٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : كما قال: { أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [يونس: 26] وقوله تعالى: {أَن كَذَّبُواْ } قيل معناه بأن كذبوا أي كان عاقبتهم ذلك بسبب أنهم كذبوا، وقيل معناه أساءوا وكذبوا فكذبوا يكون تفسيراً لأساؤا وفي هذه الآية لطائف إحداها: قال في حق الذين أحسنوا: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ } وقال في حق من أساء: {ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أساؤا السوآى} إشارة إلى أن الجنة لهم من ابتداء الأمر فإن الحسنى اسم الجنة والسوآى اسم النار، فإذا كانت الجنة لهم ومن الابتداء، ومن له شيء كلما يزداد وينمو فيه فهو له، لأن ملك الأصل يوجب ملك الثمرة، فالجنة من حيث خلقت تربو وتنمو للمحسنين، وأما الذين أساؤا، فالسوآى وهي جهنم في العاقبة مصيرهم إليها الثانية: ذكر الزيادة في حق المحسن ولم يذكر الزيادة في حق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة مثلها الثالثة: لم يذكر في المحسن أن له الحسنى بأنه صدق، وذكر في المسيىء أن له السوأى بأنه كذب، لأن الحسنى للمحسنين فضل والمتفضل لو لم يكن تفضله لسبب يكون أبلغ، وأما السوآى للمسيىء عدل والعادل إذا لم يكن تعذيبه لسبب لا يكون عدلاً فذكر السبب في التعذيب وهو الإصرار على التكذيب، ولم يذكر السبب في الثواب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ} السّوءى فُعْلَى من السوء تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. وقيل: يعني بها هاهنا النار؛ قاله ابن عباس. ومعنى «أساءوا» أشركوا؛ دل عليه «أن كذبوا بِآياتِ اللَّهِ». «السوءى»: اسم جهنم؛ كما أن الحسنى اسم الجنة. {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي لأن كذبوا؛ قاله الكسائي. وقيل: بأن كذبوا. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ» بالرفع اسم كان، وذكّرت لأن تأنيثها غير حقيقي. و«السُّوءَى» خبر كان. والباقون بالنصب على خبر كان. «السوءى» بالرفع اسم كان. ويجوز أن يكون اسمها التكذيب؛ فيكون التقدير: ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساءوا؛ ويكون السوءى مصدراً لأساءوا، أو صفة لمحذوف؛ أي الخَلّة السوءى. وروي عن الأعمش أنه قرأ «ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءُ» برفع السوء قال النحاس: السوء أشدّ الشر؛ والسوءى الفعلى منه {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} قيل بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؛ قاله الكلبيّ. مقاتل: بالعذاب أن ينزل بهم. الضحاك: بمعجزات محمد صلى الله عليه وسلم. {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰءُاْ ٱلسُّوأَىٰ} تأنيث الأسوأ: الأقبح خبر كان على رفع عاقبة، واسم كان على نصب «عاقبة» والمراد بها جهنم وإساءتهم {أن} أي بأن {كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ } القرآن {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ }.
ابن عطية
تفسير : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "عاقبةُ" بالرفع على اسم {كان} والخبر يجوز أن يكون {السوأى} ويجوز أن يكون {أن كذبوا} وتكون {السوأى} على هذا مفعولاً بـ {أساءوا} وإذا كان {السوأى} خبراً فـ {أن كذبوا} مفعول من أجله ولا يصح تعلقه بـ {أساءوا} لأن في ذلك فصلاً بين الصلة والموصول بخبر {كان}، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "عاقبةَ" بالنصب على أنها خبر مقدم واسم {كان} أحد ما تقدم، و {السوأى} مصدر كالرجعى والفتيا والشورى، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف تقديره الخلة السوأى أو الخلال السوأى قال أبو حاتم هذه قراءة العامة بالمد على الواو وفتح الهمزة وياء التأنيث فبعض القراء فخم وبعضهم أمال، وقرأ الحسن "السوّى" بشد الواو دون همز، وقرأ الأعمش وابن مسعود "السوء" بالتذكير، وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال "السوء والسوأى" اقرأ بما شئت، قال ابن عباس {أساءوا} هنا بمعنى كفروا و {السوأى} هي النار والتكذيب {بآيات الله}، تعالى غير الاستهزاء بها فلذلك عدد عليهم الفعلين، ثم أخبر تعالى إخباراً مطلقاً لجميع العالم بالحشر والبعث من القبور، وقرأ طلحة وابن مسعود "يُبدِيء" بضم الياء وكسر الدال، وقرأ جمهور القراء "ترجعون" بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالياء، وقوله {ويوم} منصوب بـ {يبلس}، والإبلاس الكون في شر مع اليأس من الخير في ذلك الشر بعينه، فإبلاسهم هو في عذاب الله تعالى، وقرأ عامة القراء بكسر اللام، وقرأ أبو عبد الرحمن وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بفتحها، وأبلس الربع إذا بلي وكأنه يئس من العمارة ومنه قول العجاج: شعر : يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا تفسير : وقرأ عامة القراء "ولم يكن لهم" بالياء من تحت، وروي عن نافع "تكن" بالتاء من فوق، و"الشركاء" المشار إليهم هم الأصنام أي الذين كانوا يجعلونهم شركاء لله بزعمهم. وقوله {وكانوا} معناه يكونون عند معاينتهم أمر الله وفساد حال الأصنام فعبر عنه بالماضي لتيقن الأمر وصحة وقوعه.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَسَآءُواْ} كفروا. {السُّوأَى} جهنم، أو عقاب الدارين "ح". {أَن كَذَّبُواْ} لأن كذبوا {بِآيَاتِ اللَّهِ} محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، أو معجزات الرسل، أو نزول العذاب بهم.
