Verse. 3418 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

اَوَلَمْ يَسِيْرُوْا فِي الْاَرْضِ فَيَنْظُرُوْا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَۃُ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ۝۰ۭ كَانُوْۗا اَشَدَّ مِنْہُمْ قُوَّۃً وَّاَثَارُوا الْاَرْضَ وَعَمَــرُوْہَاۗ اَكْثَرَ مِمَّا عَمَــرُوْہَا وَجَاۗءَتْہُمْ رُسُلُہُمْ بِالْبَيِّنٰتِ۝۰ۭ فَمَا كَانَ اللہُ لِيَظْلِمَہُمْ وَلٰكِنْ كَانُوْۗا اَنْفُسَہُمْ يَظْلِمُوْنَ۝۹ۭ
Awalam yaseeroo fee alardi fayanthuroo kayfa kana AAaqibatu allatheena min qablihim kanoo ashadda minhum quwwatan waatharoo alarda waAAamarooha akthara mimma AAamarooha wajaathum rusuluhum bialbayyinati fama kana Allahu liyathlimahum walakin kanoo anfusahum yathlimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أوَ لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانَ عاقبة الذين من قبلهم» من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم «كانوا أشد منهم قوة» كعاد وثمود «وأثاروا الأرض» حرثوها وقلبوها للزرع والغرس «وعمَروها أكثر ممّا عمروها» أي كفار مكة «وجاءَتهم رسلهم بالبينات» بالحجج الظاهرات «فما كان الله ليظلمهم» بإهلاكهم بغير جرم «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» بتكذيبهم رسلهم.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : وقال في الدليلين المتقدمين: { أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ } تفسير : [العنكبوت:19، 67] ولم يقل: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ } إذ لا حاجة هناك إلى السير بحضور النفس والسماء والأرض وقال ههنا: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ... فَيَنظُرُواْ } ذكرهم بحال أمثالهم ووبال أشكالهم، ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدم من عاد وثمود كانوا أشد منهم قوة ولم تنفعهم قواهم وكانوا أكثر مالاً وعمارة، ولم يمنع عنهم الهلاك أموالهم وحصونهم، واعلم أن اعتماد الإنسان على ثلاثة أشياء قوة جسمية فيه أو في أعوانه إذ بها المباشرة وقوة مالية إذ بها التأهب للمباشرة، وقوة ظهرية يستند إليها عند الضعف والفتور وهي بالحصون والعمائر، فقال تعالى: كانوا أشد منهم قوة في الجسم وأكثر منهم مالاً لأنهم أثاروا الأرض أي حرثوها، ومنه بقرة تثير الأرض، وقيل منه سمي ثوراً، وأنتم لا حراثة لكم فأموالهم كانت أكثر، وعمارتهم كانت أكثر لأن أبنيتهم كانت رفيعة وحصونهم منيعة، وعمارة أهل مكة كانت يسيرة ثم هؤلاء جاءتهم رسلهم بالبينات وأمروهم ونهوهم، فلما كذبوا أهلكوا فكيف أنتم، وقوله: {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } يعني لم يظلمهم بالتكليف، فإن التكليف شريف لا يؤثر له إلا محل شريف ولكن هم ظلموا أنفسهم بوضعها في موضع خسيس، وهو عبادة الأصنام واتباع إبليس، فكأن الله بالتكليف وضعهم فيما خلقوا له وهو الربح، لأنه تعالى قال خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم، والوضع في (أي) موضع كان الخلق له ليس بظلم، وأما هم فوضعوا أنفسهم في مواضع الخسران ولم يكونوا خلقوا إلا للربح فهم كانوا ظالمين، وهذا الكلام منا وإن كان في الظاهر يشبه كلام المعتزلة لكن العاقل يعلم كيف يقوله أهل السنة، وهو أن هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته، لكنه كان منهم ومضافاً إليهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} ببصائرهم وقلوبهم. {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} أي قلبوها للزراعة؛ لأن أهل مكة لم يكونوا أهل حرث؛ قال الله تعالى: {أية : تُثِيرُ ٱلأَرْضَ}تفسير : [البقرة: 71]. {وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} أي وعمروها أولئك أكثر مما عمروها هؤلاءِ فلم تنفعهم عمارتهم ولا طول مدّتهم. {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات. وقيل: بالأحكام فكفروا ولم يؤمنوا. {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} بأن أهلكهم بغير ذنب ولا رسل ولا حجة. {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالشرك والعصيان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم {كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } كعاد وثمود {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ } حرثوها وقلبوها للزرع والغرس {وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } أي كفار مكة {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَاتِ } بالحجج الظاهرات {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } بإهلاكهم بغير جرم {وَلَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بتكذيبهم رسلهم.

ابن عطية

تفسير : هذا أيضاً توقيف وتوبيخ على أنهم ساروا ونظروا، أي إن ذلك لم ينفعهم حين لم يعملوا بحسب العبرة وخوف العاقبة. قال القاضي أبو محمد: ولا يتوجه للكفرة أن يعارض منهم من لم يسر فيقول لم أسر لأن كافة من سار من الناس قد نقلت إلى من لم يسر فاستوت المعرفة وحصل اليقين للكل، وقامت الحجة، وهذا بين، وقوله تعالى: {وأثاروا الأرض} يريد بالمباني والحرث الحروب، وسائر الحوادث التي أحدثوها هي كلها إثارة للأرض بعضها حقيقة وبعضها تجوز لأن إثارة أهل الأرض والحيوان والمتاع، إثارة للأرض، وقرأ أبو جعفر "وآثاروا" بمد الهمزة قال ابن مجاهد: ليس هذا بشيء، قال أبو الفتح: وجهها أنه أشبع فتحة الهمزة فنشأت ألف ونحوه قول ابن هرمة: [الوافر] شعر : فأنت من الغوائل حين ترمى ومن ذم الرجال بمنتزاح تفسير : قال وهذا من ضرورة الشعر لا يجيء في القرآن وقرأ أبو حيوة "وآثروا الأرض" بالمد بغير ألف بعد الثاء من الأثرة، والضمير في {عمروها} الأول للماضين والثاني للحاضرين والمعاصرين، وباقي الآية بين يتضمن الوعد والتخويف من عدل الله تعالى.

