٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم بين أمراً آخر يكون في ذلك اليوم وهو الافتراق كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [يس: 59] فكأن هذه الحالة مترتبة على الإبلاس، فكأنه أولاً يبلس ثم يميز ويجعل فريق في الجنة وفريق في السعير، وأعاد قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } لأن قيام الساعة أمر هائل فكرره تأكيداً للتخويف، ومنه اعتاد الخطباء تكرير يوم القيامة في الخطب لتذكير أهواله.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } يعني المؤمنين من الكافرين؛ ثم بين كيف تفريقهم فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال النحاس: سمعت الزجاج يقول: معنى «أمّا» دع ما كنا فيه وخذ في غيره. وكذا قال سيبويه: إن معناها مهما كنا في شيء فخذ في غير ما كنا فيه. {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال الضحاك: الروضة الجنة، والرياض الجنان. وقال أبو عبيد: الروضة ما كان في تسفُّل، فإذا كانت مرتفعة فهي تُرْعة. وقال غيره: أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في موضع مرتفع غليظ؛ كما قال الأعشى:شعر : ما رَوْضَةٌ من رياض الحَزْن مُعْشِبَةٌ خَضْرَاءُ جَادَ عليها مُسْبِلٌ هَطِلُ يضاحِكُ الشمسَ منها كوكَبٌ شَرِقٌ مُوَزَّرٌ بعميم النَّبْتِ مُكْتهِلُ يوماً بأطْيَبَ منها نَشْرَ رائحةٍ ولا بأحسنَ منها إذ دَنَا الأُصُلُ تفسير : إلا أنه لا يقال لها روضة إلا إذا كان فيها نبت، فإن لم يكن فيها نبت وكانت مرتفعة فهي ترعة. وقد قيل في الترعة غير هذا. وقال القُشَيْرِيّ: والروضة عند العرب ما ينبت حول الغدير من البقول؛ ولم يكن عند العرب شيء أحسن منه. الجوهريّ: والجمع روْض ورِياض، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها. والرّوض: نحوٌ من نصف القِرْبَة ماء. وفي الحوض رَوْضة من ماء إذا غطّى أسفله. وأنشد أبو عمرو:شعر : ورَوْضَـةٍ سَـقَـيْـتُ منـهـا نِـضْـوَتِـي تفسير : {يُحْبَرُونَ } قال الضحاك وابن عباس: يُكرمون. وقيل: ينعّمون؛ وقاله مجاهد وقتادة. وقيل يسرّون. السُّدّي: يفرحون. والحَبْرَة عند العرب: السرور والفرح؛ ذكره الماورديّ. وقال الجوهري: الحَبْر: الحُبُور وهو السرور؛ ويقال: حبره يحبره (بالضم) حَبْرا وحَبَرَة؛ قال تعالى: {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} أي ينعمون ويكرمون ويسرون. ورجل يَحْبُور يفعول من الحبور. النحاس: وحكى الكسائيّ حبرته أي أكرمته ونعّمته. وسمعت عليّ بن سليمان يقول: هو مشتق من قولهم: على أسنانه حَبْرة أي أثر؛ فـ«ـيحبرون» يَتَبيّن عليهم أثر النعيم. والحبر مشتق من هذا. قال الشاعر:شعر : لا تملأ الدّلْوَ وعَرِّق فيها أما تَرَى حَبارَ من يَسْقيهَا تفسير : وقيل: أصله من التحبير وهو التحسين؛ فـ«ـيُحْبَرُونَ» يحسَّنون. يقال: فلان حَسَن الحبر والسِّبْر إذا كان جميلاً حسن الهيئة. ويقال أيضاً: فلان حسن الحَبْر والسَّبْر (بالفتح)؛ وهذا كأنه مصدر قولك: حبَرَتُه حَبْراً إذا حسّنته. والأوّل اسم؛ ومنه الحديث:«حديث : يخرج رجل من النار ذهب حِبْره وسِبْره» تفسير : وقال يحيـى بن أبي كثير «في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ» قال: السّمَاع في الجنة؛ وقاله الأوزاعِيّ، قال: إذا أخذ أهل الجنة في السماع لم تبق شجرة في الجنة إلا رَدّدَت الغناء بالتسبيح والتقديس. وقال الأوزاعِيّ: ليس أحد من خلق الله أحسنَ صوتاً من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم. زاد غير الأوزاعِيّ: ولم تبق شجرة في الجنة إلا ردّدت، ولم يبق سِتر ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم تبق حلقة إلا طنت بألوان طنينها، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع أهبوب الصوت في مقاصبها فزَمَرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جوار الحور العِينِ إلا غنَّت بأغانيها، والطير بألحانها، ويوحِي الله تبارك وتعالى إلى الملائكة أن جاوِبوهم وأسمِعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان فيجاوبون بألحان وأصواتٍ روحانيين فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله جل ذكره: يا داود قم عند ساق عرشي فمجّدني؛ فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات ويجليها وتتضاعف اللذة؛ فذلك قوله تعالى: {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ}. ذكره الترمذيّ الحكيم رحمه الله. وذكر الثعلبيّ من حديث أبي الدّرداء: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكّر الناس؛ فذكر الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم؛ وفي أخريات القوم أعرابيّ فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من سماع؟ فقال: «نعم يا أعرابي إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة» فسأل رجل أبا الدّرداء: بماذا يتغنين؟ فقال بالتسبيحتفسير : . والخمصانِية: المرهفة الأعلى، الخمصانة البطن، الضخمة الأسفل. قلت: وهذا كله من النعيم والسرور والإكرام؛ فلا تعارض بين تلك الأقوال. وأين هذا من قوله الحق: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} تفسير : [السجدة: 17] على ما يأتي. وقوله عليه السلام: «حديث : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمِعت ولا خطر على قلب بشر»»تفسير : . وقد روي: «حديث : إن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طرباً»تفسير : . ذكره الزمخشرِيّ.
