٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : لما ذكر أن عاقبتهم إلى الجحيم وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال يبدأ الخلق، يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة فإليه ترجعون، ثم بين ما يكون وقت الرجوع إليه.
القرطبي
تفسير : قرأ أبو عمرو وأبو بكر «يرجعون» بالياء. الباقون بالتاء. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميّ «يُبْلَسُ» بفتح اللام؛ والمعروف في اللغة: أبلس الرجل إذا سكت وانقطعت حجته، ولم يؤمّل أن يكون له حجة. وقريب منه: تحيّر؛ كما قال العجاج:شعر : يا صاحِ هل تَعرِفُ رَسْماً مُكْرَساً قال نعم أعرفه وأبْلسَا تفسير : وقد زعم بعض النحويين أن إبليس مشتق من هذا، وأنه أبلس لأنه انقطعت حجته. النحاس: ولو كان كما قال لوجب أن ينصرف، وهو في القرآن غير منصرف. الزجاج: المبلِس الساكت المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدِي إليها. {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ} أي ما عبدوه من دون الله {شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ} قالوا ليسوا بآلهة فتبرؤوا منها وتبرأت منهم؛ حسبما تقدم في غير موضع.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: كما هو قادر على بداءته، فهو قادر على إعادته، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله. ثم قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} قال ابن عباس: ييأس المجرمون، وقال مجاهد: يفتضح المجرمون، وفي رواية: يكتئب المجرمون. {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ} أي: ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، وكفروا بهم، وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم. ثم قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} قال قتادة: هي والله الفرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني: أنه إذا رفع هذا إلى عليين، وخفض هذا إلى أسفل سافلين، فذلك آخر العهد بينهما، ولهذا قال تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال مجاهد وقتادة: ينعمون. وقال يحيى بن أبي كثير: يعني: سماع الغناء. والحبرة أعم من هذا كله، قال العجاج:شعر : فالحمدُ لله الذي أَعطى الحبرْ مواليَ الحَقِّ إِنِ المَولى شكرْ
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ } أي: ينشىء خلق الناس {ثُمَّ يُعِيدُهُ } أي خلقهم بعد موتهم {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالتاء والياء.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } أي يخلقهم أوّلاً، ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } إلى موقف الحساب، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيىء بإساءته، وأفرد الضمير في: {يعيده} باعتبار لفظ الخلق، وجمعه في: {ترجعون} باعتبار معناه. قرأ أبو بكر وأبو عمرو: "يرجعون" بالتحتية. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب والالتفات المؤذن بالمبالغة. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ } قرأ الجمهور: {يبلس} على البناء للفاعل. وقرأ السلمي على البناء للمفعول، يقال: أبلس الرجل: إذا سكت وانقطعت حجته. قال الفراء والزجاج: المبلس: الساكت المنقطع في حجته الذي أيس أن يهتدي إليها، ومنه قول العجاج:شعر : يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا قال: نعـم أعرفه وأبلسا تفسير : وقال الكلبي: أي: يئس المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب، وقد قدّمنا تفسير الإبلاس عند قوله: {أية : فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } تفسير : [الأنعام: 44]. {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء } أي لم يكن للمشركين يوم تقوم الساعة من شركائهم الذين عبدوهم من دون الله شفعاء يجيرونهم من عذاب الله {وَكَانُواْ } في ذلك الوقت {بِشُرَكَائِهِمْ } أي بآلهتهم الذين جعلوهم شركاء لله {كَـٰفِرِينَ } أي: جاحدين لكونهم آلهة؛ لأنهم علموا إذ ذاك أنهم لا ينفعون ولا يضرون وقيل: إن معنى الآية: كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتهم، والأوّل أولى. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } أي يتفرّق جميع الخلق المدلول عليهم بقوله: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ } والمراد بالتفرّق: أن كل طائفة تنفرد، فالمؤمنون يصيرون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، وليس المراد تفرّق كلّ فرد منهم عن الآخر، ومثله قوله تعالى: {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الشورى: 7] وذلك بعد تمام الحساب، فلا يجتمعون أبداً. ثم بيّن سبحانه كيفية تفرّقهم، فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ } قال النحاس: سمعت الزجاج يقول: معنى «أما»: دع ما كنا فيه، وخذ في غيره، وكذا قال سيبويه: إن معناها: مهما يكن من شيء فخذ في غير ما كنا فيه. والروضة كل أرض ذات نبات. قال المفسرون: والمراد بها هنا: الجنة، ومعنى {يحبرون}: يسرون، والحبور والحبرة: السرور، أي فهم في رياض الجنة ينعمون. قال أبو عبيد: الروضة ما كان في سفل، فإذا كان مرتفعاً فهو: ترعة. وقال غيره: أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في مكان مرتفع، ومنه قول الأعشى:شعر : ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل تفسير : وقيل: معنى {يحبرون}: يكرمون. قال النحاس: حكى الكسائي حبرته، أي أكرمته، ونعمته، والأولى تفسير يحبرون بالسرور كما هو المعنى العربيّ، ونفس دخول الجنة يستلزم الإكرام والنعيم، وفي السرور زيادة على ذلك. وقيل: التحبير التحسين، فمعنى {يحبرون} يحسن إليهم، وقيل: هو السماع الذي يسمعونه في الجنة. وقيل: غير ذلك، والوجه ما ذكرناه. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالله {وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} وكذبوا بـ {لِقَاء ٱلآخِرَةَ } أي البعث والجنة والنار، والإشارة بقوله: {فَأُوْلَـٰئِك} إلى المتصفين بهذه الصفات، وهو مبتدأ وخبره: {فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } أي مقيمون فيه. وقيل: مجموعون. وقيل: نازلون. وقيل: معذبون، والمعاني متقاربة، والمراد دوام عذابهم. ثم لما بيّن عاقبة طائفة المؤمنين وطائفة الكافرين أرشد المؤمنين إلى ما فيه الأجر الوافر، والخير العام فقال: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: فإذا علمتم ذلك فسبحوا الله، أي نزهوه عما لا يليق به في وقت الصباح والمساء وفي العشي، وفي وقت الظهيرة. وقيل: المراد بالتسبيح هنا الصلوات الخمس. فقوله: {حين تمسون}: صلاة المغرب والعشاء، وقوله: {وحين تصبحون}: صلاة الفجر، وقوله: {وعشيا} صلاة العصر، وقوله: {وحين تظهرون}: صلاة الظهر، وكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وغيرهما. قال الواحدي: قال المفسرون: إن معنى {فسبحان الله}: فصلوا لله. قال النحاس: أهل التفسير على أن هذه الآية في الصلوات قال: وسمعت محمد بن يزيد يقول: حقيقته عندي: فسبحوا الله في الصلوات؛ لأن التسبيح يكون في الصلاة. وجملة: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه: {أية : فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } تفسير : [الحجر: 98] وقوله: {أية : وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ } تفسير : [البقرة: 30] وقيل: معنى {وله الحمد} أي الاختصاص له بالصلاة التي يقرأ فيها الحمد، والأول أولى. وقرأ عكرمة: «حينا تمسون وحينا تصبحون»، والمعنى: حينا تمسون فيه، وحينا تصبحون فيه. والعشيّ: من صلاة المغرب إلى العتمة. قاله الجوهري، وقال قوم: هو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، ومنه قول الشاعر:شعر : غدونا غدوة سحرا بليل عشيا بعد ما انتصف النهار تفسير : وقوله: {عشيا} معطوف على حين {وفي السماوات} متعلق بنفس الحمد، أي الحمد له يكون في السماوات والأرض {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } كالإنسان من النطفة والطير من البيضة {وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَيّ } كالنطفة والبيضة من الحيوان. وقد سبق بيان هذا في سورة آل عمران. وقيل: ووجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها أن الإنسان عند الصباح يخرج من شبه الموت وهو النوم إلى شبه الوجود وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج من اليقظة إلى النوم {وَيُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي يحييها بالنبات بعد موتها باليباس، وهو شبيه بإخراج الحيّ من الميت {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } أي ومثل ذلك الإخراج تخرجون من قبوركم. قرأ الجمهور: {تخرجون} على البناء للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي على البناء للفاعل، فأسند الخروج إليهم كقوله: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ } تفسير : [المعارج: 43] {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } أي من آياته الباهرة الدالة على البعث أن خلقكم، أي خلق أباكم آدم من تراب، وخلقكم في ضمن خلقه؛ لأن الفرع مستمد من الأصل ومأخوذ منه، وقد مضى تفسير هذا في الأنعام، و"أن" في موضع رفع بالابتداء، و{من آياته} خبره {ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ } "إذا" هي الفجائية، أي ثم فاجأتم بعد ذلك وقت كونكم بشراً تنتشرون في الأرض. وإذا الفجائية، وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء، لكنها وقعت هنا بعد ثم بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهي أطوار الإنسان كما حكاه الله في مواضع: من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً مكسوّاً لحماً فاجأ البشرية، والانتشار، ومعنى {تنتشرون}: تنصرفون فيما هو قوام معايشكم. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً } أي ومن علاماته ودلالاته الدالة على البعث أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً، أي من جنسكم في البشرية والإنسانية. وقيل: المراد: حوّاء، فإنه خلقها من ضلع آدم {لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا } أي تألفوها وتميلوا إليها، فإن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر ولا يميل قلبه إليه {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } أي وداداً وتراحماً بسبب عصمة النكاح يعطف به بعضكم على بعض من غير أن يكون بينكم قبل ذلك معرفة، فضلاً عن مودّة ورحمة. وقال مجاهد: المودّة: الجماع، والرحمة الولد، وبه قال الحسن. وقال السديّ: المودّة: المحبة، والرحمة: الشفقة. وقيل: المودّة حبّ الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها من أن يصيبها بسوء. وقوله: {أن خلق لكم} في موضع رفع على الابتداء، و{من آياته} خبره {إِنَّ فِي ذَلِكَ } المذكور سابقاً. {لآيَاتٍ } عظيمة الشأن بديعة البيان واضحة الدلالة على قدرته سبحانه على البعث والنشور {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }، لأنهم الذين يقتدرون على الاستدلال لكون التفكر مادّة له يتحصل عنه، وأما الغافلون عن التفكر فما هم إلاّ كالأنعام. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فإن من خلق هذه الأجرام العظيمة، التي هي أجرام السماوات والأرض، وجعلها باقية ما دامت هذه الدار، وخلق فيها من عجائب الصنع وغرائب التكوين، ما هو عبرة للمعتبرين، قادر على أن يخلقكم بعد موتكم وينشركم من قبوركم {وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ } أي لغاتكم من عرب وعجم، وترك، وروم، وغير ذلك من اللغات {وَأَلْوٰنِكُمْ } من البياض، والسواد، والحمرة، والصفرة، والزرقة، والخضرة مع كونكم أولاد رجل واحد وأم واحدة، ويجمعكم نوع واحد وهو الإنسانية، وفصل واحد وهو الناطقية، حتى صرتم متميزين في ذات بينكم لا يلتبس هذا بهذا، بل في كل فرد من أفرادكم ما يميزه عن غيره من الأفراد، وفي هذا من بديع القدرة ما لا يعقله إلاّ العالمون، ولا يفهمه إلاّ المتفكرون {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّلْعَـٰلَمِينَ } الذين هم من جنس هذا العالم من غير فرق بين برّ وفاجر، قرأ الجمهور بفتح لام العالمين، وقرأ حفص وحده بكسرها. قال الفراء: وله وجه جيد لأنه قد قال: {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {أية : لآيَـٰتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ } تفسير : [آل عمران: 190] {أية : وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ } تفسير : [العنكبوت: 43]. {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَاؤُكُمْ مّن فَضْلِهِ } قيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار. وقيل: المعنى صحيح من دون تقديم وتأخير، أي ومن آياته العظيمة أنكم تنامون بالليل، وتنامون بالنهار في بعض الأحوال للاستراحة كوقت القيلولة، وابتغاؤكم من فضله فيهما، فإن كل واحد منهما يقع فيه ذلك، وإن كان ابتغاء الفضل في النهار أكثر. والأوّل هو المناسب لسائر الآيات الواردة في هذا المعنى، والآخر هو المناسب للنظم القرآني ها هنا. ووجه ذكر النوم والابتغاء ها هنا، وجعلهما من جملة الأدلة على البعث: أن النوم شبيه بالموت، والتصرّف في الحاجات والسعي في المكاسب شبيه بالحياة بعد الموت {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } أي يسمعون الآيات والمواعظ سماع متفكّر متدبر، فيستدلون بذلك على البعث {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً } المعنى: أن يريكم، فحذف "أن" لدلالة الكلام عليه كما قال طرفة:شعر : ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟ تفسير : والتقدير: أن أحضر، فلما حذف الحرف في الآية والبيت بطل عمله، ومنه المثل المشهور: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» وقيل: هو على التقديم، والتأخير، أي ويريكم البرق من آياته، فيكون من عطف جملة فعلية على جملة اسمية، ويجوز أن يكون {يريكم} صفة لموصوف محذوف، أي ومن آياته آية يريكم بها، وفيها البرق، وقيل: التقدير، ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته. قال الزجاج: فيكون من عطف جملة على جملة. قال قتادة: خوفاً للمسافر، وطمعاً للمقيم. وقال الضحاك: خوفاً من الصواعق، وطمعاً في الغيث. وقال يحيـى بن سلام: خوفاً من البرد أن يهلك الزرع، وطمعاً في المطر أن يحيـي الزرع. وقال ابن بحر: خوفاً أن يكون البرق برقاً خلباً لا يمطر، وطمعاً أن يكون ممطراً، وأنشد:شعر : لا يكن برقك برقاً خلبا إن خير البرق ما الغيث معه تفسير : وانتصاب {خوفاً} و{طمعاً} على العلة {وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَيُحْىِ بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } أي يحييها بالنبات بعد موتها باليباس {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فإن من له نصيب من العقل يعلم أن ذلك آية يستدلّ بها على القدرة الباهرة. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ } أي قيامهما واستمساكهما بإرادته سبحانه وقدرته بلا عمد يعمدها، ولا مستقرّ يستقران عليه. قال الفراء: يقول: أن تدوما قائمتين بأمره {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ ٱلأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } أي ثم بعد موتكم ومصيركم في القبور، إذا دعاكم دعوة واحدة فاجأتم الخروج منها بسرعة، من غير تلبث ولا توقف، كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعي المطاع. و{من الأرض} متعلق بـ "دعا"، أي دعاكم من الأرض التي أنتم فيها، كما يقال: دعوته من أسفل الوادي فطلع إليّ، أو متعلق بمحذوف هو صفة لدعوة، أو متعلق بمحذوف يدلّ عليه تخرجون، أي خرجتم من الأرض، ولا يجوز أن يتعلق بـ {تخرجون}؛ لأن ما بعد إذ لا يعمل فيما قبلها، وهذه الدعوة هي نفخة إسرافيل الآخرة في الصور على ما تقدّم بيانه، وقد أجمع القراء على فتح التاء في {تخرجون} هنا، وغلط من قال إنه قرىء هنا بضمها على البناء للمفعول، وإنما قرىء بضمها في الأعراف. {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من جميع المخلوقات ملكاً وتصرّفاً وخلقاً، ليس لغيره في ذلك شيء {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } أي