمًّى } أي: مؤقت بقاؤهما إلى أجل تنقضي به الدنيا وتجيء به القيامة وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات. { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ } فلذلك لم يستعدوا للقائه ولم يصدقوا رسله التي أخبرت به وهذا الكفر عن غير دليل، بل الأدلة القاطعة قد دلت على البعث والجزاء، ولهذا نبههم على السير في الأرض والنظر في عاقبة الذين كذبوا رسلهم وخالفوا أمرهم ممن هم أشد من هؤلاء قوة وأكثر آثارا في الأرض من بناء قصور ومصانع ومن غرس أشجار ومن زرع وإجراء أنهار، فلم تغن عنهم قوتهم ولا نفعتهم آثارهم حين كذبوا رسلهم الذين جاءوهم بالبينات الدالات على الحق وصحة ما جاءوهم به، فإنهم حين ينظرون في آثار أولئك لم يجدوا إلا أمما بائدة وخلقا مهلكين ومنازل بعدهم موحشة وذم من الخلق عليهم متتابع. وهذا جزاء معجل نموذج للجزاء الأخروي ومبتدأ له. وكل هذه الأمم المهلكة لم يظلمهم اللّه بذلك الإهلاك وإنما ظلموا أنفسهم وتسببوا في هلاكها. { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السوأى } أي: الحالة السيئة الشنيعة، وصار ذلك داعيا لهم لأن { كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ } فهذا عقوبة لسوئهم وذنوبهم. ثم ذلك الاستهزاء والتكذيب يكون سببا لأعظم العقوبات وأعضل المثلات. __________
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):