النسفي

تفسير : {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } هو تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم إلى آثار المدمرين من عاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية. ثم وصف حالهم فقال {كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ } وحرثوها {وَعَمَرُوهَا } أي المدمرون {أَكْثَرَ } صفة مصدر محذوف. و«ما» مصدرية في {مِمَّا عَمَرُوهَا } أي من عمارة أهل مكة {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَاتِ } وتقف عليها لحق الحذف أي فلم يؤمنوا فأهلكوا {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } فما كان تدميره إياهم ظلماً لهم {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم {ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ } بالنصب: شامي وكوفي {ٱلَّذِينَ أَسَآوُاْ ٱلسَّوأىَ} تأنيث الأسوأ وهو الأقبح كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، ومحلها رفع على أنها اسم «كان» عند من نصب { عَـٰقِبَةَ} على الخبر ونصب عند من رفعها، والمعنى أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار ثم كانت عاقبتهم السوأى، إلا أنه وضع المظهر وهو {الذين أساؤوا} موضع المضمر أي العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في الآخرة وهي النار التي أعدت للكافرين {أَن كَذَّبُواْ } لأن كذبوا أو بأن وهو يدل على أن معنى أساؤوا كفروا {بآيات الله وكانوا بها يستهزئون} يعني ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها

الثعالبي

تفسير : وقوله عزَّ وجل: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ...} الآية، يريدُ أثاروا الأرضَ بالمباني، والحرثِ، والحروبِ وسائرُ الحوادثِ التي أحدثوها هي كلُّها إثارةٌ للأرض؛ بعضها حقيقة وبعضها بتجوُّز، والضمير في {عَمَرُوهَا} الأول للماضين، وفي الثاني للحاضرين المعاصرين. وقوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوأَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ}. قرأ نافع وغيره: «عَاقِبَةُ» ـــ بالرفع ـــ على أنها اسْمُ {كَانَ}، والخبر يجوز أن يكون {ٱلسُّوأَىٰ}، ويجوز أن يكونَ {أَن كَذَّبُواْ}، وتكونُ {ٱلسُّوأَىٰ} على هذا مفعولاً بـ {أَساءُواْ} وإذا كان {ٱلسُّوأَىٰ} خبراً فـ {أَن كَذَبُوا} مفعول من أجله. وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما «عَاقِبَةَ» بالنصب على أنها خبرٌ مقدَّم، واسم كان أحد ما تقدم، {والسُّوأىٰ}: مصدر كالرُّجْعَى، والشُّورَى، والفُتْيا. قال ابن عباس: {أَسَاءُوا} هنا بمعنى: كفروا، و {ٱلسُّوأَىٰ} هي النار. وعبارة البخاري: وقال مجاهد {ٱلسُّوأَىٰ} أي: الإساءة جزاء المسيئين، انتهى. والإبْلاَسُ: الكون في شَرٍّ، مع اليأسِ من الخير. * ص *: وقال الزجاج: المُبْلِسُ: الساكت المنقطع في حجته؛ اليائس من أن يَهْتَدِيَ إليها، انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما أقام عليهم الدليل، أتبعه التهديد والتهويل، فقال عاطفاً على "أولم يتفكروا" {أولم يسيروا} ولما أحاطت آثار المكذبين بمكة المشرفة شرقاً وغرباً، وجنوباً وشمالاً، بديار ثمود وقوم فرعون وعاد وسبأ وقوم ولوط، عرف وأطلق فقال: {في الأرض} أي سير اعتبار وتأمل وادكار من أي جهة أرادوا، وفيه إشارة إلى أنهم واقفون عند النظر في ظاهر الملك بأبصارهم، قاصرون عن الاعتبار في باطن الملكوت بأفكارهم، وفيه هزٌّ لهم إلى امتطاء هذه الدرجة العلية، بهذه العبارة الجلية {فينظروا}. ولما كان ما حل بالماضين أمراً عظيماً، نبه على عظمه بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال: {كيف كان} أي كوناً لا قدرة على الانفكاك عنه، وتذكير العمل يشير إلى عظم الأمر {عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولا كان حال من قرب من زمان الإنسان أوعظ له، أثبت الجار فقال: {من قبلهم} في إهلاك العاصي وإنجاء الطائع، ولما كان علم العاقبة مشروطاً بمعرفة البادئة قال مستأنفاً: {كانوا} أي كوناً هو في غاية المكنة. ولما كان السياق للظهور والغلبة التي إنما مدارها على الشدة المقتضية للثبات، لا الكثرة العارية عنها، أعرض عنها وقال مسقطاً ضمير الفصل لأن هذا السياق لا يظهر فيه ادعاء العرب لعلوهم على فارس ولا الروم: {أشدَّ منهم} أي من العرب {قوة} أي في أبدانهم وعقولهم، ولما كان التقدير: فنقبوا الجبال، وعلوا من متقن الصنائع التي ترونها من الأعمال ما لم يدانيه أحد من الأجيال، عطف عليه قوله: {وأثاروا} بالحرث وغيره {الأرض} فأخرجوا ما فيها من المنافع من المياه والمعادن والزروع وغير ذلك من المعادن {وعمروها} أي أولئك السالفون {أكثر مما عمروها} أي هؤلاء الذين أرسلت إليهم، بل ليس لهم من إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر، فإن بلاد العرب إنما هي جبال سود وفيافي غبر، فما هو إلا تهكم بهم، وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر لهم بغيرها. ولما كانوا قد وقفوا مثل هؤلاء مع السبب الأدنى، ولم يرتقوا بعقولهم إلى المطلوب الأعلى، أخبر أنه أرسل إليهم الدعاة ينبهونهم من رقدتهم، وينقذونهم من غفلتهم، فكان التقدير: فضلوا عن المنهج الواضح، وعموا عن السبيل الرحب، وزاغوا عن طريق الرب، فأرسلنا إليهم الرسل، فعطف عليه قوله مشيراً بتأنيث الفعل إلى ضعف عقولهم بتكذيبهم الرسل كما تقدم إيضاحه عند {أية : تلك الرسل} تفسير : [البقرة: 253]: {وجاءتهم رسلهم} أي عنا {بالبينات} من المعجزات مثل ما أتاكم به رسولنا من وعودنا السابقة، وأمورنا الخارقة، كأمر الإسراء وما أظهر فيه من الغرائب كالإخبار بأن العير تقدم في يوم كذا يقدمها جمل صفته كذا وغرائره كذا، فظهر كذلك، وما آمنتم كما لم يؤمن من كان أشد منكم قوة {فما} أي بسبب أنه ما {كان الله} على ما له من أوصاف الكمال مريداً {ليظلمهم} بأن يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ظالماً بأن يهلكهم في الدنيا ثم يقتص منهم في القيامة قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل بالبينات {ولكن كانوا} بغاية جهدهم {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون} أي يجددون الظلم لها بإيقاع الضر موقع جلب النفع، لأنهم لا يعتبرون بعقولهم التي ركبناها فيهم ليستضيؤا بها فيعلموا الحق من الباطل، ولا يقبلون من الهداة إذا كشفوا لهم ما عليها من الغطاء، ولا يرجعون عن الغي إذا اضطروهم بالآيات الباهرات، بل ينتقلون من الغفلة إلى العناد.

