Verse. 3429 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَمِنْ اٰيٰتِہٖۗ اَنْ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ اِذَاۗ اَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُوْنَ۝۲۰
Wamin ayatihi an khalaqakum min turabin thumma itha antum basharun tantashiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن آياته» تعالى الدالة على قدرته «أن خلقكم من تراب» أي: أصلكم آدم «ثم إذا أنتم بشر» من دم ولحم «تنتشرون» في الأرض.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : لما أمر الله تعالى بالتسبيح عن الأسواء وذكر أن الحمد له على خلق جميع الأشياء وبين قدرته على الإماتة والإحياء بقوله: { أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ } تفسير : إلى قوله: { أية : وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } تفسير : [الروم: 16 ـ 20] ذكر ما هو حجة ظاهرة وآية باهرة على ذلك ومن جملتها خلق الإنسان من تراب وتقريره هو أن التراب أبعد الأشياء عن درجة الأحياء، وذلك من حيث كيفيته فإنه بارد يابس والحياة بالحرارة والرطوبة، ومن حيث لونه فإنه كدر والروح نير، ومن حيث فعله فإنه ثقيل والأرواح التي بها الحياة خفيفة، ومن حيث السكون فإنه بعيد عن الحركة والحيوان يتحرك يمنة ويسرة وإلى خلف وإلى قدام وإلى فوق وإلى أسفل، وفي الجملة فالتراب أبعد من قبول الحياة عن سائر الأجسام لأن العناصر أبعد من المركبات لأن المركب بالتركيب أقرب درجة من الحيوان والعناصر أبعدها التراب لأن الماء فيه الصفاء والرطوبة والحركة وكلها على طبع الأرواح والنار أقرب لأنها كالحرارة الغريزية منضجة جامعة مفرقة ثم المركبات وأول مراتبها المعدن فإنه ممتزج، وله مراتب أعلاها الذهب وهو قريب من أدنى مراتب النبات وهي مرتبة النبات الذي ينبت في الأرض ولا يبرز ولا يرتفع، ثم النباتات وأعلى مراتبها وهي مرتبة الأشجار التي تقبل التعظيم، ويكون لثمرها حب يؤخذ منه مثل تلك الشجرة كالبيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة قريبة من أدنى مراتب الحيوانات وهي مرتبة الحشرات التي ليس لها دم سائل ولا هي إلى المنافع الجليلة وسائل كالنباتات، ثم الحيوان وأعلى مراتبها قريبة من مرتبة الإنسان فإن الأنعام ولا سيما الفرس تشبه العتال والحمال والساعي، ثم الإنسان، وأعلى مراتب الإنسان قريبة من مرتبة الملائكة المسبحين لله الحامدين له فالله الذي خلق من أبعد الأشياء عن مرتبة الأحياء حياً هو في أعلى المراتب لا يكون إلا منزهاً عن العجز والجهل، ويكون له الحمد على إنعام الحياة، ويكون له كمال القدرة ونفوذ الإرادة فيجوز منه الإبداء والإعادة، وفي الآية لطيفتان إحداهما: قوله: {إِذَا } وهي للمفاجأة يقال خرجت فإذا أسد بالباب وهو إشارة إلى أن الله تعالى خلقه من تراب بكن فكان لا أنه صار معدناً ثم نباتاً ثم حيواناً ثم إنساناً وهذا إشارة إلى مسألة حكمية، وهي أن الله تعالى يخلق أولاً إنساناً فينبهه أنه يحيـي حيواناً ونامياً وغير ذلك لا أنه خلق أولاً حيواناً، ثم يجعله إنساناً فخلق الأنواع هو المراد الأول، ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى، فالله تعالى جعل المرتبة الأخيرة في الشيء البعيد عنها غاية من غير انتقال من مرتبة إلى مرتبة من المراتب التي ذكرناها اللطيفة الثانية: قوله: {بُشّرَ } إشارة إلى القوة المدركة لأن البشر بشر لا بحركته، فإن غيره من الحيوانات أيضاً كذلك وقوله: {تَنتَشِرُونَ } إلى القوة المحركة وكلاهما من التراب عجيب، أما الإدراك فلكثافته وجموده، وأما الحركة فلثقله وخموده وقوله: {تَنتَشِرُونَ } إشارة إلى أن العجيبة غير مختص بخلق الإنسان من التراب بل خلق الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب فضلاً عن خلق البشر، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: وهي أن الله خلق آدم من تراب وخلقنا منه فكيف قال: {خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: ما قيل إن المراد من قوله: {خَلَقَكُمْ } أنه خلق أصلكم والثاني: أن نقول: إن كل بشر مخلوق من التراب، أما آدم فظاهر، وأما نحن فلأنا خلقنا من نطفة والنطفة من صالح الغذاء الذي هو بالقوة بعض من الأعضاء، والغذاء إما من لحوم الحيوانات وألبانها وأسمانها، وإما من النبات والحيوان أيضاً له غذاء هو النبات لكن النبات من التراب، فإن الحبة من الحنطة والنواة من الثمرة لا تصير شجرة إلا بالتراب وينضم إليها أجزاء مائية ليصير ذلك النبات بحيث يغذو. المسألة الثانية: قال تعالى في موضع آخر: { أية : خَلَقَ مِنَ ٱلْمَاء بَشَراً } تفسير : [الفرقان: 2] وقال: { أية : مّن مَّاء مَّهِينٍ } تفسير : [المرسلات: 20] وههنا قال من: {تُرَابٍ } فكيف الجمع؟ قلنا أما على الجواب الأول: فالسؤال زائل، فإن المراد منه آدم، وأما على الثاني: فنقول ههنا قال ما هو أصل أول، وفي ذلك الموضع قال ما هو أصل ثان لأن ذلك التراب الذي صار غذاء يصير مائعاً وهو المني، ثم ينعقد ويتكون بخلق الله منه إنساناً أو نقول الإنسان له أصلان ظاهران الماء والتراب فإن التراب لا ينبت إلا بالماء ففي النبات الذي هو أصل غذاء الإنسان تراب وماء فإن جعل التراب أصلاً والماء لجمع أجزائه المتفتتة فالأمر كذلك وإن جعل الأصل هو الماء والتراب لتثبيت أجزائه الرطبة من السيلان فالأمر كذلك، فإن قال قائل الله تعالى يعلم كل شيء فهو يعلم أن الأصل ماذا هو منهما، وإنما الأمر عندنا مشتبه يجوز هذا وذاك، فإن كان الأصل هو التراب فكيف قال: {مِنَ ٱلْمَاء بَشَراً } وإن كان الماء فكيف قال: {خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } وإن كانا هما أصلين فلم لم يقل خلقكم منهما فنقول فيه لطيفة، وهي أن كون التراب أصلاً والماء أصلاً والماء ليس لذاتيهما، وإنما هو يجعل الله تعالى فإن الله نظراً إلى قدرته كان له أن يخلق أول ما يخلق الإنسان ثم يفنيه ويحصل منه التراب ثم يذوبه ويحصل منه الماء، لكن الحكمة اقتضت أن يكون الناقص وسيلة إلى الكامل لا الكامل يكون وسيلة إلى الناقص فخلق التراب والماء أولاً، وجعلهما أصلين لمن هو أكمل منهما بل للذي هو أكمل من كل كائن وهو الإنسان، فإن كان كونهما أصلين ليس أمراً ذاتياً لهما بل بجعل جاعل فتارة جعل الأصل التراب وتارة الماء ليعلم أنه بإرادته واختياره، فإن شاء جعل هذا أصلاً وإن شاء جعل ذلك أصلاً، وإن شاء جعلهما أصلين. المسألة الثالثة: قال الحكماء: إن الإنسان مركب من العناصر الأربعة وهي التراب والماء والهواء والنار، وقالوا التراب فيه لثباته، والماء لاستمساكه، فإن التراب يتفتت بسرعة، والهواء لاستقلاله كالزق المنفوخ يقوم بالهواء ولولاه لما كان فيه استقلال ولا انتصاب، والنار للنضج والالتئام بين هذه الأشياء، فهذا هذا صحيح أم لا؟ فإن كان صحيحاً فكيف اعتبر الأمرين فحسب ولم يقل في موضع آخر إنه خلقكم من نار ولا من ريح؟ فنقول أما قولهم فلا مفسدة فيه من حيث الشرع فلا ننازعهم فيه إلا إذا قالوا بأنه بالطبيعة كذلك، وأما إن قالوا بأن الله بحكمته خلق الإنسان من هذه الأشياء فلا ننازعهم فيه، وأما الآيات فنقول ما ذكرتم لا يخالف هذا لأن الهواء جعلتموه للاستقلال والنار للنضج فهما يكونان بعد امتزاج الماء بالتراب، فالأصل الموجود أولاهما لا غير فلذلك خصهما ولأن المحسوس من العناصر في الغالب هو التراب والماء ولا سيما كونهما في الإنسان ظاهر لكل أحد فخص الظاهر المحسوس بالذكر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} أي من علامات رُبُوبِيَّته ووَحْدانيّته أن خلقكم من تراب؛ أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل، وقد مضى بيان هذا في «الأنعام». و«أنْ» في موضع رفع بالابتداء وكذا {أية : أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} تفسير : [الروم: 21]. {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قِوام معايشكم، فلم يكن ليخلقكم عَبَثاً؛ ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح. ومعنى: {خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} أي نساء تسكنون إليها. {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي من نطف الرجال ومن جنسكم. وقيل: المراد حوّاء، خلقها من ضِلع آدم؛ قاله قتادة. {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} قال ابن عباس ومجاهد: المودّة الجماع، والرحمة الولد؛ وقاله الحسن. وقيل: المودّة والرحمة عطفُ قلوبهم بعضهم على بعض. وقال السدي: المودةُ: المحبةُ، والرحمةُ: الشفقةُ؛ ورُوي معناه عن ابن عباس قال: المودّة حبُّ الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. ويقال: إن الرجل أصله من الأرض، وفيه قوّة الأرض، وفيه الفرج الذي منه بُدىء خلقه فيحتاج إلى سَكَن، وخُلقت المرأة سكناً للرجل؛ قال الله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الروم: 20] الآية. وقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا} فأوّل ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوّة، وذلك أن الفرج إذا تحمل فيه هيَّج ماء الصلب إليه، فإليها يسكن وبها يتخلص من الهِياج، وللرجال خُلق البُضع منهنّ، قال الله تعالى: {أية : وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} تفسير : [الشعراء: 166] فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج، فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم؛ ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها»تفسير : . وفي لفظ آخر:«حديث : إذا باتت المرأة هاجرة فِراش زوجِها لعنتها الملائكة حتى تُصبِح»تفسير : . {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تقدّم في «البقرة» وكانوا يعترفون بأن الله تعالى هو الخالق. {وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} اللّسان في الفم؛ وفيه اختلاف اللغات: من العربيّة والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور: من البياض والسواد والحمرة؛ فلا تكاد ترى أحداً إلا وأنت تفرّق بينه وبين الآخر. وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين؛ فلا بد من فاعل، فعُلِم أن الفاعل هو الله تعالى؛ فهذا من أدلّ دليل على المدبر البارىء. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} أي للبَرّ والفاجر. وقرأ حفص: «للعَالِمِينَ» بكسر اللام جمع عالم. {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} قيل: في هذه الآية تقديم وتأخير، والمعنى: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار؛ فحذِف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة؛ فجعل النوم بالليل دليلاً على الموت، والتصرفُ بالنهار دليلاً على البعث. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} يريد سماع تفهّم وتدبّر. وقيل: يسمعون الحق فيتبعونه. وقيل: يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل: يسمعون القرآن فيصدّقونه؛ والمعنى متقارب. وقيل: كان منهم من إذا تُلِي القرآن وهو حاضر سدّ أذنيه حتى لا يسمع؛ فبيّن الله عز وجل هذه الدلائل عليه. {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} قيل: المعنى أن يريكم، فحذف «أن» لدلالة الكلام عليه؛ قال طرفة:شعر : ألاَ أيّهذا اللائِمي أحْضُرُ الوَغَى وأنْ أشْهَدَ اللَّذاتِ هل أنت مُخْلِدِي تفسير : وقيل: هو على التقديم والتأخير؛ أي ويريكم البرق من آياته. وقيل: أي ومن آياته آيةٌ يريكم بها البرق؛ كما قال الشاعر:شعر : وما الدّهر إلا تارتان فمنهما أموتُ وأخْرَى أبتغي العيش أكْدَحُ تفسير : وقيل: أي من آياته أنه يريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته؛ قاله الزجاج، فيكون عطف جملة على جملة. {خَوْفاً} أي للمسافر. {وَطَمَعاً} للمقيم؛ قاله قتادة. الضحاك: «خَوْفاً» من الصواعق، «وَطَمَعاً» في الغيث. يحيـى بن سلام: «خَوْفاً» من البرد أن يهلك الزرع، «وَطَمَعاً» في المطر أن يحيي الزرع. ابن بحر: «خَوْفاً» أن يكون البرق بَرْقاً خُلَّباً لا يمطر، «وَطَمَعاً» أن يكون ممطراً؛ وأنشد قول الشاعر:شعر : لا يكن بَرْقُك برقاً خُلّبا إن خير البرق ما الغيث معه تفسير : وقال آخر:شعر : فقد أرِد المياه بغير زاد سوى عدّى لها برق الغمام تفسير : والبرق الخُلّب: الذي لا غيث فيه كأنه خادع؛ ومنه قيل لمن يَعِد ولا يُنْجز: إنما أنت كبرقٍ خُلّب. والخُلّب أيضاً: السحاب الذي لا مطر فيه. ويقال: بَرْقُ خُلّب، بالإضافة. {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تقدم. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ} «أَنْ» في محل رفع كما تقدم؛ أي قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد. وقيل: بتدبيره وحكمته؛ أي يمسكها بغير عمد لمنافع الخلق. وقيل: «بأمرِهِ» بإذنه؛ والمعنى واحد. {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم؛ والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلّبث؛ كما يجيب الداعي المطاعَ مَدْعوُّه؛ كما قال القائل:شعر : دَعَوْتُ كُلَيباً باسمه فكأنما دعوت برأس الطَّود أو هو أسرع تفسير : يريد برأس الطود: الصَّدى أو الحجر إذا تَدَهْده. وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بـ«ـثم» لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا؛ فلا تبقى نسمة من الأوّلين والآخرين إلا قامت تنظر؛ كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر: 68]. و«إذا» الأولى في قوله تعالى: {إِذَا دَعَاكُمْ} للشرط، والثانية في قوله تعالى: {إِذَآ أَنتُمْ} للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وأجمع القراء على فتح التاء هنا في «تَخْرُجُونَ». واختلفوا في التي في «الأعراف» فقرأ أهل المدينة: {أية : وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} تفسير : [الأعراف: 25] بضم التاء، وقرأ أهل العراق: بالفتح، وإليه يميل أبو عبيد. والمعنيان متقاربان، إلا أن أهل المدينة فرّقوا بينهما لنسق الكلام، فنسقُ الكلام في التي في «الأعراف» بالضم أشبه؛ إذ كان الموت ليس من فعلهم، وكذا الإخراج. والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام؛ أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم؛ فالفعل (بهم) أشبه. وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل الآخرة؛ على ما تقدّم ويأتي. وقرىء: «تخرجون» بضم التاء وفتحها، ذكره الزَّمَخْشَرِيّ ولم يزد على هذا شيئاً، ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق، والله أعلم. {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً وعبداً. {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} رُوي عن أبي سعيد الخدرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة»تفسير : . قال النحاس: مطيعون طاعة انقياد. وقيل: «قَانتُونَ» مقِرّون بالعبودية، إما قالة وإما دلالة؛ قاله عِكرمة وأبو مالك والسدّي. وقال ابن عباس؛ «قَانتُونَ» مصلون. الربيع بن أنس: «كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ» أي قائم يوم القيامة؛ كما قال: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المطففين: 6] أي للحساب. الحسن: كل له قائم بالشهادة أنه عبد له. سعيد بن جبير: «قَانِتُونَ» مخلصون.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ} الدالة على عظمته وكمال قدرته، أنه خلق أباكم آدم من تراب، {إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} فأصلكم من تراب، ثم من ماءٍ مهين، ثم تَصَوَّر فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظاماً شكله على شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحماً، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير، ثم خرج من بطن أمه صغيراً ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره، تكاملت قواه وحركاته، حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطار الأرض، ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة وغور ودهاء ومكر، ورأي وعلم واتساع في أمور الدنيا والآخرة، كل بحسبه، فسبحان من أقدرهم وسيرهم، وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكر، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة، ولهذا قال تعالى: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد وغندر قالا: حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود، وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك» تفسير : ورواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقوله تعالى: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً} أي: خلق لكم من جنسكم إناثاً يكن لكم أزواجاً؛ {لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا} كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} تفسير : [الأعراف: 189] يعني بذلك: حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر. ولو أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكوراً، وجعل إناثهم من جنس آخر، إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس، ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة، وهي المحبة، ورحمة، وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إنما لمحبته لها، أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنْ ءَايَٰتِهِ } تعالى الدالة على قدرته {أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } أي أصلكم آدم {ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ } من دم ولحم {تَنتَشِرُونَ } في الأرض.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} فيه قولان: أحدهما: حواء خلقها من ضلع آدم، قاله قتادة. الثاني: أن خلق سائر الأزواج من أمثالهم من الرجال والنساء، قاله علي بن عيسى. {لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا} لتأنسوا إليها لأنه جعل بين الزوجين [من] الأنسية ما لم يجعله بين غيرهما. {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} فيه أربعة: أحدها: أن المودة المحبة والرحمة والشفقة، قاله السدي. الثاني: أن المودة الجماع والرحمة الولد، قاله الحسن. الثالث: أن المودة حب الكبير والرحمة الحنو على الصغير، قاله الكلبي. الرابع: أنهما التراحم بين الزوجين، قاله مقاتل. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: يتفكرون في أن لهم خالقاً معبوداً. الثاني: يتفكرون في البعث بعد الموت.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ} مبتدأ أو خبر أي ومن جملة علامات توحيده وأنه يبعثكم خلقكم واختراعكم و "من" لابتداء الغاية، وقوله: "من تراب" أي خلق أصلنا وهو آدم من تراب، (أ) وأنه خلقنا من نطفة والنطفة من الغذاء والغذاء إنما يتولد من الماء والتراب على ما تقدم شرحه {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} في الأرض. والترتيب والمهلة هنا ظاهران فإنهم يصيرون بشراً بعد أَطْوَارِ كثيرة و "تَنْتَشِرُونَ" حال. و "إِذَا" هي الفُجَائِيَّة، إلا أنَّ الفجائية أكثر ما تقع بعد الفاء؛ لأنها تقتضي التعقيب ووجه وقوعها (مع) "ثم" بالنسبة إلى ما يليق بالحالة الخاصة أي بعد تلك الأطوار التي قَصَّها علينا في موضع آخر من كوننا نطفةً ثم علقةً ثم مُضْغَةً (ثُمَّ عظماً مجرداً) ثم عظماً مكسوّاً لحما (فَاجَأ) البشرية فالانتشار. قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} "مِنْ أَنْفُسِكُمْ" يعني من بني آدم، وقيل خلق "حَوَّى" من ضِلَع آدم "لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا". والصحيح أن المراد من جنسكم كما قال: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [التوبة: 128] ويدل عليه قوله: {لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا} يعني أن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر، أي لا يثبت نفسه معه، ولا يميل قلبه إليه {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (وقيل: مودة) بالمجامعة: (ورحمة) للولد تَمَسُّكاً بقَوْلِهِ: {أية : ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ}تفسير : [مريم: 2]، وقيل: جعل بين الزوجين المودةَ (والرحمة) فهما يَتَوَادَّانِ، وَيَتَرَاحَمَانِ وما من شيء أحبَّ إلى أحد من الآخر من غير رحم بينهما. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} يحتمل أن يكون المراد منه إن في خلق الأزواج "لآيات". ويحتمل أن يقال: "إنَّ في جعل المودة والرحمة بينهم آيات لقوم يتفكرون" في عظمة الله وقدرته. قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ثم لما أشار إلى دلائل الأنفس والآفاق (ذكر) ما هو من صفات الأنفس وهو قوله: "واخْتِلاَفَ ألْسِنَتِكُمْ" أي لغاتكم من عرب وعجم مع تنوع كل من (الجنسين) إلى أنواع شتى لا سيّما العجم، فإن لغاتهم مختلفة، وليس المراد بالألسنة الجوارح، وقيل: المراد بالألسن اختلاف الأصوات، وأما اختلاف الألوان فالمراد أبيضُ وأسودُ وأحمرُ وأنتم ولدُ رجلٍ واحد، (وامرأةٍ واحدة). وقيل: المراد باختلاف الألوان الذي بين ألوان الإنسان فإن واحداً منهم مع كَثْرة عددهم، وصغر حجم قدودهم لا يشتبه بغيره، والسموات مع غيرها وقلة عددها مشتبهات في الصورة {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ}، قرأ حفص بكسر اللام، جعله جمع عَالِمٍ ضد الجاهل ونحوه: {أية : وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 43] والباقون بفتحها لأنها آيات لجميع الناس وإن كان بعضهم يَغْفُلُ عنها وقد تقدم أول الفاتحة الكلام في "العَالَمِينَ" (قيل):هو جمع أو اسم جمع. قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} لما ذكر الأعراض اللازمة وهي الاختلاف ذكر الأعراض المفارقة ومن جملتها النوم بالليل والحركة بالنهار طلباً للرزق (و) قيل: في الآية تقديم وتأخير ليكون كل واحد مع ما يلائمه، والتقدير ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل، وعطفه عليه لأن حرف العطف قد يقوم مَقَامَ الجَارِّ، والأحسن أن يجعل على حاله. والنوم بالنهار مما كانت العرب تَعُدُّه نعمةً من الله، ولا سيما في أوقات القَيْلُولَةِ في البلاد الحارة، وقوله: {وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي منهما فإن كثير ما يكتسب الإنسان بالليل، ويدل على الأول قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [الإسراء: 12] وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً}تفسير : [النبأ: 10, 11]، ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع تدبير واعتبار وقال ههنا: "لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ" ومن قبل: "لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" وقال: "لِلْعَالَمِينَ" لأن المنام بالليل، والابتغاء يظّن الجاهل أو الغافل أنهما مما يقتضيه طبع الحيوان فلا يظهر لكل أحد كونهما من نعم الله، فلم يقل آياتٍ للعالمين، ولأن الأمرين الأولين وهو اختلاف الألسن والألوان من اللوازم والمنام والابتغاء من الأمور المفارقة فالنظر إليهما لا يدوم لزوالهما في بعض الأوقات ولا كذلك اختلاف الألسنة والألون فإنهما يدومان بدَوَام الإنسان فجعلها آيات عامة، وأما قوله: "لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" فإن من الأشياء ما يعلم من غير تفكر، ومنها ما يكفي فيه مُجَرَّدُ الفكرة، ومنها ما يحتاج بعض الناس في تفهمه إلى مثل حسيّة كالأشكال الهندسية، لأن خلق الأرواح لا تقع لأحد أنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكرة، فإذا تفكر علم كون ذلك الخلق آية، وأما المنام والابتغاء فقد يقع لكثير أنهما من أفعال العباد، وقد يحتاج إلى مرشد بغير فكرة فقال: "لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ" ويجعلون بالهم من كلام المرشد. قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} لما ذكر العرضيات اللازمة للأنفس المفارقة ذكر العرضيات التي للآفاق. قوله: "يُريكُمُ البَرْق" فيه أوجه أظهرها: الموافق لأخواته أن يكون جملة اسمية من مبتدأ وخبر إلا أنه حذف الحرف المصدري، ولما حذف بطل عمله والأصل: ومن آياته أن يُرِيَكُمْ، كقوله: شعر : 4038 - أَلاَّ أيُّهَـذَا الزَّاجِـرِي أَحْضُـرَ الوَغَـى ................................... تفسير : الثاني: أن "من آياته" متعلق "بيريكم" أو بمحذوف على أنه حال من البَرْقِ. والتقدير "يريكم البرق من آياته" فيكون قد عطف جملة فعليةً على جملة اسمية. والثالث: أن "يريكم" صفة لموصوف محذوف أي ومن آياته (آية) يريكم البرق بها أو فيها البرق فحذف الموصوف والعائد عليها ومثله: شعر : 4039 - وَمَـا الدَّهْرُ إلاَّ تَارَتَانِ فَمِنْهُمَـا أموت.............................. تفسير : أي منهما تارة أموت منها. الرابع: أن التقدير: ومن آياته سحابٌ أو شيءٌ يريكم؛ فيريكم صفة لذلك المقدر، وفاعل "يريكم" ضمير يعود عليه بخلاف الوجه قبله، فإن الفاعل ضمير الباري تعالى. فصل المعنى يريكم البرقَ خوفاً للمسافرين من الصواعق، وطمعاً للمقيمين في المطر وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون}. فصل قدم لوازم الأنفس على العوارض المفارقة (حيث ذكر أولاً اختلاف الألسنة والألوان ثم المنام والابتغاء، وقدم في الآفاق العارضة المفارقة) على اللوازم حيث قال: {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ} وذلك لأن الإنسان متغير الحال، فالعوارض فيها أغرب من اللوازم فقدم ما هو عجيب لكونه أدخلَ في كونهِ "آيةً" فإن الإنسان يتغير حاله بالكبر والصغر والصحة والسقم فله صوت يعرف به لا يتغير وله لون يتميز به عن غيره، وهو متغير بذلك في الأحوال وذلك لا يتغير وهو آية عجيبة والسماء (والأرض) ثابتان لا يتغيران ثم نرى في بعض الأحوال أمطاراً هاطلةً، وبُرُوقاً هائِلةً والسماء كما كانت والأرض كما كانت وذلك آية تدل على فاعل مختار يديم أمراً مع تغير المحلِّ ويُزِيل أمراً مع ثبات المحلِّ. فصل كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء وكما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافعَ كذلك في تقديم الرعد والبرق على المطر منفعة وهي أن البرق إذا لاح فالذي لا يكون تحت كِنّ يخاف الابتلاء فيستعد له، والذي له صهْريج، أو مصنع يحتاج إلى ماء أو زرع يسوي مجاري الماء، وأيضاً أهل البوادي لا يعلمون أن البلاد عشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروقَ اللائحة من جانبٍ دُونَ جانبٍ، واعلم أن دلائل البرق وفوائده وإن لم تظهر للمُقِيمينَ في البلاد فهي ظاهرة للبادين فلهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة وآية. فصل أما كونه آيةً فلأن الذي في السحاب ليس إلا ماءً وهواءً وخروج النار منهما بحيث يحرق الجبال في غاية البعد فلا بد له من خالق وهو الله. وقالت الفلاسفة: السحاب فيه كثافة ولطافة بالنسبة إلى الهواء أو الماء فالهَوَى ألطف منه والماء أكثف فإذا هبت الريحُ قويةً تحرك السحابُ فيَحْدُثُ صوت الرعد وتخرج منه النار، كما أن النار تخرج من وَقْعِ الحَجَر على الحَديد فإن قيل: الحديد والحجر جسمان صُلْبَان، والسحاب والريح جسمان (لَيَنانٍ) (فنقول لكن حركة يد الإنسان ضعيفة، وحركة الريح قوية تقلع الأشجار) فنقول لهم الرعد والبرق (أَمْرانِ) حادثان لا بد لهما من مسبِّب، وقد علم بالبرهان كونُ كلِّ حادث (فهما) من الله ثم نقول: (هب) أن الأمر كما يقولون فهبوب تلك الريح القوية من الأمور الحادثة العجيبة فلا بد لها من سبب وينتهي إلى واجب الوجود فهو آية للعاقل على قدرة الله كَيْفَمَا فَرَضْتُمْ. فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: "آيات لقوم يعقلون" وقوله فيما تقدم: "لقوم يتفكرون؟" فالجواب: لما كان حدوث الولد من الوالد أمراً عادياً مطرداً قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أن ذلك بالطبيعة لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة (من) المختلف، والبرق والمطر ليس أمراً مطرداً (غير مختلف) بل يختلف إذ يقع ببَلدةٍ دون بلدة وفي وفتٍ دون وقت، وتارة يكون قوياً، وتارة يكون ضعيفاً فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار، فقال هو آية لمن له عقل وإن لم يتفكر تفكراً تاماً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن آياته‏}‏ قال‏:‏ كل شيء في القرآن آيات‏.‏ بذلك تعرفون الله‏.‏ إنكم لن تروه فتعرفونه على رؤية، ولكن تعرفونه بآياته وخلقه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏ومن آياته أن خلقكم من تراب‏} ‏ قال‏:‏ خلق آدم من تراب ‏ {‏ثم إذا أنتم بشر تنتشرون‏}‏ يعني ذريته ‏{‏ومن آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً‏} قال‏:‏ حواء‏.‏ خلقها الله من ضلع من أضلاع آدم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وجعل بينكم مودة‏}‏ قال‏:‏ الجماع ‏{‏ورحمة‏} ‏ قال‏:‏ الولد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره‏} ‏ قال‏:‏ قامتا بأمره ‏{‏بغير عمد ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون‏} ‏ قال‏:‏ دعاهم من السماء فخرجوا من الأرض‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إذا أنتم تخرجون‏}‏ قال‏:‏ من قبوركم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الأزهر بن عبد الله الجزاري قال‏:‏ يقرأ على المصاب إذا أخذ ‏ {‏ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏كل له قانتون‏} ‏ يقول‏:‏ مطيعون يعني الحياة والنشور والموت‏.‏ وهم عاصون له فيما سوى ذلك من العبادة‏.‏ والله تعالى أعلم‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} [الآية: 20]. قال القاسم: بيّن أنه متولى خلقه وأن خلقته إيّاهم من جماد لا حركة له وإنما حركها خالقها لأنه ليس من طبعه أن يتيسر بنفسه ذكر ذلك لئلا يعتمد العبد شيئًا من أفعاله ولا ينظر إلى شىء سوى ربه.