البيضاوي
تفسير : { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} أي المؤمنون والكافرون لقوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ} أرض ذات أزهار وأنهار. {يُحْبَرُونَ} يسرون سروراً تهلك له وجوههم. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَلِقَاء ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} مدخلون لا يغيبون عنه. {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته وتتجدد فيها نعمته، أو دلالة على أن ما يحدث فيها من الشواهد الناطقة بتنزهه واستحقاقه الحمد ممن له تمييز من أهل السموات والأرض، وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأن آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر، وتخصيص الحمد بالعشي الذي هو آخر النهار من عشى العين إذا نقص نورها والظهيرة التي هي وسطه لأن تجدد النعم فيهما أكثر، ويجوز أن يكون {عشياً} معطوفاً على {ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} وقوله {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اعتراضاً. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن الآية جامعة للصلوات الخمس {تُمْسُونَ} صلاتا المغرب والعشاء، و {تُصْبِحُونَ} صلاة الفجر، و {عشيا} صلاة العصر، و {تُظْهِرُونَ} صلاة الظهر. ولذلك زعم الحسن أنها مدنية لأنه كان يقول كان الواجب بمكة ركعتين في أي وقت اتفقتا وإنما فرضه الخمس بالمدينة، والأكثر على أنها فرضت بمكة. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل فسبحان الله حين تمسون الآية»تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته في ليلته، ومن قاله حين يمسي أدرك ما فاته في يومه»تفسير : وقرىء «حيناً تمسون» و «حيناً تصبحون» أي تمسون فيه وتصبحون فيه. {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ} كالإِنسان من النطفة والطائر من البيضة. {وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ } كالنطفة والبيضة، أو يعقب الحياة الموت وبالعكس. {وَيُحيِي الأَرْضَ} بالنبات. {بَعْدَ مَوْتِهَا} يبسها. {وَكَذٰلِكَ} ومثل ذلك الإخراج. {تُخْرَجُونَ} من قبوركم فإنه أيضاً تعقيب الحياة الموت، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ} أي في أصل الإِنشاء لأنه خلق أصلهم منه. {ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً منتشرين في الأرض. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً} لأن حواء خلقت من ضلع آدم وسائر النساء خلقن من نطف الرجال، أو لأنهن من جنسهم لا من جنس آخر. {لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا} لتميلوا إليها وتألفوا بها فإن الجنسية علة للضم والاختلاف سبب للتنافر. {وَجَعَلَ بَيْنَكُم} أي بين الرجال والنساء، أو بين أفراد الجنس. {مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} بواسطة الزواج حال الشبق وغيرها بخلاف سائر الحيوانات نظماً لأمر المعاش، أو بأن تعيش الإِنسان متوقف على التعارف والتعاون المحوج إلى التواد والتراحم، وقيل المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد كقوله تعالى: {أية : وَرَحْمَةً مّنَّا }تفسير : [مريم: 21] {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيعلمون ما في ذلك من الحكم. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ} لغاتكم بأن علم كل صنف لغته أو ألهمه وضعها وأقدره عليها، أو أجناس نطفكم وأشكاله فإنك لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية. {وَأَلْوٰنِكُمْ } بياض الجلد وسواده، أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها، وحلاها بحيث وقع التمايز والتعارف حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور الملاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّلْعَـٰلَمِينَ} لا تكاد تخفى على عاقل من ملك أو إنس أو جن، وقرأ حفص بكسر اللام ويؤيد قوله: {أية : وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ }تفسير : [العنكبوت: 43] {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَاؤُكُمْ مّن فَضْلِهِ } منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية وتقوي القوى الطبيعية وطلب معاشكم فيهما، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار فلف وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين إشعاراً بأن كلاً من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة، ويؤيده سائر الآيات الواردة فيه. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع تفهم واستبصار فإن الحكمة فيه ظاهرة. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } مقدر بأن المصدرية كقوله:شعر : أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضَر الوَغَى وَأَن أشْهَد اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلدِي تفسير : أو الفعل فيه منزلة المصدر كقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أو صفة لمحذوف تقديره آية يريكم بها البرق كقوله:شعر : فَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي العَيْشَ أَكْدَحُ تفسير : {خَوْفًا} من الصاعقة للمسافر. {وَطَمَعًا} في الغيث للمقيم، ونصبهما على العلة لفعل يلزم المذكور فإن إراءتهم تستلزم رؤيتهم أوله على تقدير مضاف نحو إرادة خوف وطمع، أو تأويل الخوف والطمع بالإِخافة والإِطماع كقولك فعلته رغماً للشيطان، أو على الحال مثل كَلَّمْتُهُ شِفَاهاً. {وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاءً} وقرىء بالتشديد. {فَيُحيِي بِهِ الأَرْضَ} بالنبات. {بَعْدَ مَوْتِهَا} يبسها. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ } قيامهما بإقامته لهما وإرادته لقيامهما في حيزيها المعينين من غير مقيم محسوس، والتعبير بالأمر للمبالغة في كمال القدرة والغنى عن الآلة. {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ ٱلأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} عطف على {أَن تَقُومَ} على تأويل مفرد كأنه قيل: ومن آياته قيام السموات والأرض بأمره ثم خروجكم من القبور {إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً} واحدة فيقول أيها الموتى اخرجوا، والمراد تشبيه سرعة ترتب حصول ذلك على تعلق إرادته بلا توقف واحتياج إلى تجشم عمل بسرعة ترتب إجابة الداعي المطاع على دعائه، وثم إما لتراخي زمانه أو لعظم ما فيه ومن الأرض متعلق بدعا كقولك: دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي لا بتخرجون لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها، و {إِذَا} الثانية للمفاجأة ولذلك نابت مناب الفاء في جواب الأولى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ } تأكيد {يَتَفَرَّقُونَ } أي المؤمنون والكافرون.
