Verse. 3430 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَمِنْ اٰيٰتِہٖۗ اَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ اَنْفُسِكُمْ اَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوْۗا اِلَيْہَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّۃً وَّرَحْمَۃً۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ لِّــقَوْمٍ يَّتَفَكَّرُوْنَ۝۲۱
Wamin ayatihi an khalaqa lakum min anfusikum azwajan litaskunoo ilayha wajaAAala baynakum mawaddatan warahmatan inna fee thalika laayatin liqawmin yatafakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا» فخلقت حواء من ضلع آدم وسائر الناس من نطف الرجال والنساء «لتسكنوا إليها» وتألفوها «وجعل بينكم» جميعا «مودةً ورحمة إن في ذَلك» المذكور «لآيات لقوم يتفكرون» في صنع الله تعالى.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين الله خلق الإنسان بين أنه لما خلق الإنسان ولم يكن من الأشياء التي تبقى وتدوم سنين متطاولة أبقى نوعه بالأشخاص وجعله بحيث يتوالد، فإذا مات الأب يقوم الابن مقامه لئلا يوجب فقد الواحد ثلمة في العمارة لا تنسد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {خَلَقَ لَكُمْ } دليل على أن النساء خلقن كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع، كما قال تعالى: { أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [البقرة: 29] وهذا يقتضي أن لا تكون مخلوقة للعبادة والتكليف فنقول خلق النساء من النعم علينا وخلقهن لنا وتكليفهن لإتمام النعمة علينا لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا وذلك من حيث النقل والحكم والمعنى، أما النقل فهذا وغيره، وأما الحكم فلأن المرأة لم تكلف بتكاليف كثيرة كما كلف الرجل بها، وأما المعنى فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبـي لكن الصبـي، لم يكلف فكان يناسب أن لا تؤهل المرأة للتكليف، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب فتنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم، ولولا ذلك لظهر الفساد. المسألة الثانية: قوله: {مّنْ أَنفُسِكُمْ } بعضهم قال: المراد منه أن حواء خلقت من جسم آدم والصحيح أن المراد منه من جنسكم كما قال تعالى: { أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] ويدل عليه قوله: {لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا} يعني أن الجنسين الحيين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر أي لا تثبت نفسه معه ولا يميل قلبه إليه. المسألة الثالثة: يقال سكن إليه للسكون القلبـي ويقال سكن عنده للسكون الجسماني، لأن كلمة عند جاءت لظرف المكان وذلك للأجسام وإلى للغاية وهي للقلوب. المسألة الرابعة: قوله: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } فيه أقوال قال بعضهم: مودة بالمجامعة ورحمة بالولد تمسكاً بقوله تعالى: { أية : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } تفسير : [مريم: 2] وقال بعضهم محبة حالة حاجة نفسه، ورحمة حالة حاجة صاحبه إليه، وهذا لأن الإنسان يحب مثلاً ولده، فإذا رأى عدوه في شدة من جوع وألم قد يأخذ من ولده ويصلح به حال ذلك، وما ذلك لسبب المحبة وإنما هو لسبب الرحمة ويمكن أن يقال ذكر من قبل أمرين أحدهما: كون الزوج من جنسه والثاني: ما تفضي إليه الجنسية وهو السكون إليه فالجنسية توجب السكون وذكر ههنا أمرين أحدهما: يفضي إلى الآخر فالمودة تكون أولاً ثم إنها تفضي إلى الرحمة، ولهذا فإن الزوجة قد تخرج عن محل الشهوة بكبر أو مرض ويبقى قيام الزوج بها وبالعكس وقوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ } يحتمل أن يقال المراد إن في خلق الأزواج لآيات، ويحتمل أن يقال في جعل المودة بينهم آيات أما الأول: فلا بد له من فكر لأن خلق الإنسان من الوالدين يدل على كمال القدرة ونفوذ الإرادة وشمول العلم لمن يتفكر ولو في خروج الولد من بطن الأم، فإن دون ذلك لو كان من غير الله لأفضى إلى هلاك الأم وهلاك الولد أيضاً لأن الولد لو سل من موضع ضيق بغير إعانة الله لمات وأما الثاني: فكذلك لأن الإنسان يجد بين القرينين من التراحم ما لا يجده بين ذوي الأرحام وليس ذلك بمجرد الشهوة فإنها قد تنتفي وتبقى الرحمة فهو من الله ولو كان بينهما مجرد الشهوة والغضب كثير الوقوع وهو مبطل للشهوة والشهوة غير دائمة في نفسها لكان كل ساعة بينهما فراق وطلاق فالرحمة التي بها يدفع الإنسان المكاره عن حريم حرمه هي من عند الله ولا يعلم ذلك إلا بفكر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنْ ءَايَٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً } فخلقت حوّاء من ضلع آدم وسائر النساء من نطف الرجال والنساء {لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا } وتألفوها {وَجَعَلَ بَيْنَكُم } جميعاً {مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور {لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في صنع الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَزْوَاجاً} حواء من ضلع آدم، أو سائر الأزواج من أمثالهم من الرجال. {لِّتَسْكُنُواْ} لتأنسوا. {مَّوَدَّةً} محبة {وَرَحْمَةً} شفقة، أو المودة الجماع والرحمة الولد "ح"، أو المودة حب الكبير والرحمة الحُنو على الصغير، أو الرحمة بين الزوجين.

النسفي

تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا } أي حواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال، أو من شكل أنفسكم وجنسها لا من جنس آخر وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف والسكون وما بين الجنسين المختلفين من التنافر. يقال: سكن إليه إذا مال إليه {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } أي جعل بينكم التواد والتراحم بسبب الزواج. وعن الحسن: المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد. وقيل: المودة للشابة والرحمة للعجوز. وقيل: المودة والرحمة من الله والفرك من الشيطان أي بغض المرأة زوجها وبغض الزوج المرأة {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيعلمون أن قوام الدنيا بوجود التناسل {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ } أي اللغات أو أجناس النطق وأشكاله {وَأَلْوٰنِكُمْ } كالسواد والبياض وغيرهما، ولاختلاف ذلك وقع التعارف وإلا فلو تشاكلت واتفقت لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت المصالح، وفي ذلك آية بينة حيث ولدوا من أب واحد وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله متفاوتون. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّلْعَـٰلَمِينَ } {للعالمين} جمع «عالَم»، وبكسر اللام: حفص عالِم ويشهد للكسر قوله تعالى {أية : وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ } تفسير : العنكبوت: 43) {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَاؤُكُمْ مّن فَضْلِهِ } هذا من باب اللف، وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار إلا أنه فصل بين القرينين الأولين بالقرينين الآخرين، أو المراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما، والجمهور على الأول لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه القرآن {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } أي يسمعون سماع تدبر بآذان واعية.