القشيري

تفسير : خَلَقَ آدمَ من التراب، ثم من آدم الذُّرِّيَة. فذَكَّرَهم نِسْبَتَهم لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم. ويقال الأصل تُرْبة ولكن العِبْرَة بالتربية لا بالتربة، القيمةُ لما مِنْه لا لأعيان المخلوقات. اصطفى واختار الكعبة فهي أفضل من الجنة؛ الجنة جواهر ويواقيت، والبيت حجر! ولكن البيت مختارُه وهذا المختار حجر! واختار الإنسانَ، وهذا المختار مَدَرٌ! والغنيُّ غنيٌّ لِذَاتِه، غنيٌّ عن كلِّ غيرٍ من رَسْم وأثر.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن آياته} اى ومن علامات الله الدالة على البعث. وقال الكاشفي [واز نشانهاى قدرت خداى تعالى] {ان خلقكم} يا بنى آدم فى ضمن خلق آدم لانه خلقه منطويا على خلق ذرياته انطواء اجماليا والخلق عبارة عن تركيب الاجزاء وتسوية الاجسام {من تراب} لم يشم رائحة الحياة قط ولا مناسبة بينه وبين ما أنتم عليه فى ذاتكم وصفاتكم وانما خلق الله الانسان من التراب ليكون متواضعا ذلولا حمولا مثله والارض وحقائقها دائمة فى الطمأنينة والاحسان بالوجود ولذلك لا تزال ساكنة وساكتة لفوزها بوجود مطلوبها فكانت اعلى مرتبة وتحققت فى مرتبة العلو فى عين السفل وقامت بالرضى {ثم اذا انتم} [بس ا كنون شما] {بشر} [مردمانيد آشكارا] اى آدميون من لحم ودم عقلاء ناطقون. قال فى المفردات البشرة ظاهر الجلد وعبر عن الانسان بالبشر اعتبارا بظهور جلده من الشعر بخلاف الحيوانات التى عليها الصوف او الشعر او الوبر. واستوى فى لفظ البشر الواحد والجمع وخص فى القرآن كل موضع اعتبر من الانسان جثته وظاهره بلفظ البشر {تنتشرون} الانتشار [براكنده شدن]. قال الراغب انتشار الناس تصرفهم فى الحاجات. والمعنى فاجأتم بعد ذلك وقت كونكم بشرا تنتشرون فى الارض فدل بدء خلقكم على اعادتكم وهذا مجمل ما فصل فى قوله تعالى فى اوائل سورة الحج {يا ايها الناس ان كنتم فى ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم} اى ان كنتم فى شك من البعث بعد الموت فانظروا الى ابتداء خلقكم وقد خلقناكم بالاطوار لتظهر لكم قدرتنا على البعث فتؤمنوا به وانشد بعضهم. شعر : خلقت من التراب فصرت شخصا بصيرا بالسؤال وبالجواب وعدت الى التراب فصرت فيه كأنى ما برحت من التراب تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره. شعر : بامرش وجود ازعدم نقش بست كه داندجزا وكردن ازنيست هست دكرره بكتم عدم دربرد واز آنجا بصحراى محشر برد تفسير : وفي التأويلات النجمية يشير الى ان التراب ابعد الموجودات الى الحضرة لانا اذا نظرنا الى الحقيقة وجدنا اقرب الموجودات الى الحضرة عالم الارواح لانه اول ما خلق الله الارواح ثم العرش لانه محل استواء الصفة الرحمانية ثم الكرسي ثم السماء السابعة ثم السموات كلها ثم فلك الزمهرير اعنى الهواء ثم الماء ثم التراب وهو جماد لا حس فيه ولا حركة وليس له قدرة على تغيير ذاته وصفاته فلما وجدنا ذاته متغيرة عن وصف الترابية صورة ومعنى متبدلة كتغير صورته بصورة البشر وتبدل صفته بصفة البشرية علم انه محتاج الى مغير ومبدل وهو الله سبحانه واشار بقوله {ثم اذا انتم بشر تنتشرون} يعنى كنتم ترابا جمادا ميتا ابعد الموجودات عن الحضرة جعلتكم بشرا بنفخ الروح المشرف باضافة من روحى وهو اقرب الموجودات الى الحضرة فأى آية اظهر وابين من الجمع بين ابعد الابعدين واقرب الاقربين بكمال القدرة والحكمة ثم جعلتكم مسجود الملائكة المقربين وجعلتكم مرآة مظهرة لجميع صفات جمالى وجلالى ولهذا السر جعلتكم خلائق الارض انتهى. يقول الفقير والخليفة لا بد له من الانتقال من موطن الى موطن اعطاء لاحكام الاسلام فالموطن الدنيوى هو من آثار الاسم الظاهر والانتقال الى الموطن البرزخى من احكام الاسم الباطن فلما صار الغيب شهادة بالنسبة الى الموطن الاول فى ابتداء الظهور واوله فكذلك تصير الشهادة غيبا بالنسبة الى الموطن الثاني والموطن الحشرى فى انتهاء الظهور وثانيه. يعنى ان الدنيا تصير غيبا راجعا الى حكم الاسم الباطن عند ظهور البعث والحشر كما كانت شهادة قبله راجعة الى حكم الاسم الظاهر وان الاخرى تصير شهادة بعده كما كانت غيبا قبله فهى كالقلب الآن وسينقلب الامر فيكون القلب قالبا والقالب قلبا نسأل الله الانتقال بالكمال التام والظهور فى النشأة الآخرة بالوجود المحيط العالم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ومن آياته} الدالة على قدرته، الشاملة للبعث وغيره: أو: ومن علامات ربوبيته: {أن خلقكم} أي: أباكم {من ترابٍ}؛ لأن أصل الإنشاء منه، {ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} أي: ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً منتشرين في الأرض، آدم وذريته. {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها}؛ لأن حواء خُلقت من ضلع آدم، والنساء بعدها خُلقن من أصلاب الرجال. أو: من شكل أنفسكم وجنسها، لا مِنْ جنس آخر، وذلك لما بين الاثنين - إِذْ كَانَا من جنس واحد - من الألفة والمودة والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر. ويقال سكن إليه: إذا مال إليه. {وجعل بينكم مودة ورحمة} أي: جعل بينكم التوادد والتراحم بسبب الزواج. وعن الحسن: المودة كناية عن الجماع، والرحمة هي الولد. وقيل المودة للشابة الجميلة، والرحمة للعجوز، وقيل: المودة والرحمة من الله، والفَرْك من الشيطان – أي: البغض من الجانبين. {إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون}؛ فيعلمون ما في ذلك من الحِكم، وأن قوام الدنيا بوجود التناسل. الإشارة: أصل النشأة البشرية من الطين، وأصل الروح من نور رب العالمين. فإذا غلبت الطينة على الروح جذبتها إلى عالم الطين، فكان همها الطين، وهوت إلى أسفل سافلين، فلا تجد فكرتها وحديثها، في الغالب، إلا في عالم الحس، ويكون عملها كله عَمَلَ الجوارح، يفنى بفنائها. وإذا غلبت الروح على الطينة؛ وذلك بدخول مقام الفناء، حتى تستولي المعاني على الحسيات. وتنخنس البشرية تحت سلطان أنوار الحقيقة، جذبتها إلى عالم الأنوار والأسرار، فلا تجد فكرتها إلا في أنوار التوحيد وأسرار التفريد، وعملها كله قلبي وسري. بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، يبقى مع الروح ببقائها، يجري عليها بعد موت البشرية، ويبعث معها، كما تقدم في الحديث: "يموت المرء..." إلخ. قال القشيري: يقال: الأصل تُربة، ولكن العِبرَة بالتربية لا بالتربة. هـ. قلت: إذ بالتربية تغلب الروح على البشرية، ثم قال: اصطفى الكعبة، فهي خير من الجنة، مع أن الجنة جواهر ويواقيت، والكعبة حجر ومدر، أي: كذلك المؤمن الكامل، وإن كان أصله من الطين، فهو أفضل من كثير العوالم اللطيفة. ثم قال في قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من انفسكم أزواجاً} الآية: رَدَّ المِثْلَ إلى المِثْل، وربط الشكلَ بالشكل، وجعل سكونَ البعض إلى البعضِ، وذلك للأشباح والصُّورَ، والأرواح صحِبت الأشباح؛ كرهاً لا طوعاً، وأما الأسرار فمُعْتَقَةٌ، لا تساكن الأطلال، ولا تتدنس بالأغيار. هـ. قلت: وكأنه يشير إلى أن المودة التي انعقدت بين الزوجين إنما هي نفسية، لا روحانية، ولا سرية؛ إذ الروح والسر لا يتصور منها ميل إلى غير أسرار الذات العلية؛ إذ محبة الحق، جذبتها عن الميل إلى شيء من السّوى. واختلف الصوفية: هل تُخِلُّ هذه المودة بين الزوجين يمحية الحق, أم لا؟ فقال سهل رضي الله عنه: لا تضر الروح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حُبب إلي َّمن دنياكم ثلاث..." تفسير : فذكر النساء, إذا كان على وجه الشفقة والرحمة، لا على غلبة الشهوة. وعلامة محبة الشفقة: أنه لا يتغير عند فَقْدها، ولا يحزن بفواتها. وهذا هو الصحيح. والله تعالى أعلم.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ} عطف على جملة الحىّ فانّه فى معنى قوله من آياته أن {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} {أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} باعتبار خلق آدم (ع) ابيكم منه او باعتبار خلق مادّتكم ممّا يحصل من التّراب ويغلب عليه التّراب {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} تتحرّكون وتدبّون وليس للارض حركة ولا قدرة على الحركة. اعلم، انّ فى خلق الانسان الّذى له علم وارادة وقدرة واختيار واستعداد للتّصرّف فى الملكوتين وتسخير اهلهما واستعداد للتّرقّى عن هذا العالم والحركة الى السّماء او الى عوالم الارواح من العناصر الّتى لا شعور لها ولا قدرة ولا اختيار مع كون الغالب فى مادّته الماء والارض اللّتين هما انزلها آيات عديدة دالّة على علمه تعالى وقدرته وحكمته واحاطته وتدبيره واناطة افعاله بغاياتٍ عديدةٍ متقنةٍ، وتصريفه فى عالم الارواح وعالم الطّبع بما لا يمكن ادراك كيفيّة تصريفه وتمزيجه للقوى الرّوحانيّة مع القوى الارضيّة بحيث لا يمكن التّميز بينهما، ويشتبه على كثيرٍ انّ القوى الرّوحانيّة ليست الاّ القوى الجسمانيّة حتّى قالوا: انّ النّفس الانسانيّة جسم سار فى البدن كسريان الماء فى الورد.

