Verse. 3431 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَمِنْ اٰيٰتِہٖ خَلْقُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلَافُ اَلْسِنَتِكُمْ وَاَلْوَانِكُمْ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ لِّــلْعٰلِمِيْنَ۝۲۲
Wamin ayatihi khalqu alssamawati waalardi waikhtilafu alsinatikum waalwanikum inna fee thalika laayatin lilAAalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم» أي لغاتكم من عربية وعجمية وغيرها «وألوانكم» من بياض وسواد وغيرهما، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة «إن في ذلك لآيات» دلالات على قدرته تعالى «للعالمين» بفتح اللام وكسرها، أي: ذوي العقول وأولي العلم.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين دلائل الأنفس ذكر دلائل الآفاق وأظهرها خلق السموات والأرض، فإن بعض الكفار يقول في خلق البشر وغيره من المركبات إنه بسبب ما في العناصر من الكيفيات وما في السموات من الحركات وما فيها من الاتصالات فإذا قيل له فالسماء والأرض لم تكن لامتزاج العناصر واتصالات الكواكب فلا يجد بداً من أن يقول ذلك بقدرة الله وإرادته ثم لما أشار إلى دلائل الأنفس والآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بالاختلاف الذي بين ألوان الإنسان فإن واحداً منهم مع كثرة عددهم وصغر حجم خدودهم وقدودهم لا يشتبه بغيره والسموات مع كبرها وقلة عددها مشتبهات في الصورة والثاني: اختلاف كلامهم فإن عربيين هما أخوان إذا تكلما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر حتى أن من يكون محجوباً عنهما لا يبصرهما يقول هذا صوت فلان وهذا صوت فلان الآخر وفيه حكمة بالغة وذلك لأن الإنسان يحتاج إلى التمييز بين الأشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره والعدو من الصديق ليحترز قبل وصول العدو إليه، وليقبل على الصديق قبل أن يفوته الإقبال عليه، وذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور وقد يكون بالسمع فخلق اختلاف الأصوات، وأما اللمس والشم والذوق فلا يفيد فائدة في معرفة العدو والصديق فلا يقع بها التمييز، ومن الناس من قال المراد اختلاف اللغة كالعربية والفارسية والرومية وغيرها والأول أصح، ثم قال تعالى: {لأَيَـٰتٍ لّلْعَـٰلَمِينَ } لما كان خلق السموات والأرض لم يحتمل الاحتمالات البعيدة التي يقولها أصحاب الطبائع واختلاف الألوان كذلك واختلاف الأصوات كذلك قال: {لّلْعَـٰلَمِينَ } لعموم العلم بذلك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ} الدالة على قدرته العظيمة {خَلَقَ ٱلسَمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: خلق السموات في ارتفاعها واتساعها، وسقوف أجرامها، وزهارة كواكبها، ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها، وما فيها من جبال وأودية وبحار، وقفار وحيوان وأشجار. وقوله تعالى: {وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ} يعني: اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء فرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء تكرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى من اختلاف لغات بني آدم، واختلاف ألوانهم، وهي حلاهم، فجميع أهل الأرض، بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة، كل له عينان وحاجبان وأنف وجبين وفم وخدان، وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام، ظاهراً كان أو خفياً يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته، وهيئته لا تشبه أخرى، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح، لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَـٰتٍ لِّلْعَـٰلَمِينَ وَمِنْ ءايَـٰتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي: ومن الآيات ما جعل الله من صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة، وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب. وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار، وهذا ضد النوم، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: يعون. قال الطبراني: حدثنا حجاج بن عمران السدوسي، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، وحدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، سمعت عبد الملك بن مروان يحدث عن أبيه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أصابني أرق من الليل، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : قل اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم يا حي يا قيوم، أنم عيني وأهدىء ليلي» تفسير : فقلتها، فذهب عني.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنْ ءَايَٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ } أي لغاتكم من عربية وعجمية وغيرها {وَأَلْوٰنِكُمْ } من بياض وسواد وغيرهما، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ } دلالات على قدرته تعالى {لّلْعَٰلَمِينَ } بفتح اللام وكسرها، أي ذوي العقول وأولي العلم.

الماوردي

تفسير : قوله: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: لما فيهما من الآيات والعبر. الثاني: لإعجاز الخلق عن إحداث مثلهما. {وَاخْتلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: اختلاف ألسنتكم بالكلام، فللعرب كلام وللفرس كلام وللروم كلام. وألوانكم أبيض وأسود وأحمر، قاله السدي، وحكى وهب بن منبه في المبتدأ أن جميع الألسنة اثنان وسبعون لساناً منها في ولد سام بن نوح تسعة عشر لساناً، وفي ولد حام سبعة عشر لساناً، وفي ولد يافث ستة وثلاثون لساناً. والوجه الثاني: اختلاف ألسنتكم: النغمة والصوت حتى لا يشتبه صوتان من أخوين لأم وأب، وألوانكم: الصورة حتى لا يشتبه الناس في المعارف والمناكح والحقوق. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} قال ابن عيسى: الجن والإنس. وروى حفص عن عاصم {للعالمين} بكسر اللام يعني جميع العلماء. قوله: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ} فيه وجهان: أحدهما: أن الليل والنهار معاً وقت للنوم ووقت لابتغاء الفضل، لأن من الناس من يتصرف في كسبه ليلاً وينام نهاراً. الثاني: أن الليل وقت النوم والنهار وقت لابتغاء الفضل، ويكون تقدير الكلام: ومن آياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار. وفي ابتغاء الفضل وجهان: أحدهما: التجارة، قاله مجاهد. الثاني: التصرف والعمل. فجعل النوم في الليل دليلاً على الموت، والتصرف في النهار دليلاً على البعث. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} فيه ثلاث أوجه: أحدها: يسمعون الحق فيتبعونه. الثاني: يسمعون الوعظ فيخافونه. الثالث: يسمعون القرآن فيصدقونه.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} بما فيهما من العبر، أو لعجز الخلق عن إيجاد مثلهما. {أَلْسِنَتِكُمْ} لغاتكم كالعربية والرومية والفارسية {وَأَلْوَانِكُمْ} أبيض وأحمر وأسود، أو اختلاف النغمات والأصوات وألوانكم صوركم فلا يشتبه صورتان ولا صوتان. كيلا يشتبهوا في المناكح والحقوق. {لِّلْعَالِمِينَ} الإنس والجن وبالكسر العلماء.