البقاعي

تفسير : ولما كان أعجب من ذلك أن هذا الذي خلقه التراب ذكراً خلق منه أنثى، وجعلهما شبهي السماء والأرض ماء ونبتاً وطهارة وفضلاً، قال: {ومن آياته} أي على ذلك؛ ولما كان إيجاد الأنثى من الذكر خاص لم يكن إلا مرة واحدة كالخلق من التراب، عبر بالماضي فقال: {أن خلق لكم} أي لأجلكم ليبقى نوعكم بالتوالد، وفي تقديم الجار دلالة على حرمة التزوج من غير النوع، والتعبير بالنفس أظهر في كونها من بدن الرجل في قوله: {من أنفسكم} أي جنسكم بعد إيجادها من ذات أبيكم آدم عليه السلام {أزواجاً} إناثاً هن شفع لكم {لتسكنوا} مائلين {إليها} بالشهوة والألفة، من قولهم: سكن إليه - إذا مال وانقطع واطمأن إليه، ولم يجعلها من غير جنسكم لئلا تنفروا منها. ولما كان المقصود بالسكن لا ينتظم إلا بدوام الألفة قال: {وجعل} أي صير بسبب الخلق على هذه الصفة {بينكم مودة} أي معنى من المعاني يوجب أن لا يحب واحد من الزوجين أن يصل إلى صاحبه شيء يكرهه مع ما طبع عليه الإنسان من محبة الأذى، وإنما كان هذا معناه لأن مادة "ودد" مستوياً ومقلوباً تدور على الاتساع والخلو من الدو والدوية بتشديد الواو وهي الفلاة، والود والوداد قال في القاموس: الحب، وقال أبو عبد الله القزاز ونقله عنه الإمام عبد الحق في واعيه: الأمنية، تقول وددت أن ذاك كان، وذاك لاتساع مذاهب الأماني، وتشعب أودية الحب، وفي القاموس: ودان: قرية قرب الأبواء وجبل طويل قرب فيد، والمودة: الكتاب - لاتساع الكلام فيه. وقال الإمام أبو الحسن الحرالي في شرح الأسماء الحسنى: الود خلو عن إرادة المكروه، فإذا حصل إرادة الخير وإيثاره كان حياً، من لم يرد سواه فقد ود ومن أراد خيراً فقد أحب، والود أول التخلص من داء أثر الدنيا بما يتولد لطلابها من الازدحام عليها من الغل والشحناء، وذلك ظهور لما يتهياً له من طيب الحب، فمن ود لا يقاطع، ومن أحب واصل وآثر، والودود هو المبرأ من جميع جهات مداخل السور ظاهره وباطنه. ولما كان هذا المعنى الحسن لا يتم إلا بإرادة الخير قال: {ورحمة} أي معنى يحمل كلاًّ على أن يجتهد للآخر في جلب الخير، ودفع الضير، لكن لما كانت إرادة الخير قد تكون بالمن ببعض ما يكره جمع بين الوصفين، وهما من الله، والفرك - وهو البغض - من الشيطان. ولما كان ذلك من العظمة بمكان يجل عن الوصف، أشار إليه بقوله مؤكداً لمعاملتهم له بالإعراض عما يهدي إليه معاملة من يدعي أنه جعل سدى من غير حكمة، مقدماً الجار إشارة إلى أن دلالته في العظم بحيث تتلاشى عندها كل آية، وكذا غيره مما ان هكذا على نحو {أية : وما نريهم من آية إلا وهي أكبر من أختها} تفسير : [الزخرف: 48]: {إن في ذلك} أي الذي تقدم من خلق الأزواج على الحال المذكور وما يتبعه من المنافع {لآيات} أي دلالات واضحات على قدرة فاعله وحكمته. ولما كان هذا المعنى مع كونه دقيقاً يدرك بالـتأمل قال: {لقوم} أي رجال أو في حكمهم، لهم قوة وجد ونشاط في القيام بما يجعل إليهم {يتفكرون*} أي يستعملون أفكارهم على القوانين المحررة ويجتهدون في ذلك. ولما ذكر سبحانه الذكر والأنثى، المخلوقين من الأرض، وكانت السماء كالذكر للأرض التي خلق منها الإنسان، وكان خلقهما مع كونهما مخلوقين من غير شيء أعجب من خلقه فهو أدل على القدرة، وكان خلق الأرض التي هي كالأنثى متقدماً على عكس ما كان في الإنسان، أتبعه ذكرهما بادئاً بما هو كالذكر فقال مشيراً - بعد ما ذكر من آيات الأنفس - إلى آيات الآفاق: {من آياته} أي الدالة على ذلك، ولما كان من العجب إيجاد الخافقين من العدم إيجاداً مستمراً على حالة واحدة، عبر بالمصدر فقال: {خلق السماوات} على علوها وإحكامها {والأرض} على اتساعها وإتقانها. ولما كان من الناس من ينسب الخلق إلى الطبيعة، قال تعالى ذاكراً من صفات الأنفس ما يبطل تأثير الآفاق بأنفسها من غير خلقه وتقديره، وتكوينه وتدبيره: {واختلاف ألسنتكم} أي لغاتكم ونغماتكم وهيئاتها، فلا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس ولا جهارة، لا حد ولا رخاوة، ولا لكنة ولا فصاحة، ولا إسهاب ولا وجازة، وغير ذلك من صفات النطق وأحواله، ونعوته وأشكاله، وأنتم من نفس واحدة، فلو كان الحكم للطبيعة لم يختلف لأنه لا اختيار لها مع أن نسبة الكل إليها واحدة. ولما كان لون السماء واحداً، وألوان الأراضي يمكن حصرها، قال: {وألوانكم} أي اختلافاً مع تفاوته وتقاربه لا ضبط له مع وحدة النسبة، ولولا هذا الاختلاف ما وقع التعارف، ولضاعت المصالح، وفاتت المنافع، وطوي سبحانه ذكر الصور لاختلاف صور النجوم باختلاف أشكالها، والأراضي بمقادير الجبال والروابي وأحوالها، فلو كان الاختلاف لأجل الطبيعة فإما أن يكون بالنظر إلى السماء أو إلى الأرض، فإن كان للسماء فلونها واحد، وإن كان للأرض فلون أهل كل قطر غير مناسب للون أرضهم. وأما الألسنة فأمرها أظهر. ولما كان هذا مع كونه في غاية الوضوح لا يختص بجنس من الخلق دون غيره قال: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم العالي الرتبة في بيانه وظهور برهانه {لآيات} أي دلالات عدة واضحة جداً على وحدانيته تعالى وفعله بالاختيار وبطلان ما يقوله أصحاب الطبائع من تلك الاحتمالات التي هي مع خفائها واهية، ومع بعدها مضمحلة متلاشية {للعالمين*} كلهم لا يختص به صنف منهم دون آخر من جن ولا إنس ولا غيرهم، وفي رواية حفص عن عاصم بكسر اللام حث للمخاطبين على النظر ليكونوا من أهل العلم، وفي قراءة الباقين بالفتح إيماء إلى أن ذلك من الوضوح بحيث لو نطق الجماد لأخبر بمعرفته، ففيه إشارة إلى أنهم عدم، فلا تبكيت أوجع منه. ولما ذكر المقلة والمظلة ومن فيهما، وبعض صفاتهم اللازمة، ذكر ما ينشأ عن كل من ذلك من الصفات المفارقة فقال: {ومن آياته} أي على ذلك وغيره من أنواع القدرة والعلم {منامكم} أي نومكم ومكانه وزمانه الذي يغلبكم بحيث لا تستطيعون له دفعاً. ولما كان الليل محل السكن والراحة والنوم، ذكر ما جعل من نوم النهار أيضاً لأن ذلك أدل على الفعل بالاختبار فقال: {بالّيل والنهار} أي الناشئين عن السماوات والأرض باختلاف الحركات التي تنشأ إلا عن فاعل مختار وانقطاعكم بالنوم عن معاشكم وكل ما يهمكم وقيامكم بعد منامكم أمراً قهرياً لا تقدرون على الانفكاك عن واحد منهما أصلاً {وابتغاؤكم} أي طلبكم بالجد والاجتهاد {من فضله} بالمعاش فيهما، فالآية من الاحتباك: دل ذكر النوم على القيام منه، ودل الابتغاء على الانقطاع عنه، حذف نهاية الأول وبداية الثاني {إن في ذلك} أي الأمر العظيم العالي الرتبة من إيجاد النوم بعد النشاط، والنشاط بعد النوم الذي هو الموت الأصغر، وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما، والجد في الابتغاء مع المفاوتة في التحصيل {لآيات} أي عديدة على القدرة والحكمة لا سيما البعث. ولما كانت هذه الآيات في دلالتها على ما تشير إليه من البعث والفعل بالاختيار دقيقة لا يستقل العقل بها دون توقيف من الدعاة لأنه قد يسند النوم والابتغاء إلى العباد والا يتجاوز عن ذلك إلى الخالق إلا الأفراد من خلص العباد، وكان النائم يقوم صافي الذهن فارغ السر نشيط البدن. قال: {لقوم يسمعون*} أي من الدعاة النصحاء سماع من انتبه من نومه فجسمه مستريح نشيط وقلبه فارغ عن مكدر للنصح مانع من قبوله، أو المعنى: لقوم هم أهل للسمع بأن يكونوا قد تنبهوا من رقادهم، فرجعوا عن عنادهم، إشارة إلى أن من لم يتأمل في هذه الآيات فهو نائم لا مستيقظ. فهو غير متأهل لأن يسمع.