مطيعون طاعة انقياد. وقيل: مقرّون بالعبودية. وقيل: مصلون. وقيل: قائمون يوم القيامة كقوله: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [المطففين: 6] أي للحساب. وقيل: بالشهادة أنهم عباده. وقيل: مخلصون {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } بعد الموت فيحييه الحياة الدائمة {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } أي هين عليه لا يستصعبه، أو أهون عليه بالنسبة إلى قدرتكم، وعلى ما يقوله بعضكم لبعض، وإلاّ فلا شيء في قدرته بعضه أهون من بعض، بل كل الأشياء مستوية يوجدها بقوله: كن فتكون. قال أبو عبيد: من جعل أهون عبارة عن تفضيل شيء على شيء، فقوله مردود بقوله: {أية : وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } تفسير : [النساء: 30]، وبقوله: {أية : وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } تفسير : [البقرة: 255] والعرب تحمل أفعل على فاعل كثيراً، كما في قول الفرزدق:شعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعزّ وأطول تفسير : أي عزيزة طويلة، وأنشد أحمد بن يحيـى ثعلب على ذلك:شعر : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد تفسير : أي لست بواحد، ومثله قول الآخر:شعر : لعمرك إن الزبرقان لباذل لمعروفه عند السنين وأفضل تفسير : أي وفاضل، وقرأ عبد الله بن مسعود: "وهو عليه هين". وقال مجاهد وعكرمة والضحاك: إن الإعادة أهون عليه، أي على الله من البداية، أي أيسر، وإن كان جميعه هيناً. وقيل: المراد أن الإعادة فيما بين الخلق أهون من البداية، وقيل: الضمير في: {عليه} للخلق، أي وهو أهون على الخلق؛ لأنه يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون، ويقال لهم: كونوا فيكونون، فلذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى آخر النشأة {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } قال الخليل: المثل الصفة، أي وله الوصف الأعلى {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ} كما قال: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [الرعد: 35] أي صفتها. وقال مجاهد: المثل الأعلى قول: لا إلٰه إلاّ الله، وبه قال قتادة. وقال الزجاج: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي قوله: {وهو أهون عليه} قد ضربه لكم مثلاً فيما يصعب ويسهل. وقيل: المثل الأعلى هو أنه ليس كمثله شيء، وقيل: هو أن ما أراده كان بقول: كن، و{في السماوات والأرض} متعلق بمضمون الجملة المتقدّمة، والمعنى: أنه سبحانه عرف بالمثل الأعلى، ووصف به في السماوات والأرض، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الأعلى، أو المثل، أو من الضمير في الأعلى {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في ملكه، القادر الذي لا يغالب {ٱلْحَكِيمُ } في أقواله وأفعاله. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يُبْلِسُ } قال: يبتئس. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم: {يُبْلِسُ } قال: يكتئب، وعنه: الإبلاس: الفضيحة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {يُحْبَرُونَ } قال: يكرمون. وأخرج الديلمي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة قال الله: أين الذين كانوا ينزّهون أسماعهم، وأبصارهم عن مزامير الشيطان؟ ميزوهم، فيميزون في كثب المسك والعنبر؛ ثم يقول للملائكة: أسمعوهم من تسبيحي وتحميدي وتهليلي، قال: فيسبحون بأصوات لم يسمع السامعون بمثلها قط»تفسير : . وأخرج الدينوري في المجالسة عن مجاهد قال: ينادي مناد يوم القيامة... فذكر نحوه، ولم يسمّ من رواه له عن رسول الله. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذمّ الملاهي، والأصبهاني في الترغيب عن محمد بن المنكدر نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة، قال السيوطي: بسند صحيح، عن ابن عباس قال: «حديث : في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب المجدّ في ظلها مائة عام، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف، وغيرهم فيتحدّثون في ظلها، فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحاً من الجنة فتحرّك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا»تفسير : . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس قال: «حديث : كل تسبيح في القرآن فهو صلاة»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه عن أبي رزين قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس، فقال: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، فقرأ: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ }: صلاة المغرب {وَحِينَ تُصْبِحُونَ }: صلاة الصبح {وَعَشِيّاً }: صلاة العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ }: صلاة الظهر، وقرأ: {أية : مِن بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَاء } تفسير : [النور: 58]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } قال: المغرب والعشاء {وَحِينَ تُصْبِحُونَ }: الفجر {وَعَشِيّاً }: العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ }: الظهر. وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن السني في عمل يوم وليلة، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدعوات عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفّى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون» تفسير : وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج أبو داود والطبراني وابن السني وابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قال حين يصبح: {سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَيُحْييِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته» تفسير : وإسناده ضعيف. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } يقول: مطيعون: يعني: الحياة والنشور والموت وهم له عاصون فيما سوى ذلك من العبادة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } قال: أيسر. وأخرج ابن الأنباري عنه أيضاً في قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } قال: الإعادة أهون على المخلوق، لأنه يقول له يوم القيامة: كن فيكون، وابتدأ الخلقة من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } يقول: ليس كمثله شيء.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} فيه ستة أوجه: أحدها: أنه الفضيحة، قاله مجاهد. الثاني: الاكتئاب،قاله ابن أبي نجيح. الثالث: الإياس، قاله ابن عباس. الرابع: الهلاك، قاله السدي. الخامس: الندامة، قاله ابن قتيبة. السادس: الحيرة، قال العجاج: شعر : يا صـاح هل تعــرف رسْمــاً مكرســاً قـــال نــعــم أعـــرفـــه وأبــلسَـــا تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} فيه وجهان: أحدهما: في الجزاء بالثواب والعقاب. الثاني: في المكان بالجنة والنار. قوله تعالى: {...فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يَحْبَرُونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يمكرون، قاله ابن عباس. الثاني: ينعمون، قاله مجاهد وقتادة. الثالث: يتلذذون بالسماع والغناء، قاله يحيى بن أبي كثير. الرابع: يفرحون، قاله السدي. والحبرة عند العرب السرور والفرح قال العجاج: شعر : فالحمد لله الذي أعـــطى الحبـــر مـــوالــي الحـــي إن الــمــولى يَسَر تفسير : فأما الروضة فهي البستان المتناهي منظراً وطيباً ولم يكن عند العرب أحسن منظراً ولا أطيب منها ريحاً قال الأعشى: شعر : ما روضة من رياض الحزن معشبةٌ خضراء جاد عليها مسبل هطل يضحك الشمس منها كوكب شَرِقٌ مؤزر بعميم النبت مكتهل يوماً بأطيب منها نشر رائحةٍ ولا بأحسن منها إذا دنا الأُصُل تفسير : قوله تعالى: {فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: مدخلون، قاله يحيى بن سلام. الثاني: نازلون ومنه قوله: {أية : إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ} تفسير : [البقرة: 180] و [المائدة: 106] أي نزل به. الثالث: مقيمون، قاله ابن شجرة. الرابع: معذبون. الخامس: مجموعون، ومعاني هذه التأويلات متقاربة.