ابو السعود

تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ} الدَّالَّةِ على ما ذُكر من أمر البعثِ وما يتلُوه من الجزاءِ {خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} إما من حيثُ إنَّ القادرَ على خلقِهما بما فيهما من المخلوقات بلا مادَّة مستعدةِ لها أظهرُ قدرة على إعادِة ما كان حيَّاً قبل ذلك وإمَّا منْ حيثُ إنَّ خلقهما وما فيهما ليس إلا لمعاشِ البشرِ ومعادِه كما يُفصح عنه قولُه تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [سورة البقرة: الآية 29] وقولُه تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [سورة هود: الآية 7] {وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ} أي لغاتِكم بأنْ علَّم كلَّ صنفٍ لغتَهُ وألهمه وضعَها وأقدرَه عليها، أو أجناسِ نُطفكم وأشكالِه فإنَّك لا تكادُ تسمعُ منطقينِ متساويـينِ في الكيفيَّةِ من كلِّ وجهٍ {وَأَلْوٰنِكُمْ} ببـياضِ الجلدِ وسوادِه وتوسطِه فيما بـينهما أو تخطيطاتِ الأعضاءِ وهيئاتِها وألوانِها وحُلاها بحيثُ وقعَ بها التمايزُ بـين الأشخاسِ حتَّى إنَّ التَّوأمينِ مع توافقِ موادِّهما وأسبابِهما والأمورِ المتلاقيةِ لهما في التَّخليقِ يختلفانِ في شيءٍ من ذلك لا محالَة وإنْ كانا في غايةِ التَّشابِه وإنَّما نُظِمَ هذا في سلكِ الآياتِ الآفاقيةِ من خلقِ السَّمواتِ والأرضِ مع كونِه من الآياتِ الأنفسيةِ الحقيقية بالانتظامِ في سلكِ ما سبق من خلقِ أنفسِهم وأزواجِهم للإيذانِ باستقلالِه والاحترازِ عن توهُّمِ كونِه من تتمَّاتِ خلقِهم {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي فيما ذُكر من خلقِ السَّمواتِ والأرضِ واختلافِ الألسنةِ والألوانِ {لآيَاتٍ} عظيمةً في أنفسِها كثيرةً في عددِها {لّلْعَـٰلَمِينَ} أي المتَّصفين بالعلمِ كما في قولِه تعالى: { أية : وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ} تفسير : [سورة العنكبوت: الآية 43] . وقُرىء بفتحِ اللامِ وفيه دلالةٌ على كمالِ وضوحِ الآياتِ وعدمِ خفائِها على أحدٍ من الخلقِ كافَّة. {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ مَنَامُكُم بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} لاستراحةِ القوى النَّفسانيةِ وتقوِّي القُوى الطَّبـيعيةِ.