البقاعي
تفسير : ولما كان انتكاسهم بعد هذا الأسباب المسعدة بعيداً، أشار إليه بأداة التراخي، أو هي إشارة إلى تطاول دعار الرسل لهم واحتمالهم إياهم فقال: {ثم كان} أي كوناً تعذر الانفكاك عنه، وهو في غاية الهول كما اشار إليه تذكير الفعل {عاقبة} أي آخر أمر {الذين أساءوا} أظهر موضع الإضمار تعميماً ودلالة على السبب {السوأَى} أي الحالة التي هي أسوأ ما يكون، وهي خسارة الأنفس بالدمار في الدنيا والخلود في العذاب في الأخرى، جزاء لهم بجنس عملهم، فنهم كما أساؤوا الرسل ساءهم الملك؛ ثم ذكر العلة بقوله: {أن كذبوا} أي لأجل تكذيبهم الرسل، مستهينين {بآيات الله} أي الدلالات المنسوبة إلى الملك الأعلى الذي له الكمال كله الدالة عليه على عظمها بعظمه {وكانوا} أي كوناً كأنه جبلة لهم {بها} مع كونها أبعد شيء عن الهزء {يستهزءون} أي يستمرون على ذلك بتجديده في كل حين مع تعظيمه حتى كان استهزاؤهم بغيرها كأن عدم، كما أنكم أنتم تكذبون بما وقع من الوعد في أمر الروم وتستهزئون به فاحذروا أن يحل بكم ما حل بالأولين، ثم تردون إليه سبحانه فيعذبكم العذاب الأكبر، ويجوز أن يكون هذا بدلاً من "السُّوأَى" أو بياناً لها بمعنى أنهم لما أساؤوا زادتهم إساءتهم عماوة حتى ارتكسوا في العمى فوصلوا إلى التكذيب والاستهزاء الذي هو أقبح الحالات، عكس ما يجازي به المؤمن من أنه يزداد بإيمانه هدى. ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه وتعالى قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وكان للتصريح مع النفس حالة ليست لغيره، قال ذاكراً نتيجة ما مضى ومحصله تصريحاً بالمقصود وتلخيصاً للدليل: {الله} أي المحيط علماً وقدرة {يبدأ الخلق} أي بدا منه ما رأيتم وهو يجدد في كل حين ما يريد من ذلك كما تشاهدون {ثم يعيده} بعد ما يبيده، وترك توكيده إشارة إلى أنه غني عنه لأنه من القضايا المسلمة أن من اخترع شيئاً كان لا محالة قادراً على إعادته. ولما كان الجزاء أمراً مهولاً، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم إليه} أي لا إلى غيره {ترجعون*} معنى في أموركم كلها في الدنيا وإن كنتم لقصور النظر تنسبونها إلى الأسباب، وحسا بعد قيام الساعة، وقراءة الجماعة بالالتفات إلى الخطاب أبلغ لأنها أنص على المقصود، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وروح عن يعقوب بالياء التحتانية على النسق الماضي. ولما ذكر الرجوع، أتبعه بعض أحواله فقال: {ويوم تقوم الساعة} سميت بذلك إشارة إلى عظيم القدرة عليها مع كثرة الخلائق على ما فيهم من العظماء والكبراء والرؤساء {يبلس} أي يسكت ويسكن يأساً