ابو السعود

تفسير : {أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ} توبـيخٌ لهم بعدَ اتِّعاظِهم بمشاهدةِ أحوالِ أمثالِهم الدَّالَّةِ على عاقبتِهم ومآلِهم. والهمزةُ لتقريرِ المنفيِّ، والواوُ للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أقعدُوا في أماكنِهم ولم يسيرُوا {فِى ٱلأَرْضِ} وقولُه تعالى: {فَيَنظُرُواْ} عطفٌ على يسيروا داخلٌ في حكمِ التَّقريرِ والتَّوبـيخِ، والمعنى أنَّهم قد سارُوا في أقطارِ الأرضِ وشاهدُوا {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأممِ المهلكةِ كعادٍ وثمودَ، وقوله تعالى: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} الخ بـيانُ لمبدأِ أحوالِهم ومآلِها يعني أنَّهم كانُوا أقدرَ منهم على التَّمتع بالحياةِ الدُّنيا حيثُ كانُوا أشدَّ منهم قوَّةً {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} أي قلبُوها للزراعةِ والحرثِ وقيل لاستنباطِ المياه واستخراجِ المعادنِ وغيرِ ذلك {وَعَمَرُوهَا} أي عمَّرَها أولئك بفنونِ العماراتِ من الزِّراعةِ والغرسِ والبناءِ وغيرها ممَّا يُعدُّ عمارةً لها. {أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} أي عمارةً أكثرَ كمَّا وكيفاً وزماناً من عمارةِ هؤلاءِ إيَّاها، كيف لا وهُم أهلُ وادٍ غيرِ ذي زرعٍ لا تبسُّط لهم في غيرهِ وفيه تهكُّم بهم حيثُ كانوا مغترِّين بالدُّنيا مفتخرينَ بمتاعِها مع ضعفِ حالِهم وضيقِ عطنِهم إذْ مدارُ أمرِها على التبسطِ في البلادِ والتسلطِ على العبادِ والتقلبِ في أكنافِ الأرضِ بأصنافِ التَّصرفاتِ وهُم ضَعَفهٌ ملجأون إلى وادٍ لا نفعَ فيه يخافُون أنْ يتخطَّفَهم النَّاسُ {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَاتِ} بالمعجزات أو الآياتِ الواضحاتِ {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي فكذَّبوهم فأهلَكهم فما كانَ الله ليهلَكهم من غير جُرمٍ يستدعيِه من قبلهم، والتَّعبـيرُ عن ذلك بالظَّلمِ مع أنَّ إهلاكَه إيَّاهم بلا جُرمٍ ليس من الظُّلمِ في شيءٍ على تقرَّرَ من قاعدةِ أهلِ السنةِ لإظهارِ كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بإبرازهِ في معرضِ ما يستحيلُ صدورُه عنه تعالى وقد مرَّ في سورةِ الأنفالِ: الآية 51 وسورةِ آلِ عمرانَ الآية 182 {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بأن اجترأوا على اقترافِ ما يُوجبه من المعاصِي العظيمةِ. {ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَآءُوا} أي عملُوا السيئاتِ ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم للتَّسجيلِ عليهم بالإساءةِ والإشعارِ بعلَّةِ الحكمِ {السَّوأى} أي العقوبةِ التي هي أسوأُ العقوباتِ وأفظعُها التي هي العقوبةُ بالنارِ فإنَّها تأنيثُ الأسوأِ كالحُسنى تأنيثُ الأحسنِ أو مصدرٌ كالبُشرى وُصفَ به العقوبةُ مبالغةً كأنَّها نفسُ السوآ، وهي مرفوعةٌ على أنَّها اسمُ كانَ وخبرُها عاقبةَ. وقُرىء عَلى العكسِ وهو أدخلُ في الجَزَالةِ. وقولُه تعالى: {أَنْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} علَّةٌ لما أُشير إليه من تعذيبِهم الدُّنيويِّ والأُخرويِّ أي لأنْ كذَّبُوا أو بأنْ كذَّبُوا بآياتِ الله المنزَّلةِ على رُسُلهِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ومعجزاتِه الظَّاهرةِ على أيديهم. وقولُه تعالى: {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُون} عطفٌ على كذَّبوا داخلٌ معه في حُكمِ العِلِّيةِ، وإيرادُ الاستهزاءِ بصيغةِ المضارعِ للدِّلالةِ على استمرارِه وتجدُّدِه هذا هو اللائقُ بجزَالةِ النَّظمِ الجليلِ وقَدْ قيلَ وقيلَ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [الآية: 9]. قال بعضهم: السير فى الأرض مندوب إليه لمن يستدل بالآثار على المؤثر فأما من تحقق فى عين المعرفة فهو سائر بروحه فى الملكوت ومجالس الأنس ويكون خالى السر عن هواجس النفس فسير المريد ببدنه وسير المراد بقلبه وسير المحب بروحه وسير العارف بسره.

القشيري

تفسير : سَيْرُ النفوسِ في أقطار الأرض ومناكبها لأداء العبادات، وسَيْرُ القلوبِ بِجَولاَنِ الفِكْرِ في جميع المخلوقات، وغايته الظَّفَرُ بحقائق العلوم التي توجِبُ ثلج الصدر - ثم تلك العلوم على درجات. وسير الأرواح فى ميادين الغيب بنعت حرق سرادقات الملكوت، وقصاراه الوصولُ إلى محلِّ الشهود واستيلاء سلطان الحقيقة. وسير الأشرار بالترقي عن الحِدْثان بأَسْرِها، والتحقق أولاً بالصفات، ثم بالخمود بالكلية عمَّا سِوى الحقِّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {أولم يسيروا} اهل مكة والسير المضى فى الارض {فى الارض فينظروا} اى اقعدوا فى اما كنهم ولم يسيروا فينظروا اى قد ساروا وقت التجارات فى اقطار الارض وشاهدوا {كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} من الامم المهلكة كعاد وثمود والعاقبة اذا اطلقت تستعمل فى الثواب كنا فى قوله تعالى {أية : والعاقبة للمتقين} تفسير : وبالاضافة قد تستعمل في العقوبة كما فى هذه الاية وهى آخر الامر: وبالفارسية [سرانجام] ثم بين مبدأ احوال الامم ومآلها فقال {كانوا اشد منهم قوة} يعنى انهم كانوا اقدر من اهل مكة على التمتع بالحياة الدنيا حيث كانوا اشد منهم قوة {واثاروا الارض} يقال ثار الغبار والسحاب انتشر ساطعا وقد اثرته فالاثارة تحريك الشئ حتى يرتفع غباره: وبالفارسية [برانكيختن كرد وشورانيدن زمين وميغ أوردن باد] كما في تاج المصادر. والثور اسم البقر الذي يثار به الارض فكأنه فى الاصل مصدر جعل فى موضع الفاعل والبقر من بقر اذا شق لانها تشق الارض بالحراثة ومنه قيل لمحمد بن الحسين بن على الباقر لانه شق العلم ودخل فيه مدخلا بليغا. والمعنى وقلبوا الارض للزراعة والحراثة واستنباط المياه واستخراج المعادن {وعمروها} العمارة نقيض الخراب اى عمروا الارض بفنون العمارات من الزراعة والغرس والبناء وغيرها مما يعد عمارة لها {اكثر مما عمروها} اى عمارة اكثر كما وكيفا وزمانا من عمارة هؤلاء المشركين. يعنى اهل مكة اياها كيف لا وهم اهل واد غيرذى زرع لا تنشط لهم فى غيره {وجاءتهم رسلهم بالبينات} بالمعجزات والايات الواضحات فكذبوهم فاهلكهم الله تعالى {فما كان الله} بما افعل بهم من العذاب والاهلاك {ليظلمهم} من غير جرم يستدعيه من جانبهم {ولكن كانوا انفسهم يظلمون} بما اجتر أو اعلى اكتساب المعاصى الموحبة للهلاك