ابن عطية
تفسير : {يتفرقون} معناه في المنازل والأحكام والجزاء، قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها و {يحبرون} معناه ينعمون، قاله مجاهد، والحبرة والحبور السرور والتنعم، وقال يحيى بن أبي كثير: {يحبرون} معناه يسمعون الأغاني، وهذا نوع من الحبرة، وقال ابن عباس {يحبرون} يكرمون وفي المثل امتلأت بيوتهم حبرة فهم ينظرون العبرة ومنه بيت أبي ذؤيب: [الطويل] شعر : فراق كقيص السن فالصبر انه لكل أناس عبرة وحبور تفسير : هذا على هذه الرواية، ويروى عثرة وحبور، وهي أكثر وذكر تعالى "الروضة" لأنها من أحسن ما يعلم من بقاع الأرض، وهي حيث اكتمل النبت الأخضر وجن وما كان منها في المرتفع من الأرض كان أحسن، ومنه قول الأعشى: [البسيط] شعر : وما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسل هطل تفسير : ومنه قول كثير: [الطويل] شعر : فما روضة طيبة الثرى تمج النداء جثجاثها وعرارها تفسير : قال الأصمعي: ولا يقال "روضة" حتى بكون فيها ماء يشرب منه، و {محضرون} معناه مجموعون له لا يغيب أحد عنه، وقوله تعالى: {فسبحان الله} خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات، كأنه يقول إذ هذه الفرق هكذا من النعمة والعذاب فجدوا أيها المؤمنون في طريق الفوز برحمة الله، وقال ابن عباس وقتادة وبعض الفقهاء: في هذه الآية على أربع صلوات: المغرب والصبح والعصر والظهر، قالوا والعشاء هي الآخرة في آية أخرى في {أية : زلفاً من الليل} تفسير : [هود: 114] وفي ذكر أوقات العورة، وقال ابن عباس أيضاً وفرقة من الفقهاء: في هذه الآية تنبيه على الصلوات الخمس لأن قوله تعالى {حين تمسون} يتضمن الصلاتين، وقوله {وله الحمد في السماوات والأرض} اعتراض بين الكلامين من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته، وقرأ عكرمة "حيناً تمسون وحيناً تصبحون" والمعنى حين تمسون فيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتَفَرَّقُونَ} في المكان بالجنة والنار، أو بالجزاء بالثواب والعقاب.
الثعالبي
تفسير : وقوله جلت عظمته: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} معناه: في المنازل والأحكام والجزاء. قال قتادة: فُرْقَةً؛ واللّه ـــ لا اجتماعَ بعدها. و {يُحْبَرُونَ} معناه يُنَعَّمُونَ؛ قاله مجاهد. والحبرة والحبُورُ: السرور وقال يَحْيَىٰ بن أبي كثير: {يُحْبَرُونَ} معناه: يسمعون الأغاني؛ وهذا نوع من الحبرة. * ت *: وفي الصحيح من قول أبي موسى: لو شعرت بك يا رسول اللّه لحبَّرتْهُ لك تَحْبِيراً؛ أو كما قال. وقال * ص *: {يُحْبَرُونَ}: قال الزجاج: التَحْبِيرُ: التحسين، والحبر العالم، إنما هو من هذا المعنى؛ لأنه مُتَخَلِّقٌ بأحسَن أخلاق المؤمنين، والحِبْرُ المِدَادُ إنما سمي به؛ لأنه يُحَسَّنُ به، انتهى. قال الأصمعيُّ: ولا يقال: روضة حتى يكونَ فيها ماء؛ يشربُ منه. ومعنى: {فِي ٱلعَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي: مجموعون له: لا يغيب أحد عنه.
البقاعي
تفسير : ولما كانت النفس ربما تشوفت إلى أنه هل يكون بعد إبلاسهم شيء آخر، قال مفيداً له مهولاً بإعادة ما مضى: {ويوم تقوم الساعة} أي ويا له من يوم، ثم زاد في تهويله يقوله: {يومئذ يتفرقون} أي المؤمنون الذين يفرحون بنصر الله والكافرون فرقة لا اجتماع بعدها، هؤلاء في عليين، وهؤلاء في أسفل سافلين. حكى لي بعض القضاة من أصحابي - عفا الله عنه - وهو يبكي أنه رأى مناماً مهولاً، وذلك أنه رأى القيامة قد قامت، والناس يحشرون - على ما وصف في الأحاديث - في صعيد واحد عرايا خائفين حائرين، يموج بعضهم في بعض، فإذا شخص مما له أمر قد أشار بسوط معه وخط به في الأرض فقسمهم قسمين فقال: هؤلاء مطيعون، وهؤلاء عصاة، قال: فكنت في العصاة، وفي الحال غاب عنا الطائعون، فلم تر منهم أحداً ثم خط بذلك السوط مرة أخرى فقسمنا قسمين فقال: هؤلاء عصاة الأقوال، وهؤلاء عصاة الأفعال، قال: فكنت في عصاة الأفعال، ثم غاب في الحال عنا عصاة الأقوال، فلم نر منهم أحداً وبقينا نحن منا الجالس ومنا المضطجع، ونحن قليل بالنسبة إلى عصاة الأقوال، فبينا نحن كذلك إذ جاء آتٍ إلى شخص إلى جانبي فأخذه من كعبه ثم نشطه فأخرج جلده بمرة واحدة كأنه جراب نزع عن شيء فيه يابس، فحصل لي من ذلك ذعر شديد فبينا أنا كذلك إذ آتٍ جاءني من ورائي، فألقى عليّ جوخة فجعلها على أكتافي وأدارها على أفخاذي فسترني بها ولكن على غير هيئة لبس المخيط، قال: واستيقظت وأنا على ذلك فقصصته على بعض الصالحين فقال: أحمد الله على كونك من عصاة الأفعال، وأخذ من ستري بالجوخة على تلك الهيئة أني أحج، فبشرني بذلك فحججت في ذلك العام - والله تعالى المسؤول في التوبة، فإنه الفعّال لما يريد {فأما الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {وعملوا} تصديقاً لإقرارهم {الصالحات} أي كلها. ولما تقدم هنا ذكر عمارة الأرض وإصلاحها للنبات ووعظ من جعلها أكبر همه بأنها لم تدم له ولا أغنت عنه شيئاً، ذكر أنه جزى من أعرض عنها بقلبه لاتباع أمره سبحانه أعظم ما يرى من زهرتها ونضرتها وبهجتها على سبيل الدوام فقال: {فهم} أي خاصة {في روضة} أي لا أقل منها وهي أرض عظيمة جداً منبسطة واسعة ذات ماء غدق ونبات معجب بهج - هذا أصلها في اللغة وقال الطبري: ولا تجد أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض. {يحبرون*} أي يسرون على سبيل التجدد كل وقت سروراً تشرق له الوجوه، وتبسم الأفواه، وتزهو العيون، فيظهر حسنها وبهجتها، فتظهر النعمة بظهور آثارها على أسهل الوجوه وأيسرها. قال الرازي في اللوامع: وأصله - أي الحبرة - في اللغة أثر في حسن، وقال غيره: حبره - إذا سره سروراً تهلل له وجهه، وظهر فيه أثره. {وأما الذين كفروا} أي غطوا ما كشفته أنوار العقول، {وكذبوا} عناداً {بآياتنا} التي لا تصدق منها ولا أضوأ من أنوارها، بما لها من عظمتنا {ولقآءِ الآخرة} الذي لم يدع لبساً في بيانه {فأولئك} أي البعداء البغضاء {في العذاب} أي الكامل لا غيره {محضرون*} من أي محضر كان، بالسوق