القشيري

تفسير : خَلَقَ السماواتِ في علوِّها والأرضَ في دنوِّها؛ هذه بنجومها وكواكبها، وهذه بأقطارها ومناكبها. وهذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومَدَرِها. ومن آياته اختلافُ لغات أهل الأرض، واختلافُ تسبيحات الملائكة الذين هم سكان السماء. وإنَّ اختصاصَ كلِّ شيءٍ منها بُحكم - شاهدُ عَدلٍ، ودليلُ صِدُقٍ على أنها تناجي أفكار المتيقظين، وتنادي على أنفسها.. أنها جميعها من تقدير العزيز العليم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن آياته} الدالة على ما ذكر {خلق السموات والارض} على عظمتها وكثافتها وكثرة اجزائها بلا مادة فهو اظهر قدرة على اعادة ما كان حيا قبل ذلك فهذه من الآيات الآفاقية ثم اشار الى شئ من الآيات الانفسية فقال {واختلاف ألسنتكم} اى لغاتكم من العربية والفارسية والهندية والتركية وغيرها بان جعل لكل صنف لغة. قال الراغب اختلاف الالسنة اشارة الى اختلاف اللغات واختلاف النغمات فان لكل لسان نغمة يميزها السمع كما ان له صورة مخصوصة يميزها البصر انتهى فلا تكاد تسمع منطقين متساويين فى الكيفية من كل وجه: يعني [دربست وبلند وفصاحت ولكنت وغير آن]. قال وهب جميع الالسنة اثنان وسبعون لسانا منها فى ولد سام تسعة عشر لسانا وفى ولد حام سبعة عشر لسانا وفى ولد يافث ستة وثلاثون لسانا {أية : والوانكم} تفسير : بالبياض والسواد والادمة والحمرة وغيرها. قال الراغب فى الآية اشارة الى ان انواع الالوان من اختلاف الصور التى يختص كل انسان بهيئة غير هيءة صاحبه مع كثرة عددهم وذلك تنبيه على سعة قدرته يعنى ان اختلاف الالوان اشارة الى تخطيطات الاعضاء وهيآتها وحلاها ألا ترى ان التوأمين مع توافق موادهما واسبابهما والامور الملاقية لهما فى التخليق يختلفان فى شئ من ذلك لا محالة وان كانا فى غاية التشابه [اكر برين وجه نبودى امتياز بين الاشخاص مشكل بودى وبسيار از مهات معطل ماندى]. قال ابن عباس رضى الله عنهما كان آدم مؤلفا من انواع تراب الارض ولذلك كان بنوه مختلفين منهم الاحمر والاسود والابيض كل ظهر على لون ترابه وقابليته وتصور صورة كل رجل على صورة من اجداده الى آدم يحضر اشكالهم عند تصوير صورته فى الرحم كما اشار اليه بعض المفسرين فى قوله تعالى {أية : فى اى صورة ما شاء ركبك} تفسير : {ان فى ذلك} اى فيما ذكر من خلق السموات والارض واختلاف الالسنة والالوان {لآيات} عظيمة فى نفسها كثيرة فى عددها {للعالمين} بكسر اللام اى المتصفين بالعلم كما فى قوله {أية : وما يعقلها العالمون} تفسير : وخص العلماء لانهم اهل النظر والاستدلال دون الجهال المشغولين بحطام الدنيا وزخارفها فلما كان الوصول الى معرفة ما سبق ذكره انما يمكن بالعلم ختم الآية بالعالمين. وقرئ بفتح اللام ففيه اشارة الى كمال وضوح الآيات وعدم خفائها على احد من الخلق من ملك وانس وجن وغيرهم. وفى الاية اشارة الى اختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس فان لسان القلوب يتحرك بالميل الى العلويات وفى طلبها يتكلم ولسان النفوس يتحرك بالميل الى السفليات وفى طلبها يتكلم كما يشاهد فى مجالس اهل الدنيا ومحافل اهل الآخرة: ومن كلمات مولانا قدس سره. شعر : ما راجه ازين قصه كه كاو آمد وخر رفت اين وقت عزيز ست ازين عربده بازآى تفسير : وايضا اشارة الى اختلاف الالوان اى الطبائع منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاخرة ومنكم من يريد الله ان فى ذلك لآيات للعارفين الذين عرفوا حقيقة انفسهم وكماليتها فعرفوا الله ورأوا آياته باراءته اياهم لقوله تعالى {أية : سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى انفسهم } تفسير : ثم ان الله تعالى خلق الآيات واشار اليها مع وضوحها تنبيها للناظرين وتعليما للجاهلين وتكميلا للعالمين فمن له بصر رآها ومن له بصيره عرفها. يقال الامم على اختلاف الازمان والاديان متفقة على مدح اخلاق اربعة العلم والزهد والاحسان والامانة والمتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يقطع المسافة. ثم ان المعتبر هو العلم بالله الناظر على عالم الملكوت وهذا العلم من الآيات الكبرى وصاحبه يشاهد الشواهد العظمى بالبصيرة الاجلى بل يعلم الكائنات قبل وجودها ويخبر بها قبل حصول اعيانها وفى زماننا قوم لا يحصى عددهم غلب عليهم الجهل بمقام العلم ولعبت بهم الاهواء حتى قالوا ان العلم حجاب ولقد صدقوا فى ذلك لو اعتقدوا اى والله حجاب عظيم يحجب القلب عن الغفلة والجهل. قال سهل بن عبد الله التسترى قدس سره السماء رحمة للارض وبطن الارض رحمة لظهرها والآخرة رحمة للدنيا والعلماء رحمة للجهال والكبار رحمة للصغار والنبي عليه السلام رحمة للخلق والله تعالى رحيم بخلقه. واجناس العلوم كثيرة منها علم النظر وعلم الخبر وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم الرصد الى غير ذلك من العلوم ولكل جنس من هذه العلوم وامثالها فصول تقومها وفصول تقسمها فلننظر ما نحتاج اليه فى انفسنا مما تقترن به سعادتنا فنأخذه ونشتغل به ونترك ما لا نحتاج اليه احتياجا ضروريا مخافة فوت الوقت حتى تكون الاوقات لنا ان شاء الله تعالى. والذي يحتاج من فصول هذه الاجناس فصلان فصل يدخل تحت جنس النظر وهو علم الكلام ونوع آخر يدخل تحت جنس الخبر وهو الشرع والعلوم الداخلة تحت هذين النوعين التى يحتاج اليها فى تحصيل السعادة ثمانية وهى الواجب والجائز والمستحيل والذات والصفات والافعال وعلم السعادة وعلم الشقاوة فهذه الثمانية واجب طلبها على كل طالب نجاة نفسه وعلم السعادة والشقاوة موقوف على معرفة الواجب والمحظور والمندوب والمكروه والمباح. واصول هذه الاحكام الخمسة ثلاثة الكتاب والسنة المتواترة والاجماع كذا فى مواقع النجوم للشيخ الاكبر قدس سره الاطهر وفتكم الله وايانا لهذه العلوم النافعة وشرح صدورنا بالفيوض والاسرار وجعلنا مستضيئين بين شمس وقمر الى نهاية الاعمار وفناء الدار.