وتحيراً على غاية الذل - بما أشار إليه تذكير الفعل مع التجدد والاستمرار بما أومأ إليه المضارع {المجرمون*} الذين وصلوا من الدنيا ما من حقه أن يقطع لفنائه، وقطعوا من أسباب الآخرة ما من حقه أن يوصل لبقائه، وكانوا في غاية اللبس في الجدل ومعرفة كل ما يغيظ الخصم من القول والفعل والتمايل والتضاحك عند سكوت الخصم تعجباً من جريانهم في هذيانهم سروراً منهم بإسكاته ليظن بعض من رآه أنه انقطع وأن الحجة لهم. ولما كان الساكت ربما أغناه عن الكلام غيره، نفى ذلك بقوله محققاً له بجعله ماضياً: {ولم يكن} ولما كان المقام لتحقيرهم بتحقير شركائهم رتب نفي النفع الموجع لهم هذا الترتيب، ويجوز أن يراد بترتيبه مع ذلك التخصيص فيقال: {لهم} أي خاصة في ذلك الوقت ولا بعده، ولا كان في عداد ذلك من قبل لو كانوا يعقلون، وأما غيرهم ممن يصح وصفه بالإجرام لكونه من أهل الشرك الخفي فقد يشفع فيه من رباه من الشهداء والعلماء وعامة المؤمنين {من شركائهم} الذي زعموهم خاصة ليتبين لهم خلطهم وجهلهم المفرط في قولهم: {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله} تفسير : [يونس: 18] وأما غيرهم فيقع منهم ما يسمى شفاعة تارة تصريحاً وأخرى تلويحاً كالشفاعة العامة من نبينا صلى الله عليه وسلم في الخلق عامة لفصل القضاء، وقوله صلى الله عليه وسلم في ناس بأعيانهم: " حديث : أصحابي إليّ إليّ، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: فسحقاً سحقاً" تفسير : وقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام {أية : ومن عصاني فإنك غفور رحيم} تفسير : [إبراهيم: 36] {شفعاء} ينقذونهم مما هم فيه وما يستقبلونه وإتيانه بصيغة جمع الكثرة يمكن أن يكون لا مفهوم له، لأن مورده رد اعتقادهم في قولهم السالف، ويمكن أن يفهم أنه قد يقع من بعض من عبدوه شفاعة، أو تلويح بها كقول عيسى عليه السلام {أية : وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} تفسير : [المائدة: 118]. ولما ذكر حال الشفعاء معهم، ذكر حالهم مع الشفعاء فقال: {وكانوا} أي كوناً هو في غاية الرسوخ {بشركائهم} أي خاصة {كافرين*} أي متبرئين منهم ساترين لأن يكونوا اعتقدوهم آلهة وعبدوهم جرياً على عادتهم فيما لا يغنيهم من العناد والبهت.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ} [الآية: 10]. قال أبو على الجوزجانى: المسىء ينتظر الإساءة إلى أن يتداركه العفو ألا ترى الله يقول: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ} الإساءة إنفاق العمر فى الباطل والسوء إنفاق رزقه فى المعاصى وإنفاق حياته فى متابعة هواه.