النسفي
تفسير : { ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ } ينشئهم {ثُمَّ يُعِيدُهُ } يحييهم بعد الموت {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وبالياء: أبو عمرو وسهل. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ } ييأس ويتحير. يقال: ناظرته فأبلس إذا لم ينبس ويئس من أن يحتج {ٱلْمُجْرِمُونَ } المشركون {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ } من الذين عبدوهم من دون الله. وكتب {شُفَعَاؤا} في المصحف بواو قبل الألف كما كتب {أية : علمؤا بني إسرائيل} تفسير : [الشعراء:197] وكذلك كتبت السوأى بالألف قبل الياء إثباتاً للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها {وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ كَـٰفِرِينَ } أي يكفرون بآلهتهم ويجحدونها أو وكانوا في الدنيا كافرين بسببهم. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } الضمير في {يتفرقون} للمسلمين والكافرين لدلالة ما بعده عليه حيث قال {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ } أي بستان وهي الجنة، والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه {يُحْبَرُونَ } يسرون. يقال: حبره إذا سره سروراً تهلل له وجهه وظهر فيه أثره، ثم اختلف فيه لاحتمال وجوه المسار فقيل يكرمون، وقيل يحلون، وقيل هو السماء في الجنة {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَلِقَاء ٱلآخِرَةِ } أي البعث {فَأُوْلَـئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } مقيمون لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم كقوله: {أية : وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا }تفسير : [البقرة: 167] لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد فقال {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ } والمراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدد فيها من نعمة الله الظاهرة أو الصلاة، فقيل لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ فقال: نعم وتلا هذه الآية. وهو نصب على المصدر والمعنى نزهوه عما لا يليق به أوصلوا لله {حِينَ تُمْسُونَ } صلاة المغرب والعشاء {وَحِينَ تُصْبِحُونَ } صلاة الفجر
ابن عادل
تفسير : قوله: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء ولم يقل: "يُعِيدُهُمْ" رد على الخلق، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ فيجزيهم بأعمالهم، قرأ أبو بكر، وأبو عمرو "يَرْجِعُونَ" - بالياء - والآخرون بالتاء. قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} قرأ العامة "يُبْلِسُ" ببنائه للفاعل وهو المعروف يقال: أَبْلَسَ الرجل أي انقطعت حجته فسكت وهو قاصر لا يتعدى، قال العجاج: شعر : 4036 - يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمـاً مُكْرَسَـا قَـالَ: نَعَــمْ أَعْرِفُــهُ وَأَبْلَسَــا تفسير : وقرأ السُّلَمِيُّ: "يُبْلَسُ" مبنيّاً للمفعول، وفيه بعدٌ، لأن أبْلَسَ يتعدى، وقد خُرِّجَتْ هذه القراءة على أن القائم مقام الفاعل مصدر الفعل، ثم حذف (المضافُ، وأقيم) المضاف إليه مُقَامَهُ، إذ الأصل يُبْلَسُ إبْلاَس المجرمين، و "يبلس" هو الناصب "ليَوْمَ تَقُومُ" و "يَوْمَئِذٍ" مضاف لجملة تقديرها يَوْمَئِذٍ يقوم وهذا كأنه تأكيد لفظي، إذ يصير التقدير يبلس المجرمون (يوم تقوم الساعة). فصل قال قتادةُ والكَلْبِيُّ: المعنى يبلس المشركون من كل خير؛ وقال الفراء: ينقطع كلامهم وحججهم. وقال مجاهد: يفتضحون. ولم يكن لهم شركائهم أصنامهم التي عبدوها ليشفعوا لهم شفعاء، {وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ} يتبرأون منها وتتبرأُ منهم. قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} أي بين أهل الجنة من أهل النار، قال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار فلا يجتمعون أبداً كما قال تعالى: {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الشورى: 7]. قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ} وهي البستان الذي في غاية النضارة، وقوله: "يُحْبَرُونَ" قال ابن عباس يكرمون. وقال قتادة ومجاهد: يُنَعمون، وقال مجاهد وأبو عبيدة: يسرون، والحَبْر والحُبُور السرور. وقيل الحَبْرة في اللغة كل نعمة حسنة والتَّحْبير التَّحْسِينُ يقال هو حسن الحِبرَ والسِّبر بكسر الحاء والسين وفتحهما وفي الحديث: "حديث : حَبْرْتُهُ لَكَ تَحْبِيراً"تفسير : أي حسنت لك صوتي والقرآن تحسيناً، وجاء في الحديث "حديث : يَخْرُجُ من النَّارِ رَجُلٌ ذَهَبَ حَبْرُهُ وسَبْرُهُ"تفسير : فالمفتوح مصدر والمكسور اسم، والروضة الجنة، قيل: ولا تكون روضة إلا وفيها نبت، وقيل: إلا وفيها ماء، وقيل: ما كانت منخفضة، والمرتفعة يقال لها: تُرعة، وقيل: لا يقال لها روضة إلا وهي في مكان غليظ مرتفع. قال الأعشى: شعر : 4037 - ما رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَـزْنِ مُعْشِبَـةً خَضْـرَاءَ جَـادَ عَلَيْهَـا مُسْبِـلٌ هَطِـلُ تفسير : وأصل رياضٍ رَواضٌ، فقلبت الواو ياء على حدِّ حَوْضٍ وحِيَاضٍ ونكر الروضة للتعظيم، وقال ههنا: "يُحْبَرُونَ" بصيغة الفعل ولم يقل "مَحْبُورُونَ" وقال في الأخرى "(مُحْضَرُونَ)" بصيغة الاسم ولم يقل "يُحْضَرُونَ" لأن الفعل يدل على التجديد، والاسم لا يدل عليه، فقوله "يحبرون" يعني كل ساعة يأتيهم ما يسرون به، وقوله "محضرون" أي الكفار في العذاب يبقون (فيه) مُحْضَرُونَ.
ابو السعود
تفسير : {قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} أي يُنشئهم {ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد الموتِ بالبعثِ {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إلى موقفِ الحسابِ والجزاءِ. والالتفاتُ للمُبالغةِ في التَّرهيبِ وقُرىء بالياءِ {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} التي هي وقتُ إعادة الخلق ورجعهم إليه، {يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي يسكُتون مُتحيِّرينَ لا ينبِسُون، يقال ناظرتُه فأبلسَ إذا سكتَ وأيسَ من أنْ يحتجَّ. وقُرىء بفتحِ اللامِ، من أبلسَه إذا أفحمَه وأسكتَه {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء} يجيرونَهم من عذابِ الله تعالى كما كانُوا يزعمونَه. وصيغةُ الجمعِ لوقوعِها في مقابلةِ الجمعِ أي لم يكُن لواحدٍ منهم شفيعٌ أصلاً {وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ كَـٰفِرِينَ} أي بإلهٰيَّتهم وشركتِهم مِ سبحانه حيثُ وقفُوا على كُنهِ أمرِهم. وصيغةُ الماضِي للدِّلالةِ على تحقُّقِه وقيلَ كانُوا في الدُّنيا كافرين بسببِهم وليسَ بذاكَ إذْ ليسَ في الإخبارِ به فائدةٌ يعتدُّ بها. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} أُعيدَ لتهويلِه وتفظيعِ ما يقعُ فيه. وقولُه تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تهويلٌ له إثرَ تهويلٍ، وفيه رمزٌ إلى أنَّ التَّفرقَ يقعُ في بعضٍ منه. وضميرُ يتفرَّقُون لجميعِ الخلقِ المدلولِ عليهم بما تقدَّمَ من بدئِهم وإعادتِهم ورجعِهم لا المجرمون خاصَّة. وليسَ المرادُ بتفرُّقِهم افتراقَ كلِّ فردٍ منهم عن الآخرِ بل تفرُّقَهم إلى فريقَيْ المؤمنينَ والكافرينَ كما في قولِه تعالى: { أية : فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [سورة الشورى: الآية 7] وذلك بعد تمامِ الحسابِ. وقولُه تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} تفصيلٌ وبـيانٌ لأحوالِ ذينكَ الفريقينِ. والرَّوضةُ كلُّ أرضٍ ذاتِ نباتٍ وماءٍ ورَوْنقٍ ونَضارةٍ. وتنكيرُها للتَّفخيم. والمرادُ بها الجَّنةُ، والحُبورُ السُّرورُ يقال حبرَهُ إذا سرَّهُ سُروراً تهلَّل له وجهُه، وقيل: الحَبرةُ كلُّ نغمةٍ حسنةٍ والتَّحبـيرُ التَّحسينُ. واختلفتْ فيه الأقاويلُ لاحتمالِه وجوهَ جميعِ المسارِّ. فعنِ ابنِ عبَّاسٍ ومُجاهدٍ: يُكرمون. وعن قَتادةَ يُنعَّمون. وعن ابن كيسانَ يُحلَّون وعن بكر بن عيَّاشِ: التِّيجانُ على رؤوسِهم. وعن وكيعٍ: السَّماعُ في الجَّنةِ. « حديث : وعن النبـيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم، أنَّه ذكَر الجنَّةَ وما فيها من النعيمِ وفي آخرِ القومِ أعرابـيُّ فقالَ: يا رسولَ الله هَلْ في الجَّنةِ من سماعٍ قال عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "يا أعرابـيُّ إنَّ في الجنَّةِ لنهراً حافَّتاه الأبكارُ من كلِّ بـيضاءَ خُوصانيةِ يتغنَّين بأصواتٍ لم يسمعِ الخلائقُ بمثلِها قَطّ فذلكَ أفضلُ نعيمِ الجنَّةِ" » تفسير : قال الرَّاوي فسألتُ أبا الدرداءِ رضي الله عنه بمَ يتغنَّين قال بالتَّسبـيحِ. ورُوي إنَّ في الجنَّةِ لأشجاراً عليها أجراسٌ من فضَّةٍ فإذا أرادَ أهلُ الجَّنةِ السَّماعَ بعثَ الله تعالى ريحاً من تحتِ العرشِ فتقعُ في تلكَ الأشجارِ فتحركُ تلك الأجراسَ بأصواتٍ لو سمعها أهلُ الدُّنيا لماتُوا طرباً.