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (يُريكم البرق): فيه وجهان، أحدهما: إضمار "أن"؛ كما في حرف ابن مسعود، والثاني: تنزيل الفعل منزلة المصدر، كما قيل في قولهم، في المثل: "تَسْمعَ بالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ من أن تراه". أي: إن تسمع، أو: سماعك. و(خوفاً وطمعاً): مفعولان له؛ على حذف مضاف، أي: إرادة خوف، وإرادة طمع، أو: على الحال، أي: خائفين وطامعين. و(إذا دعاكم): شرطية، و(إذا)، الثانية؛ فجائية، نابت عن الفاء. و(من الأرض): يتعلق بدعاكم. يقول الحق جل جلاله: {ومن آياته} الدالة على باهر قدرته {خلقُ السماوات والأرض}. قال القشيري: السموات في علوِّها. والأرض في دنوِّها، هذه بنجومها وكواكبها، وهذه بأقطارها ومناكبها، هذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومدرها، واختلاف لغات أهلها في الأرض، واختلاف تسبيح الملائكة - عليهم السلام - الذين هم سكان السماء. هـ. {واختلافُ ألسنتكم} باختلاف اللغات، وبأجناس النطق وأشكاله، {وألوانكم}، كالسواد والبياض وغيرهما، حتى لا تكاد تجد شخصين متوافقين؛ إلا وبينهما نوع تخالف في اللسان واللون، وباختلاف ذلك وقع التعارفُ والتمايز، فلو توافقت وتشاكلت لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت المصالح. وفي ذلك آية بينة، حيث وُلدوا من أب واحد، وهم على كثرتهم متفاوتون. {إن في ذلك لآيات للعالمين}؛ بفتح اللام وكسره. ويشهد للكسر قوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43]. قال القشيري: واختصاص كلِّ شيء من هذه ببعض جائزات حكمها؛ شاهدٌ عَدْلٍ، ودليلٌ صِدْقٍ، يناجي أفكار المستيقظين، وتنادي على أنفسها: أنها، بأجمعها، بتقدير العزيز العليم. هـ. تفسير : {ومن آياته منامُكُم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله}، أي منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، أو: منامكم في الزمانين، وابتغاؤكم من فضله فيهما، وهو حسن؛ لأنه إذا طال النهار يقع النوم فيه، وإذا طال الليل يقع الابتغاء فيه. {إِن في ذلك لآياتٍ لقوم يسمعون}؛ سماع تدبر، بآذان واعية. قال القشيري: غَلَبةُ النوم لصاحبه من غير اختيار، وانتباهُه بلا اكتساب، يدلُّ على موته ثم بَعْثِهِ، ثم في حال منامه يرى ما يسرُّه وما يضرُّه يدل على حاله في قبره. الله أعلمُ كيف حاله، في أمره، فيما يلقاه من خيره وشره. هـ. {ومن آياته يُريكُمُ البرقَ خوفاً وطمعاً}، أي: خوفاً من الصواعق، وطمعاً في الغيث، أو: خوفاً للمسافر وطمعاً للحاضر، {ويُنزّل من السماء ماءً}؛ مطراً {فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}: يتفكرون بعقولهم. {ومن آياته أن تقومَ السماءُ} بغير عمد {والأرضُ} على ماء جماد {بأمره} أي: بإقامته، أو تدبيره وقدرته. {ثم إذا دعاكم} للبعث {دعوةً من الأرض إذا أنتم تخرجون} من قبوركم. وسبك الآية: ومن آياته قيام السماوات والأرض، واستمساكها بغير عمد، ثم إذا دعاكم دعوة واحدة، يا أهل القبور، خرجتم بسرعة. وإنما عطف هذا بثم؛ بياناً لعِظَم ما يكون من ذلك الأمر، وإظهار اقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور، قوموا، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر، كقوله: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ}تفسير : [الزمر:68]. تنبيه: عبّر عن مودة الزوجين بيتكفرون؛ لأن المودة قلبية، لا تُدْرَكُ إلا بتفكر القلب، وعبّر عن خلق السموات والأرض واختلاف الألسن والألوان بالعالِمين؛ لأن أمر ذلك يدركه كل أحد، ممن له عقل أو علم، وعبّر عن النوم واليقظة بيسمعون؛ لأن من كان في الغفلة لا يسمع أمثال هذه المواعظ، وإنما يسمعها مَنْ كان متيقظاً، وعبّر عن إظهار البرق، وإنزال المطر، وإحياء الأرض، بيعقلون؛ لأن أمر البرق وما معه يبصره كل من له مسكةٌ عن عقل سليم، ويعلم أنه من الله بلا واسطة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما نُصِبَتْ هذه الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها، فما هذه الأكوان الحسية إلا تجليات من تجليات الحق، ومظاهر من مظاهره، وأنوار من أنوار ملكوته، متدفقة من بحر جبروته. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. لكن لا يعرف هذا إلا العارفون بالله، وأما غيرهم فحسبهم أن يستدلوا على عظمة خالقها، وباهر قدرته وحكمته، فيقوي إيمانهم ويشتد إيقانهم. قال في الإحياء: وبحر المعرفة لا ساحل له، والإحاطة بكنْه جلال الله محال، وكلما كثرت المعرفة بالله سبحانه، وبأفعال مملكته، وأسرار مملكته، وقويت، كثر النعيم في الآخرة وعَظُم، كما أنه كلما كثر البذر وحَسُن؛ كثر الزعر وحَسُن، وقال أيضاً، في كتاب شرح عجائب القلب: ويكون سعة ملك العبد في الجنة بحسب سعة معرفته بالله، وبحسب ما يتجلى له من عظمة الله سبحانه، ومن صفاته وأفعاله. هـ. ومن آياته خلق سماوات أرواحكم، وأرض نفوسكم، لتقوم الأرواح بشهود عظمة الربوبية، والنفوس بآداب العبودية، واختلاف ألسنتكم؛ فبعضها لا تتكلم إلا في الفَرْق، وبعضها إلا في الجمع. وألوانكم؛ بعضها طهر فيها سيما العارفين, وبهجة المحبين, وبعضها لم يظهر عليها شيء من ذلك. ومن آياته منامكم في ليل الغفلة والبطالة، وَقْتَ غفلَتِكُمْ، وابتغاؤكم من فضله؛ بزيادة معرفته وَقْتَ يقظتِكُمْ. ومن آياته يُريكم البرق، أي: يُلْمِعُ عليكم أسرَار المعاني، ثم تخفى عند الاستشراف على بحر الحقيقة، خوفاً من الاصطلام والرجوع، وطمعاً في الوصول والتمكين. ومن آياته أن تقوم الأشياء به وبأسرار ذاته، ثم إذا دعاكم دعوة من أرض القطيعة إذا أنتم تخرجون، فتعرجون بأرواحكم إلى سماء وصْلته وتمكن معرفته. والله تعالى أعلم. ثم برهن على كمال ملكه وعظمته، فقال: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ...}