الحثيث، والزجر العنيف، فإذا وصلوا إلى مقره وكل بهم من يديم كونهم كذلك - لإفادة الجملة الاسمية الدوام، فلا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم. ولما بين سبحانه المبدأ بخلق السماوات والأرض، والمعاد بالجنة والنار، وأنهم كذبوا به، وكان تكذيبهم به مستلزماً لاعتقاد نقائص كثيرة منها العجز وإخلاف الوعد وترك الحكمة، كان ذلك سبباً لأن ينزه سبحانه نفسه المقدسة ويأمر بتنزيهها، لأن ذلك يدفع عن المنزه مضار الوعيد، ويرفعه إلى مسار الوعد، فقال ذاكراً من أفعاله العالية التي لا مطمع لغيره في القدرة على شيء منها ما يدل على خلاف ذلك الذي يلزم اعتقادهم، لافتاً الكلام عن صيغة العظمة إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم. {فسبحان الله} أي سبحوا الذي له جميع العظمة بمجامع التسبيح بأن تقولوا هذا القول الذي هو عَلَمه، فهو منزه عن كل نقص؛ ثم ذكر أوقات التسبيح إشارة إلى ما فيها من التغير الذي هو منزه عنه وإلى ما يتجدد فيها من النعم ووجود الأحوال الدالة على القدرة على الإبداع الدال على البعث، فقال دالاً على الاستغراق بنزع الخافض مقدماً المحو لأنه أدل على البعث الذي النزاع فيه وهو الأصل، لافتاً الكلام إلى الخطاب لأنه أشد تنبيهاً: {حين تمسون} أي أول دخول الليل بإذهاب النهار وتفريق النور، فيعتريكم الملل، ويداخلكم الفتور والكسل، على سبيل التجدد والاستمرار، وأكد الندب إلى التسبيح بإعادة المضاف فقال: {وحين تصبحون*} بتحويل الأمر فتقومون أحياء بعد أن كنتم أمواتاً فتجدون نهاراً قد أضاء بعد ليل كان دجى، فتفعلون ما هو سبحانه منزه عنه من الحركة والسعي في جلب النفع ودفع الضرر، وأرشد السياق إلى أن التقدير: وله الحمد في هذين الجنسين. ولما ذكر ما يدل على خصوص التنزيه، اتبعه ما يعرف بعموم الكمال، فقال ذاكراً لوقت كمال النهار وكمال الظلام، وتذكيراً بما يحدث عندهما للآدمي من النقص بالفتور والنوم اعتراضاً بين الأوقات للاهتمام بضم التحميد إلى التسبيح: {وله} أي وحده مع النزاهة عن شوائب النقص {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال. ولما قدم سبحانه أن تنزهه ملأ الأزمان، وكان ذلك مستلزماً لملء الأكوان، وكان إثبات الكمال أبين شرفاً من التنزيه عن النقص، صرح فيه بالقبيلين فقال: {في السماوات} أي الأجرام العالية كلها التي تحريكها - مع أنها من الكبر في حد لا يحيط به إلا هو سبحانه - سبب للإمساء والإصباح وغيرهما من المنافع {والأرض} التي فيها من المنافع ما يجل عن إحاطتكم به مع أنها بالنسبة إلى السماء كحلقة ملقاة في فلاة، ولولا ذلك لظهر لكم ذلك برؤية ما وراءها هو شأن كل مظل مع كل مقل كما تشاهدون السحاب ونحوه. ولما خص الإمساء والإصباح، عمّ فقال معبراً بما يدل على الدوام، لأن وقت النوم الدال على النقص أولى بإثبات الكمال فيه: {وعشياً} أي من الزوال إلى الصباح {وحين تظهرون*} أي تدخلون في شدة الحر، وسبحانه الله في ذلك كله، فالآية من الاحتباك: ذكر التسبيح أولاً دليلاً على إرادته ثانياً، والحمد ثانياً دليلاً على إرادته أولاً، ولعل المراد بالإظهار هنا ما هو أعم من وقت الظهر ليكون المراد به من حين يزول اسم الصباح من وقت ارتفاع الشمس إلى أن يحدث اسم المساء، وهو من الظهر إلى الغروب - قاله ابن طريف في كتابه الأفعال ونقله عن الإمام عبد الحق في كتابه الواعي، وذلك حين استبداد النهار فيكون كماله فيما دون ذلك من باب الأولى، وهذا مع هذه الدقائق إشارة إلى الصلوات الخمس، أي سبحوه بالخضوع له بالصلاة في وقت المساء بصلاة العصر والمغرب، وفي وقت الصباح بالصبح، وفي العشى بالعشاء، وفي الإظهار بالظهر، وفي هذا التخريج من الحسن بيان الاهتمام بالصلاة الوسطى، فابتدأ سبحانه بالعصر التي قولها أصح الأقوال، ودخول المغرب في حيزها بطريق التبعية والقصد الثاني، وثنى بالصبح وهي تليها في الأصحيّة وهما القريبتان، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى البردين دخل الجنة" تفسير : - رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه، "حديث : من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وجبت له الجنة"تفسير : - أسنده صاحب الفردوس عن عمارة بن روبية رضي الله عنه ورواه مسلم وغيره عنه بلفظ: "حديث : لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها تفسير : - يعني الفجر والعصر" كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال:حديث : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا لا تفوتنكم"تفسير : ، ثم قرأ {فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} رواه البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح "حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر" تفسير : يدخل هنا. ولما ذكر دلالة على البعث المستلزم للوحدانية مطلق التحويل الذي هو إحياء في المعنى بعد إماتة، أتبعه الإحياء والإماتة حقيقة، صاعداً من ذكر البعث تصريحاً بما كان ألقاه تلويحاً فقال: {يخرج الحي} كالإنسان والطائر {من الميت} كالنطفة والبيضة {ويخرج الميت} كالبيضة والنطفة {من الحي} عكس ذلك {ويحيي الأرض} باخضرار النبات. ولما كان من الأراضي ما لا ينبت إلا بعد مدة إنزال المطر، ومنها ما ينبت من حين إنزال المطر عقب تحطم ما كان بها من النبات سواء، أسقط الجار هنا تنبيهاً على الأمر الثاني لأنه أدل على القدرة، فهو أنسب لهذا السياق ولمقصود السورة، ولأنه جعل فيه قوة إحيائها على الدوام فقال: {بعد موتها} بيبسه وتهشمه. ولما كان التقدير: كذلك يفعل على سبيل التكرر وأنتم تنظرون، عطف عليه قوله: {وكذلك} أي ومثل فعله هذا الفعل البديع من إخراجه لهذا الحي حساً ومعنى من الميت {تخرجون} بأيسر أمر من الأرض بعد تفرق أجسامكم فيها من التراب الذي كان حياً بحياتكم - هذا على قراءة الجماعة البناء للمفعول. وبناه حمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه للفاعل إشارة إلى أنهم لقوة تهيئهم لقبول البعث صاروا كأنهم