القشيري
تفسير : مَنْ زَرَعَ الشوكَ لم يحصُدْ الوَرْدَ، ومَنْ استنبت الحشيشَ لم يقطف الثمار، ومَنْ سَلَكَ طريق الغيّ لم يَحْلُلْ بساحة الرشد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم كان عاقبة الذين اساؤا} اى عملوا السيآت: وبالفارسية [بدكر دند يعنى كافر شدند] {السواى} اى العقوبة التى هى اسوء العقوبات وافظعها وهى العقوبة بالنار فانها تأنيث الاسوأ كالحسنى تأنيث الاحسن او مصدر كالبشرى وصف به العقوبة مبالغة كأنها نفس السواى. وقيل السواى اسم لجهنم كما ان الحسنى اسم للجنة وانما سميت سواى لانها تسوء صاحبها. قال الراغب السوء كل ما يعم الانسان من الامور الدنيوية والاخروية ومن الاحوال النفسية والبدنية والخارجة من فوات مال وفقد حميم وعبر بالسوءى عن كل ما يقبح ولذلك قوبل بالحسنى قال {ثم كان عاقبة الذين اساؤا السواى} كما قال {للذين احسنوا الحسنى} انتهى. والسوءى مرفوعة على انها اسم كان وخبرها عاقبة وقرئ على العكس وهو ادخل فى الجزالة كما في الارشاد {ان كذبوا بآيات الله} علة لما اشير الية من تعذيبهم الدنيوى والاخروى اى لان كذبوا بآيات الله المنزلة على رسله ومعجزاته الظاهرة على ايديهم {وكانوا بها يستهزءُون} عطف على كذبوا دخل معه فى حكم العلة وايراد الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على استمراره وتجدده. وحاصل الآيات ان الامم السالفة المكذبة عذبوا فى الدنيا والآخرة بسبب تكذيبهم واستهزائهم وسائر معاصيهم فلم ينفعهم قوتهم ولم يمنعهم اموالهم من العذاب والهلاك فما الظن باهل مكة وهم دونهم فى العدد والعدد وقوة الجسد. واعلم ان طبع القلوب والموت على الكفر مجازاة على الاساءة كما قال ابن عيينة ان لهذه الذنوب عواقب سوء لا يزال الرجل يذنب فينكت على قلبه حتى يسوّد القلب كله فيصير كافرا والعياذ بالله: وفيه اشارة الى طلبة العلم الذين يشرعون فى علوم غير نافعة بل مضرة مثل الكلام والمنطق والمعقولات فيشوش عليهم عقيدتهم على مذهب اهل السنة والجماعة وان وقعوا فى ادنى شك وقعوا فى الكفر. شعر : علم بى دينان رهاكن جهل راحكمت مخوان ازخيالات وظنون اهل يونان دم مزن تفسير : فمن كان له نور الايمان الحقيقى بالسير والسلوك ينظر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من حكماء الفلاسفة انهم كانوا اشد منهم قوة فى علم القال واثاروا الارض البشرية بالرياضة والمجاهدة وعمروها بتبديل الاخلاق والاستدلال بالدلائل العقلية والبراهين المنطقية اكثر مما عمروها المتأخرون لأنهم كانوا اطول اعمارا منهم فوسوس لهم الشيطان وغرهم بعلومهم العقلية واستبدت نفوسهم بها وظنوا انهم غير محتاجين الى الشرائع ومتابعة الانبياء انفسهم من الشبهات بحسبان انها من البراهين القاطعة فاهلكهم الله فى اودية الشكوك والحسبان فما كان الله ليظلمهم بالابتلاء بهذه الآفات بان يكلهم الى وساوس الشيطان وهو اجس نفوسهم ولا يرسل اليهم الرسل ولم ينزل معهم الكتب ولكن كانوا انفسهم يظلمون بتكذيب الانبياء ومتابعة الشيطان وعبادة الهوى ثم كان عاقبة امر الفلاسفة لما اساؤوا بتذكيب الانبياء السوءى بان صاروا ائمة الكفر وصنفوا الكتب فى الكفر واوردوا فيها الشبهات على بطلان ما جاء به الانبياء من الشرائع والتوحيد وسموها الحكمة وسموا انفسهم الحكماء فالآن بعض المتعلمين من الفقهاء اما لوفور حرصهم على العلم والحكمة واما خباثة الجوهر ليتخلصوا من تكاليف الشرع يطالعون تلك الكتب ويتعلمونها وبتلك الشبهات التى دونوا بها كتبهم يهلكون فى اودية الشكوك ويقعون فى الكفر وهذه الآفة وقعت فى الاسلام من المتقدمين والمتأخرين منهم وكم من مؤمن عالم قد فسدت عقدتهم بهذه الآفة واخرجوا ربقة الاسلام من عنقهم فصاروا من جملتهم