القشيري

تفسير : رَدَّ المِثْلَ إلى المِثْل، ورَبَطَ الشكلَ بالشكلِ، وجعل سكونَ البعضِ إلى البعض، ولكنَّ ذلك للأشباح والصُوَر، أمَّا الأرواح فصُحْبَتُها للأشباح كرهٌ لا طوعٌ. وأمَّا الأسرار فمُعْتَقَةٌ لا تساكن الأطلال ولا تتدنس بالأعلال.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن آياته} الدالة على البعث وما بعده من الجزاء {ان خلق لكم} اى لاجلكم {من انفسكم} [ازتن شما] {ازواجا} [زنان وجفتان] فان خلق اصل ازواجكم حواء من ضلع آدم متضمن لخلقهن من انفسكم والازواج جمع زوج وهو الفرد المزاوج لصاحبه وكل واحد من القرينين من الذكر والانثى وزوجة لغة رديئة وجمعها زوجات كما فى المفردات ويجوز ان يكون معنى من انفسكم من جنسكم لا من جنس آخر وهو الاوفق بقوله {لتسكنوا اليها} اى لتميلوا الى تلك الازواج وتألفوا بها فان المجانسة من دواعى التضام والتعارف كما ان المخالفة من اسباب التفرق والتنافر. شعر : بجنس خود كند هرجنس آهنك ندارد هيجكس ازجنس خود ننك بجنس خويش دارد ميل هرجنس فرشته بافرشته انس باانس تفسير : يقول الفقير ذهب العلماء من الفقهاء وغيرهم الى جواز المناكحة والعلوق بين الجن والانس فقد جعل الله ازواجا من غير الجنس والجواب ان ذلك من النوادر فلا يعتبر وليس السكون الى الجنية كالسكون الى الانسية وان كانت متمثلة فى صورة الانس {وجعل بينكم} وبين ازواجكم من غير ان يكون بينكم سابقة معرفة او رابطة قرابة ورحم {مودة} محبة {ورحمة} شفقة. وعن الحسن البصرى المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد كما قال تعالى {أية : ورحمة منا} تفسير : اى فى حق عيسى عليه السلام. وقال ابن عباس رضى الله عنهما المودة للكبير والرحمة للصغير {ان فى ذلك} اى فيما ذكر من خلقهم من تراب وخلق ازواجهم من انفسهم والقاء المودة والرحمة بينهم {لآيات} عظيمة {لقوم يتفكرون} فى صنعه وفعله فيعلمون ما فى ذلك من الحكم والمصالح. قال فى برهان القرآن ختم الآية بقوله {يتفكرون} لان الفكر يؤدى الى الوقوف على المعانى المذكورة. يقول الفقير لعل الوجه فى الختم به ان ادراك ماذكر ليس مما يختص بخواص اهل التفكر وهم العلماء بل يدركه من له ادنى شىء من التفكر. والتفكر دون التذكر ولذا لم يذكر التذكر فى القرآن الا مع اولى الباب. وفى الآية اشارة الى ازدواج الروح والنفس فانه تعالى خلق النفس من الروح وجعلها زوجه كما خلق حواء من آدم وجعلها زوجة لتسكن الارواح الى النفوس كما سكن آدم الى حواء ولو لم تكن حواء لاستوحش آدم فى الجنة كذلك الروح لو لم تكن النفس خلقت منه ليسكن اليها استوحش من القالب ولم يسكن فيه وجعل بين الروح والنفس الفة واستئناسا ليسكنا فى القالب ان فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون بالكفر السليم فى الانسان كيف اودع الله فيه سرا من المعرفة التى كل المخلوقات كانت فى الخليقة تبعا له كذا فى التأويلات النجمية.