يخرجون بأنفسهم - روى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند عن لقيط بن عامر رضي الله عنه أنه خرج وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق رضي الله عنه، قال: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الغداة خطيباً إلى أن قال: "حديث : ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس الناس فقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب، فضحك لعمر الله وهز رأسه فقال: ضن ربك بمفاتيح الخمس من الغيب فذكره حتى ذكر البعث قال: فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت: لا تحيا أبداً، ثم أرسل ربك عز وجل عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياماً حتى أشرقت عليها وهي شرفة واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء كما أنه يجمع نبات الأرض فتخرجون . تفسير : ولما كان التقدير: هذا من آيات الله التي تشاهدونها كل حين دلالة على بعثكم، عطف عليه التذكير بما هو أصعب منه في مجاري العادات فقال: {ومن آياته} أي على قدرته على بعثكم. ولما كان المراد إثبات قدرته سبحانه على بعثهم بعد أن صاروا تراباً بإيجاده لأصلهم من تراب يزيد على البعث في الإعجاب بأنه لم يكن له أصل في الحياة، وكان فعله لذلك إنما مكان مرة واحدة، قال معبراً بالماضي: {أن خلقكم} بخلق أبيكم آدم {من تراب} لم يكن له أصل اتصاف ما بحياة. ولما كان ابتداء الإنسان من التراب في غاية العجب، أشار إلى ذلك بأداة البعد فقال: {ثم} أي بعد إخراجكم منه {إذا أنتم بشر} أي فاجأتم كونكم لكم بشرة هي في غاية التماسك والاتصال مع اللين عكس ما كان لكم من الوصف إذا كنتم تراباً، وأسند الانتشار إلى المبتدأ المخاطب لا إلى الخبر لأن الخطاب أدل على المراد فقال: {تنتشرون} أي تبلغون بالنشر كل مبلغ بالانتقال من مكان إلى مكان مع العقل والنطق، ولم يختم هذه الآية بما ختم به ما بعدها دلالة على أنها جامعة لجميع الآيات، ودلالة على جميع الكمالات، وختم ما بعدها بذلك تنبيهاً على أن الناس أهملوا النظر فيها على وضوحها، وكان من حقهم أن يجعلوها نصب أعينهم، دلالة على كل ما نزلت به الكتب، وأخبرت به الرسل، وكذلك أكد في الإخبار إعلاماً بأنهم صاروا لإهمالها في حيز الإنكار.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} قال: فرقة لا اجتماع بعدها. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله {يومئذ يتفرقون} قال: هؤلاء في عليين، وهؤلاء في أسفل سافلين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {في روضة} يعني بساتين الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {في روضة يحبرون} قال: في جنة يكرمون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يحبرون} قال: يكرمون. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {يحبرون} قال: ينعمون. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والخطيب في تاريخه عن يحيى بن أبي كثير {في روضة يحبرون} قال: لذة السماع في الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن أبي كثير في قوله {يحبرون} قيل: "حديث : يا رسول الله ما الحبر؟ قال "اللذة والسماع" ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي في قوله {في روضة يحبرون} قال: هو السماع، إذا أراد أهل الجنة أن يطربوا أوحى الله إلى رياح يقال لها: الهفافة. فدخلت في آجام قصب اللؤلؤ الرطب فحركته، فضرب بعضه بعضاً فتطرب الجنة، فإذا طربت لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه، أنه سئل هل في الجنة سماع؟ فقال: إن فيها لشجرة يقال لها القيض لها سماع لم يسمع السامعون إلى مثله. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والاصبهاني في الترغيب عن محمد بن المنكدر قال: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الذين كانوا ينزعون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ أسكنوهم رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي، وأعلموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأخرج الدينوري في المجالسة عن مجاهد رضي الله عنه قال: ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانوا ينزهون أصواتهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ فيحملهم الله في رياض الجنة من مسك فيقول للملائكة"حديث : اسمعوا عبادي تحميدي وتمجيدي، وأخبروهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". تفسير : وأخرج الديلمي عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا كان يوم القيامة قال الله: أين الذين كانوا ينزهون اسماعهم وأبصارهم عن مزامير الشيطان ميزوهم؟ فيميزون في كتب المسك والعنبر ثم يقول للملائكة: أسمعوهم من تسبيحي، وتحميدي، وتهليلي، قال: فيسبحون بأصوات لم يسمع السامعون بمثلها قط ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم، فيتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحاً من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط قال: إن في الجنة لشجرة لم يخلق الله من صوت حسن إلا وهو في جرمها يلذذهم وينعمهم. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله إني رجل حبب إليّ الصوت الحسن فهل في الجنة صوت حسن؟ فقال "حديث : أي والذي نفسي بيده إن الله يوحي إلى شجرة في الجنة: أن أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عزف البرابط والمزامير، فترفع بصوت لم يسمع الخلائق بمثله من تسبيح الرب وتقديسه ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين في الجنة. قيل: ومن الروحانيون يا رسول الله؟ قال: قراء أهل الجنة ". تفسير : وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن سعيد بن أبي سعيد الحارثي رضي الله عنه قال: إن في الجنة آجاما من قصب من ذهب حملها اللؤلؤ، إذا اشتهى أهل الجنة صوتاً بعث الله ريحاً على تلك الآجام، فأتتهم بكل صوت حسن يشتهونه. والله أعلم.