الجنابذي

تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اى سماوات الطّبع وارضه او سماوات الارواح وارضى الاشباح فى العالم الكبير او الصّغير {وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ} يعنى اختلاف لغاتكم فانّه يعبّر كثيراً فى العرب والعجم من اللّغات والكلمات الجارية على الالسن بالالسن او اختلاف السنتكم فى كيفيّة التّأدية مع انّكم من نوعٍ واحدٍ {وَ} اختلاف {أَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} دالاّت على علمه وحكمته تعالى وكمال عنايته بخلقه وقدرته وارادته وسلطنته ووحدته، او دالاّت على احوال صاحب الالسن والالوان كما فى الخبر {لِّلْعَالَمِينَ} قرئ بفتح الّلام وعليها فليخصّص بالّذين حصل لهم العلم فانّ العالمين بفتح الّلام مخصوص بذوى العقول بخلاف العالم الّذى هو مفرده فانّه اعمّ من ذوى العقول وغيرهم، وذووا العقول فى الحقيقة هم الّذين حصل لهم الشّعور الانسانىّ وليسوا الاّ الّذين قذف الله فى قلوبهم نور العلم، وقرئ بكسر الّلام وهم الّذين قذف الله فى قلوبهم نور العلم لا الّذين حصّلوا الصّور الادراكيّة من امثالهم ومن الدّفاتر، وقدّم هذا الصّنف على المستمعين باعتبار اولى مراتب العلم فانّ المستمع هو الّذى حصل له مرتبة السّماع الّذى هو ثانية مراتب العلم كما فى الخبر النّبوىّ (ص) ولم يقل لقوم يعلمون كسابقه ولا حقه اشعاراً بانّ حصول العلم خصوصاً مرتبته الاولى تلويناً لا يكفى فى ادراك تلك الآيات وروى عن الصّادق (ع) انّ الامام اذا ابصر الرّجل عرفه وعرف لونه وان سمع كلامه من خلف حائطٍ عرفه وعرف ما هو، انّ الله يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} (الآية) قال وهم العلماء فليس يسمع شيئاً من الامر ينطق به الاّ عرفه ناج او هالك فلذلك يجيبهم بالّذى يجيبهم، وهذا الخبر بيان لاحد وجوه الآية واعتبر (ع) آخر مراتب العلم، وقرأ (ع) العالمين بكسر الّلام او حمله على معنًى يوافق كسر الّلام وجعل دلالة الآيات على احوال صاحب الالسن والالوان وعلى هذا فليكن المراد بالسّماوات والارض سماوات الارواح وارض الاشباح فى العالم الصّغير لتكون فيها آيات دالاّت على احوال صاحب السّماوات والارض.

الهواري

تفسير : قال: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} قال بعضهم: {اخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ}: النغمة، {وَأَلْوَانِكُمْ} أي: لا ترى اثنين على صورة واحدة. ذكر بعضهم عن الضحاك بن مزاحم قال: يشبه الرجل الرجل وليس بينهما قرابة إلا من قبل الأب الأكبر: آدم. وتفسير الكلبي: {اخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ} أي: للعرب كلام، ولفارس كلام، وللروم كلام، ولسائرهم من الناس كذلك. قال: {وَأَلْوَانِكُمْ} أي: أبيض وأحمر وأسود. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ}. [قوله: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ مَنَامُكُم بِالّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِ} أي: من رزقه. كقوله: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ}تفسير : أي: في الليل، (أية : وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) تفسير : [القصص: 73] أي: من في النهار. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} وهم المؤمنون، سمعوا من الله ما أنزل عليهم]. قال: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي: خوفاً للمسافر [يخاف أذاه ومعرّته]، وطمعاً للمقيم، أي: يطمع في رزق الله. وبعضهم يقول: خوفاً من البَرَد أن يهلك الزرع، وطمعاً في المطر. قال: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: يحييها بالنبات بعد إذ كانت يابسة ليس فيها نبات. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم المؤمنون، عقلوا عن الله ما أنزل إليهم.

اطفيش

تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ} لغاتكم لغات العرب والعجم والألسنة أجناس النطق وأشكاله فانك لا تكاد تسمع ناطقين متسوياً نطقهما حتى لا يفرق بينهما. {وَأَلوَانِكُمْ} بياض الجلد وسوداه. وحمرته وصفرته كما اختلفوا بتخطيط الأعضاء وهيئتها حتى انه لو اجتمع الأولون والآخرون لم تجد اثنين متسويين في كل شيء حتى لا يقع الفرق ولو تؤمنين، وعن الضحاك يشبه الرجل الرجل ولا تقارب بينهما إلا من قبل الأب الأكبر آدم عليه السلام ولو اتفقت الألوان والصور لتعطلت مصالح كثيرة ووقع التجاهل والإلتباس. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} دلالات على قدرته تعالى. {لِّلعَالِمِينَ} الجن والإنس وغيرهم حيث ولدوا من اب واحد وفرعوا عن أصل ومن كثرتهم لا تجد متوافقين لا يفرز أحدهما من الآخر، وقرأ حفص عن عاصم بكسر اللام اي ذوي العلم لأنهم المنتفعون ويشهد له {أية : وما يعقلها إلا العالمون}.