الطوسي

تفسير : روى حفص عن عاصم {العالمين} بكسر اللام الأخيرة. الباقون بفتحها فمن كسرها اسند (الآيات) إلى العلماء، لانهم الذين ينظرون فيها، ويعتبرون بها، كما قال {أية : هدى للمتقين} تفسير : ومن فتح اللام أسند (الآيات) إلى جميع المكلفين الذين يتمكنون من الاستدلال بها والاعتبار بها، سواء كانوا عالمين بها او جاهلين، لأن الامكان حاصل لجميعهم وهو أعظم فائدة. يقول الله سبحانه مخاطباً لخلقه منبهاً لهم على توحيده وإخلاص العبادة له بـ {أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها} والنفس هي الذات في الأصل ثم يستعمل على وجه التأكيد لقولهم: رأيت زيداً نفسه، ويعبر بها عن الروح وغير ذلك. وقد بيناه وقال قتادة المعنى - ها هنا - أنه خلقت حواء من ضلع آدم. وقال غيره: المعنى خلق لكم من شكل أنفسكم أزواجاً، وقال الجبائي: المعنى خلق أزواجكم من نطفكم. قال البلخي: وذلك يدل على قوله {أية : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفاً} تفسير : انه يريد بعض الخلق دون بعض. والزوجة المرأة التي وقع عليها عقد النكاح. والزوج الرجل الذي وقع عليه عقد النكاح. وقد يقال: للمرأة زوج إذا لم يلبس للاشعار بأنهما نظيران في عقد النكاح عليهما قال الله تعالى {أية : اسكن أنت وزوجك الجنة} تفسير : وقوله {لتسكنوا إليها} يعني سكون إنس وطمأنينة، بأن الزوجة من النفس إذ هي من جنسها ومن شكلها فهو أقرب إلى الالفة والميل بالمودة منها لو كانت من غير شكلها. وقوله {وجعل بينكم مودة ورحمة} أي جعل بينكم رقة التعطف إذ كل واحد من الزوجين يرق على الآخر رأفة العطف عليه، بما جعله الله في قلب كل واحد لصاحبه ليتم سروره. ثم قال {إن في ذلك} يعني في خلق الازواج مشاكلة للرجال {لآيات} أي لدلالات واضحات {لقوم يتفكرون} في ذلك ويعتبرون به، والفكر والاعتبار والنظر واحد، فالفكر في أن الازواج لأي شيء خلقت؟ ومن خلقها؟ ومن انعم بها؟ ومن جعلها على الاحوال التي يعظم السرور بها؟ وكيف لا يقدر احد من العباد على ذلك؟ وذلك من اعظم الدلالة على أن لها خالقاً مخالفاً لها ومنشيئاً حكيماً يستحق العبادة، ولا يستحقها غيره. ثم نبه على آية أخرى فقال {ومن آياته} الدالة على توحيده ووجوب اخلاص العبادة له {خلق السماوات والأرض} وما فيهما من عجائب خلقه من النجوم والشمس والقمر وجريانها على غاية الحكمة والنظام الذي يعجز كل أحد عنها وبما في الأرض من أنواع الاشجار والنبات وأصناف الجمادات التي ينتفع بها وفنون النعم التي يكثر الانتفاع بها {واختلاف ألسنتكم وألوانكم} فالالسنة جمع لسان، واختلافها ما بناها الله تعالى، وهيأتها مختلفة في الشكل والهيئة وتأتي الحروف بها {واختلاف ألسنتكم} أي اختلاف مخارجها التي لا يمكن الكلام إلا بكونها كذلك. وقال قوم: المراد بالالسنة اختلاف اللغات، وهو جواب من يقول: إن اللغات أصلها من فعل الله دون المواضعة. فأما من يقول: اللغات مواضعة فان تلك المواضعة من فعلهم دون فعل الله، غير أنه لما كانت الآلات التي تتأتى بها هذه الضروب لا يقدر على تهيئها كذلك غير الله جاز أن تضاف اللغات اليه تعالى على ضرب من المجاز {وألوانكم} أي واختلاف ألوانكم من البياض والحمرة والشقرة والصفرة، وغير ذلك {إن في ذلك لآيات} أي إن في خلق جميع ذلك لدلالات واضحات لجميع خلقه الذين خلقهم، واكمل عقولهم ومن كسر اللام اضاف الاعتبار بها إلى العلماء، لانهم المنتفعون بها دون غيرهم فكأنها خلقت لهم دون غيرهم، كما قال {أية : هدى للمتقين} تفسير : وإن كانت لجميع المكلفين. ثم قال {ومن آياته} الدالة على توحيده واخلاص العبادة له {منامكم بالليل والنهار} فالمنام والنوم واحد، لان في النوم راحة للاجساد من الكد الذي يلحقها، والتعب الذي يصيبها {وابتغاؤكم} أي طلبكم المعاش وما ينفعكم {من فضله} أي مما يتفضل الله به عليكم. قال البلخي: ويجوز ان يكون المراد بالابتغاء المبتغا، فلذلك كان دلالة عليه دون فعل العباد، وانما يكون فعل الله دلالة عليه لما كان باقداره وإهدائه إلى مراشده وترغيبه فيه وتسهيله له {إن في} خلق الله تعالى {ذلك لآيات} واضحات على توحيده {لقوم يسمعون} ذلك ويقبلونه ويفكرون فيه، لأن من لا يفكر فيه ولا ينتفع به كأنه لم يسمعه. ثم قال {ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً} والبرق نار تحدث في السحاب، بين تعالى أنه إنما يخلقه ليخافوا من عذابه بالنار على معصيته والكفر به، ويطمعوا في ان يتعقب ذلك مطر فينتفعون به {وينزل من السماء ماء} يعني غيثاً ومطراً {فيحيي به الأرض بعد موتها} أي بعد انقطاع الماء عنها وجدو بها. وقيل: {خوفاً} من المطر في السفر {وطمعاً} فيه في الحضر. وقيل: {خوفاً} من الصاعقة {وطمعاً} في الغيث {إن في} خلق الله {ذلك لآيات} أي دلالات واضحة {لقوم يعقلون} أي يفكرون فيه، لان من لا يفكر فيه ولا ينتفع به وإن كان عاقلا، فكأنه لا عقل له، وقيل: في قوله {ومن آياته يريكم البرق} ثلاثة أقوال: احدهما - ان تقديره ومن آياته أن يريكم. فحذف (أن) كما قال طرفة: شعر : ألا ايهذا اللائمي احضر الوغى وأن اشهد اللذات هل انت مخلدي تفسير : الثاني - انه حذف (أنه) لدلالة (من) عليها، كما قال الشاعر: شعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت واخرى ابتغي العيش اكدح تفسير : أي فتارة أموت. وفي الآية حذف تقديره: ومن آياته آية يريكم البرق. الثالث - ويريكم البرق من آياته على التقديم والتأخير من غير حذف. ثم قال {ومن آياته} الدالة على ما ذكرناه {أن تقوم السماء والأرض بأمره} بلا دعامة تدعمها ولا علاقة تعلق بها، بل لان الله تعالى يسكنها حالا بعد حال لاعظم دلالة على أنه لا يقدر عليه سواه {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض} أي أخرجكم من الارض ومن قبوركم بعد أن كنتم أمواتاً يبعثكم ليوم الحساب فعبر عن ذلك بما هو بمنزلة الدعاء، وبمنزلة {كن فيكون} في سرعة تأتي ذلك، وأمتناع التعذر عليه، وإنما ذكر هذه المقدورات على اختلافها وعظم شأنها ليدل على انه القادر الذي لا يعجزه شيء. وفي الآيات دلالة واضحة على فساد مذهب القائلين بان المعارف ضرورية لأنها لو كانت ضرورة لم يكن للتنبيه على هذه الأدلة وجه ولا فائدة فيه لان ما يعلم ضرورة لا يمكن الاستدلال عليه.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ} يعنى من جنسكم {أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ} لتميلوا {إِلَيْهَا} فتسكنوا عن الحركة عنها فانّ الازواج لو لم يكن من جنسكم لكنتم نافرين عنهنّ بعد قضاء حاجاتكم {وَجَعَلَ بَيْنَكُم} ايّها الازواج او ايّها الاناسىّ {مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} محبّة وتعطّفاً ورقّة حتّى يكون تلك المحبّة سبباً لاجتماعكم وبقاء اجتماعكم وتلك الرّقّة سبباً لحراسة بعضكم بعضاً وللاهتمام بخيره واصلاحه {إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور من خلق الازواج من انفسكم وجعل المودّة والرّحمة بينكم او فى جعل المودّة والرّحمة بينكم او فى اخراج الحىّ من الميّت (الى آخر الآية) {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. مراتب التّحقيق فى العلم اعلم، انّ الانسان بحسب افراده ذو عرضٍ عريضٍ وذو مراتب كثيرةٍ وهكذا بحسب حالات كلّ فردٍ ذو عرض عريض؛ فمنهم من يكون غافلاً عن الله وآياته ولا كلام معهم ولا خطاب ولا آية لهم ولا دلالة {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [يوسف:105]، ومنهم من يتنبّه بانّ الدّنيا مقدّمة الآخرة وان ليس المقصود من الانسان ان يتعيّش فى الدّنيا كتعيّش الحيوان فيتفكّر فى كيفيّة خلقته وخلقة سائر المواليد فيتنبّه من خلقتها بانّ لها مبدءً قديراً عليماً حكيماً، ومنهم من يستعدّ بهذا التّفكّر لافاضة الحقّ الاوّل تعالى عليه نور العلم، فيفيض عليه نور العلم فانّ العلم نورٌ يقذفه الله فى قلب من يشاء فيصير صاحب اولى مراتب العلم الّتى هى تكون سبباً للتّحيّر والانصات، فانّ اولى مراتب العلم مفسّرة بالانصات كما عن النّبىّ (ص) والتّحيّر يصير سبباً لطلب من يعلّمه طريق الوصول الى دار العلم ومعدن النّور، ومنهم من يصل الى عالم وقته بعد طلبه وينقاد له ويستمع منه وهذه المرتبة ثانية مراتب العلم كما فى الخبر المأثور عن الرّسول (ص)، ومنهم من يخرج من مقام الاستماع الّذى هو مقام التّقليد والعلم التّقليدىّ فيجد ذوق معلوماته او يشاهد معلوماته او يتحقّق بمعلوماته وهذه المراتب هى مراتب التّحقيق فى العلم اذا علمت ذلك فاعلم، انّ الآيات من قوله {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} (الى قوله) {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} منزّلة على مراتب افراد الانسان، وكلّما كان منزّلاً على مراتب الانسان بحسب افراده كان منزّلاً على مراتبه بحسب احوال شخصٍ واحدٍ، وكلّما كان منزّلاً على مرتبةٍ دانيةٍ كان لصاحب المرتبة العالية ايضاً لسعته واحاطته؛ بخلاف ما كان لصاحب المرتبة العالية فانّه خاصّ به وليس لصاحب المرتبة الدّانية نصيبٌ منه، فقوله: {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} (الى قوله) {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} لصاحب التّنبّه والتّفكّر يعنى ليس له غيره، لا انّ صاحب العلم لا يدرك تلك الآيات ولا يلتذّ بها.