ودخلوا فى زمرتهم ولعل هذه الآفة تبقى فى هذه الامة الى قيام الساعة فان فى كل يوم يزداد تقل طلبة علوم الدين من التفسير والحديث والمذهب وتكثر طلبة علوم الفلسفة والزندقة ويسمونها الاصول والكلام. شعر : علم دين فقهست وتفسير وحديث هركه خواند غير ازين كردد خبيث تفسير : وقد قال الشافعي رحمه الله من تكلم تزندق ثم وبال هذه جملة الى قيام الساعة يكتب فى ديوان من سن هذه السنة السيئة ومن اوزار من عمل بها من غير ان ينقص من اوزارهم شيء على ان كذبوا بالقرآن وسموا الانبياء عليهم السلام اصحاب النواميس وسموا الشرائع الناموس الاكبر عليهم لعنات الله تترى كذا فى تأويلات حضرة الشيخ نجم الدين قدس سره.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ كَانَ} عطف على او لم يتفكّروا باعتبار المعنى فانّه فى معنى لم يتفكّروا او على او لم يسيروا باعتبار المعنى كأنّه قيل: لم يسيروا ثمّ كان عاقبتهم، او عطف على كانوا انفسهم يظلمون يعنى كانوا انفسهم يظلمون ثمّ كان {عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ} هذا من قبيل وضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بسببيّة الاساءة للسّيّئة الّتى هى اكبر الّتى هى تكذيب آيات الله والاستهزاء بها، او المقصود تخصيص هذا الوصف بالمسيئين منهم السّوءى لا المسيئين السّيّئة، او ليس من قبيل وضع الظّاهر موضع المضمر بل المقصود بيان حكم من اساء السّوءى من غير تعرّضٍ للمذكورين والسّوءى تأنيث الاسوء، او مصدر، ولفظة ثمّ للتّعقيب فى الوجود او للتّعقيب فى الاخبار {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} واعظمها الانبياء والاولياء (ع) {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} والاستهزاء بالآيات اعظم جرماً من التّكذيب واعراب الآية انّ السّوءى خبر كان او اسمها على اختلاف القراءة برفع عاقبة الّذين ونصبها وان كذّبوا بدل منه او بتقدير الّلام او السّوءى مفعول مطلق او مفعول به لاساؤا وان كذّبوا خبر كان او اسمها.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا} الذين ظاهر في موضع المضمر ليدل بصلته على ما أوجب لهم السواء وهو اساءتهم فقد جوز بالاساءة السواء جزاء وفاقا والسواء خبر كان تأنيث الأسواء كالحنسى والفضلاء في تأنيث الأحسن والأفضل او مصدر كالرجعي والبشري وقيل: السواء اسم لجهنم وقيل: الكفر. {أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ} على تقدير لام التعليل اي لان كذبوا او بدل او بيان للسوأى او السواء مفعول مطلق لاساءوا اسم مصدر بوزن الرجعى او وصف للاساءة اي الاساءة السواء وعلى الوجهين فخبر كان ان كذبوا وكذا ان جعلنا السواء مفعولا لاساءوا بمعنى اكتسبوا ويجوز ان يكون السواء مفعولا مطلقا اسم مصدرا ووصفا وان يكون مفعولا به لاساءوا وان كذبوا بدل او بيان وخبر كان محذوف للتهويل ويجوز ان تكون ان مفسرة اذا فسرنا الاساءة بالتكذيب والاستهزاء فيكون فيها معنى القول وقرأ ابن عامر والكوفيون (عاقبة) بالنصب على الخبرية والسواء اسم كان وان كذبوا على الاوجه من كون ان تفسيرية ومن جعلها مصدرية على تقدير اللام ويجوز كون التكذيب بدل عاقبة او بيانا لها او بدلا للسواء او بيانا لها وان قلت كيف يصح ان تكون العاقبة التكذيب؟ قلت: وجهه ان التكذيب يجيىء عن الطبع على القلوب وذلك يورث النار. {وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ اللهُ يَبْدؤُا الخَلْقَ} اي يوجدهم. {ثُمَّ يُعِيدُهُ} يحييهم بعد الموت. {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بالبعث للجزاء وذلك التفات من الغيب للخطاب للمبالغة في المقصود وقرأ ابو عمر وابو بكر وروح بالتحتية على الاصل ومقتضى الظاهر.