السلمي
تفسير : قال أبو بكر بن طاهر: يتفرقون كلٌ إلى ما قدر له من محل السعادة ومنزل الشقاوة فمن كان تفرقه إلى الجمع كان مجموع السر ينقلب إلى محل السعادة ومن كان تفرقه إلى فرقة كان متفرق السر ثم لا يألف الحق أبدًا ويرجع إلى محل أهل الشقاوة.
القشيري
تفسير : فريقٌ منهم أهل الوصلة، وفريق هم أهل الفرقة. فريق للجنة والمِنَّة. وفريقٌ للعذاب والمحنة. فريقٌ في السعير. وفريقٌ في السرور. فريقٌ في الثواب. وفريقٌ في العذاب. فريقٌ في الفراقِ. وفريقٌ في التلاقي.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} من كان فى الدنيا على حد التفرق فيوم القيامة يرجع اليها ومن كان فى الدنيا على حد الجميع فيكون فى الأخرة جمعا ومن كان مع الله فهو جمع ومن كان مع غير الله فهو متفرقون الى اماكنهم من السعادات والشقاوات والبعاد والقربات فاهل القرب فى مشاهدة الانس والقدس واهل البعاد فى الوحشة والتفرقة قال ابو بكر بن طاهر يتفرق كل الى ما قدر له من محل السعادة ومنزل الشقاوة ومن كان تفرقه الى الجمع كان مجموع السر يتقلب الى محل السعداء ومن كان تفرقه الى فرقة كان متفرق السر ثم لا يالف الحق ابدا فيرجع الى محل اهل الشقاوة ثم فسّر الله سبحانه حال الفريقين بالنعتين المتضادين بقوله {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} صف اهل الحبور بالايمان والعمل الصالح فاما ايمانهم فشهود ارواحهم مشاهد الازل فى اوائل ظهورها من العدم واما اعمالهم الصالحة فالعشق والمحبة والشوق فاخر درجاتهم فى ما نزل الوصال الفرح بمشاهدة الله والسر بقربه وطيب العيش بمسامع كلامه او خطابه يطربهم الحق بنفسه ابد الابدين فى روح وصاله وكشف جماله فابتداء احوالهم فى صباح الازل القدم وفى مساء الابد قدس البقاء بقوله {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} اى اذا طلع فى قلوبكم صبح مشرق الازل فكونوا بنعت التنزيه فى طلب عيشكم بالمشاهدة وان تروا جلال ذاته وانوار صفاته فى سر بالافعال فان هناك مكر الفل غالب لئلا تقعوا فى التشبيه من غلبة ذوق العشق وكذا كونوا اذا تخفى عليكم الكشوف ياتى عليكم مساء الصحو وهذا النعمة عظمة لا يقوم الحدثان بشكرها فحمد سبحانه نفسه بالسنة كل ذرة من العرش الى اثرى فعلا صفة سماعهم ومنتهى حالهم فى السماع وهم فى روضة شهود الانس سمعوا بارواحهم القدسية وعقولهم فى الملكوتية سماع الحق من نفسه حيث قال لهم الست بربكم كيلا يقعوا فى بحار الانائية من حدة سكرهم فى المحبة والمشاهدة فيخرجوا عليه بدعوى الربوبية ليس ها هنا مقام هذا المقال انما اردنا شرح مقام السماع فان الله بجوده وجلاله بطيب اوقات عشاقه بكل لسان فى الدنيا وكل صوت حسن فى الأخرة قال الاوزاعى فى تفسير قول فى روضة يحيرون اذا اخذ فى السماع لم يبق فى الجنة شجرة الا وردت وقال ليس احد من خلق الله عز وجل احسن صوتا من اسرافيل فاذا اخذ فى السماع قطع على سبع سماوات صلواتهم وتسبيحهم عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والارض والفردوس اعلاها سُمّوا واوسطها محلة ومنها يتفجر انهار الجنة وعليها يوضع العرش يوم القيامة فقام اليه رجل فقال يا رسول الله انى رجل حبب الى الصوت احسن فهل فى الجنة صوت حسن فقال اى والذى نفسى بيده ان الله ليوحى الى شجرة فى الجنة ان اسمعى عبادى الذين استغلوا بعبادتى وذكرى عن عزب البرابط والمزامير فتفرع صوتا لم يسمع الخلائق مثله قط فى تسبيح الرب وتقديسه وعن ابى الدرداء قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الناس فذكر الجنة وما فيها من الازواج والنعيم وفى أخر القوم اعرابى فجثا لركبتيه فقال يا رسول الله هل فى الجنة من سماع قال نعم يا اعرابى فى الجنة لنهرا حافتاه الابكار من كل بيضاء خوصانية يتَغَنين باصواتٍ لم يسمع الخلائق بمثلها قط وذلك افضل من نعيم الجنة قال فسأل ابو الدرداء بما يتَغنّين قال بالتسبيح ان شاء الله قيل الخوصانية المرهقة الى على الصخمة الا سقل وعن مغيرة عن ابراهيم قال ان فى الجنة لاشجارا عليها اجراس من فضة فاذا اراد اهل الجنة السماع بعث الله ريحا من نحت العرش فتقع فى تلك الاشجار فتحركت تلك الاجراس باصوات لو سمعها اهل الدنيا لماتوا طربا وسئل ابو هريرة هل لاهل الجنة من سماع قال شجرة اصلها من ذهب واغصانها من فضة وثمرها اللؤلؤ والزبرجد والياقوت يبعث الله ريحا فيحك بعضها بعضا فما سمع احد شيئا احسن منه ياتهم مثل هذه الأحاديث كثيرة وههنا غاية مقاصدنا تفسير قوله سبحانه فى روضة يجبرون ورب روضة فى الدنيا للعارف الصادق العاشق بالله برب الحق فيها ويسمع من الحق السماع بغير واسطة وربما يكون بواسطة فيسمعه الحق من النسة كل ذرة فى العرش الى الثرى اصواتا قدوسية وخطابات سبوحية قال جعفر بالله فابدأ فى صباحك ويه --- فى مسائلك فمن كان به ابتداؤه اليه انتهاؤه فلا يشفى فيما بينهما.