ابن عجيبة

تفسير : قلت: من رفع "عاقبة الذين أساءوا"؛ فالسوأى منصوب خبر كان، ومن نصب "عاقبة"؛ فالسُّوأى: مرفوع اسمها، أو: مصدر لأساؤوا. انظر البيضاوي. والسُّوأى: تأنيث أسوأ. و(أن كذبوا): مفعول من أجله، أو: بدل، على أن معنى (أساءوا): كفروا. يقول الحق جل جلاله: {أوَ لَمْ يَسيروا} اي: أَعَمُوا ولم يسيروا {في الأرض}، ثم قرره بقوله: {فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم} أي: فينظروا إلى آثار الذين من قبلهم؛ كيف دمرهم الله، وأخلا بلادهم، وبقيت دارسة بعدهم، كعاد وثمود، وغيرهم من الأمم العاتية، والجبابرة الطاغية، {كانوا أشدَّ منهم قوةً} حتى كان منهم من يفتل الحديد بيده، {وأثاروا الأرض}؛ قلبوا وجهها بالحراثة، واستنباط المياه، واستخراج المعادن، وغير ذلك. {وعَمَروها} اي: عمرَ المدمَّرون الأرض {أكثرَ مما عَمَروها} أي: أهل مكة، فأكثر: صفة لمصدر محذوف. و(ما): مصدرية، أي: عمارة هؤلاء، فإنهم أهل واد غير ذي زرع، ولا تَبَسُّطَ لهم في غيرها. وفيه تهكم بهم؛ من حيث أنهم عمروا الأرض، مغترون بالدنيا، مفتخرون بها، وهو أضعف حالاً فيها؛ إذ مدار أمرها على التبسّط في البلاد، والتسلط على العباد، والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة، وهم ضعفاء مُلْجؤونَ إلى واد لا نفع فيه. قال البيضاوي. {وجاءتهم رسلُهم بالبينات}؛ بالمعجزات الواضحات، فلم يؤمنوا؛ فأُهلِكوا، {فما كان الله ليظلمهم}؛ بأن دمرهم بلا سبب، أو: من غير إعذار، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}؛ حيث ارتكبوا ما أدى إلى تدميرهم. {ثم كان عاقبةُ الذي أساءوا} بالكفر والمعاصي {السُّوأى} أي: العقوبة السوأى، والأصل: ثم كان عاقبتهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على ما اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم، وهو إساءتهم. والمعنى: أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار، ثم كان عاقبتهم في الآخرة العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، وهي النار التي أُعدت للكافرين. لأجل {أن كذَّبوا} أو: بأن كذَّبوا {بآيات الله} الدالة على صدق رسله، أو: على وحدانيته. {وكانوا بها يستهزؤون}؛ حيث قابلوها بالتكذيب، أو: غفلوا عن التفكر فيها. أو: ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة السُّؤاى أن طبع الله على قلوبهم، حتى كذّبوا بالآيات، واستهزءوا بها. أو: ثم كان عاقبة الذين فعلوا الفعلة السوأى، وهو أن كذّبوا واستهزءوا، أن يلحقهم ما تعجز عنه نطاق العبارة، فخبر كان، على هذا: محذوف؛ للتهويل. و(أن كذبوا): بيان، أو: بدل من السوأى. والله تعالى أعلم. الإشارة: السير إلى الله على أقسام: سَيْرُ النفوس: بإقامة عبادة الجوارح؛ لطلب الأجور، وسَيْرُ القلوب: بجَولاَنها في ميادين الأغيار، للتبصر والاعتبار، طلباً للحضور، وسير الأرواح: بجولان الفكرة في ميادين الأنوار؛ طلباً لرفع الستور ودوام الحضور، وسير الأسرار: الترقي في أسرار الجبروت، بعد التمكن من شهود أنوار الملكوت على سبيل الدوام. قال القشيري: سَيْرُ النفوس في أوطان الأرض ومناكبها لأداء العبادات، وسَيْرُ القلوب بجَوَلاَن الفكْر في جميع المخلوقات، وغايته: الظَّفَرُ بحقائق العلوم التي تُوجبُ ثلج الصدور - ثم تلك العلوم علىدرجات - وسَيْرُ الأرواح في ميادين الغيب: بِنَعْتِ خَرْقِ سُرَادِقَات الملكوت. وقُصَاراه: الوصولُ إلى ساحل الشهود، واستيلاء سلطان الحقيقة. وسَيْرُ الأسرار: بالترقي - أي: الغيبة - عن الحِدْثان بأَسْرها، والتحقق، أولاً، بالصفات، ثم بالخمود، بالكلية، عمَّا سوى الحق. هـ. وقال في قوله: {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السُّوأى}: من زَرَعَ الشوكَ لم يحصدُ الوَرْدَ، ومَنْ استنبت الحشيش لم يقطف البهار، ومَنْ سَلَكَ سبيل الغيّ لم يَحْلُلْ بساحة الرشد. هـ. ثم ذكر شأن البعث الذي هو عاقبة المسيء والمحسن، فقال: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ...}

الجنابذي

تفسير : {أَ} لم يخرجوا من اوطانهم الصّوريّة ومن بيوت نفوسهم {وَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} الطّبيعيّة وفى ارض وجودهم وارض القرآن والسّير الحسنة والغير الحسنة {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} والضّمائر الثّلاثة للكثير من النّاس او لمرجع الضّمير الفاعل لقوله {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} {كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} بحسب البدن والمال والاعوان {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} بتقليب وجهها لاستنباط المياه واستخراج المعادن وللزّراعة وغرس الاشجار وغير ذلك من التّصرّفات والمقصود انّهم أثاروا الارض اكثر ممّا أثاروها بقرينة قوله تعالى: {وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} وابادهم الله تعالى ولم ينفعهم قوّتهم واثارتهم وعمارتهم فلا ينبغى لكم ان تغترّوا بقوّتكم واثارتكم وتعميركم {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} اى احكام الرّسالة او المعجزات فاغترّوا بقوّتهم وكذّبوا الرّسل مثلكم فخذلهم الله او اهلكهم {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بتعريضها لسخط الله.