اطفيش
تفسير : {ثمَّ كانَ عاقبةَ الَّذين أساءُوا} فى العمل، اى الذين من قبلهم، عبر عنهم بالموصول ليذكرهم بالاساءة، وبان الجزاء من جنس العمل كما قال {السُّواى} اى العقوبة السواى كالحسنى والفضلى اسم تفضيل مؤنث، ولا تكون بعده من التفضيلية، انما تكون بعد مذكره كالاسوإ والافضل، والاحسن وهو خبر كان، وثم للتراخى فى زمان على اصلها، او فى الرتبة، ةمن اجاو استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه، او باعتبار عموم المجاز، اجاز شمولها لهما {أن كذَّبُوا} اى لان كذبوا، او بان كذبوا، وهذا التكذيب هو قوله: {اساءوا} بينه به، فيجوز ان تكون ان تفسيرية {بآيات الله وكانُوا} ولان كانوا، او بان كانوا {بها يسْتَهزِئون} عبر بالمضارع للاستمرار، ولتصيير الماضى كالحاضر المشاهد، ويجوز ان يكون السواى مفعولا مطلقا اسم مصدر لاساء، اي اساءوا، الاساءة او وصفا مفعولاً به لاساءوا بمعنى اقترفوا، اى اقترفوا الخطيئة السوأى: ولا بعد فى جعله مفعولا مطلقا على معنى اساءوا السواى، اى الزئدة فى القبح، وفى هذه الاوجه لا خبر لكان، او يكون خبرها ان كذبوا، اي كان عاقبتهم استمرارهم فى التكذيب.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاؤُا} أي عملوا السيئات، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالإساءة والإشعار بعلة الحكم، و {ثُمَّ} للتراخي الحقيقي أو للاستبعاد والتفاوت في الرتبة {السُّوأَى} أي العقوبة السوأى وهي العقوبة بالنار فإنها تأنيث الأسوأ كالحسنى تأنيث الأحسن أو مصدر كالبشرى وصف به العقوبة مبالغة كأنها نفس السوء، وهي مرفوعة على أنها اسم (كان) وخبرها {عَـٰقِبَةُ }. وقرأ الحرميان وأبو عمرو {عَـٰقِبَةُ } بالرفع على أنه اسم {كان} و {السوأى} بالنصب على الخبرية، وقرأ الأعمش. والحسن {السوى} بإبدال الهمزة واواً وإدغام الواو فيها، وقرأ ابن مسعود {ٱلسَّوْء } بالتذكير {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} علة للحكم المذكور أي لأن أو بأن كذبوا وهو في الحقيقة مبين لما أشعر به وضع الموصول موضع الضمير لأنه مجمل. وقوله تعالى: {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزؤُن} عطف على {كَذَّبُواْ } داخل معه في حكم العلية وإيراد الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على استمراره وتجدده، وجوز أن يكون {السوأى} مفعولاً مطلقاً لأساؤا من غير لفظه أو مفعولاً به له لأن أساؤا بمعنى اقترفوا واكتسبوا، والسوأى بمعنى الخطيئة لأنه صفة أو مصدر مؤول بها وكونه صفة مصدر (أساؤا) من لفظه أي الإساءة السوأى بعيد لفظاً مستدرك معنى، و {أَن كَذَّبُواْ } اسم {كان}، وكون التكذيب عاقبتهم مع أنهم لم يخلوا عنه إما باعتبار استمراره أو باعبار أنه عبارة عن الطبع، وجوز أيضاً أن يكون {أن كذبوا} بدلاً من {السوأى} الواقع اسماً لكان أو عطف بيان لها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي أن كذبوا، وأن تكون {أن} تفسيرية بمعنى أي والمفسر إما {أساؤا} أو {السوأى} فإن الإساءة تكون قولية كما تكون فعلية فإذن ما قبلها مضمن معنى القول دون حروفه ويظهر ذلك التضمن بالتفسير، وإذا جاز { أية : وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ }تفسير : [ص: 6] فهذا أجوز فليس هذا الوجه متكلفاً خلافاً لأبي حيان. وجوز في قراءة الحرميين وأبـي عمرو أن تكون {السوأى} صلة الفعل و {أَنْ كَذَّبُواْ } تابعاً له أو خبر مبتدأ محذوف أو على تقدير حرف التعليل وخبر كان محذوفاً تقديره وخيمة ونحوه. وتعقب ذلك في «البحر» فقال: هو فهم أعجمي لأن الكلام مستقل في غاية الحسن بلا حذف وقد تكلف له محذوف لا يدل عليه دليل، وأصحابنا لا يجيزون حذف خبر {كان}.