اطفيش

تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} لأن حواء خلقت من ضلع آدم والنساء بعدها من أصلاب الرجال أو المراد ان خلق لكم من جنسكم أزواجا لما بين الأثنين من جنس من الألفة وما بين الجنسين من التنافر. {لِتَسْكُنوا إليها} لتميلوا الى الأزواج وتألفوهن لأنهن من جنسكم. {وجَعَلَ بَيْنَكُمْ} بين الرجال والنساء أو بين أفراد الجنس. {مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} يتحابان ويتراحمان من غير سابقة معرفة ولا قرابة ولا سبب يوجب التعاطف ولا شيء أحب إلى الآخر من غير رحم بينهما الا الزوجان، وعيش الإنسان متوقف على التعارف والتعاون وقال الحسن: المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد. {إِنَّ فِي ذّلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في عظمة الله وقدرته فيعلمون ما في ذلك من الحكم.

اطفيش

تفسير : {ومن آياته أن خلق لَكُم من أنفسُكِم} ايها الرجال، اى اجسادكم {أزوْاجاً} اناثا تتزوجونهن بخلق حواء لآدم من جسده، أو من انفسكم من جنسكم، ويناسب كلا من الوجهين قوله عز وجل: {لتسْكُنوا} لتميلوا بقلوبكم، وتتبعها الجوارح {إليْها} الى ازواجكم، لان من خلق منك بخلقه من ابيك انسب بان تسكن اليه ومن خلق من جنسكم انسب بالميل اليه بخلاف ما ان كانت الازواج من جنس البقر مثلا، والاول اولى بالمساكنة، ورجح بعضهم الثانى. {وجَعَل بينَكُم} ايها الرجال وازواجكم، والخطاب للكل، وقيل للرجال وحذف النساء، اى بينكم وبين الازواج {مودَّةً ورحْمَة} بالتزاوج ولو تباعد النسب، ولو لم تلتق معها الا فى نوح، وقيل بينكم ايها الناس بين رجل وآخر، وبين امراة واخرى، وبين امراة ورجل لقرابة او احسان او شفقة، او ما شاء الله تعالى، والمودة الحب والرحمة، ويقال المودة والرحمة من الله، والفرك من الشيطان، اى البغض بين الزوجين، ويضعف ان المودة كناية عن النكاح، والرحمة كناية عن الولد، وكون المودة بمعنى المحبة كناية عن النكاح ظاهر للزومها له. واما كون الرحمة بمعنى الولد للزومها له فبعيد، وكان قائلة راعى ورود الرحمة فى القرآن لشأن الولد، ويبعد ان المودة للشابة، والرحمة للعجوز، وان المودة للكبير من الناس، والرحمة للصغير منهم، وأنهما اشتباك الرحم {إنَّ في ذلك} المذكور البعيد رتبة من خلقكم من تراب، وخلق ازاوجكم من انفسكم والقاء المودة والرحمة {لآيات} عظيمة {لقَومٍ يتفكَّرون} فى كل واحدة، وفى الواحدة كفاية، ومما يؤدي اليه التفكر ان خلق الازواج والمودة والرحمة، ليس لمجرد قضاء الشهوة كالبهيمة، بل لتولد من يعرف الله ويوحده ويعبده.