اطفيش

تفسير : {ومِن آياته خَلْق السَّماوات والأرض} من الماء {واختلاف ألسْنَتكُم} بحيث لا يوجد صوت احد مساويا لصوت الاخر، مع كثرة الناس، ولو اتفقت الصور او الاصوات لتعطلت مصالح، ولو تكلمت جماعة من وراء الستر لميزت كل واحد بصوته، وهذا لانه اعم ومشاهد لكل احد اولى من تفسير الالسنة باللغات، كالعربية والبربرية والفارسية، وقد لا يعرف الانسان ان لغة غير لغته موجودة، وايضا اللغات بالتكلم واختلاف الاصوات بالنغم اكثر، وبالطبع لا بالتعلم، وعن وهب: اللغات اثنتان وسبعون، فى ولد حام سبع عشرة، وفى ولد سام تسع عشرة، وفى ولد يافث ست وثلاثون، ولو يعلم مولود لغة لنطق بما شاء الله، ونرى البكم يعالج النطق، ونسمع منه الصوت، ولا نفهم منه الا بالاشارة. {وألوْانِكمُ} بياض وحمرة وسواد ونحو ذلك، او الالوان بمعنى الانواع، وهو مجاز، وخلاف الظاهر وهو اعم، فنوع أبيض، ونوع اسود، ونوع احمر، ونوع طويل، ونوع قصير، ونوع متوسط، ونحو ذلك من الاختلاف حتى لا تجد اثنين بلا تمايز مع كثرة الناس ولو توءمين من بطن واحد {إنَّ في ذلك} المذكور من خلق السماوات والارض، واختلاف الالسنة والالوان {لآيات} عظيمة كثيرة {للعالمين} لا تخفى على احد منهم من اهمل عقله.

الالوسي

تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ} أي لغاتكم بأن علم سبحانه كل صنف لغته أو ألهمه جل وعلا وضعها وأقدره عليها فصار بعض يتكلم بالعربية وبعض بالفارسية وبعض بالرومية إلى غير ذلك مما الله تعالى أعلم بكميته. وعن وهب أن الألسنة اثنان وسبعون لساناً في ولد حام سبعة عشر وفي ولد سام تسعة عشر، وفي ولد يافث ستة وثلاثون، وجوز أن يراد بالألسنة أجناس النطق وأشكاله فقد اختلف ذلك اختلافاً كثيراً فلا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية من كل وجه، ولعل هذا أولى مما تقدم. والإمام حكى الوجه الأول وقدم عليه ما هو ظاهر في أن المراد بالألسنة الأصوات والنغم ونص على أنه أصح من المحكي. {وَأَلْوٰنِكُمْ } بياض الجلد وسواده وتوسط فيما بينهما أو تصوير الأعضاء وهيئاتها وألوانها وحلاها بحيث وقع التمايز بين الأشخاص حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور المتلاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة وإن كانا في غاية التشابه، فالألوان بمعنى الضروب والأنواع كما يقال: ألوان الحديث وألوان الطعام، وهذا التفسير أعم من الأول، وإنما نظم اختلاف الألسنة والألوان في سلك الآيات الآفاقية من خلق السماوات والأرض مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم للإيذان باستقلاله والاحتراز عن توهم كونه من متممات خلقهم. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما ذكر من خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان {لآيَاتٍ } عظيمة كثيرة {لّلْعَـٰلَمِينَ } / أي المتصفين بالعلم كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ }تفسير : [العنكبوت: 43] وقرأ الكثير {ٱلْعَـٰلَمِينَ } بفتح اللام، وفيه دلالة على وضوح الآيات وعدم خفائها على أحد من الخلق كافة.

ابن عاشور

تفسير : هذه الآية الثالثة وهي آية النظام الأرضي في خلق الأرض بمجموعها وسكانها؛ فخلقُ السماوات والأرض آية عظيمة مشهودة بما فيها من تصاريف الأجرام السماوية والأرضية، وما هو محل العبرة من أحوالهما المتقاربة المتلازمة كالليل والنهار والفصول، والمتضادة كالعُلّو والانخفاض. وإذ قد كان أشرف ما على الأرض نوع الإنسان قرن ما في بعض أحواله من الآيات بما في خلق الأرض من الآيات، وخُص من أحواله المتخالفة لأنها أشد عبرة إذ كان فيها اختلاف بين أشياء متحدة في الماهية، ولأن هاته الأحوال المختلفة لهذا النوع الواحد نَجد أسباب اختلافها من آثار خلق السماوات والأرض، فاختلاف الألسنة سببه القرار بأوطان مختلفة متباعدة، واختلاف الألوان سببه اختلاف الجهات المسكونة من الأرض، واختلاف مسامته أشعة الشمس لها؛ فهي من آثار خلق السماوات والأرض. ولذلك فالظاهر أن المقصود هو آية اختلاف اللغات والألوان وأن ما تقدمه من خلق السماوات والأرض تمهيد له وإيماء إلى انطواء أسباب الاختلاف في أسرار خلق السماوات والأرض. وقد كانت هذه الآية متعلقة بأحوالٍ عرضية في الإنسان ملازمة له فبتلك الملازمة أشبهت الأحوال الذاتية المطلقة ثم النسبية، فلذلك ذكرت هذه الآية عقب الآيتين السابقتين حسب الترتيب السابق. وقد ظهر وجه المقارنة بين خلق السماوات والأرض وبين اختلاف ألسن البشر وألوانهم، وتقدم في سورة آل عمران (190) قوله {أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب}.تفسير : والألسنة: جمع لسان، وهو يطلق على اللغة كما في قوله تعالى {أية : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}تفسير : [إبراهيم: 4] وقوله {أية : لسان الذي يُلْحِدون إليه أعجمي}تفسير : [النحل: 103]. واختلاف لغات البشر آية عظيمة فهم مع اتحادهم في النوع كان اختلاف لغاتهم آية دالة على ما كوّنه الله في غريزة البشر من اختلاف التفكير وتنويع التصرف في وضع اللغات، وتبدل كيفياتها باللهجات والتخفيف والحذف والزيادة بحيث تتغير الأصول المتحدة إلى لغات كثيرة. فلا شك أن اللغة كانت واحدة للبشر حين كانوا في مكان واحد، وما اختلفت اللغات إلا بانتشار قبائل البشر في المواطن المتباعدة، وتطرَّق التغير إلى لغاتهم تطرقاً تدريجياً؛ على أن توسُّع اللغات بتوسع الحاجة إلى التعبير عن أشياء لم يكن للتعبير عنها حاجة قد أوجب اختلافاً في وضع الأسماء لها فاختلفت اللغات بذلك في جوهرها كما اختلفت فيما كان متفقاً عليه بينها باختلاف لهجات النطق، واختلاف التصرف، فكان لاختلاف الألسنة موجبان. فمحل العبرة هو اختلاف اللغات مع اتحاد أصل النوع كقوله تعالى: {أية : يُسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل}تفسير : [الرعد: 4] ولما في ذلك الاختلاف من الأسرار المقتضية إياه. ووقع في الإصحاح الحادي عشر من «سفر التكوين» ما يوهم ظاهره أن اختلاف الألسن حصل دفعة واحدة بعد الطوفان في أرض بابل وأن البشر تفرقوا بعد ذلك. والظاهر أنه وقع في العبارة تقديم وتأخير وأن التفرق وقع قبل تبلبل الألسن. وقد علل في ذلك «الإصحاح» بما ينزه الله عن مدلوله. وقيل: أراد باختلاف الألسنة اختلاف الأصوات بحيث تتمايز أصوات الناس المتكلمين بلغة واحدة فنعرف صاحب الصوت وإن كان غير مرئي. وأما اختلاف ألوان البشر فهو آية أيضاً لأن البشر منحدر من أصل واحد وهو آدم، وله لون واحد لا محالة، ولعله البياض المشوب بحمرة، فلما تعدد نسله جاءت الألوان المختلفة في بشراتهم وذلك الاختلاف معلول لعدة علل أهمها المواطن المختلفة بالحرارة والبرودة، ومنها التوالد من أبوين مختلفي اللون مثل المتولد من أم سوداء وأب أبيض، ومنها العلل والأمراض التي تؤثر تلويناً في الجلد، ومنها اختلاف الأغذية ولذلك لم يكن اختلاف ألوان البشر دليلاً على اختلاف النوع بل هو نواع واحد، فللبشر ألوان كثيرة أصلاها البياض والسواد، وقد أشار إلى هذا أبو علي ابن سينا في «أرجوزته» في الطب بقوله:شعر : بالنزج حرّ غيَّر الأجساد حتى كسا بياضها سَوادا والصقلبُ اكتسبت البياضا حتى غدتْ جلودها بِضاضا تفسير : وكان أصل اللون البياض لأنه غير محتاج إلى علة ولأن التشريح أثبت أن ألوان لحوم البشر التي تحت الطبقة الجلدية متحدة اللون. ومن البياض والسواد انشقت ألوان قبائل البشر فجاء منها اللون الأصفر واللون الأسمر واللون الأحمر. ومن العلماء وهو (كُوقْيَيْ) جعل أصول ألوان البشر ثلاثة: الأبيض والأسود والأصفر، وهو لون أهل الصين. ومنهم من زاد الأحمر وهو لون سكان قارة أمريكا الأصليين المدعوين هنود أمريكا. واعلم أن من مجموع اختلاف اللغات واختلاف الألوان تمايزت الأجذام البشرية واتحدت مختلطات أنسابها. وقد قسموا أجذام البشر الآن إلى ثلاثة أجذام أصلية وهي الجذم القوقاسي الأبيض، والجذم المغولي الأصفر، والجذم الحبشي الأسود، وفرعوها إلى ثمانية وهي الأبيض والأسود والحبشي والأحمر والأصفر والسَّامي والهندي والمَلاَيي (نسبة إلى بلاد المَلاَيُو). وجعل ذلك آيات في قوله {إن في ذلك لآيات للعالمين} لما علمت من تفاصيل دلائله وعلله، أي آيات لجميع الناس، وهو نظير قوله آنفاً {أية : إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}تفسير : [الروم: 21]. واللام في قوله {للعالمين} نظير ما تقدم في الآية قبلها. وجعل ذلك آيات للعالمين لأنه مقرر معلوم لديهم يمكنهم الشعور بآياته بمجرد التفات الذهن دون إمعان نظر. وقرأ الجمهور {للعالمين} بفتح اللام. وقرأه حفص بكسر اللام أي لأولي العلم.