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم تقوم الساعة} اعيد لتهويله وتفظيع ما يقع فيه {يومئذ} [آن هنكام] {يتفرقون} تهويل له اثر تهويل. وفيه رمز الى ان التفرق يقع فى بعض منه وضمير يتفرقون لجميع الخلق المدلول عليهم بما تقدم من بدئهم واعادتهم ورجوعهم لا المجرمين خاصة. والمعنى يتفرق المؤمنون والكافرون بعد الحساب الى الجنة والنار فلا يجتمعون ابدا. قال الحسن رحمه الله لئن كانوا اجتمعوا فى الدنيا ليتفرقن يوم القيامة هؤلاء فى اعلى علبين وهؤلاء فى اسفل سافلين [يكى در درجة وصلت يكى در دركة فرقت آن برسرير محبت واين برحصير محنت آنرا انواع ثواب واين را اصناف عقاب جمعى ازدولت تلاقى نازان وبرخى بر آتش فراق كدازان]. شعر : يكى خندان بصد عشرت يكى نالان بصد عسرت يكى در راحت وصيلت يكى در شدت هجرت تفسير : قال ابو بكر بن طاهر قدس سره يتفرق كل الى ما قدر له من محل السعادة ومنزل الشقاوة ومن كان تفرقته الى الجمع كان مجموع السر ثم لا يألف الخلق ابدا فينقلب الى محل السعداء ومن كان تفرقته الى الفرق كان متفرق السر ثم لا يألف الحق ابدا فيرجع الى محل الشقاوة. ثم فصل احوال الفريقين وكيفية تفرقهم فقال.
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ} تأكيد ليوم تقوم السّاعة {يَتَفَرَّقُونَ} يعنى يتفرّقون فرقتين فرقة الى الجنّة وفرقة الى النّار، او المعنى انّهم كانوا مجتمعين فى الدّنيا على الاكل والشّرب وكيفيّتهما والوقاع والشّكل والنّوع وهكذا فى البرازخ وفى القيامة وحين ظهور كلٍّ بصورته الملكوتيّة الّتى يحشر عليها يتفرّقون انواعاً مختلفة واشكالاً متخالفة فبعضهم يحشرون على صور الخنازير بل على صور يحسن عندها القردة والخنازير، وبعضهم على صور الكلاب وسائر السّباع، وبعضهم على صور الحشرات، وبعضهم على احسن الصّور، ويتفرّقون الى مقاماتهم فى الجّنة والنّار.
الأعقم
تفسير : {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} يعني أهل الجمع يجمعون ثم يتفرقون فيصيرون فريقين كما قال فريق في الجنة وفريق في السعير {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون} قيل: يكرمون أو يتمتعون ويسرون {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون} أي يحضرون في جهنم للعذاب {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} هذا خبر والمراد الأمر أي سبحوه أو نزهوه عن أن تصفوه بما لا يليق به من الصفات والأسماء والأفعال، وقيل: المراد به الصلوات الخمس، وقيل لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وتلا هذه الآية {تمسون} صلاة المغرب والعشاء {وتصبحون} صلاة الفجر {وعشيا} صلاة العصر {وحين تظهرون} صلاة الظهر {وله الحمد في السماوات والأرض} يعني هو المستحق للحمد لأنه هو المنعم عليهم، ومعناه على المميزين كلهم من أهل السماوات والأرض أي يحمدوه {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} قيل: النطفة من الإِنسان والإِنسان من النطفة، وقيل: المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن {ويحيي الأرض بعد موتها} من النبات والثمار بعد موتها وهو إخراج النبات منها {وكذلك تخرجون} ومثل ذلك الإِخراج تخرجون وتبعثون {ومن آياته} من حججه {أن خلقكم من تراب} الآية، خلق أصلكم منه {ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً} لأن حواء خلقت من ضلع آدم والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال أو من شكل أنفسكم وجنسها لا من جنس آخر {لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} بين المرأة وزوجها ولم يكن بينكم سابقة في معرفة ولا لقاء ولا سبب يوجب التعاطف من قرابة ورحم، وعن الحسن: المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد، وقيل: أن الرحمة والمودة من قبل الله {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} فيها {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم} باختلاف اللغات وأجناس النطق وأشكاله، خالف عز وجل بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس ولا فصاحة ولا لكنة ولا نظم ولا أسلوب ولا غير ذلك من صفات النطق، وكذلك الصور والألوان ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت وكانت ضرباً واحداً لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت مصالح كثيرة {إن في ذلك لآيات للعالمين} المكلفين لأن ذلك يشاهده كل أحد {ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} أي طلبكم من نعمته.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} متعلق بيتفرقون كما يتعلق السابق بيبلس. {يَوْمَئِذٍ} تأكيد ليوم تقوم الساعة. {يَتَفَرَّقُونَ} المؤمنون والكافرون في المنازل والاحكام والجزاء تفرقا لا اجتماع بعده هؤلاء في عليين وهؤلاء في اسفل سافلين كما قال.