اطفيش

تفسير : {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا} جملة أثاروا وجملة عمروا معطوفتان على قوله {مِن قَبْلِهِمْ} لنيابته عن ثبتوا او مضوا او على هذا المنوب منه او على كان عاقبة ان جعلت كيف حالا وكان تامة ومعنى أثار الأرض قلبوها للحرث او المعدن والماء وسميت البقرة المثيرة لانها تثير الأرض للحرث وكذا سمي الثور ثورا وسميت البقرة بقرة بأنها تبقر الأرض اي تشقها. {أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} ما مصدرية والواو لأهل مكة وفي ذلك تهكم بهم لأن واديهم غير ذي زرع وهم ضعاف الحال لا وسع لهم ولا تصرف في الأرض ولا قوة مثل من مضى ومع ذلك يفتخرون وهؤلاء الذين قبلهم عاد وثمود وغيرهم. {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ} المعجزات والآيات الواضحات فلم يؤمنوا فأهلكهم الله. {فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ} بالاهلاك من غير جرم. {وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بتكذيب الرسل وغيره.

اطفيش

تفسير : {أو لم يَسيرُوا} اتهاونوا بالامر، فلم يسيروا للاعتبار بعد هذه المواعظ والدلائل المزعجة، والاستفهام توبيخ، او ابطال {في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة، الذَّين من قبلهم} من الامم المهلكة كعاد وثمود، يعنى ساروا وشاهدوا، ولم ينتفعوا {كانُوا أشد منهم قوَّة} فهم اجمع الدنيا، واقدر على التمتع بها {وأثارُوا الأرضَ} قلبوها للحرث والغرس، واستخراج المعادن والمياه. {وعَمرُوها} بالنبات بالبناء {أكْثر ممَّا عَمرُوها} مما عمرها هؤلاء زمانا، كما وكيفا، او العمارة الاقامة فيها، والسكنى وما تقدم هو من لوازمها والتفضيل على بابه، فلا تهكم ان اريد الاقامة، وعلى الاول يمكن التهكم باستخراج المعادن فقط، بل ربما استخرج اهل مكة معدنا، ولو حجر او ترابا مخصوصا، فلا تهكم، بل يجوز التفضيل بما لم يكن للمفضل عليه، نحو زيد اكثر منك مالاً لك بقر، وله غنم وبقر، وكونهم بواد غير ذى زرع خائفين التخطف قصار الاعمار لا يخرجهم عما تحقق منهم من بناء وحرث وغرس وانتفاع بما ما. {وجاءتهم رسُلُهم بالبينات} الآيات المتلوة، والمعجزات فكذبوهم فأهلكهم الله لتكذبيهم لا ظلما كما قال: (فما كان) الخ {فما كان الله ليظْلمَهُم} ليس اهلا للظلم والهلاك بلا جرم ظلم، تعالى الله عنه، وله اهلاك من شاء بما شاء، من نار او غيرها، ولا يون ظلما، وانما الظلم ان يهلكهم اهلاك غضب وهجر، واهلاك المطيع له اذا وافقه مع المغضوب عليهم واقع، وليس اهلاكه واهلاكهم واحدا الا صورة، ولا خلاف فى ذلك، وان هلك المطيع بهلاكهم لعدم امره ونهيه، فهو منهم لا من المسألة، وقال الاشعرية: الاهلاك من غير جرم ليس ظلما، لان الله تعالى مالك يفعل فى ملكه ما يشاء، فان ارادوا غير ما ذكرت اخطأوا، لان ذلك غير حكمة فلا يفعل في حكمه ما ليس بحكمة، فلو ادخل المطيع النار، والعاصى الجنة، لم يكن ذلك حكمة، {ولكن كانُوا أنْفُسهم} لا الرسل فالتقديم للحصر، والفاصلة {يظلِمُون} بفعل موجب العذاب.