القشيري
تفسير : يبدأ الخلق على ما يشاء، ثم يعيده إذا ما شاء على ما يشاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله يبدأ الخلق} يخلقهم اولا فى الدنيا وهو الانسان المخلوق من النطفة {ثم يعيده} بعد الموت احياء كما كانوا اى يحييهم فى الآخرة ويبعثهم وتذكير الضمير باعتبار لفظ الخلق {ثم اليه} اى الى موقف حسابه تعالى وجزائه {ترجعون} تردون لا الى غيره والالتفات للمبالغة فى الترهيب. وقرئ بياء الغيبة والجمع باعتبار معنى الخلق.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {الله يَبدأُ الخلقَ}؛ ينشئهم، {ثم يُعيده}؛ يحييهم بعد الموت، {ثم إليه تُرْجَعونَ}؛ للجزاء؛ بالثواب والعقاب. والالتفات إلى الخطاب؛ للمبالغة في إثباته. وقرأ أبو عمرو وسهل وروح: بالغيب، على الأصل. {ويوم تقوم الساعة يُبْلِسُ}: ييأس ويتحير {المجرمون}؛ المشركون؛ يُقال: ناظرته فأبلس، أي: أُفْحِمَ وأَيِسَ من الحجة، أو: يسكتون متحيرين، {ولم يكنُ لهم من شركائهم} التي عبدوها من دون الله {شفعاء} يشفعون لهم ويجيرونهم من النار، {وكانوا بشركائهم كافرين}؛ جاحدين لها، متبرئين من عبادتها، حين أيسوا من نفعها. أو: كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتها. {ويوم تقوم الساعةُ يومئذٍ يتفرقون} أي: المسلمون والكافرون، بدليل قوله: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضةٍ}، أي: بستان ذي أزهار وأنهار، وهي الجنة. والتنكير؛لإبهام أمرها وتفخيمه، {يُحْبَرون}: يُسرّون، يقال: حبره، إذا سرّه سروراً تهلّل به وجهه، وظهر فيه أثره. ووجوه المسار كثيرة، فقيل: يُكرمون، وقيل: يُحلّون. وقيل: هو السماع في الجنة. قاله غير واحد. قال أبو الدرداء: كان عليه الصلاة والسلام يذكَّر الناس بنعيم الجنان؛ فقيل: يا رسول الله؛ هل في الجنة من سماع؟ قال: "حديث : نعم، إنَّ فِي الجنْة لنَهَراً حَافَتاهُ الأبْكَار مِنْ كُل بَيْضَاءَ خَمْصانة، يَتَغَنيْنَ بأصْواتٍ لَمْ تَسْمَعِ الخلائِقُ بمِثْلها قَطُّ، فَذلك أفْضَلُ نعيم أهل الجنَّة" تفسير : . قال الرواي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح إن شاء الله. والخمصانة: المرهفة الأعلى، الضخمة الأسفل. هـ. انظر الثعلبي. وذكر غيره أن هذا السماع يكون في نُزْهَةٍ تكون لأهل الجنة على شاطئ هذا النهر، وقد ذكرناها في شرحنا الكبير على الفاتحة. {وأما الذين كفروا وكذّبوا بآياتنا ولقاءِ الآخرة}؛ بالبعث {فأولئك في العذاب مُحضرون}: مقيمون، لا يغيبون عنه. عائذاً بالله من غضبه. الإشارة: من اعتمد على غير الله، أو ركن إلى شيء سواه، فهو مجرم عند الخصوص، وذلك الشيء الذي ركن إليه صنم في حقه، يتبرأ منه يوم القيامة، ويُبلس من نفعه، {يوم تقوم الساعة يُبلس المجرمون}: الآية. {ويوم تقوم الساعة يومئذٍ يتفرقون}؛ فريقٌ هم أهل الوصلة، وفريق هم أهل القطعة، فريق في المنة، وفريق في المحنة، فريق في السرور، وفريق في الثبور، فريقٌ في الثواب، وفريق في العقاب، فريق في الفراق، وفريق في التلاق. قال القشيري: وإذا كان الأمر هكذا، فَجِدَّ، أيها المؤمن، في طاعة مولاك، وأَكْثِرْ من ذكره، صباحاً ومساء، وليلاً ونهارا؛ لتنال ذلك الوعد، وَتَنْجَو من الوعيد. ثم أبان ذلك بقوله: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ...}
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو، وروح ويحيى والعليمي {ثم إليه يرجعون} بالياء على وجه الخبر. الباقون - بالتاء - على الخطاب. يقول الله تعالى مخبراً عن نفسه أنه هو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده يبدؤهم إبتداء فيوجدهم بعد أن كانوا معدومين على وجه الاختراع ثم يعيدهم أي يميتهم ويفنيهم بعد وجودهم، ثم يعيدهم ثانياً كما بدأهم أولا، ثم يرجعون اليه يوم القيامة ليجازيهم على أفعالهم، على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب. واستدل قوم بهذه الآية على صحة الرجعة بأن قالوا {الله يبدؤ الخلق} معناه ابتداء خلقهم {ثم يعيده} إذا أماته في زمان الرجعة {ثم إليه ترجعون} يوم القيامة، وهذا ليس بمعتمد، لان لقائل أن يقول: قوله {ثم يعيده} يجوز أن يكون المراد به احياءهم في القبر للمساءلة التي لا خلاف فيها {ثم إليه ترجعون} يوم القيامة، فلا يمكن الاعتماد عليه. و (البدء) أول الفعل وهو على وجهين: احدهما - انه اول الفعل وهو جزء منه مقدم على غيره. والثاني - انه موجود قبل غيره من غير طريق الفعلية، يقال: بدأ يبدؤ بدءاً وابتدء يبتدئ ابتداء. والابتداء نقيض الانتهاء، والبدؤ نقيض العود. والخلق - ها هنا - بمعنى المخلوق. ومثله قوله {هذا خلق الله} وتقول هذا الخلق من الناس، وقد يكون الخلق مصدراً من خلق الله العباد، والخلق كالاحداث والمخلوق كالمحدث. والاعادة فعل الشيء ثانية. وقولهم: اعاد الكلام فهو على تقدير ذلك، كأنه قد اتى به ثانية إذا اتى بمثله، وإن كان الكلام لا يبقى ولا يصح اعادته. وقد يكون الاعادة فعل ما به يكون الشيء إلى ما كان من غير ايجاد عينه كاعادة الكتاب إلى مكانه. ومثل الاعادة الرجعة والنشأة الثانية. وقوله {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} قيل: معناه ييئسون، وقيل: يتحيرون، وقيل: تنقطع حججهم، فالابلاس التحير عند لزوم الحجة، فالمجرم يبلس يوم القيامة، لأنه تظهر جلائل آيات الآخرة التي تقع عندها على الضرورة فيتحير أعظم الحيرة، قال العجاج: شعر : يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً قال نعم أعرفه وأبلسا تفسير : وقوله {ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء} أي لم يكن في أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله من يشفع لهم. وقيل: شركاؤهم لأنهم كانوا يجعلون لها نصيباً في أموالهم. وقيل: شركاؤهم الذين جعلوهم شركاء في العبادة {وكانوا بشركائهم كافرين} أي يجحدون شركاءهم ذلك اليوم، لأنه يحصل لهم المعرفة بالله ضرورة. وأصل الشرك إضافة الملك إلى اثنين فصاعداً على طريق القسمة التي تمنع من اضافته إلى الواحد، فالانسان على هذا يكون شريكاً لانسان آخر في الشيء إذا ملكاه جميعاً، والله تعالى مالك له، ملكه هذا الانسان او لم يملكه. وقوله {ويوم تقوم الساعة} يعني القيامة {يومئذ يتفرقون} قيل: يتميز المؤمنون من الكافرين. وقيل: معناه لا يلوي واحد منهم على حاجة غيره، ولا يلتفت اليه، وفي ذلك نهاية الحث على الاستعداد والتأهب لذلك المقام. ثم قال {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يعني صدقوا بتوحيد الله وصدق رسله، وعملوا الصالحات، وتركوا القبائح {فهم في روضة يحبرون} أى يسرون سروراً تبين أثره عليهم، ومنه الحبرة وهي المسرة، ومنه الحبر العالم، والتحبير التحسين الذى يسر به. وانما خص ذكر الروضة - ها هنا - لأنه لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا اطيب ريحاً من الرياض، كما قال الشاعر: شعر : ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بعميم النبت مكتهل يوماً بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل تفسير : والحبرة هي السرور والغبطة، قال العجاج: شعر : فالحمد لله الذى أعطى الحبر موالي الحق إن المولى شكر تفسير : ثم بين تعالى أن الكفار في ضد ما فيه اهل الجنة، فقال {وأما الذين كفروا} بنعم الله وجحدوا آياته ثم انكروا لقاء ثوابه وعقابه يوم القيامة {فهم في العذاب محضرون} أى محضرون فيها، ولفظة الاحضار لا تستعمل إلا فيما يكرهه الانسان، ومنه حضور الوفاة، ويقال: احضر فلان مجلس السلطان إذا جيء به بما لا يؤثره، والاحضار إيجاد ما به يكون الشيء حاضراً إما بايجاد عينه كاحضار المعنى في النفس او بايجاد غيره، كايجاد ما به يكون الانسان حاضراً. ثم قال تعالى {سبحان الله} أى تنزيها لله تعالى مما لا يليق به ولا يجوز عليه من صفات نقص او ينافي عظمه، وما اختص به من الصفات. وقوله {حين تمسون وحين تصحبون} فالامساء الدخول في المساء، والمساء مجيء الظلام بالليل، والاصباح نقيضه، وهو الدخول في الصباح، وهو مجيء ضوء النهار. ثم قال {وله الحمد في السماوات} يعني الثناء والمدح في السموات {والأرض وعشياً} أى وفي العشي {وحين تظهرون} أى حين تدخلون في الظهيرة وهي نصف النهار. وإنما خص تعالى العشي والاظهار في الذكر بالحمد وإن كان الحمد واجباً في جميع الأوقات، لانها أحوال تذكر باحسان الله، وذلك أن انقضاء احسان اول إلى احسان يقتضي الحمد عند تمام الاحسان والأخذ في الآخر، كما قال تعالى {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}. تفسير : وقيل: إن هذه الآية تدل على الصلوات الخمس في اليوم والليلة، لأن قوله {حين تمسون} يقتضي المغرب والعشاء الآخرة {وحين تصبحون} يقتضي صلاة الفجر {وعشياً} يقتضي صلاة العصر {وحين تظهرون} يقتضي صلاة الظهر - ذكره ابن عباس، ومجاهد -. ثم اخبر تعالى انه الذى {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} قال ابن عباس وابن مسعود: معناه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فانه يخرج الانسان وهو الحي من النطفة، وهي الميتة، ويخرج الميتة وهي النطفة من الانسان وهو حي. وقال قتادة: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقوله {ويحي الأرض بعد موتها} اي يحييها بالنبات بعد جدوبها، ولا يجوز أن يكون المراد إحياء الأرض حقيقة، كما لا يكون الانسان أسداً حقيقة إذا قيل فلان اسد، لانه يراد بذلك التشبيه والاستعارة، فكذلك احياء الارض بعد موتها، كأنها تحيا بالنبات الذى فيها. وقوله {وكذلك تخرجون} قرأ اهل الكوفة إلا عاصماً والاعشى من طريق الطبرى - بفتح التاء - أضاف الفعل الذى هو الخروج اليهم. الباقون - بالضم - بمعنى يخرجهم الله، والمعنيان قريبان، لانهم إذا أخرجوا، فقد خرجوا، والمعنى مثل ما يخرج النبات من الارض كذلك يخرجكم الله بعد ان لم يكن كذلك، تخرجون إلى دار الدنيا بعد ان لم تكونوا، ويعيدكم يوم القيامة بعد ان كنتم قد اعدمكم الله أى لا يشق عليه ذلك. كمالا يشق عليه هذا. ثم قال تعالى {ومن آياته} أي أدلته الواضحة {أن خلقكم من تراب} يعني انه خلق آدم الذى هو ابوكم وأصلكم - في قول قتادة وغيره - {ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} من نسله وذريته، و {تتفرقون} في أطراف الارض فهلا دلكم ذلك على انه لا يقدر على ذلك غيره تعالى؟ وانه الذى يستحق العبادة دون غيره من جميع خلقه. وفي هذه الآيات - دلالة واضحة على صحة القياس العقلي، وحسن النظر بلا شك، بخلاف ما يقول قوم: ان النظر باطل. فأما دلالته على القياس الشرعي فبعيد لا يعول على مثله.
الجنابذي
تفسير : {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} هذه جملة منقطعة مقدّمة لقوله: يوم تقوم السّاعة (الى آخرها) والمراد بالاعادة الاعادة الى البرازخ {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يعنى بعد المكث فى البرازخ ترجعون اليه لا الى غيره.