ابن عاشور
تفسير : {ثم} للتراخي الرتبي لأن هذه العاقبة أعظم رتبة في السوء من عذاب الدنيا، فيجوز أن يكون هذا الكلام تذييلاً لحكاية ما حلّ بالأمم السالفة من قوله {أية : كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}تفسير : [الروم: 9]. والمعنى: ثم عاقبةُ كل من أساءوا السوأى مثلَهم، فيكون تعريضاً بالتهديد لمشركي العرب كقوله تعالى {أية : دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها}تفسير : [محمد: 10]، فالمراد بــــ {الذين أساءوا} كل مسيىء من جنس تلك الإساءة وهي الشرك. ويجوز أن يكون إنذاراً لمشركي العرب المتحدث عنهم من قوله {أية : ولكن أكثر الناس لا يعلمون}تفسير : [الروم: 6] فيكونوا المراد بــــ {الذين أساءوا}، ويكون إظهاراً في مقام الإضمار على خلاف مقتضى الظاهر لقصد الإيماء بالصِلة، أي أن سبب عاقبتهم السوأى هو إساءتهم، وأصل الكلام: ثم كان عاقبتهم السوأى. وهذا إنذار بعد الموعظة ونص بعد القياس، فإن الله وعظ المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم بعواقب الأمم التي كذبت رسلها ليكونوا على حذر من مثل تلك العاقبة بحكم قياس التمثيل، ثم أعقب تلك الموعظة بالنذارة بأنهم ستكون لهم مثل تلك العاقبة، وأوقع فعل {كان} الماضي في موقع المضارع للتنبيه على تحقيق وقوعه مثل {أية : أتى أمر الله}تفسير : [النحل: 1] إتماماً للنذارة. والعاقبة: الحالة الأخيرة التي تعقب حالة قبلها. وتقدمت في قوله: {أية : ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} تفسير : في سورة الأنعام (11)، وقوله: {أية : والعاقبة للتقوى} تفسير : في سورة طه (132). {والذين أساءوا}هم كفار قريش، والمراد {بآيات الله} القرآن ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم. والسوأى: تأنيث الأسَوإ، أي الحالة الزائدة في الاتصاف بالسوء وهو أشد الشر، كما أن الحسنى مؤنث الأحسن في قوله {أية : للذين أحسنوا الحسنى}تفسير : [يونس: 26]. وتعريف {السوأى} تعريف الجنس إذ ليس ثمة عاقبة معهودة. ويحتمل أن يراد بــــ {الذين أساءوا}الأمم الذين أثاروا الأرض وعمروها فتكون من وضع الظاهر موضع المضمر توسلاً إلى الحكم عليهم بأنهم أساءوا واستحقوا السوأى وهي جهنم. وفعل {كان}على ما هو عليه من التنبيه على تحقق الوقوع. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب {عاقبةُ}بالرفع على أصل الترتيب بين اسم {كان} وخبرها. وقرأه البقية بالنصب على أنه خبر {كان} مُقدم على اسمها وهو استعمال كثير. والفصل بين {كان} ومرفوعها بالخبر سوغ حذف تاء التأنيث من فعل {كان}. و{أن كذبوا} تعليل لكون عاقبتهم السوأى بحذف اللام مع {أنْ} وآيات الله: القرآن والمعجزات. والباء في {بها يستهزئون} للتعدية، وتقديم المجرور للاهتمام بشأن الآيات، وللرعاية على الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وأبو عمرو، كان عاقبة: بضم التاء اسم كان، وخبرها السوأى وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ثم كان عاقبة الذين بفتح التاء، خبر كان قدم على اسمها على حد قوله في الخلاصة: شعر : وفي جميعها توسط الخبر أجز....... تفسير : وعلى هذه القراءة فالسوأى اسم كان، وإنما جرد الفعل من التاء مع أن السوأى مؤنثة لأمرين: الأول: أن تأنيثها غير حقيقي. والثاني: الفصل بينها وبين الفعل كما هو معلوم. وأما على قراءة ضم التاء فوجه تجريد الفعل من التاء هو كون تأنيث العاقبة غير حقيقي فقط. وأظهر الأقوال في معنى الآية عندي، أن المعنى على قراءة ضم التاء، كانت عاقبة المسيئين السوأى وهي تأنيث الأسوإ، بمعنى الذي هو أكثر سوءاً: أي كانت عاقبتهم العقوبة، التي هي أسوأ العقوبات، أي أكثرها سوءاً وهي النار أعاذنا الله، وإخواننا، المسلمين منها. وأما على قراءة فتح التاء، فالمعنى: كانت السوأى عاقبة الذين أساءوا، ومعناه واضح مما تقدم، وأن معنى قوله. أن كذبوا: أي كانت عاقبتهم أسوأ العقوبات لأجل أن كذبوا. وهذا المعنى تدل عليه آيات كثيرة توضح أن الكفر والتكذيب قد يؤدي شؤمه إلى شقاء صاحبه، وسوء عاقبته، والعياذ بالله. كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5]. وقوله: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} تفسير : [البقرة: 