اطفيش
تفسير : {ويَوم تَقُوم السَّاعةُ} متعلق بيتفرق واعيد لاستحضار تفظيع امره فى القلوب {يومئذ} توكيد لان التقدير يوم اذ تقوم الساعة، لا بدل، اذ لو قلت: قام زيد زيد لم يكن زيد الثاني بدلا من الاول، وان قدرت "يومئذ يبلس المجرمون" كان بدل الشئ من الشئ، لان يوم القيامة هو نفس "يومئذ يبلس المجرمون" لا بدل اشتمال، ولو قلت: قام زيد زيد ابن اخيك كان بدل الشئ من الشئ، ولو كان فى احدهما ما لم يكن فى الاخر لانه نفسه {يتَفَرَّقون} بعد تمام الحساب، اى الخلق المذكورون فى قوله: "أية : الله يبدأ الخلق ثم يعيده" تفسير : [الروم: 11] كما يدل له التفضيل بقوله: "أية : فأما الذين آمنوا" تفسير : [الروم: 15] وقوله: "أية : وأما الذين كفروا"تفسير : [الروم: 16] ولو اعيد الضمير الى الشركاء وعابديها كان مناسبا لما قبله ولما بعده، فان التفضيل لا ينافيه، بل يناسبه ويتضمنه، ولا يضركون الطرف الاول من التفصيل لا يناسبهم، ولا سيما أن الإيمان يناسب الإشراك بالتضاد وفي معنى التفسير الأول عود الضمير الى المسلمين والمجرمين، كما هو قول، وقيل: الضمير للمجرمين.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } أعيد لتهويله وتفظيع ما يقع فيه، وهو ظرف للفعل بعده، وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ } على ما ذكره الطبرسي بدل منه. / وفي «البحر» التنوين في {يَوْمَئِذٍ } تنوين عوض من الجملة المحذوفة أي ويوم تقوم الساعة يوم إذ يبلس المجرمون {يَتَفَرَّقُونَ } وظاهره أن {يَوْمَئِذٍ } ظرف لتقوم، ولا يخفى ما في جعل الجملة المعوض عنها التنوين حينئذٍ ما ذكره من النظر. وفي «إرشاد العقل السليم» أن قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } تهويل ليوم قيام الساعة إثر تهويل، وفيه رمز إلى أن التفرق يقع في بعض منه - وفي وجه الرمز إلى ذلك بما ذكر خفاء - وضمير {يَتَفَرَّقُونَ } للمسلمين والكافرين الدال عليهما ما قبل من عموم الخلق وما بعد من التفصيل، وذهب إلى ذلك الزمخشري. وجماعة. وقال في «الإرشاد»: هو لجميع الخلق المدلول عليهم بما تقدم من مبدئهم ومرجعهم وإعادتهم لا المجرمون خاصة، وقال أبو حيان: يظهر أنه عائد على الخلق قبله وهو المذكور في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ }تفسير : [الروم: 11] والمراد بتفرقهم اختلافهم في المحال والأحوال كما يؤذن به التفصيل، وليس ذلك باعتبار كل فرد بل باعتبار كل فريق، فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن أنه قال في ذلك: هؤلاء في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين، والتفصيل يؤذن بذلك أيضاً، وهذا التفرق بعد تمام الحساب.
ابن عاشور
تفسير : أعيد {ويوم تقوم الساعة} لزيادة التهويل الذي تقدم بيانه آنفاً. وكرر {يومئذ} لتأكيد حقيقة الظرفية. ولما ذُكر إبلاس المشركين المشعر بتوقعهم السوء والعذاب أعقب بتفصيل أحوال الناس يومئذ مع بيان مغبة إبلاس الفريق الكافرين. والضمير في {يتفرقون}عائد إلى معلوم من المقام دل عليه ذكر المجرمين فعلم أن فريقاً آخر ضدهم لأن ذكر إبلاس المجرمين يومئذ يفهم أن غيرهم ليسوا كذلك على وجه الإجمال. والتفرق: انقسام الجمع وتشتت أجزاء الكل. وقد كني به هنا عن التباعد لأن التفرق يلازمه التباعد عرفاً. وقد فُصل التفرق هنا بقوله {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات}إلى آخره. والروضة: كل أرض ذات أشجار وماء وأزهار في البادية أو في الجنان. ومن أمثال العرب «أحسن من بيضة في روضة» يريدون بيضة النعامة. وقد جمع محاسن الروضة قول الأعشى:شعر : ما روضة من رياض الحَزن معشبة خضراءُ جاد عليها مُسبللٍ هَطِل يُضاحك الشمسَ منها كوكب شَرِق مُؤَزَّر بعميم النبت مكْتَهِلُ تفسير : و{يحبرون}: يُسَرُّون من الحُبور، وهو السرور الشديد. يقال: حبره، إذا سره سروراً تهلل له وجهه وظهر فيه أثره. {ومحضرون} يجوز أن يكون من الإحضار، أي: جعل الشيء حاضراً، أي: لا يغيبون عنه، أي: لا يخرجون منه، وهو يفيد التأييد بطريق الكناية لأنه لما ذكر بعد قوله {في العَذاب}ناسب أن لا يكون المقصود من وصفهم المحضرين أنهم كائنون في العذاب لئلا يكون مجرد تأكيد بمدلول في الظرفية فإن التأسيس أوقع من التأكيد، ويجوز أن يكون محضَرون بمعنى مأتيٌّ بهم إلى العذاب فقد كثر في القرآن استعمال محضر ونحوه بمعنى معاقب، قال تعالى {أية : ولقد علمت الجِنّة إنهم لمُحضرون}تفسير : [الصافات: 158]، واسم الإشارة تنبيه على أنهم أحرياء بتلك العقوبة لأجل ما ذكر قبل اسم الإشارة كقوله {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. وكتب في رسم المصحف {ولقائي} بهمزة على ياء تحتية للتنبيه على أن الهمزة مكسورة وذلك من الرسم التوقيفي، ومقتضى القياس أن تكتب الهمزة في السطر بعد الألف.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} (14) - وَحِينَمَا تَقُومُ السَّاعَةُ، وَيَتمُّ الحِسَابُ، يُوَجَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ إلى ما يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ، فَيَفْتَرِقُ أَهْلُ الإِيمَانِ عَنْ أهلِ الكُفْرِ، فَلاَ لِقَاءَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَبداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: الذين اجتمعوا في الدنيا على الشر وعلى الضلال يتفرقون يوم القيامة، ويصيرون أعداءً وخصوماً بعد أنْ كانوا أخلاء، فيمتاز المؤمنون في ناحية والكافرون في ناحية، حتى العصاة من المؤمنين الذين لهم رائحة من الطاعة لا يتركهم المؤمنون، إنما يشفعون لهم ويأخذونهم في صفوفهم. والتنوين في {يَوْمَئِذٍ ..} [الروم: 14] بدل من جملة {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ..} [الروم: 14] أي: يوم تقوم الساعة يتفرقون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):