اطفيش
تفسير : {الله يبدأ الخَلْق ثمَّ يعيدهُ} بالبعث {ثم إِليْه} لا الى غيره {تُرجَعون} للجزاء، والخطاب بعد الغيبة لتأكيد الوعيد، والتشديد بالمواجهة.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ} أي ينشئهم. وقرأ عبد الله وطلحة {يُبْدِىء } بضم الياء وكسر الدال، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر فما بالعهد من قدم. {ثُمَّ يُعِيدُهُ} بالبعث {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} للجزاء، وتقديم المعمول للتخصيص، وكان الظاهر يرجعون بياء الغيبة إلا أنه عدل عنه إلى خطاب المشركين لمكافحتهم بالوعيد ومواجهتهم بالتهديد وإيهام إن ذلك مخصوص بهم فهو التفات للمبالغة في الوعيد والترهيب. وقرأ أبو عمرو وروح {يَرْجِعُونَ } بياء الغيبة كما هو الظاهر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي، وهو شروع فيما أُقيمت عليه هذه السورة من بسط دلائل انفراد الله تعالى بالتصرف في الناس بإيجادهم وإعدامهم وبإمدادهم وأطوار حياتهم، لإبطال أن يكون لشركائهم شيء من التصرف في ذلك. فهي دلائل ساطعة على ثبوت الوحدانية التي عمُوا عنها. وإذا كان نزول أول السورة على سبب ابتهاج المشركين لتغلب الفرس على الروم فقطع الله تطاولهم على المسلمين بأن أخبر أن عاقبة النصر للروم على الفرس نصراً باقياً، وكان مثار التنازع بين المشركين والمؤمنين ميل كل فريق إلى مقاربه في الدين جُعل ذلك الحدثُ مناسبة لإفاضة الاستدلال في هذه السورة على إبطال دين الشرك. وقد فُصِّلت هذه الدلائل على أربعة استئنافات متماثلة الأسلوب، ابتُدىء كل واحد منها باسم الجلالة مُجْرى عليه أخبار عن حقائق لا قِبَل لهم بدحضها لأنهم لا يسعهم إلا الإقرار ببعضها أو العجز عن نقض دليلها. فالاستئناف الأول المبدوء بقوله {الله يبدأ الخلق ثم يعيده}، والثاني المبدوء بقوله {أية : الله الذي خلقكم ثم رزقكم} تفسير : [الروم: 40]، والثالث المبدوء بقوله {أية : الله الذي يرسل الرياح} تفسير : [الروم: 48]، والرابع المبدوء بقوله: {أية : الله الذي خلقكم من ضعف} تفسير : [الروم: 54]. فأما قوله: {الله يبدأ الخلق ثم يعيده} فاستدلال بما لا يسعهم إلا الاعتراف به وهو بدء الخلق إذ لا ينازعون في أن الله وحدَه هو خالق الخلق ولذلك قال الله تعالى {أية : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم}تفسير : [الرعد: 16] الآية. وأما قوله {ثم يعيده} فهو إدماج لأنه إذا سُلم له بدء الخلق كان تسليم إعادته أولى وأجدر. وحسن موقع الاستئناف وروده بعد ذكر أمم غابرة وأمم حاضرة خلف بعضها بعضاً، وإذ كان ذلك مِثالاً لإعادة الأشخاص بعد فنائها وذُكر عاقبة مصير المكذبين للرسل في العاجلة، ناسب في مقام الاعتبار أن يقام لهم الاستدلال على إمكان البعث ليقع ذكر ما يعقبه من الجزاء موقع الإقناع لهم. وتقديم اسم الجلالة على المسند الفعلي لمجرد التقوّي. و{ثم}هنا للتراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل، وذلك أن شأن الإرجاع إلى الله أعظم من إعادة الخلق إذ هو المقصد من الإعادة ومن بدءْ الخلق. فالخطاب في {ترجعون}للمشركين على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. وقرأ الجمهور {ترجعون}بتاء الخطاب. وقرأه أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وروح عن يعقوب بياء الغيبة على طريقة ما قبله.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في البقرة، والنحل، والحج، وغير ذلك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ثم إليه ترجعون: أي بعد إعادة الخلق وبعث الناس. يُبلس المجرمون: أي ييأسوا من النَّجاة وتنقطع حجتهم فلا يتكلمون. وكانوا بشركائهم كافرين: أي يتبرَّءون منهم ولا يعترفون بهم. يتفرَّقون: أي ينقسمون إلى سعداء أصحاب الجنة وأشقياء أصحاب النار. في روضة يحبرون: أي في روضة من رياض الجنة يُسرَّون ويفرحون. في العذاب محضرون: أي مُدخلون فيه لا يخرجون منه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة وعرض صور حية صادقة لما يتم بعد البعث من جزاء، فقوله تعالى {ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إعلان واضح صريح قاطع للشك مزيلٌ للَّبس بأن الله ربُّ السماوات والأرض وما بينهما هو الذي بدأ الخلق فخلق ما شاء ثم يميته ثم يعيده، وإليه لا إلى غيره ترجع الخليقة كلها راضية أو ساخطة محبّة أو كارهة، هكذا قرر تعالى عقيدة البعث والجزاء مُدلِّلاً عليها بأقوى دليل وهو وجوده تعالى وقدرته التي لا تُحد وعلمه الذي أحاط بكل شيء وحكمته التي لا يخلو منها عمل، فقال {ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. وقوله عز وجل في الآية الثانية عشر [12] {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} هذا عرض لما بعد البعث فذكر أنه لمَّا تقوم الساعة ويُبعث الناس يُبلس المجرمون أي ييأسون من الرحمة وينقطعون عن الكلام لعدم وجود حجة يحتجون بها. وقوله {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ} أي ولم يكن لهم من يشفع لهم من شركائهم الذين عبدوهم بحجة أنهم يشفعون لهم عند الله، فأيسوا من شفاعتهم وكفروا بهم أيضاً أي أنكروا أنهم كانوا يعبدونهم خوفا من زيادة العذاب. هذه حال المجرمين الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي، الحامل عليها تكذيبهم بآيات الله ولقائه. وقوله تعالى {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} هذا عرض آخر يخبر تعالى أنه إذا قامت الساعة تفرق الناس على أنفسهم فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير، وبين ذلك مقرونا بعلله فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي صدَّقوا بالله ربّاً وإلهاً وبمحمد رسولاً وبالإِسلام دينا لا دين يقبل غيره وبالبعث والجزاء حقاً. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي عبدوا الله تعالى بما شرع لهم من العبادات إذ الصالحات هي المشروع من الطاعات القولية والفعلية فهؤلاء المؤمنون العاملون للصالحات {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ} من رياض الجنة {يُحْبَرُونَ} أي يُسرُّون ويفرحون بما لاقُوه من الرضوان والنعيم المقيم، وذلك بفضل الله تعالى عليهم وبما هداهم إليه من الإِيمان، وما وفقهم إليه من عمل الصالحات. وقوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} فقد أخبر عن جزائهم مقروناً بعلة ذلك الجزاء وهو الكفر بتوحيد الله تعالى، والتكذيب بالآيات القرآنية وما تحمله من حجج وشرائع وأحكام، وبلقاء الآخرة وهو لقاء الله تعالى بعد البعث للحساب والجزاء، فجزاؤهم أن يحضروا في العذاب دائماً وأبداً لا يغيبون عنه، ولا يفتر عنهم، وهم فيه خالدون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة وعرض مشاهد القيامة. 2) تقرير عقيدة أن لا شفاعة لمشرك ولا كافر يوم القيامة، وبطلان ما يعتقده المبطلون من وجود من يشفع لأهل الشرك والكفر. 3) تقرير مبدأ السعادة والشقاء يوم القيامة فأهل الإِيمان والتقوى في روضة يحبرون، وأهل الشرك والمعاصي في العذاب محضرون.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَبْدَأُ} (11) - لَقَدْ أَنْشَأَ اللهُ تَعَالى الخَلْقَ وأَوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيئاً قَبْلَ ذَلِكَ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، وَلاَ مُعِين لَهُ فِي ذلِكَ، ثُمَّ يُعِيدُ خَلْقَهُ مِنْ جَديدٍ بَعْدَ فَنَائِهِ وَإِعْدَامِهِ. ثُمَّ يَحْشُرُ اللهُ الخَلْقَ وَيُرجِعُهُمْ إِليهِ لِيُحَاسِبَهُمْ على أَعْمَالِهِمْ، وليَجْزِيَ كُلاًّ بِعَمَلِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هل بدأ الله الخلق بالفعل، أم ما زال يبدأ الخلق؟ الأسلوب هنا أسلوب ربٍّ يتكلم، فهو سبحانه بدأ الخَلْق أصوله أولاً، وما يزال خالقاً سبحانه، وما دام هو الذي خلق بَدْءاً، فهو الذي يعيد {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ..} [الروم: 11]. وفي أعراف البشر أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ لأن الابتداء يكون من عدم، أمّا الإعادة فمن موجود، لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..} تفسير : [الروم: 27] أي: بمقاييسكم وعلى قَدْر فَهْمكم، لكن في الحقيقة ليس هناك هَيِّن وأهون في حقه تعالى؛ لأنه سبحانه لا يفعل بمزاولة الأشياء وعلاجها، إنما بكُنْ فيكون، لكن يخاطبنا سبحانه على قَدْر عقولنا. فالحق سبحانه بدأ الخلق وما يزال سبحانه يخلق، وانظر مثلاً إلى الزرع تحصده وتأخذ منه التقاوي للعام القادم، وهكذا في دورة مستمرة بين بَدْء وإعادة {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ..} [الروم: 11]. وسبق أنْ ضربنا مثلاً بالوردة الغضَّة الطرية بما فيها من جمال في المنظر والرائحة، فإذا ما قُطِفتْ جفَّتْ، لأن المائية التي بها تبخرتْ، وكذلك رائحتها ولونها انتشر في الأثير، ثم يتفتت الباقي ويصير تراباً، فإذا ما زرعت وردة جديدة أخذت من المائية التي تبخرت ومن اللون ومن الرائحة التي في الجو. وهكذا تبدأ دورة وتنتهي أخرى؛ لأن مُقوِّمات الحياة التي خلقها الله هي هي في الكون، لا تزيد ولا تنقص، فالماء في الكون كما هو منذ خلقه الله: هَبْ أنك شربت طوال حياتك عشرين طناً من الماء، هل تحمل معك هذا الماء الآن؟ لا إنما تَمَّ إخراجه على هيئة عرق وبول ومخاط وصماخ أذن .. الخ، وهذا كله تبخَّر ليبدأ دورة جديدة. ثم يقول سبحانه: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم: 11] نلحظ أن الكلام هنا عن الخَلْق {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ ..} [الروم: 11] لكن انتقل السياق من المفرد إلى الجمع {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم: 11] ولم يقل يرجع أي: الخلْق، فلماذا؟ قالوا: لأن الناس جميعاً لا يختلفون في بَدْء الخلق ولا في إعادته، لكن يختلفون في الرجوع إلى الله، فهذا مؤمن، وهذا كافر، هذا طائع، وهذا عاصٍ، وهذا بين بين، ففي حال الرجوع إلى الله ستفترق هذه الوحدة إلى طريقين: طريق للسعداء، وطريق للأشقياء، لذلك لزم صيغة الإفراد في البَدْء وفي الإعادة، وانتقل إلى الجمع في الرجوع إلى الله لاختلافهم في الرجوع ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ...}.
الجيلاني
تفسير : وكيف يستهزئ أولئك المسرفون مع الله ورسله وآياته النازلة من عنده؛ إذ {ٱللَّهُ} المستقل بالتصرف في ملكه وملكوته {يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ} ويبدع المخلوقات من كتم العدم بلا سبق مادة وزمان، ويظهر في فضاء الوجود، ثمَّ يميته ويعدمه {ثُمَّ يُعِيدُهُ} حياً كذلك في النشأة الأخرى بعد انقراض النشأة الأولى {ثُمَّ} بعد العرض وتنقيد الأعمال {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم: 11] رجوع الأمواج إلى البحر. {وَ} اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} المعدة للعرض والجزاء {يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} [الروم: 12] أي: يسكنون حيارى سكارى، تائهين هائمين آيسين عن الخلاص. {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ} حينئذٍ {مِّن شُرَكَآئِهِمْ} ومعبوداتهم {شُفَعَاءُ} يجتهدون لخلاصهم وإنقاذهم من عذاب الله على مقتضى ما هو زعمهم إياهم، بل {وَ} هم حينئذٍ {كَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ} [الروم: 13] ينكرون ويكفرون بهم حيث يئسوا عنهم، وقنطوا عن شفاعتهم. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل {يَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} التي يحشر فيها الأموات ويعرضون على الله بما اقترفوا في دار الابتلاء من الحسنات والسيئات {يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم: 14] فرقاً فرقاً، وفوجاً فوجاً كل مع شاكلته في الإيمان والكفر، والصلاح والفساد. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وكتبه ورسله في دار الاختبار {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المؤكدة لإيمانهم فيها {فَهُمْ} حينئذٍ من كمال فرحهم وسرورهم {فِي رَوْضَةٍ} ذات أزهارٍ وأنوارٍ وأنهارٍ {يُحْبَرُونَ} [الروم: 15] يتنزهون ويسيرون مسرورين متنعمين. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بتوحيدنا {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} المنزلة من عندنا على رسلنا {وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} أي: أنكروا بلقائها في النشأة الأخرى، مع أنا وعدناهم على ألسنة رسلنا إياهم {فَأُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون عن ساحة عز الحضور {فِي ٱلْعَذَابِ} المؤبَّد المخلَّد {مُحْضَرُونَ} [الروم: 16] لا نجاة لهم منه، أعاذنا الله من ذلك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه المتفرد بإبداء المخلوقات ثم يعيدهم ثم إليه يرجعون بعد إعادتهم ليجازيهم بأعمالهم، ولهذا ذكر جزاء أهل الشر ثم جزاء أهل الخير فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ } أي: يقوم الناس لرب العالمين ويردون القيامة عيانا، يومئذ { يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ } أي: ييأسون من كل خير. وذلك أنهم ما قدموا لذلك اليوم إلا الإجرام وهي الذنوب، من كفر وشرك ومعاصي، فلما قدموا أسباب العقاب ولم يخلطوها بشيء من أسباب الثواب، أيسوا وأبلسوا وأفلسوا وضل عنهم ما كانوا يفترونه، من نفع شركائهم وأنهم يشفعون لهم، ولهذا قال: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ } التي عبدوها مع اللّه { شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ } تبرأ المشركون ممن أشركوهم مع اللّه وتبرأ المعبودون وقالوا: {أية : تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } تفسير : والتعنوا وابتعدوا، وفي ذلك اليوم يفترق أهل الخير والشر كما افترقت أعمالهم في الدنيا. { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } آمنوا بقلوبهم وصدقوا ذلك بالأعمال الصالحة { فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ } فيها سائر أنواع النبات وأصناف المشتهيات، { يُحْبَرُونَ } أي: يسرون وينعمون بالمآكل اللذيذة والأشربة والحور الحسان والخدم والولدان والأصوات المطربات والسماع المشجي والمناظر العجيبة والروائح الطيبة والفرح والسرور واللذة والحبور مما لا يقدر أحد أن يصفه. { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } وجحدوا نعمه وقابلوها بالكفر { وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } التي جاءتهم بها رسلنا { فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } فيه، قد أحاطت بهم جهنم من جميع جهاتهم واطَّلع العذاب الأليم على أفئدتهم وشوى الحميم وجوههم وقطَّع أمعاءهم، فأين الفرق بين الفريقين وأين التساوي بين المنعمين والمعذبين؟!!
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):