10]. وقوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء: 155]. وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} تفسير : [الإسراء: 46]، وفي الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} تفسير : [الأعراف: 101] وفي غير ذلك. وبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن السوأى منصوب بأساءوا: أي اقترفوا الجريمة السوأى خلاف الصواب. وكذلك قول من قال: إن أن في قوله: أن كذبوا تفسيرية، فهو خلاف الصواب أيضاً، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَاقِبَةَ} {أَسَاءُوا} {بِآيَاتِ} {يَسْتَهْزِئُونَ} (10) - وَكَانَتْ عَاقِبَةُ هؤلاءِ المُسِيئِينَ المُكَذِّبِينَ، الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ سَيِّئَةً فِي الدُّنيا والآخِرَةِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِاللهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ بِآيِاتِهِ وَرُسُلِهِ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسِلِهِمْ عُتُوّاً واسْتِكْبَاراً. السُّوأَى - العُقُوبَةَ المُتَنَاهِيَةَ فِي السُّوءِ - وَهِيَ النَّارُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الإساءة ضدها الإحسان، وسبق أن قلنا: إن الإحسان: أن تترك الصالح على صلاحه، أو أن تزيده صلاحاً، ومثَّلْنا لذلك ببئر الماء الذي يشرب منه الناس، فواحد يأتي إليه فيردمه أو يُلوث ماءه، وآخر يبني حوله سياجاً يحميه أو يجعل له آلة تُخرج الماء وتُريح الناس، فهذا أحسن وذاك أساء، فإذا لم تكُنْ محسناً فلا أقلَّ من أنْ تكفَّ إساءتك، وتدع الحال على ما هو عليه. والحق - سبحانه وتعالى - خلق الكون على هيئة الصلاح، ولو تركناه كما خلقه ربه لَظلَّ على صلاحه، إِذاً لا يأتي الفساد إلا من تدخُّل الإنسان؛ لذلك يقول سبحانه {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [البقرة: 11-12]. وينبغي على الإنسان أنْ يأخذ من ظواهر الكون ما يفيده، أذكر أننا حينما سافرنا إلى مكة سنة 1950 كنا ننتظر السَّقاء الذي يأتي لنا بقربة الماء، ويأخذ أجرة حملها، وكنا نضعها في (البزان) وهو مثل (الزير) عندنا، فإذا أراد أحدنا أن يتوضأ يأخذ من الماء كوزاً واحداً ويقول: نويت نية الاغتراف، ولا يزيد في وضوئه عن هذا الكوز؛ لأننا نشتري الماء، أما الآن فالواحد منا لا تكفيه (صفيحة) لكي يتوضأ من حنفية الماء. وفي ترشيد استعمال الماء ترشيد أيضاً للصرف الصحي وللمياه الجوفية التي تضر بالمباني وبالتربة الزراعية. لذلك يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الإسراف في استعمال الماء حتى لو كنَّا على نهر جارٍ. فمعنى الذين أساءوا: أي الذي جاء إلى الصالح فأفسده أو أنشأ إفساداً جديداً، وطبيعي أن تكون عاقبته من جنس فِعْله {عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ ..} [الروم: 10] والسُّوأى: مؤنث سيء مثل: حسن للمذكر، وحُسْنى للمؤنث. وأصغر وصُغْرى، فهي أفعل تفضيل من السُّوء. ثم يقول سبحانه: {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} [الروم: 10] فالأمر لم يقف عند حَدٍّ التكذيب بالآيات، إنما تعدَّى التكذيب إلى الاستهزاء، فما فلسفة أهل الاستهزاء حينما يستهزئون بالآخرين؟ كثيراً ما نلاحظ أن التلميذ الفاشل يستهزىء بالمجتهد، والمنحرف يستهزىء بالمستقيم، لماذا؟ لأن حظ الفاشل أنْ يزهد المجتهد في اجتهاده، وحظ المنحرف أن يصير المستقيم منحرفاً مثله، ومن هنا نسمع عبارات السخرية من الآخرين كما حكاها القرآن: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ} تفسير : [المطففين: 29-32]. لكن لا تتعجل، وانتظر عاقبة ذلك حينما يأخذ هؤلاء المؤمنون أماكنهم في الجنة، ويجلسون على سُرُرها وأرائكها: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 34-36]. والخطاب هنا للمؤمنين الذين تحملوا السخرية والاستهزاء في الدنيا: أقدرنا أنْ نجازيهم على ما فعلوه بكم؟ إذن: فلسفة الاستهزاء أن الإنسان لم يقدر على نفسه ليحملها على الفضائل، فيغيظه كل صاحب فضيلة، ويؤلمه أنْ يرى مستقيماً ينعم بعزِّ الطاعة، وهو في حمئة المعصية؛ لذلك يسخر منه لعله ينصرف عما هو فيه من الطاعة والاستقامة. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):