اطفيش

تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ} اي يخلق أصلكم منه وهو آدم عليه السلام. {ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ} من لحم ودم. {تنتَشِرُونَ} تبسطون في الأرض واذا للمفاجأة فيه.

اطفيش

تفسير : {ومن آياته} دلائل وحدته وقدرته على البعث {أن خَلَقَكُم من تُرابٍ} بخلق ابيكم منه، او بخلقكم من مواد ترابية، لان النطفة من طعام، والطعام من الارض ولو لحما، لانه من نباتها، او يقدر مضاف اى خلق آباكم، او خلقكم من مواد تراب، ولا يقدم كون الماء غير تراب، وكأنه تراب، لأنه مخزون فيه، بل قيل: التراب مخلوق من الماء، ولا رائحة حياة، ولا صفة من صفاتكم للتراب والماء، فكيف لا بتعثون بعد ان كنتم احياء لبادى رايكم، وكل ذلك سواء فى قدرته تعالى. {ثمَّ إذا أنتُم بَشرٌ تنْتشِرُون} عطف على: {ومن آياته أن خلقكم} ان مصدرية ومن آياته خلقكم، او على خلقكم، لان انتشارهم من آياته، وثم للتراخى الزمانى وهو الاصل، فالجمع بين الجملتين جمع بين متناسبين، كالجمع بين النون والضفدع، كانه قيل تمضى مدة فيفاجئكم انتشار اى تصرف فى الارض بالمشى فيها لمصالحكم، كالسفر، ويجوز ان تكون ثم للتراخى الرتبى، وهو ضعيف لان خلقهم من تراب اعلى رتبة من انتشارهم.

الالوسي

تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ } الباهرة الدالة على أنكم تبعثون دلالة أوضح من دلالة ما سبق، فإن دلالة بدء خلقهم على إعادتهم أظهر من دلالة إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي ومن دلالة إحياء الأرض بعد موتها عليها {أَنْ خَلَقَكُمْ } أي في ضمن خلق آدم عليه السلام لما مر مراراً من أن خلقه عليه السلام منطو على خلق ذرياته انطواء إجمالياً {مّن تُرَابٍ } لم يشم رائحة الحياة قط ولا مناسبة بينه وبين ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم، وقيل: خلقهم من تراب لأنه تعالى خلق مادتهم منه فهو مجاز أو على تقدير مضاف {ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} أي في الأرض تتصرفون في أغراضكم وأسفاركم، {وَإِذَا } فجائية و {ثُمَّ } على ما ذهب إليه أبو حيان للتراخي الحقيقي لما بين الخلق والانتشار من المدة، وقال العلامة الطيبـي: إنها للتراخي الرتبـي لأن المفاجأة تأبـى الحقيقي. ورد بأنه لا مانع من أن يفاجىء أحداً أمر بعد مضي مدة من أمر آخر أو أحدهما حقيقي والآخر عرفي. وتعقب بأنه على تسليم صحته يأباه الذوق فإنه كالجمع بين الضب والنون فما ذكره الطيبـي أنسب بالنظم القرآني، والظاهر أن الجملة معطوفة على المبتدأ قبلها وهي بتأويل مفرد كأنه قيل: ومن آياته خلقكم من تراب ثم مفاجأتكم وقت كونكم بشراً منتشرين كذا قيل، وفي وقوع الجملة مبتدأ بمثل هذا التأويل نظر إلا أن يقال: إنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع ويتخيل من كلام بعضهم أن العطف على {خَلَقَكُمْ } بحسب المعنى حيث قال: أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً منتشرين، ويفهم من كلام صاحب «الكشف» في نظر الآية أعني قوله تعالى الآتي: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ ٱلأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ }تفسير : [الروم: 25] أنه أقيمت الجملة مقام المفرد من حيث المعنى لأنها تفيد فائدته، والكلام على أسلوب {أية : مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً }تفسير : [آل عمران: 97] لأنه في معنى وأمن داخله، وأما من حيث الصورة فهي جملة معطوفة على قوله تعالى: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ} وفائدة هذا الأسلوب الإشعار بأن ذلك آية خارجة من جنس الآيات مستقلة بشأنها مقصودة بذاتها فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : لما كان الاستدلال على البعث متضمناً آيات على تفرده تعالى بالتصرف ودلالته على الوحدانية انتقل من ذلك الاستدلال إلى آيات على ذلك التصرف العظيم غير ما فيه إثبات البعث تثبيتاً للمؤمنين وإعذاراً لمن أشركوا في الإلهية. وقد سبقت ست آيات على الوحدانية، وابتدئت بكلمة {ومن آياته} تنبيهاً على اتحاد غرضها، فهذه هي الآية الأولى ولها شبه بالاستدلال على البعث لأن خلق الناس من تراب وبث الحياة والانتشار فيهم هو ضرب من ضروب إخراج الحي من الميت، فلذلك كانت هي الأولى في الذكر لمناسبتها لما قبلها فجعلت تخلصاً من دلائل البعث إلى دلائل عظيم القدرة. وهذه الآية كائنة في خلق جوهر الإنسان وتقويم بشريته. وتقدم كيف كان الخلق من تراب عند قوله تعالى {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} تفسير : في سورة المؤمنين (12، 13). فضمير النصب {في خَلَقَكم} عائد إلى جميع الناس وهذا في معنى قوله تعالى في سورة الحج (5) {أية : فإنّا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة} تفسير : الآية. وهذا استدلال للناس بأنفسهم لأنهم أشعرُ بها مما سواها، والناس يعلمون أن النطف أصل الخلقة، وهم إذا تأملوا علموا أن النطفة تتكون من الغذاء، وأن الغذاء يتكون من نبات الأرض، وأن نبات الأرض مشتمل على الأجزاء الترابية التي أنبتته فعلموا أنهم مخلوقون من تراب، فبذلك استقام جعل التكوين من التراب آية للناس أي علامة على عظيم القدرة مع كونه أمراً خفياً. على أنه يمكن أن يكون الاستدلال مبنياً على ما هو شائع بين البشر أن أصل الإنسان تراب حسبما أنبأت به الأديان كلها. وبهذا التأويل يصح أيضاً أن يكون معنى {خلقكم من تراب} خلق أصلكم وهو آدم، وأول الوجوه أظهرها. فالتراب موات لا حياة فيه وطبعه منافٍ لطبع الحياة لأن التراب بارد يابس وذلك طبع الموت، والحياةُ تقتضي حرارة ورطوبة فمن ذلك البارد اليابس ينشأ المخلوق الحي المدرك. وقد أشير إلى الحياة والإدراك بقوله {إذا أنتم بشر}، وإلى التصرف والحركة بقوله {تنتشرون}، ولما كان تمام البشرية ينشأ عن تطور التراب إلى نبات ثم إلى نطفة ثم إلى أطوار التخلق في أزمنة متتالية عطفت الجملة بحرف المهلة الدال على تراخي الزمن مع تراخي الرتبة الذي هو الأصل في عطف الجمل بحرف {ثم}. وصدرت الجملة بحرف المفاجأة لأن الكون بشراً يظهر للناس فجأة بوضع الأجنة أو خروج الفراخ من البيض، وما بين ذلك من الأطوار التي اقتضاها حرف المهلة هي أطوار خفية غير مشاهدة؛ فكان الجمع بين حرف المهلة وحرف المفاجأة تنبيهاً على ذلك التطور العجيب. وحصل من المقارنة بين حرف المهلة وحرف المفاجأة شبه الطباق وإن كان مرجع كل من الحرفين غير مرجع الآخر. والانتشار: الظهور على الأرض والتباعد بين الناس في الأعمال قال تعالى {أية : فانتشروا في الأرض}تفسير : [الجمعة: 10].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ } تفسير : [طه: 55] الآية، وفي غير ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِهِ} (20) - وَمِنْ حُجَجِهِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ الخَالِقُ القَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ إِفْنَاءٍ وَإِيَجَادٍ، أَنَّهُ خَلَقَ أَبَاكُمْ آدَمَ مِنْ تُرابٍ لا حَيَاةَ فِيهِ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ يُخْلَقُونَ مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ضَعِيفٍ، ثُمَّ يُقَلِّبُهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ فِي أَطْوارٍ شَتَى إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا أَطْفَالاً، ثُمَّ يَتَطَوَّرُونَ في نُمُوِّهِمْ، ثُمَّ يَنْتَشِرُونَ فِي الأَرضِ لِلْعَمِلِ فِيها كَسْباً لِمَعَاشِهِمْ، وإِعْمَاراً لها. تَنْتَشِرُونَ - تَتَصَرَّفُونَ فِي شُؤُونِ حَيَاتِكُمْ وَمَعَايِشِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكلام هنا عن بَدْء الخلق، قال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ ..} [الروم: 20] بصيغة الجمع، والمراد آدم ثم حواء، ثم بثَّ الله منهما رجالاً كثيراً ونساء، فالعالم اليوم الذي يُعَدُّ بالمليارات حين تعود به إلى الماضي لا بُدَّ أنْ تعود إلى اثنين هما آدم وحواء، فلما التقيا نشأ منهما النسل، لكن هل نشأ النسل من أبعاض ميتة خرجتْ من آدم، أم من أبعاض حيّة هي الحيوانات المنوية؟ لو أن الحيوان المنويَّ كان ميتاً لما حدث الإنجاب. إذن: جاء أولاد آدم من ميكروب أبيهم آدم، وانتشروا في الأرض وأنجبوا، وكل منهم يحمل ذرة من أبيه الأول آدم عليه السلام. وبالتالي فكُلٌّ مِنّا فيه ذرة حية من عهد آدم، وحتى الآن لم يطرأ عليها فناء أبداً، وهذا هو عَالَم الذَّرِّ الذي شهد خَلْق الله لآدم، إنها أبعاضنا التي شهدتْ هذا العهد الأول بين الخَلْق والخالق سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 172]. إذن: في كل مِنّا الآن وحتى قيام الساعة ذرةٌ حيَّة من أبيه آدم، هذه الذرة الحية هي التي شهدتْ هذا العهد، وهي التي تمثل الفطرة الإيمانية في كل نفس بشرية، لكن هذه الفطرة قد تُطمس أو تُغلَّف بالغفلة والمعاصي .. إلخ. والحق - سبحانه وتعالى - أخبرنا أنه يخلق الأشياء ويُوجِدها بكُنْ {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] إلا الإنسان، فقد بلغ من تكريمه أنْ سوَّاه ربه بيده، وجعله خليفة له في الأرض، وتجلَّى عليه بصفات من صِفاته، فأعطاه من قدرته قدرةً، ومن عِلْمه عِلْماً، ومن حكمته حكمة، ومن غِنَاه غِنىً. وربنا سبحانه حينما يخلقنا هذا الخَلْق يريد مِنَّا أنْ نستعمل هذه الصفات التي وهبها لنا، كما يستعملها هو سبحانه، فالله تعالى بقدرته خلق لنا ما ينفعنا، فعليك أنت بما وهبك الله من القدرة أنْ تعمل ما ينفع، والله بحكمته رتَّبَ الأشياء، فعليك بما لديْك من حكمة أنْ تُرتَّب الأِشياء .. وهكذا. ونشير إلى أن القدرة تختلف، فقدرة تفعل لك، وقدرة عُلْيا تجعلك تفعل بنفسك، هَبْ أنك قابلتَ رجلاً ضعيفاً لا يَقْوَى على حَمْل متاعه مثلاً، فتحمله أنت له، فأنت إذن عدَّيْتَ إليه أثرَ قوتك، إنما ظلَّ هو ضعيفاً. أما الحق - تبارك وتعالى - فلا يُعدِّي أثر قوته إلى عبده فحسب، إنما يُعدِّي له القدرة ذاتها، فيُقوِّي الضعيف؛ فيحمل متاعه بنفسه. إذن: أعظم تكريم للإنسان أنْ يقول الخالق سبحانه: إنني خلقتُه بيدي في قوله سبحانه لإبليس: {أية : قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..} تفسير : [ص: 75]. ثم لك أيها الإنسان بعد هذا التكريم أنْ تكون كريماً على نفسك كما كرَّمك الله، ولك أنْ تنزل بها إلى الحضيض، فنفسك حيث تجعلها أنت. يقول تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} تفسير : [التين: 4-5] فانظر لنفسك منزلة من المنزلتين. وكلمة {مِّن تُرَابٍ ..} [الروم: 20] أي: الأصل الذي خُلِق منه آدم، والتراب مع الماء يصير طيناً، فإنْ تعطَّن وتغيَّرَتْ رائحته فهو حمأ مسنون، فإنْ جَفَّ فهو صلصال كالفخار، إذن: هذه هي العناصر التي وردت ومراحل خَلْقِ الإنسان، وكلها مُسمَّيات للتراب، وحالات طرأتْ عليه. فإنْ جاء مَنْ يقول في مسألة الخَلْق بغير هذا فلا نُصدّقه؛ لأن الذي خلق الإنسان أخبرنا كيف خلقه، أما هؤلاء فلم يشهدوا من خَلْق الإنسان شيئاً، وهم في نظر الدين مُضللون، يجب الحذر من أفكارهم؛ لأن الله تعالى يقول في شأنهم: {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. والله لو لم يَخُضْ العلماء في مسألة الخلق خلق الإنسان وخلق الشمس والقمر والأرض ... الخ. لو لم نسمع بنظرية داروين أكانت تصدُق هذه الآية؟ وإلا لقالوا: أين المضللون الذين تكلَّم القرآن عنهم؟ فهم إذن قالوا وطلعوا علينا بنظرياتهم، يريدون أنْ يُكذِّبوا دين الله، وأنْ يُشكِّكوا فيه، وإذا بهم يقومون جميعاً دليلاً على صِدْقه من حيث لا يشعرون. وعلى شاكلة هؤلاء الذين نسمعهم الآن ينكرون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ويُشككون في صحتها، هذه في الحقيقة ظاهرة طبيعية جاءت لتثبت صدق رسول الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يغفل هذه المسألة، إنما أخبر عنها ونبهنا إليها، وأعطانا المناعة اللازمة - الثلاثي الذي نسمع عنه من رجال الصحة. يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : يوشك رجل من أمتي يتكىء على أريكته يُحدَّث بالحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، أَلاَ وإنَّ ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ". تفسير : لماذا؟ لأن الله تعالى أعطاه تفويضاً في أنْ يُشرِّع لأمته، فقال تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7] فللرسول إيتاء، وللرسول أمر ونهي يجب أنْ يُطاع بطاعتنا لله. وتعالَ لمن ينكر السنة ويقول: علينا بالقرآن - عندما يصلي المغرب مثلاً واسأله: كم ركعة صليتَ المغرب؟ سيقول: ثلاث ركعات، فمن أين علم أن المغرب ثلاث ركعات؟ أمن القرآن الذي يتعصَّب له، أم من السنة التي يُنكرها. إذن: كيف يتعبد على قول رسول الله ثم ينكره؟ إذن: فالحق - سبحانه وتعالى - بيَّن مراحل خَلْق الإنسان من تراب، صار طيناً، ثم صار حمأ مسنوناً، ثم صلصالاً كالفخار، ثم نفخ فيه الله من روحه، ونحن لم نشاهد هذه المسألة، إنما أخبرنا بها، ومن رحمته تعالى بخَلْقه، ولكي لا تحار عقولهم حينما تبحث هذه العملية يعطينا في الكون المشَاهد لنا شواهد تُوضِّح لنا الغيب الذي لم نشاهده. ففي أعرافنا أن هَدْم الشيء أو نَقْض البناء يأتي على عكس البناء، فما بُني أولاً يُهْدَم آخراً، وما بُني آخراً يُهدَم أولاً، وأنت لم تشاهد عملية الخَلْق، لكن شاهدتَ عملية الموت، والموت نَقْض للحياة. ولك أنْ تتأملَ الإنسان حينما يموت، فأول نَقْض لبنيته أنْ تخرج منه الروح، وكانت آخر شيء في بنائه، ثم يتصلّب الجسد ويتجمد، كما كان في مرحلة الصلصالية، ثم يتعفَّن وتتغير رائحته، كما كان في مرحلة الحمأ المسنون، ثم تمتص الأرض ما فيه من مائية ليصير إلى التراب كما بدأه خالقه من تراب، إذن: صدق الله تعالى في المشهد حين بيَّن لنا الموت، فصدَّقنا ما قاله في الحياة. وكما أن التراب والطين هما أصل الإنسان فهما أيضاً مصدر الخِصْب والنماء، ومخازن للقوت وهما مُقوِّم من مُقوِّمات حياتنا: لذلك لما تكلم القرآن عن التراب قال سبحانه: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا ..} تفسير : [فصلت: 9-10] يعني: في الجبال لأنها أقرب مذكور أو في الأرض عموماً؛ لأن الرواسي في الأرض {أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} تفسير : [فصلت: 10]. فالقوت يأتينا من طينة الأرض، ومن التراب الذي يتفتت من الجبال مُكوِّناً الطمي أو الغرْيَن الذي يحمله إلينا ماء المطر، فالأرض هي أمنا الحقيقية، منها خُلِقْنا، ومنها مُقوِّمات حياتنا. وعجيب أن نرى من العلماء غير المؤمنين مَنْ يثبت صدْق القرآن في مسألة خَلْق الإنسان من طين حين حلَّلوا عناصر الأرض فوجدوها ستة عشر عنصراً هي نفسها التي وجدوها في جسم الإنسان، وكأن الحق سبحانه يُجنِّد مَنْ يثبت صِدْق آياته ولو من الكفار. وصدق الله العظيم حين قال: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53]. وفي القرآن آيات تدلّ على معادلات لو بحثها (الكمبيوتر) الآن لا بُدَّ أن نؤمن بأن هذا الكلام من عند الله وأنه صِدْق. تأمل ظاهرة اللغة، وكيف نتكلم ونتفاهم، فأنت إذا لم تتعلم الإنجليزية مثلاً لا تفهمها؛ وكذلك هو لا يفهم العربية. لماذا؟ لأ ن اللغة وليدة المحاكاة، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، وهي ظاهرة اجتماعية، فلو عاش الإنسان وحده لما احتاج للغة؛ لأنه سيفعل ما يطرأ على باله وفقط. أمّا حين يعيش في جماعة فلا بُدَّ له أن يتفاهم معهم، يأخذ منهم ويأخذون منه، يسمع منهم ويسمعون منه، حتى الأخرس لا بُدَّ له من لغة يتفاهم بها مع مَنْ حوله، ويستخدم فعلاً لغة الإشارة، وقد أقدره الله على فهمها. والله سبحانه يُبقي للإنسان المتكلم دلالات الإشارة في النفس الناطقة، فمثلاً لو اضطررت للكلام وفي فمك طعام، فإنك تشير لولدك أو لخادمك مثلاً ويفهم عنك ويفعل ما تريد. إذن: فينا نحن الأسوياء بقايا خَرس نستعمله، حينما لا يسعفنا النطق إذن: التفاهم أمر ضروري، واللغة وليدة المحاكاة؛ لذلك نقول للولد الصغير: لا تخرج إلى الشارع، لماذا؟ حتى لا تسمع أذنه كلاماً قبيحاً فيحكيه هو. إذن: كيف تعلمتُ اللغة؟ تعلمتها من أبي ومن المحيط بي، وتعلمها أبي من أبيه، ومن المحيطين به، وهكذا. ولك أن تسلسل هذه المسألة كما سلسلنا التكاثر في الإنسان، وسوف نعود بالتالي إلى أبينا آدم عليه السلام، وعندها نقول: ومَنْ علَّم آدم اللغة؟ يردُّ علينا القرآن: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ..} تفسير : [البقرة: 31] هذا كلام منطقي استقرائي يدلُّ دلالة قاطعة على صِدْق آيات القرآن. وقوله سبحانه: {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} [الروم: 20] ثم: أي بعد أنْ خلقنا الله من تراب تكاثر الخَلْق وتزايدوا بسرعة؛ لأن السياق استعمل هنا (إذا) الفجائية الدالة على الفجأة، والتي يُمثِّلون لها بقولهم: خرجتُ فإذا أسدٌ بالباب، يعني: فاجأني، فالمعنى أنكم تتزايدون وتنتشرون في الأرض بسرعة، ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحوال الناس في الآخرة، وقدرته على البدء والإِعادة، ذكر هنا الأدلة على الربوبية والوحدانية، في خلق البشر، واختلاف الألسنة والصور، وإِحياء الأرض بالمطر، وفي قيام الناس ومنامهم، ثم ضرب الأمثال للمشركين في عبادتهم لغير الله مع أنه وحده الخالق الرازق. اللغَة: {آيَاتِهِ} جمع آية وهي العلامة على الربوبية والوحدانية {تَنتَشِرُونَ} تتصرفون في شؤون معايشكم {لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا} لتميلوا إِليها وتألفوها {قَانِتُونَ} مطيعون منقادون لإرادته {ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} الوصف الأعلى في الكمال والجلال {ٱلْقَيِّمُ} المستقيم الذي لا عوج فيه {مُنِيبِينَ} الإِنابة: الرجوع بالتوبة والإِخلاص. التفسِير: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} أي ومن آياته الباهرة الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق أصلكم "آدم" من تراب، وإِنما أضاف الخلق إِلى الناس {خَلَقَكُمْ} لأن آدم أصل البشر {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} أي ثم أنتم تتطورون من نطفة إِلى علقة إِلى مضغة إِلى بشر عقلاء، تتصرفون فيما هو قوام معايشكم قال ابن كثير: فسبحان من خلقهم وسيَّرهم وسخّرهم وصرّفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكر، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة!! {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} أي من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق لكم من صنفكم وجنسكم نساءً آدميات مثلكم، ولم يجعلهن من جنسٍ آخر قال ابن كثير: ولو أنه تعالى جعل الإِناث من جنسٍ آخر، من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل النفرة، وذلك من تمام رحمته ببني آدم {لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا} أي لتميلوا إِليهن وتألفوهن {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} أي وجعل بين الأزواج والزوجات محبة وشفقة قال ابن عباس: المودة: حب الرجل امرأته، والرحمةُ شفقته عليها أن يصيبها بسوء {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي إِنَّ فيما ذكر لعبراً عظيمة لقوم يتفكرون في قدرة الله وعظمته، فيدركون حكمته العلية {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} أي ومن آياته العظيمة الدالة على كمال قدرته خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها، وخلق الأرض في كثافتها وانخفاضها، واختلاف اللغات من عربيةٍ وعجمية، وتركية، ورومية، واختلاف الألوان من أبيض وأسود وأحمر، حتى لا يشتبه شخص بشخص، ولا إِنسان بإِنسان، مع أنهم جميعاً من ذرية آدم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} أي لمن كان من ذوي العلم والفهم والبصيرة {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} أي ومن آياته الدالة على كمال قدرته نومكم في ظلمة الليل، ووقت الظهيرة بالنهار راحةً لأبدانكم {وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي وطلبكم للرزق بالنهار {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي يسمعون سماع تفهم واستبصار {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته أنه يريكم البرق خوفاً من الصواعق، وطمعاً في الغيث والمطر قال قتادة: خوفاً للمسافر، وطمعاً للمقيم {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي وينزل المطر من السماء فينبت به الأرض بعد أن كانت هامدة جامدة لا نبات فيها ولا زرع {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي إِن في ذلك المذكور لعبراً وعظاتٍ لقومٍ يتدبرون بعقولهم آلاء الله {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ} أي ومن آياته الباهرة الدالة على عظمته أن تستمسك السماواتُ بقدرته بلا عمد، وأن تثبت الأرض بتدبيره وحكمته فلا تنكفئ بسكانها ولا تنقلب بأهلها {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} أي إِذا دعيتم إِلى الخروج من القبور، إِذا أنتم فوراً تخرجون للجزاء والحساب، لا يتأخر خروجكم طرفة عين قال المفسرون: وذلك حين ينفخ إِسرافيل في الصور النفخة الثانية ويقول: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمةٌ من الأولين والآخرين، إِلا قامت تنظر {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي وله جل وعلا كل من في السماوات والأرض من الملائكة والإِنس والجن ملكاً وخلقاً وتصرفاً لا يشاركه فيها أحد {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي جميعهم خاشعون خاضعون منقادون لأمره تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي وهو تعالى يُنشئ الخلق من العدم، ثم يعيدهم بعد موتهم للحساب والجزاء {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي إِعادة الخلق أهونُ عليه من بدئه قال ابن عباس: يعني أيسر عليه، وقال مجاهد: الإِعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هيّنة قال المفسرون: خاطب تعالى العباد بما يعقلون، فإِذا كانت الإِعادة أسهل من الابتداء في تقديركم وحكمكم، فإِن من قدر على الإِنشاء كان البعث أهون عليه حسب منطقكم وأصولكم {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره ما يدانيه فيه من الجلال والكمال، والعظمة والسلطان {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي يصفه به من فيهما وهو أنه الذي ليس كمثله شيء {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي القاهر لكل شيء الحكيم الذي كل أفعاله على مقتضى الحكمة والمصلحة، ثم وضّح تعالى بطلان عبادتهم للأوثان بمثل فقال: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي ضرب لكم أيها القوم ربكم مثلاً واقعياً من أنفسكم {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي هل يرضى أحدكم أن يكون عبده ومملوكه شريكاً له في ماله الذي رزقه الله تعالى؟ فإِذا لم يرض أحدكم لنفسه ذلك فكيف ترضون لله شريكاً له وهو في الأصل مخلوق وعبدٌ لله؟ {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} هذا من تتمة المثل أي لستم وعبيدكم سواءٌ في أموالكم، ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم، وأنتم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم في أموالكم، فكيف رضيتم لله شريكاً في خلقه وملكه؟ {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي مثل ذلك البيان الواضح نبيّن الآيات لقومٍ يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} بلْ للإِضراب أي ليس لهم حجة ولا معذرة في إِشراكهم بالله بل ذلك بمجرد هوى النفس بغير علم ولا برهان قال القرطبي: لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها، وتقليد الأسلاف في ذلك {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} أي لا أحد يستطيع أن يهدي من أراد الله إِضلاله {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي ليس لهم من عذاب الله منقذٌ ولا ناصر {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} أي أخلص دينك لله وأقبل على الإِسلام بهمة ونشاط {حَنِيفاً} أي مائلاً عن كل دين باطل إلى الدين الحق وهو الإِسلام {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} أي هذا الدين الحق الذي أمرناك بالاستقامة عليه هو خلقة الله التي خلق الناس عليها وهو فطرة التوحيد كما الحديث "حديث : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه" تفسير : الحديث {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} أي لا تغيير لتلك الفطرة السليمة من جهته تعالى قال ابن الجوزي: لفظة لفظ النفي ومعناه النهي أي لا تبدلوا خلق الله فتغيّروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي ذلك هو الدين المستقيم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي أكثر الناس جهلة لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقاً معبوداً {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي أقيموا وجوهكم أيها الناس على الدين الحق حال كونكم منيبين إِلى ربكم أي راجعين إِليه بالتوبة وإِخلاص العمل، وخافوه وراقبوه في أقوالكم وأفعالكم، وأقيموا الصلاة على الوجه الذي يُرضي الله {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي ولا تكونوا ممن أشرك بالله وعبد غيره ثم فسَّرهم بقوله {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} أي من الذين اختلفوا في دينهم وغيّروه وبدَّلوا فأصبحوا شيعاً وأحزاباً، كلٌ يتعصب لدينه، وكلٌ يعبد هواه {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي كل جماعة وفرقة متمسكون بما أحدثوه، مسرورون بما هم عليه من الدين المعوج، يحسبون باطلهم حقاً قال ابن كثير: أي لا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم أي بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة - مما عدا أهل الإِسلام - فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومذاهب باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} أي وإِذا أصاب الناس شدةٌ وفقر ومرض وغير ذلك من أنواع البلاء {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي أفردوه تعالى بالتضرع والدعاء لينجوا من ذلك الضر، وتركوا أصنامهم لعلمهم أنه لا يكشف الضر إِلا الله تعالى، فلهم في ذلك الوقت إِنابة وخضوع {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي ثم إِذا أعطاهم السعة والرخاء والصحة وخلّصهم من ذلك الضر والشدة، إِذا جماعة منهم يشركون بالله ويعبدون معه غيره، والغرض من الآية التشنيعُ على المشركين، فإِنهم يدعون الله في الشدائد، ويشركون به في الرخاء {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أمرٌ على وجه التهديد أي ليكفروا بنعم الله، وليتمتعوا في هذا الدنيا فيسوف تعلمون أيها المشركون عاقبة تمتعكم بزينة الحياة ونعيمها الفاني {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ والمعنى: هل أنزلنا على هؤلاء المشركين حجة واضحة قاهرة على شركهم، أو كتاباً من السماء فهو ينطق ويشهد بشركهم وبصحة ما هم عليه؟ ليس الأمر كما يتصورون، والمراد ليس لهم حجة بذلك {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا} أي وإِذا أنعمنا على الناس بالخصب والسعة والعافية استبشروا وسروا بها {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} أي وإِن أصابهم بلاءٌ وعقوبة بسبب معاصيهم إِذا هم ييأسون من الرحمة والفرج قال ابن كثير: وهذا إِنكار على الإِنسان من حيث هو إِلا من عصمه الله، إِذا أصابته نعمة بطر، وإِذا أصابته شدة قنط وأيس {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي أولم يروا قدرة الله في البسط والقبض، وأنه تعالى يوسّع الخير في الدنيا لمن يشاء ويضيّق على من يشاء؟ فلا يجب أن يدعوهم الفقر إِلى القنوط من رحمته تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي إِن في المذكور لدلالة واضحة على قدرة الله لقومٍ يصدقون بحكمة الخالق الرازق {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} أي فأعط القريب حقَّه من البر والصلة وكذلك المسكين والمسافر الذي انقطع في سفره اعطه من الصَّدقة والإِحسان قال القرطبي: لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق ويقدر، أمر من وسَّع عليه الرزق أن يعطي الفقير كفايته، ليمتحن شكر الغني، والخطاب للنبي عليه السلام والمراد هو وأُمته {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} أي ذلك الإِيتاء والإِحسان خيرٌ للذين يبتغون بعملهم وجه الله ويريدون ثوابه {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} أي وما أعطيتم من أموالكم يا معشر الأغنياء على وجه الربا ليزيد مالكم ويكثر به، فلا يزيد ولا يزكو ولا يضاعف عند الله لأنه كسبٌ خبيثٌ لا يبارك الله فيه قال الزمخشري: هذه الآية كقوله تعالى {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [البقرة: 276] سواءً بسواء {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} أي وما أعطيتم من صدقةٍ أو إِحسان خالصاً لوجه الله الكريم {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} أي فأولئك هم الذين لهم الضعف من الأجر والثواب، الذين تضاعف لهم الحسنات {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ} أي الله جل وعلا هو الخالق الرازق للعباد، يُخرج الإِنسان من بطن أمه عُرياناً لا علم له ولا سمع ولا بصر، ثم يرزقه بعد ذلك المال والمتاع والأملاك {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} أي ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم يوم القيامة، ليجازيكم على أعمالكم {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ}؟ أي هل يستطيع أحد ممن تعبدونهم من دون الله أن يفعل شيئاً من ذلك؟ بل الله تعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإِحياء والإِماتة {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزَّه جل وعلا وتقدس عن أن يكون له شريك أو مثيل، أو ولد أو والد، وتعالى عما يقول المشركون علواً كبيراً. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين قوله {خَوْفاً.. وَطَمَعاً} وبين {يَبْسُطُ.. وَيَقْدِرُ} وبين {يُمِيتُكُمْ.. يُحْيِيكُمْ} وبين {يَبْدَؤُاْ.. ويُعِيدُ}. 2- جناس الاشتقاق {دَعَاكُمْ دَعْوَةً} {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ}. 3- المقابلة بين قوله {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا} وبين {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}. 4- المجاز المرسل {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} أطلق الجزء وأراد الكل أي توجه إلى الله بكليتك. 5- السجع المرصَّع كأنه الدرُّ المنظوم مثل {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ..} الخ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا شروع في تعداد آياته الدالة على انفراده بالإلهية وكمال عظمته، ونفوذ مشيئته وقوة اقتداره وجميل صنعه وسعة رحمته وإحسانه فقال: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ } وذلك بخلق أصل النسل آدم عليه السلام { ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ } [أي: الذي خلقكم من أصل واحد ومادة واحدة] وبثكم في أقطار الأرض [وأرجائها ففي ذلك آيات على أن الذي أنشأكم من هذا الأصل وبثكم في أقطار الأرض] هو الرب المعبود الملك المحمود والرحيم الودود الذي سيعيدكم بالبعث بعد الموت. { وَمِنْ آيَاتِهِ } الدالة على رحمته وعنايته بعباده وحكمته العظيمة وعلمه المحيط، { أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } تناسبكم وتناسبونهن وتشاكلكم وتشاكلونهن { لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة. فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } يُعملون أفكارهم ويتدبرون آيات اللّه وينتقلون من شيء إلى شيء.