الالوسي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } توبيخ لهم بعدم اتعاظهم بمشاهدة أحوال أمثالهم الدالة على عاقبتهم ومآلهم؛ والهمزة للإنكار التوبيخي أو الإبطالي وحيث دخلت على النفي وإنكار النفي إثبات قيل: إنها لتقرير المنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أقعدوا في أماكنهم ولم يسيروا في الأرض، وقوله تعالى: {فَيَنظُرُواْ } عطف على {يَسِيرُواْ} داخل في حكمه والمعنى أنهم قد ساروا في أقطار الأرض وشاهدوا {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم المهلكة كعاد وثمود، وقوله تعالى: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} الخ بيان لمبدإ أحوالهم ومآلهم يعني أنهم كانوا أقدر منهم على التمتع بالحياة الدنيا حيث كانوا أشد منهم قوة {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ } أي قلبوها للحرث والزراعة كما قال الفراء، وقيل: لاستنباط المياه واستخراج المعادن وغير ذلك. وقرأ أبو جعفر {وَأَثَارُواْ } بمدة بعد الهمزة، وقال ابن مجاهد: ليس بشيء وخرج ذلك أبو الفتح على الإشباع كقوله شعر : ومن ذم الزمان بمنتزاحتفسير : وذكر أن هذا من ضرورة الشعر ولا يجيء في القرآن، وقرأ أبو حيوة (وأثروا) من الأثرة وهو الاستبداد بالشيء وآثروا الأرض أي أبقوا فيها آثاراً. {وَعَمَرُوهَا } أي وعمرها أولئك الذين كانوا قبلهم بفنون العمارات من الزراعة والغرس والبناء وغيرها، وقيل: أي أقاموا بها، يقال عمرت بمكان كذا وعمرته أي أقمت به {أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } أي عمارة أكثر من عمارة هؤلاء إياها والظاهر أن الأكثرية باعتبار الكم وعممه بعضهم فقال: أكثر كماً وكيفاً وزماناً، وإذا أريد العمارة بمعنى الإقامة فالمعنى أقاموا بها إقامة أكثر زماناً من إقامة هؤلاء بها، وفي ذكر أفعل تهكم بهم إذ لا مناسبة بين كفار مكة وأولئك الأمم المهلكة فإنهم كانوا معروفين بالنهاية في القوة وكثرة العمارة وأهل مكة ضعفاء ملجؤون إلى واد غير ذي زرع يخافون أن يتخطفهم الناس، ونحو هذا يقال إذا فسرت العمارة بالإقامة فإن أولئك كانوا مشهورين بطول الأعمار جداً وأعمار أهل مكة قليلة بحيث لا مناسبة يعتد بها بينها وبين أعمال أولئك المهلكين. / {وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالمعجزات أو الآيات الواضحات {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } أي فكذبوهم فأهلكهم فما كان الله تعالى شأنه ليهلكهم من غير جرم يستدعيه من قبلهم، وفي التعبير عن ذلك بالظلم إظهار لكمال نزاهته تعالى عنه وإلا فقد قال أهل السنة: إن إهلاكه تعالى من غير جرم ليس من الظلم في شيء لأنه عز وجل مالك والمالك يفعل بملكه ما يشاء والنزاع في المسألة شهير {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث ارتكبوا باختيارهم من المعاصي ما أوجب بمقتضى الحكمة ذلك، وتقديم {أَنفُسِهِمْ } على {يَظْلِمُونَ } للفاصلة؛ وجوز أن يكون للحصر بالنسبة إلى الرسل الذين يدعونهم.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : أوْ لم يَتَفكروا في أنْفُسهم} تفسير : [الروم: 8] وهو مثل الذي عطف هو عليه متصل بما يتضمنه قوله {أية : ولكن أكثر الناس لا يعلمون}تفسير : [الروم: 6] أن من أسباب عدم علمهم تكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام الذي أنبأهم بالبعث، فلما سيق إليهم دليل حكمة البعث والجزاء بالحق أعقب بإنذارهم موعظة لهم بعواقب الأمم الذين كذبوا رسلهم لأن المقصود هو عاقبة تكذيبهم رسل الله وهو قوله {وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم} الآية. والأمر بالسير في الأرض تقدم في قوله تعالى: {أية : قُلْ سيروا في الأرْض ثم انظروا كيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبِين} تفسير : في سورة الأنعام (11)، وقوله: {أية : قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} تفسير : في سورة العنكبوت (20). والاستفهام في {أوَلَم يسيروا} تقريري. وجاء التقرير على النفي للوجه الذي ذكرناه في قوله تعالى: {أية : ألم يروا أنه لا يكلمهم}تفسير : [الأعراف: 148] وقوله {أية : ألم يأتكم رسل منكم} تفسير : في الأنعام (130)، وقوله {أية : أليس في جهنم مثوىً للكافرين} تفسير : في آخر العنكبوت (68). والأرض: اسم للكرة التي عليها الناس. والنظر: هنا نظر العين لأن قريشاً كانوا يمرّون في أسفارهم إلى الشام على ديار ثمود وقوم لوط وفي أسفارهم إلى اليمن على ديار عاد. وكيفية العاقبة هي حالة آخر أمرهم من خراب بلادهم وانقطاع أعقابهم فعاضد دلالة التفكر التي في قوله {أية : أولم يتفكروا في أنفسهم}تفسير : [الروم: 8] الآية بدلالة الحس بقوله: {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم. وكيف استفهام معلِّق فعل {ينظروا}عن مفعوله، فكأنه قيل: فينظروا ثم استؤنف فقيل: كيف كان عاقبة الذين من قبلهم. والعاقبة: آخر الأمر من الخير والشرّ، بخلاف العُقبى فهي للخير خاصة إلا في مقام المشاكلة، وتقدم ذكر العاقبة في قوله {أية : والعَاقِبَةُ لِلمُتَّقين} تفسير : في الأعراف (128). وقد جمع قوله {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} وعيداً على تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وتجهيلاً لإحالتهم الممكنَ، حيث أيقنوا بأن الفرس لا يُغلَبون بعد انتصارهم. فهذه آثار أمم عظيمة كانت سائدة على الأرض فزال ملكهم وخلت بلادهم من سبب تغلب أمم أخرى عليهم. والمراد بالذين من قبلهم: عاد وثمود وقوم لوط وأمثالهم الذين شاهد العرب آثارهم. والمعنى: أنهم كانوا من قبلهم في مثل حالتهم من الشرك وتكذيب الرسل المرسلين إليهم، كما دل عليه قوله عقبه {كانوا أشد منهم قوة} الآية. {كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ} كل أولئك كانوا أشد قوة من قريش وأكثر تعميراً في الأرض، وكلهم جاءتهم رسل، وكلهم كانت عاقبتهم الاستئصال، كل هذه ما تُقرّ به قريش. وجملة {كانوا أشد منهم قوة}بيان لجملة {كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}. والشدة: صلابة جسم، وتستعار بكثرة لقوة صفة من الأوصاف في شيء تشبيهاً لكمال الوصف وتمامه بالصلابة في عسر التحول. وتقدم في قوله: {أية : وأولوا بأس شديد} تفسير : في سورة النمل (33). والقوة: حالة بها يقاوم صاحبها ما يوجب انخرامه، فمن ذلك قوة البدن، وقوة الخشب، وتستعار القوة لما به تُدفع العادية وتستقيم الحالة؛ فهي مجموع صفات يكون بها بقاء الشيء على أكمل أحواله كما في قوله: {أية : نحن أولوا قوة}تفسير : [النمل: 33] فقوة الأمة مجموع ما به تدفع العوادي عن كِيانها وتستبقي صلاح أحوالها من عُدد حربيّة وأموال وأبناء وأزواج. وحالة مشركي قريش لا تداني أحوال تلك الأمم في القوة، وناهيك بعاد فقد كانوا مضرب الأمثال في القوة في سائر