الشنقيطي

تفسير : وقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام، على قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 164] الآية. وقوله: {وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} قد أوضح تعالى في غير هذا الموضع: أن اختلاف ألوان الآدميين واختلاف ألوان الجبال، والثمار، والدواب، والأنعام كل ذلك من آياته الدالة على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده. قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} تفسير : [فاطر: 27ـ28]، واختلاف الألوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة على أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال. وقد أوضح تعالى إبطال تأثير الطبيعة غاية الإيضاح بقوله في سورة الرعد: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} تفسير : [الرعد: 4] إلى قوله: {أية : لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الرعد: 4] وقرأ هذا الحرف حفص وحده عن عاصم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} بكسر اللام: جمع عالم الذي هو ضد الجاهل. وقرأه الباقون: للعالمين بفتح اللام كقوله: رب العالمين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 22- ومن الدلائل على كمال قدرته وحكمته خلق السموات والأرض على هذا النظام البديع، واختلاف ألسنتكم فى اللغات واللهجات، وتباين ألوانكم فى السواد والبياض وغيرهما. إن فى ذلك لدلائل ينتفع بها أهل العلم والفهم. 23- ومن آياته الدالة على كمال قدرته أن هيأ لكم أسباب الراحة بمنامكم، ويسَّر لكم طلب الرزق ليلا ونهارا من فضله الواسع. إن فى ذلك لدلائل لقوم ينتفعون بما يسمعون. 24- ومن آياته أنه يريكم البرق من خلال السحب لتشعروا بالخوف من الصواعق، وتطمعوا فى المطر أن ينزل من السماء لتحيا به الأرض بعد أن يبست. إن فى ذلك لدلالات لقوم يتدبَّرون الأمور فيفهمونها على وجهها. 25- ومن الدلائل على كمال قدرته وحكمته وسعة رحمته أن تقوم السماء والأرض بأمر الله على ما ترون من إحكام صنع ودقة تدبير، ثم إذا دعاكم للبعث تخرجون من القبور مسرعين مستجيبين لدعائه. 26- ولله - سبحانه وتعالى - كل من فى السموات والأرض خلْقاً وملكاً وخضوعاً، كلهم لله منقادون. 27- والله - سبحانه - الذى يبدأ الخلق على غير مثال، ثم يعيده بعد الموت، وإعادته أهون عليه من ابتدائه بالنظر إلى مقاييسكم واعتقادكم أن إعادة الشئ أسهل من ابتدائه. ولله الوصف السابق العجيب الشأن فى القدرة الكاملة والحكمة التامة فى السموات والأرض، وهو الغالب فى ملكه الحكيم فى فعله وتقديره.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ومن آياته: أي حججه وبراهينه الدالة على قدرته على البعث والجزاء. واختلاف ألسنتكم: أي لغاتكم من عربية وعجمية والعجمية بينها اختلاف كثير. وألوانكم: أي من أبيض وأصفر وأحمر وأسود والكل أبناء رجل واحد وامرأة واحدة. للعالمين: أي للعقلاء على قراءة للعالمين بفتح اللام، ولأولي العلم على قراءة كسر اللام. وابتغاؤكم من فضله: أي طلبكم الرزق بإحضار أسبابه من زراعة وتجارة وصناعة وعمل. لقوم يسمعون: أي سماع تدبر وفهم وإدراك لا مجرد سماع الأصوات. يريكم البرق خوفاً وطمعاً: أي إراءته إياكم البرق خوفاً من اصواعق والطوفان وطمعاً في المطر. أن تقوم السماء والأرض بأمره: أي قيام السماء والأرض على ما هما عليه منذ نشأتهما بقدرته وتدبيره. دعوة من الأرض: أي دعوة واحدة لا تتكرر وهي نفخة إسرافيل. إذا أنتم تخرجون: أي من قبوركم أحياء للحساب والجزاء. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة التوحيد والبعث والجزاء بذكر الأدلة والبراهين العقلية فقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ} أي حججه الدالة على قدرته على البعث والجزاء وعلى وجوب توحيده {خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} فَخلْقُ بمعنى إِيجاد السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من أكبر الأدلة وأقواها على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته وكلها موجبة لتوحيده ومثبتة لقدرته على البعث والجزاء، مقررة له، وقوله: {وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ} أي لغاتكم من عربية وعجمية ولهجاتكم بحيث لكل ناطق لهجة تخصه يتميز بها إذا سمع صوته عرف بها من بين بلايين البشر، {وَأَلْوَانِكُمْ} واختلاف ألوانكم أيها البشر من أبيض إلى أسود ومن أحمر إلى أصفر مع اختلاف الملامح والسمات بحيث لا يوجد اثنان من ملايين البشر لا يختلف بعضهما عن بعض حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر إن في هذا وذاك {لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} أي لحججا ظاهرة وبراهين قاطعة بعضها للعالمين وذلك البياض والسواد وبعضها للعلماء كاختلاف اللهجات وملامح الوجوه والسمات المميزة الدقيقة والكل أدلة على قدرة الله وعلمه ووجوب عبادته وتوحيده في ذلك مع تقرير عقيدة البعث والجزاء. وقوله {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي ومن آياته الدالة على قدرته على البعث والجزاء منامكم بالليل فالنوم كالموت والانتشار في النهار لطلب الرزق كالبعث بعد الموت فهذه عملية للبعث بعد الموت تتكرر كل يوم وليلة في هذه الحياة الدنيا، وقوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي في ذلك المذكور من النوم والانتشار لطلب الرزق لدلائل وحجج على قدرة الله على البعث لقوم يسمعون نداء الحق والعقل يدعوهم إلى الإِيمان بالبعث والجزاء فيؤمنون فيصبحون يعملون للقاء ربهم ويستجيبون لكل من يدعوهم إلى ربهم ليعبدوه ويتقربوا إليه. وقوله تعالى في الآية الثالثة [24] {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي ومن حججه تعالى الدالة على قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وهي مقتضيات توحيده والإِيمان بلقائه إراءته إيّاكم ايها الناس البرق خوفاً للمسافرين من الأمطار الغزيرة ومن الصواعق الشديدة أن تصيبهم، وطمعاً في المطر الذي تحيا به مزارعكم وتنبت به أرضكم فيتوفر لكم أسباب رزقكم، وقوله: {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي ومن آياته تنزيله تعالى من السماء ماءً وهو ماء المطر فيحيي به الأرض بالنباتات والزروع بعد أن كانت ميتة لا حياة فيها لا زرع ولا نبت إن في ذلك المذكور من إنزال الماء وإحياء الأرض بعد إراءته عباده البرق خوفاً وطمعاً لآيات دلائل وحجج على قدرته على البعث والجزاء ولكن يرى تلك الدلائل ويعقل ويفهم تلك الحجج قوم يعقلون أي لهم عقول سليمة يستعملونها في النظر والاستدلال فيفهمون ويؤمنون. وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ} أي ومن آياته تعالى الدالة على قدرته وعلمه وحكمته والموجبة لتوحيده والمقررة لنبوة نبيه ولقائه للحساب والجزاء قيام السماء والأرض منذ خلقهما فلا السماء تسقط، ولا أرض تغور فهما قائمتان منذ خلقهما بأمره تعالى أليس في ذلك أكبر دليل على قدرة الله تعالى على بعث الناس بعد موتهم أحياء لحسابهم على كسبهم ومجازاتهم. وقوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} أي أقام السماء والأرض للحياة الدنيا يحيي فيهما ويميت حتى تنتهي المدة المحددة للحياة فيهلك الكل ويفنيه {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً} بِنَفْخِ إسرافيل في الصور {إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} من الأرض استجابة لتلك الدعوة، وذلك للحساب والجزاء العادل على العمل في هذه الحياة الدنيا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) بيان مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته الموجبة لعبادته وحده وترك عبادة من سواه. 2) مشروعية طلب الرزق بالمشي في الأرض واستعمال الوسائل المشروعة لذلك. 3) تقرير أن الذين ينتفعون بأسماعهم وعقولهم هم أهل حياة الإِيمان إذ الإِيمان روح متى دخلت جسما حَيِي وأصبح صاحبه يسمع ويبصر ويفكر ويعقل. 