الالوسي

تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ } الدالة على البعث أيضاً {أَنْ خَلَقَ لَكُم } أي لأجلكم {مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً } فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم عليه السلام متضمن لخلقهن من أنفسكم على ما عرفت من التحقيق ـ فمن ـ تبعيضية والأنفس بمعناها الحقيقي، ويجوز أن تكون {مِنْ } ابتدائية والأنفس مجاز عن الجنس أي خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر، قيل: وهو الأوفق بقوله تعالى: {لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا } أي لتميلوا إليها يقال: سكن إليه إذا مال فإن المجانسة من دواعي النظام والتعارف كما أن / المخالفة من أسباب التفرق والتنافر {وَجَعَلَ بَيْنَكُم } أي بين الأزواج إما على تغليب الرجال على النساء في الخطاب أو على حذف ظرف معطوف على الظرف المذكور أي جعل بينكم وبينهن كما في قوله تعالى: {أية : لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ }تفسير : [البقرة: 285] وقيل: بين أفراد الجنس أو بين الرجال والنساء، وتعقب بأنه يأباه قوله تعالى: {مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } فإن المراد بهما ما كان منهما بعصمة الزواج قطعاً أي جعل بينكم بالزواج الذي شرعه لكم تواداً وترحماً من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة ولا رابطة مصححة للتعاطف من قرابة أو رحم، قيل: المودة والرحمة من الله تعالى والفرك - وهو بغض أحد الزوجين الآخر - من الشيطان. وقال الحسن ومجاهد وعكرمة: المودة كناية عن النكاح والرحمة كناية عن الولد، وكون المودة بمعنى المحبة كناية عن النكاح أي الجماع للزومها له ظاهر، وأما كون الرحمة كناية عن الولد للزومها له فلا يخلو عن بعد، وقيل: مودة للشابة ورحمة للعجوز، وقيل: مودة للكبير ورحمة للصغير، وقيل: هما اشتباك الرحم والكل كما ترى. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما ذكر من خلقهم من تراب وخلق أزواجهم من أنفسهم وإلقاء المودة والرحمة فهو إشارة إلى جميع ما تقدم، وقيل: إلى ما قبله وليس بذاك، وما فيه من معنى البعد مع قرب المشار إليه للإشعار ببعد منزلته {لأَيَاتٍ } عظيمة لا يكتنه كنهها كثيرة لا يقادر قدرها {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في تضاعيف تلك الأفاعيل المبنية على الحكم، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله مع التنبيه على أن ما ذكر ليس بآية فذة بل هي مشتملة على آيات شتى وأنها تحتاج إلى تفكر كما تؤذن بذلك الفاصلة. وذكر الطيبـي أنه لما كان القصد من خلق الأزواج والسكون إليها وإلقاء المحبة بين الزوجين ليس مجرد قضاء الشهوة التي يشترك بها البهائم بل تكثير النسل وبقاء نوع المتفكرين الذين يؤديهم الفكر إلى المعرفة والعبادة التي ما خلقت السماوات والأرض إلا لها ناسب كون المتفكرين فاصلة هنا.

ابن عاشور

تفسير : هذه آية ثانية فيها عظة وتذكير بنظام الناس العام وهو نظام الازدواج وكينونة العائلة وأساس التناسل، وهو نظام عجيب جعله الله مرتكزاً في الجبلة لا يشذ عنه إلا الشذاذ. وهي آية تنطوي على عدة آيات منها: أن جُعل للإنسان ناموس التناسل، وأن جُعل تناسله بالتزاوج ولم يجعله كتناسل النبات من نفسه، وأن جعل أزواج الإنسان من صنفه ولم يجعلها من صنف آخر لأن التأنس لا يحصل بصنف مخالف، وأن جعل في ذلك التزاوج أنساً بين الزوجين ولم يجعله تزاوجاً عنيفاً أو مهلكاً كتزاوج الضفادع، وأن جعل بين كل زوجين مودة ومحبة فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة، ولأجل ما ينطوي عليه هذا الدليل ويتبعه من النعم والدلائل جعلت هذه الآية آياتٍ عدة في قوله {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون.} وهذه الآية كائنة في خلق جوهر الصنفين من الإنسان: صنف الذكر، وصنف الأنثى، وإيداع نظام الإقبال بينهما في جبلتهما. وذلك من الذاتيات النسبية بين الصنفين. وقد أدمج في الاعتبار بهذه الآية امتنان بنعمة في هذه الآية أشار إليها قوله {لكم} أي لأجل نفعكم. و{لقوم يتفكرون} متعلق بــــ {آيات} لما فيه من معنى الدلالة. وجعلت الآيات لقوم يتفكرون لأن التفكر والنظر في تلك الدلائل هو الذي يجلي كنهها ويزيد الناظر بصارة بمنافع أخرى في ضمنها. والذين يتفكرون: المؤمنون وأهل الرأي من المشركين الذين يؤمنون بعد نزول هذه الآية. والخطاب في قوله {أن خَلَق لكم}لجميع نوع الإنسان الذكور والإناث. والزوج: هو الذي به يصير للواحد ثانٍ فيطلق على امرأة الرجل ورجل المرأة فجعل الله لكل فرد زوجه. ومعنى {من أنفسكم} من نوعكم، فجميع الأزواج من نوع الناس، وأما قول تأبط شراً:شعر : وتزوجت في الشبيبة غُولاً بغزال وصدقتي زِقّ خمر تفسير : فمن تكاذيبهم، وكذلك ما يزعمه المشعوذون من التزوج بالجنِّيات وما يزعمه أهل الخرافات والروايات من وجود بنات في البحر وأنها قد يتزوج بعض الإنس ببعضها. والسكون: هنا مستعار للتأنس وفرح النفس لأن في ذلك زوال اضطراب الوحشة والكمد بالسكون الذي هو زوال اضطراب الجسم كما قالوا: اطمأن إلى كذا وانقطع إلى كذا. وضمن {لِتَسْكِنوا}معنى لتميلوا فعدي بحرف (إلى) وإن كان حقه أن يعلق بــــ (عند) ونحوها من الظروف. والمودة: المحبة، والرحمة: صفة تبعث على حسن المعاملة. وإنما جعل في ذلك آيات كثيرة باعتبار اشتمال ذلك الخلق على دقائق كثيرة متولد بعضها عن بعض يظهرها التأمل والتدبر بحيث يتجمع منها آيات كثيرة. واللام في قوله {لقوم يتفكرون} معناه شبه التمليك وهو معنى أثبته صاحب «مغني اللبيب» ويظهر أنه واسطة بين معنى التمليك ومعنى التعليل. ومثَّله في «المغني» بقوله تعالى {أية : جعل لكم من أنفسكم أزواجاً}تفسير : [النحل: 72] وذكر في المعنى العشرين من معاني اللام أن ابن مالك في «كافيته» سماه لام التعدية ولعله يريد تعدية خاصة، ومثله بقوله تعالى {أية : فهبْ لي من لدنك وليّاً}تفسير : [مريم: 5].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} تفسير : [النحل: 72] الآية:

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِهِ} {أَزْوَاجاً} {لآيَاتٍ} (21) - وَمِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى البَعْثِ والإِعَادَةِ، أَنَّهُ خَلَقَ لِلبَشَرِ أَزْوَاجاً مِنْ جِنْسِهِمْ، لِيأْنَسُوا بِهِنَّ، وَجَعَل بَينَهُمْ وَبَينَ أَزْوَاجِهِمْ مَحَبّةً ورَأْفَةً (مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، لِتَدُومَ الحَيَاةُ المَنْزِلِيَّةُ. وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ خَلْقٍ مِنْ تُرابٍ، وَخَلْقٍ لِلأَزْواج مِنَ الأَنْفُسِ... وَجَعْلِ المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ تَسُودُ عَلاَقَاتِ الأَزْوَاجِ بعضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ... لَعِبْرَةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ في ذلك مِنْ ذَوِي العُقُولِ وَالأَفْهَامِ. لتَسْكُنُوا إليها - لِتَمِيلُوا إِليهَا وَتَأَلَفُوهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قلنا: إن الآية هي الشيء العجيب الذي يقف عنده العقل مندهشاً دهشةً تُورِث إعجاباً، وإعجاباً يُورث يقيناً بحكمة الخالق. من هذه الآيات العجيبة الباهرة {أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ..} [الروم: 21] يعني: من جنسكم ونوعكم. فلم يشأ سبحانه أنْ يحدث التكاثر مثلاً بين إنسان وبقرة، لا إنما إنسان مع إنسان، يختلف معه فقط في النوع، هذا ذكر وهذه أنثى، والاختلاف في النوع اختلاف تكامل، لا اختلاف تعاند وتصادم، فالمرأة للرقّة والليونة والحنان، والرجل للقوة والخشونة، فهي تفرح بقوته ورجولته، وهو يفرح بنعومتها وأنوثتها، فيحدث التكامل الذي أراده الله وقصده للتكاثر في بني الإنسان. وعجيب أنْ يرى البعض أن الذكورة نقيض الأنوثة، ويثيرون بينهما الخلاف المفتعل الذي لا معنى له، فالذكورة والأنوثة ضرورتان متكاملتان كتكامل الليل والنهار، وهما آيتان يستقبلهما الناس جميعاً، هل نُجري مقارنة بين الليل والنهار .. أيهما أفضل؟ لذلك تأمل دقة الأداء القرآني حينما جمع بين الليل والنهار، وبين الذكر والأنثى، وتدبّر هذا المعنى الدقيق: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-4] أي: مختلف، فلكُلٍّ منكما مهمته، كما أن الليل للراحة، والسكون والنهار للسعي والعمل، وبتكامل سَعْيكما ينشأ التكامل الأعلى. فلا داعي إذن لأنْ أطلب المساواة بالمرأة، ولا أنْ تطلب المرأة المساواة بالرجل، لقد صُدعت رءوسنا من هؤلاء المنادين بهذه المساواة المزعومة، والتي لا معنى لها بعد قوله تعالى {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 4]. وعجيب أن نسمع من يقول - من الرجال - ينبغي للمرأة أن تحتل مكان الرجل، وأنْ تؤدي ما يؤديه، ونقول: لا تستطيع أن تُحمِّل المرأة مهمة الرجل إلا إذا حمَّلْتَ الرجل مهمة المرأة، فيحمل كما تحمل، ويلد كما تلد، ويُرضِع كما تُرضِع، فدعونا من شعارات (البلطجية) الذين يهرفون بما لا يعرفون. ومثل هذا قوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128] أي: من جنسكم وبشريتكم، فهو نفس لها كل طاقات البشر، ليكون لكم أسوة، ولو جاء الرسول مَلَكاً لما تحققتْ فيه الأسوة، ولَقُلْتم هذا ملَك، ونحن لا نقدر على ما يقدر هو عليه. أو {أية : مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128] يعني: من العرب ومن قريش. والبعض يرى أن {أية : مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128] يعني: خَلْق حواء من ضلع آدم، فهي من أنفسنا يعني: قطعة منا، لكن الكلام هنا {أية : مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128] مخاطب به الذكر والأنثى معاً، كما أن الأزواج تُطلق عليهما أيضاً، على الرجل وعلى المرأة، والبعض يفهم أن الزوج يعني اثنين، لكن الزوج مفرد معه مثله؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} تفسير : [الرعد: 3]. وفي الماضي كنا نعتقد أن نوع الجنين إنما يتحدد من ماء الرجل وماء المرأة، لكن القرآن يقول غير ذلك: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}تفسير : [القيامة: 37] فماء المرأة لا دخلَ له في نوع الجنين، ذكراً كان أم أنثى، الذكورة والأنوثة يحددها ماء الرجل. وهذا ما أثبته العلم الحديث، وعلى هذا نقول {خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ..} [الروم: 21] يعني: من ذكور الأزواج، خلق منك ميكروباً هو (الإكس أو الإكس واي) كما اصطلح عليه العلم الحديث، وهو يعني الذكورة والأنوثة. وسبق أنْ ذكرنا في هذه المسألة قصة أبي حمزة الرجل العربي الذي تزوج على امرأته؛ لأنها لا تنجب البنين، وهجرها لهذا السبب فقالت بما لديها من سليقة عربية، وقَوْلُها دليل على علم العرب قديماً بهذه الحقيقة التي أثبتها العلم مؤخراً، قالت: شعر : مَا لأبي حَمْزةَ لا يأْتِينَا غَضْبان أَلاَّ نَلدَ البَنينَا تَالله مَا ذَلكَ في أَيْدينَا ونحن كالأرْضِ لِزَارِعينا نُعطي لَهُمْ مثْل الذي أُعْطينَا تفسير : والحق سبحانه بهذا يريد أن يقول: إنني أريد خليفة متكاثراً ليعمر هذه الأرض الواسعة، فإذا رأيتَ مكاناً قد ضاق بأهله فاعلم أن هناك مكاناً آخر خالياً، فالمسألة سوء توزيع لخَلْق الله على أرض الله. لذلك يقولون: إن سبب الأزمات أن يوجد رجال بلا أرض، وأرض بلا رجال، وضربنا مثلاً لذلك بأرض السودان الخصبة التي لا تجد مَنْ يزرعها، ولو زُرِعَتْ لكفَت العالم العربي كله، في حين نعيش نحن في الوادي والدلتا حتى ضاقتْ بنا، فإنْ فكرت في الهجرة إلى هذه الأماكن الخالية واجهتْك مشاكل الحدود التي قيدوا الناس بها، وما أنزل الله بها من سلطان. لذلك لما أُتيح لنا الحديث في الأمم المتحدة قلت لهم: آية واحدة في كتاب الله لو عملتم بها لَحَلَّتْ لكم المشاكل الاقتصادية في العالم كله، يقول تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10] فالأرض كل الأرض للأنام، كل الأنام على الإطلاق. واقرأ قوله تعالى في هذه المسألة: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا...} تفسير : [النساء: 97] إذن: لا تعارض منهج الله وقدره في أحكامه، ثم تشكو الفساد والضيق والأزمات، إنك لو استقرأتَ ظواهر الكون لما وجدتَ فساداً أبداً إلا فيما تتناوله يد الإنسان على غير القانون والمنهج الذي وضعه خالق هذا الكون سبحانه، أما ما لا تتناوله يد الإنسان فتراه منضبطاً لا يختل ولا يتخلف. إذن: المشاكل والأزمات إنما تنشأ حينما نسير في كون الله على غير هدى الله وبغير منهجه؛ لذلك تسمع مَنْ يقول: العيشة ضَنْك، فلا يقفز إلى ذهنك عند سماع هذه الكلمة إلا مشكلة الفقر، لكن الضنك أوسع من ذلك بكثير، فقد يوجد الغِنَى والترف ورَغَد العيش، وترى الناس مع ذلك في ضنك شديد. فانظر مثلاً إلى السويد، وهي من أغنى دول العالم، ومع ذلك يكثر بها الجنون والشذوذ والعقد النفسية، ويكثر بها الانتحار نتيجة الضيق الذي يعانونه، مع أنهم أغنى وأعلى في مستوى دخل الفرد. فالمسألة - إذن - ليست حالة اقتصادية، إنما مسألة منهج لله تعالى غير مُطبَّق وغير معمول به، وصدق الله: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} تفسير : [طه: 124]. لذلك لو عِشْنا بمنهج الله لوجدنا لذة العيش ولو مع الفقر. وقوله تعالى: {لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا ..} [الروم: 21] هذه هي العلة الأصيلة في الزواج، أي: يسكن الزوجان أحدهما للآخر، والسكن لا يكون إلا عن حركة، كذلك فالرجل طوال يومه في حركة العمل والسعي على المعاش يكدح ويتعب، فيريد آخر النهار أن يسكن إلى مَنْ يريحه ويواسيه، فلا يجد غير زوجته عندها السَّكَن والحنان والعطف والرقة، وفي هذا السكَن يرتاح ويستعيد نشاطه للعمل في غد. لكن تصور إنْ عاد الرجل مُتْعباً فلم يجد هذا السكن، بل وجد زوجته ومحلّ سكنه وراحته تزيده تعباً، وتكدِّر عليه صَفْوه. إذن: ينبغي للمرأة أنْ تعلم معنى السَّكَن هنا، وأن تؤدي مهمتها لتستقيم أمور الحياة. ثم إن الأمر لا يقتصر على السَّكَن إنما {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ..} [الروم: 21] المودة هي الحب المتبادل في (مشوار) الحياة وشراكتها، فهو يكدح ويُوفر لوازم العيش، وهي تكدح لتدبر أمور البيت وتربية الأولاد؛ لأن الله يقول {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 4] هذا في إطار من الحب والحنان المتبادل. أما الرحمة فتأتي في مؤخرة هذه الصفات: سكن ومودة ورحمة، ذلك لأن البشر عامة أبناء أغيار، وكثيراً ما تتغير أحوالهم، فالقوي قد يصير إلى الضعف، والغني قد يصير إلى فقر، والمرأة الجميلة تُغيِّرها الأيام أو يهدّها المرض ... إلخ. لذلك يلفت القرآن أنظارنا إلى أن هذه المرحلة التي ربما فقدتم فيها السكن، وفقدتُم المودة، فإن الرحمة تسعكما، فليرحم الزوج زوجته إنْ قَصُرت إمكاناتها للقيام بواجبها، ولترحم الزوجة زوجها إنْ أقعده المرض أو أصابه الفقر .. الخ. وكثير من كبار السن من الذين يتقون الله ويراعون هذه التعاليم يعيشون حياتهم الزوجية على هذا المبدأ مبدأ الرحمة، لذلك حينما يُلمِّحون للمرأة التي أقعد المرض زوجها تقول: (أنا آكله لحم وأرميه عظم؟) هذه هي المرأة ذات الدين التي تعيدنا إلى حديث رسول الله في اختيار الزوجة: "حديث : تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها - وهذه كلها أغيار - ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"تفسير : . فأنت وهي أبناء أغيار، لا يثبت أحد منكما على حاله، فيجب أنْ تردا إلى شيء ثابت ومنهج محايد لا هوى له، يميل به إلى أحدكما، منهج أنتما فيه سواء، ولن تجدوا ذلك إلا في دين الله. لذلك يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا جاءكم مَنْ ترضون دينه وخُلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكُنْ فتنة في الأرض وفساد كبير ". تفسير : وإياك حين تكبر زوجتك أن تقول إنها لم تعد تملأ نظري، أو كذا وكذا، لأن الزوجة ما جعلها الله إلا سكناً لك وأنثى ووعاءً، فإذا هاجتْ غرائزك بطبيعتها تجد مصرفاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته - أي: تعجبه وتحرّك في نفسه نوازع - فليأْتِ أهله، فإنْ البُضْع واحد ". تفسير : وكلما طبَّق الزوجان المقاييس الدينية، وتحلَّيا بآداب الدين وجد كل منهما في الآخر ما يعجبه، فإنْ ذهب الجمال الظاهري مع الزمن فسيبقى جمال الروح ووقارها، سيبقى في المرأة جمال الطبع والسلوك، وكلما تذكرتَ إخلاصها لك وتفانيها في خدمتك وحِرْصها على معاشك ورعايتها لحرمة بيتك كلّما تمسكْت بها، وازددتَ حباً لها. وكذلك الحال بالنسبة للزوجة، فلكل مرحلة من العمر جاذبيتها وجمالها الذي يُعوِّضنا ما فات. ولما كان من طبيعة المرأة أنْ يظهر عليها علامات الكِبَر أكثر من الرجل؛ لذلك كان على الرجل أنْ يراعي هذه المسألة، فلما سأل أحدهم الحسن: لقد تقدم رجل يخطب ابنتي وصِفَته كيت وكيت، قال: لا تنكِحها إلا رجلاً مؤمناً، إنْ أحبها أكرمها، وإنْ كرهها لم يظلمها. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] يتفكرون في هذه المسائل وفي هذه المراحل التي تمرُّ بالحياة الزوجية، وكيف أن الله تعالى جعل لنا الأزواج من أنفسنا، وليستْ من جنس آخر، وكيف بنى هذه العلاقة على السَّكَن والحب والمودة، ثم في مرحلة الكِبَر على الرحمة التي يجب أنْ يتعايش بها الزوجان طيلة حياتهما معاً. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ ...}.