أمورهم، والعرب تصف الشيء العظيم في جنسه بأنه عاديُّ نسبةً إلى عاد. وعطف {أثاروا}على {كانوا}فهو فعل مشتق من الإثارة بكسر الهمزة، وهي تحريك أجزاء الشيء، فالإثارة: رفع الشيء المستقر وقَلْبُه بعد استقراره، قال تعالى: {أية : الله الذي يرسل الرياح فتُثير سحاباً}تفسير : [الروم: 48] أي: تسوقه وتدفعه من مكان إلى مكان. وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض بجعل ما كان باطناً ظاهراً وهو الحرث، قال تعالى: {أية : لا ذلول تثير الأرض}تفسير : [البقرة: 71]، وقال النابغة يصف بقر الوحش إذا حفرت التراب:شعر : يُثرنَ الحصى حتى يباشرن بَرده إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل تفسير : ويجوز أن يكون {أثاروا}هنا تمثيلاً لحال شدة تصرفهم في الأرض وتغلبهم على من سواهم بحال من يثير ساكناً ويهيجه، ومنه أطلقت الثورة على الخروج عن الجماعة. وهذا الاحتمال أنسب بالمقصود الذي هو وصف الأمم بالقوة والمقدرة من احتمال أن تكون الإثارة بمعنى حرث الأرض لأنه يدخل في العمارة. وضمير {أثاروا}عائد إلى ما عاد إليه ضمير {كانوا أشد}. ومعنى عمارة الأرض: جعلها عامرة غير خلاء وذلك بالبناء والغرس والزرع. يقال: ضيعة عامرة، أي: معمورة بما تعمر به الضياع، ويقال في ضده: ضيعة غامرة. ولكون قريش لم تكن لهم إثارة في الأرض بكلا المعنيين إذ كانوا بِواد غير ذي زرع لم يقل في هذا الجانب: أكثر مما أثاروها. وضميرا جمع المذكر في قوله: {وعمروها أكثر مما عمروها} راجع أولهما إلى ما رجع إليه ضمير {أثاروا} وثانيهما إلى ما رجع إليه ضمير {يسيروا في الأرض}. ويعرف توزيع الضميرين بالقرينة مثل توزيع الإشارة في قوله تعالى: {أية : هذا من شِيعتِه وهذا من عدوِّه} تفسير : في سورة[القصص: 15] كالضميرين في قول عباس بن مرداس يذكر قتال هوازن يوم حُنين:شعر : عُدنا ولولا نحن أحدقَ جمعُهم بالمسلمين وأحرزوا ما جمَّعوا تفسير : وتقدم تفصيله عند قوله تعالى: {أية : فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} تفسير : في سورة يونس (58)، أي عمر الذين من قبلهم الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء، فإن لقريش عمارة في الأرض من غرس قليل وبناء وتفجير ولكنه يتضاءل أمام عمارة الأمم السالفة من عاد وثمود. وتفريع {فما كان الله ليظلمهم} على قوله {وجاءتهم رسلهم بالبينات}إيجاز حذف بديع، لأن مجيء الرسل بالبينات يقتضي تصديقاً وتكذيباً فلما فرع عليه أنهم ظلموا أنفسهم عُلم أنهم كذَّبوا الرسل وأن الله جازاهم على تكذيبهم رسله بأن عاقبهم عقاباً لو كان لغير جرم لشابه الظلم، فجعل من مجموع نفي ظلم الله إياهم ومن إثبات ظلمهم أنفسَهم معرفة أنهم كذَّبوا الرسل وعاندوهم وحلّ بهم ما هو معلوم من مشاهدة ديارهم وتناقل أخبارهم. والاستدراك ناشىء على ما يقتضيه نفي ظلم الله إياهم من أنهم عوملوا معاملة سيئة لو لم يستحقوها لكانت معاملة ظلم. وعبر عن ظلمهم أنفسهم بصيغة المضارع للدلالة على استمرار ظلمهم وتكرره وأن الله أمهلهم فلم يقلعوا حتى أخذهم بما دلت عليه تلك العاقبة، والقرينة قوله {كانوا}. وتقديم {أنفسهم}وهو مفعول {يظلمون}على فعله للاهتمام بأنفسهم في تسليط ظلمهم عليها لأنه ظلم يتعجب منه، مع ما فيه من الرعاية على الفاصلة. وليس تقديم المفعول هنا للحصر لأن الحصر حاصل من جملتي النفي والإثبات.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام، على قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} تفسير : [الحجر: 76] وفي المائدة في الكلام على قوله تعالى: {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [المائدة: 32] الآية. وفي هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} تفسير : [هود: 83] وفي الإسراء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} تفسير : [الإسراء: 17] الآية وفي غير ذلك. وقوله تعالى في آية الروم هذه: {كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أكْثَرْ مِمَّا عمروها} جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [غافر: 82] ونحو ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاقِبَةُ} {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (9) - أَوَ لَمْ يَسِرْ هؤلاءِ المُكَذِّبُونَ بِوُجُودِ اللهِ وَوحْدَانِيَّتِهِ، وَبِرِسَالَةِ الرُّسُلِ، الغَافِلُونَ عَنِ الآخِرَةِ، في البِلاَدِ التي يَقْصَدُونَها للتِّجَارَةِ، فَيَنظُرُوا إِلى آثارِ عِقَابِ اللهِ لِمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ: كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ تَكْذِيبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَقَدْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْ قَومِكَ قُوَّةً، وَحَرَثُوا الأَرْضَ وَعَمَّرُوها أَكثرَ مِمَّا عَمَّرَها كُفَّارُ قُريشٍ، ثُمَّ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَمَا كَانَ اللهُ بِظَالِمٍ لَهُمْ، وَلكِنَّهُمْ هُمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَعْصِيَتِهِمْ رَبَّهُمْ. أَثَارُوا الأَرضَ - حَرَثُوهَا وَقَلَبُوهَا لِلزِّرَاعةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المعنى: أيكفرون بلقاء ربهم ولم يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم - خُذْ فقط أمور الدنيا، فهي كافية لمن اعتبر بها - فهؤلاء لم يسيروا في الدنيا، ولم ينظروا فيها بعين الاعتبار بمَنْ سبقهم من الأمم المكذِّبة، ولم يتعظوا بما وقع في الدنيا فضلاً عما سيقع في الآخرة. فإنْ كُنَّا صدَّقنا ما وقع للمكذِّبين في الدنيا وشاهدناه بأعيننا، فينبغي أن نُصدِّق ما أخبر به الله عن الآخرة؛ لأنك إنْ أردتَ أنْ تعلم ما تجهل فخُذْ له وسيلة مما تعلم. إذن: سيروا في الأرض، وانظروا بعين الاعتبار لمصير الذين كذَّبوا، وماذا فعل الله بهم؟ والسَّيْر: قَطْع المسافات من مكان إلى مكان {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [الروم: 9] لكن أنسير في الأرض أم على الأرض؟ هذا من دقة الأداء القرآني، ومظهر من مظاهر إعجازه، فالظاهر أننا نسير على الأرض، لكن التحقيق أننا نسير في الأرض؛ لأن الذي خلقنا وخلق الأرض قال: {أية : سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} تفسير : [سبأ: 18]. ذلك لأن الأرض ليست هي مجرد اليابسة التي تحمل الماء، والتي نعيش عليها، إنما الأرض تشمل كل ما يحيط بها من الغلاف الجوي؛ لأنها بدونه لا تصلح للعيش عليها، إذن: فغلاف الأرض من الأرض، فحين نسير لا نسير على الأرض إنما في الأرض. والسير في الأرض نظر له الدين من ناحيتين: سير يُعَدُّ سياحة للاعتبار، وسيْر يُعَدُّ سياحة للاستثمار، فالسير للاعتبار أن تتأمل الآيات في الأرض التي تمر بها، فالجزيرة العربية مثلاً صحراء وجبال يندر فيها الزرع، فإنْ ذهبتَ إلى أسبانيا مثلاً تجدها بلاداً خضراء لا تكاد ترى سطح الأرض من كثرة النباتات بها. وفي كل منهما خيرات؛ لأن الخالق سبحانه وزَّع أسباب الفضل على الكون كله، وترى أن هذه الأرض الجرداء القاحلة والتي كانت يشقُّ على الناس العيش بها لما صبر عليها أهلها أعطاهم الله خيرها من باطن الأرض، فأصبحت تمد أعظم الدول وأرقاها بالوقود الذي لا يُسْتغنى عنه يوماً واحداً في هذه البلاد، وحينما قطعناه عنهم في عام 1973ضجُّوا وكاد البرد يقتلهم. حين تسير في الأرض وتنظر بعين الاعتبار تجد أنها مثل (البطيخة)، لو أخذتَ منها قطاعاً طولياً فإنه يتساوى مع باقي القطاعات، كذلك الأرض وزَّع الله بها الخيرات على اختلاف ألوانها، فمجموع الخير في كل قطاع من الأرض يساوي مجموع الخيرات في القطاعات الأخرى. الجبال التي هجرناها في الماضي وقُلْنا إنها جَدْب وقفر لا حياةَ فيها، هي الآن مخازن للثروات وللخيرات قد اتجهت إليها الأنظار لإعمارها والاستفادة منها، وانظر مثلاً إلى ما يحدث من نهضة عمرانية في سيناء. إذن: فالخالق سبحانه وزَّع الخيرات على الأرض، كما وزَّع المواهب على الخَلْق ليظل الجميع مرتبطاً بعضه ببعض برباط الحاجة لا يستغني الناس بعضهم عن بعض، ولا البلاد بعضها عن بعض، وهنا لفتة إيمانية: أن الخلق كلهم عباد الله وصنعته، والبلاد كلها أرض الله وملكه، وليس لله ولد، وليس بينه وبين أحد من عباده قرابة، فالجميع عنده سواء، لذلك سبق أن قلنا: لا ينبغي لك أنْ تحقد على صاحب الخير أو تحسده؛ لأن خيره سيعود عليك حتماً. ومعنى {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [الروم: 9] أي: الأمم التي كذَّبَتْ الرسل، وفي آية أخرى يوضح سبحانه عاقبة هؤلاء المكذبين: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 40]. ويخاطب سبحانه كفار قريش: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138]. أي: في أسفاركم ورحلات تجارتكم تروْنَ مدائن صالح وغيرها من القرى التي أصابها العذاب ما زالت شاخصة لكل ذي عينين. ويقول سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [الفجر: 6-8] وكانوا في رمال الأحقاف {أية : وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} تفسير : [الفجر: 9-13]. لقد كان لكل هؤلاء حضارات ما زالت حتى الآن تبهر أرقى حضارات اليوم، فيأتون إليها ليتأملوا ما فيها من أسرار وعجائب، ومع ذلك لم تستطع هذه الحضارات أنْ تحمي نفسها من الدمار والزوال، وما استطاعت أنْ تمنع نفسها من عذاب الله حين حَلَّ بها، إذن: لكم في هؤلاء عِبْرة. وكأن الحق سبحانه في قوله: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [الروم: 9] يقول لكفار قريش: أنتم يا مشركي قريش أقلّ الأمم، لا قوةَ لكم، ولا مال ولا حضارة ولا عمارة، فمن اليسير علينا أن نأخذكم كما أخذنا مَنْ هم أقوى منكم، إنما سبق أنْ أخذتم العهد في قوله سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الأنفال: 33]. لذلك يقول بعدها: {كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ..} [الروم: 9] فالأمم المكذِّبة التي أخذها الله وجعلها لكم عبرة كانت أقوى منكم، وأخصب أرضاً، لذلك أثاروا الأرض. أي: حرثوها للزراعة وللإعمار، وأنتم بواد ذي ذرع، والحرث يُطلَق على الزرع كما في قوله سبحانه: {أية : وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ..} تفسير : [البقرة: 205]. ذلك لأن الأرض لا تنبت النبات الجيد إلا إذا أثارها الفلاح، وقلَّبها ليتخلل الهواء تربتها، فتجود عليه وتؤدي مهمتها كما ينبغي، أما إنْ تركتها هامدة متماسكة التربة والذرات، فإنها تمسك النبات ولا تعطي فرصة للجذور البسيطة لأنْ تمتد في التربة، خاصة في بداية الإنبات. وفي موضع آخر يقول - سبحانه وتعالى - عن النبات: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 63-64]. وفي قصة البقرة مع بني إسرائيل لما تلكئوا في ذبحها وطلبوا أوصافها، قال لهم الحق سبحانه: {أية : إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ ..} تفسير : [البقرة: 71]. يعني: بقرة مُرفهة غير سهلة الانقياد، فلا تُستخدم، لا في حَرْث الأرض وإثارتها، ولا في سَقْيها بعد أنْ تُحرَث؛ لذلك تجد أن الفلاح الواعي لا بُدَّ أن يثير الأرض ويُقلِّب تربتها قبل الزراعة، ويتركها فترة ليتخللها الهواء والشمس، ففي هذا إحياء للتربة وتجديد لنشاطها، كما يقولون أيضاً: قبل أن تزرع ما تحتاج إليه انزع ما لا تحتاج إليه. إذن: فهؤلاء القوم كانت لهم زروع وثمار تمتعوا بها وجمعوا خيراتها. ومعنى {عَمَرُوهَا ..} [الروم: 9] أي: بما يسَّر الله لهم من الطاقات والإمكانات، وأعملوا فيها الموهبة التي جعلها الله فيهم، فاستخرجوا من الأرض خيراتها، كما قال سبحانه: {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} تفسير : [هود: 61]. وإعمار الأرض يكون بكل مظهر من مظاهر الرقي والحياة، إما بالزرع أو الغًرْس، وإما بالبناء، وإما بشقِّ الأنهار والمصارف وإقامة الطرق وغير ذلك مما ينفع الناس، ونُفرِّق هنا بين الزرع والغَرْس: فالزرع ما تزرعه ثم تحصده مرة واحدة كالقمح مثلاً، أما الغرس فما تغرسُه، ويظل فترة طويلة يُدر عليك، فمحصوله مُتجدِّد كحدائق الفاكهة، والزرع يكون ببذْر الحبِّ، أما الغرس فنبتة سبق إعدادها تُغرس. ثم يقول سبحانه: {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ..} [الروم: 9] فبعد أنْ أعطاهم مقوِّمات الحياة وإمكانات المادة وطاقاتها، وبعد أنْ جَنَوْا ثمارها لم يتركهم للمادة إنما أعطاهم إمكانات القيم والدين، فأرسل لهم الرسل {بِٱلْبَيِّنَاتِ ..} [الروم: 9] أي: الآيات الواضحات الدالة على صِدْق الرسول في البلاغ عن ربه وهذه التي نسميها المعجزات. وسبق أنْ ذكرنا أن كلمة الآيات تُطلَق على معانٍ ثلاثة: آيات كونية دالة على قدرة الصانع سبحانه كالشمس والقمر، وآيات تُؤيِّد الرسل وتُثبت صِدْقهم في البلاغ عن الله وهي المعجزات، وآيات القرآن التي تحمل الأحكام والمنهج، وكلها أمور واضحة بينة. وقوله تعالى: {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9] نعم، ما ظلمهم الله؛ لأنه سبحانه أمدهم بمقوِّمات الحياة وإمكانات المادة، ثم أمدهم بمقومات الروح والقيم، فإنْ حادوا بعد ذلك عن منهجه سبحانه فما ظلموا إلا أنفسهم. ثم نقول: كيف يتأتَّى الظلم من الله تعالى؟ الظلم يقع نعم من الإنسان لأخيه الإنسان؛ لأنه يحقد عليه، ويريد أنْ يتمتع بما في يده، فالظالم يأخذ حقَّ المظلوم الذي لا قدرةَ له على حماية حقه. فكيف إذن نتصور الظلم من الله - عز وجل - وهو سبحانه مالك كل شيء، وغني عن كل شيء؟ إذن: ما ظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم حينما حادوا عن طريق الله ومنهجه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} معناه استخرجُوها.