4) تقرير عقيدة البعث والجزاء التي عليها مدار الإِصلاح البشري بعد عقيدة الإِيمان بالله ربّاً وإلهاً.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِهِ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱخْتِلاَفُ} {أَلْوَانِكُمْ} {لآيَاتٍ} {لِّلْعَالَمِينَ} (22) - ومِنْ آياتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ، أَنَّهُ تَعَالى خَلَقَ السَّماوَاتِ في ارْتِفَاعِهَا واتِّسَاعِها، وَخَلَقَ فِيها النُّجُومَ والكَواكِبَ، وَخَلَقَ الأَرضَ وَمَا فِيها مِنْ بِحَارٍ وَمياهٍ ومخلُوقَاتٍ وَنَبَاتَاتٍ وجِبَالٍ، وجَعَلَ أَلسِنَةَ البَشَرِ مُخْتَلِفَةً مُتَمَايِزَةً، كَما جَعَلَ أَلوانَ البَشَرِ مُخْتَلِفةً، وإِن تَشَابَهُوا جَمِيعاً في الخُطُوطِ الكُبرى مِنْ مَلاَمِحِهِم، وَفي ذَلك آياتٌ تَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ الخَالِقِ لأُِولِي العِلْمِ الذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا خَلَقَ اللهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في خلق السماوات والأرض آيات أظهرها لنا كما قال في موضع آخر إنها تقوم على غير عمد: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ..} تفسير : [لقمان: 10]. فالسماء التي تروْنها على امتداد الأفق تقوم بغير أعمدة، ولكم أنْ تسيروا في الأرض، وأنْ تبحثوا عن هذه العُمد فلن تروْا شيئاً. أو {أية : بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ..} تفسير : [لقمان: 10] يعني: هي موجودة لكن لا ترونها. والمنطق يقتضي أن الشيء العالي لا بُدَّ له إما من عُمُد تحمله من أسفل، أو قوة تُمسكه من أعلى؛ لذلك ينبغي أنْ نجمع بين الآيات لتكتمل لدينا هذه الصورة، فالحق سبحانه يقول في موضع آخر: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ ..} تفسير : [فاطر: 41]. إذن: ليست للسماء أعمدة، إنما يمسكها خالقها - عز وجل - من أعلى، فلا تقع على الأرض إلا بإذنه، ولا تتعجب من هذه المسألة، فقد أعطانا الله تعالى مثالاً مُشَاهداً في قوله سبحانه: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [النحل: 79]. فإنْ قُلْت: يمسكها في جو السماء حركة الجناحين ورفرفتها التي تحدث مقاومة للهواء، فترتفع به، وتمسك نفسها في الجو، نقول: وتُمسك أيضاً في جو السماء بدون حركة الجناحين، واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ..} تفسير : [الملك: 19]. فترى الطير في السماء مادّاً جناحيه ثابتاً بدون حركة، ومع ذلك لا يقع على الأرض ولا يُمسكه في جَوِّ السماء إذن إلا قدرة الله. إذن: خُذْ مما تشاهد دليلاً على صدْق ما لا تشاهد؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [غافر: 57] مع أنها خُلِقت لخدمة الإنسان. فمع أنك أيها الإنسان مظهر من مظاهر قدرة الله، وفيك انطوى العالم الأكبر، إلا أن عمرك محدود لا يُعَدُّ شيئاً إذا قِيسَ بعمر الأرض والسماء والشمس والقمر .. الخ. ثم يعود السياق هنا إلى آية من آيات الله في الإنسان: {وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ..} [الروم: 22] اللسان يُطلَق على اللغة كما قال تعالى {أية : بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 195] وقال: {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. ويُطلَق أيضاً على هذه الجارحة المعروفة، وإنما أُطِلق اللسان على اللغة؛ لأن أغلبها يعتمد على اللسان وعلى النطق، مع أن اللسان يُمثِّل جزءاً بسيطاً في عملية النطق، حيث يشترك معه في النطق الفم والأسنان والشفتان والأحبال الصوتية .. إلخ، لكن اللسان هو العمدة في هذه العملية. إذن: فاختلاف الألسنة يعني اختلاف اللغات. وسبق أنْ قُلْنا: إن اللغة ظاهرة اجتماعية يكتسبها الإنسان من البيئة المحيطة به، وحين نسلسلها لا بُدَّ أنْ نصلَ بها إلى أبينا آدم عليه السلام، وقلنا: إن الله تعالى هو الذي علَّمه اللغة حين علَّمه الأسماء كلها، ثم يتخذ آدم وذريته من بعده هذه الأسماء ليتفاهموا بها، وليضيفوا إليها أسماء جديدة. لذلك نرى أولادنا مثلاً حينما نريد أنْ نُعلِّمهم ونُرقِّيهم نُعلِّمهم أولاً أسماء الأشياء قبل أنْ يتعلموا الأفعال؛ لأن الاسم أظهر، أَلاَ ترى أن الفِعْل والحدث يدل عليه باسم، فكلمة (فِعْل) هي ذاتها اسم. لكن، كيف ينشأ اختلاف اللغات؟ لو تأملنا مثلاً اللغة العربية نجدها لغة واحدةً، لكن بيئاتها متعددة: هذا مصري، وهذا سوداني، وهذا سوري، مغربي، عراقي ... الخ نشترك جميعاً في لغة واحدة، لكن لكل بيئة لهجة خاصة قد لا تُفهَم في البيئة الأخرى، أما إذا تحدَّثنا جميعاً باللغة العربية لغة القرآن تفاهم الجميع بها. أما اختلاف اللغات فينشأ عن انعزال البيئات بعضها عن بعض، هذا الانعزال يؤدي إلى وجود لغة جديدة، فمثلاً الإنجليزية والفرنسية والألمانية و ... الخ ترجع جميعها إلى أصل واحد هو اللغة اللاتينية، فلما انعزلتْ البيئات أرادتْ كل منها أن يكون لها استقلالية ذاتية بلغة خاصة بها مستقلة بألفاظها وقواعدها. أو {وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ ..} [الروم: 22] يعني: اختلاف ما ينشأ عن اللسان وغيره من آلات الكلام من أصوات مختلفة، كما نرى الآن في آخر صيحات علم الأصوات أنْ يجدوا للصوت بصمة تختلف من شخص لآخر كبصمة الأصابع، بل بصمة الصوت أوضح دلالة من بصمة اليد. ورأينا لذلك خزائن تُضْبط على بصمة صوت صاحبها، فساعة يُصدر لها صوتاً تفتح له. ومن العجيب والمدهش في مجال الصوت أن المصوِّتات كثيرة منها: الجماد كحفيف الشجر وخرير الماء، ومنها: الحيوان، نقول: نقيق الضفادع وصهيل الخيل، ونهيق الحمار، وثُغَاء الشاة، ورُغَاء الإبل .. الخ لكن بالله أسألك: لو سمعت صوت حمار ينهق، أتستطيع أن تقول هذا حمار فلان؟ لا، لأن كل الأصوات من كُلِّ الأجناس خلا الإنسان صوتها واحد لا يميزه شيء. أما في الإنسان، فلكُلٍّ منّا صوته المميز في نبرته وحدّته واستعلائه أو استفاله، أو في رقته أو في تضخيمه .. الخ. فلماذا إذن تميَّز صوت الإنسان بهذه الميزة عن باقي الأصوات؟ قالوا: لأن الجماد والحيوان ليس لهما مسئوليات ينبغي أنْ تُضبط وأنْ تُحدَّد كما للإنسان، وإلا كيف نُميز المجرم حين يرتكب جريمته ونحن لا نعرف اسمه، ولا نعرف شيئاً من أوصافه؟ وحتى لو عرفنا أوصافه فإنها لا تدلُّنا عليه دلالة قاطعة تُحدِّد المسئولية ويترتب عليها الجزاء. وقال سبحانه بعدها {وَأَلْوَانِكُمْ ..} [الروم: 22] فاختلاف الألسنة والألوان ليحدث هذا التميُّز بين الناس، ولأن الإنسان هو المسئول خلق اللهُ فيه اختلافَ الألسنة والألوان؛ لنستدل عليه بشكله: بطوله أو قِصَره أو ملابسه ... إلخ. وفي ذلك ما يضبط سلوك الإنسان ويُقوِّمه حين يعلم أنه لن يفلت بفِعْلته، ولا بُدَّ أنْ يدل عليه شيء من هذه المميزات. لذلك نرى رجال البحث الجنائي ينظمون خطة للبحث عن المجرم قد تطول، لماذا؟ لأنهم يريدون أنْ يُضيِّقوا دائرة البحث فيُخرجون منها مَنْ لا تنطبق عليه مواصفاتهم، وما يزالون يُضيِّقون الدائرة حتى يصلوا للجاني. والحق - تبارك وتعالى - يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ ..} تفسير : [الحجرات: 13]. فالتميُّز والتعارف أمر ضروري لاستقامة حركة الحياة، ألاَ ترى الرجل يضع لكل ولد من أولاده اسماً يُميِّزه، فإن عشق اسم محمد مثلاً، وأحب أن يسمى كل أولاده محمداً لا بد أن يميزه، فهذا محمد الكبير، وهذا محمد الصغير، وهذا الأوسط .. الخ. إذن: لا بُدَّ أن يتميز الخَلْق لنستطيع تحديد المسئوليات. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ ..} [الروم: 22] أي: في الخَلْق على هذه الهيئة الحكيمة المحكمة {لآيَاتٍ ..} [الروم: 22] لنعتبر بها، فالخالق سبحانه إنْ وحَّد الصفات فدليل على الحكمة، وإن اختلفت فدليل على طلاقة القدرة. وانظر مثلاً إلى الصانع الذي يصنع أكواب الزجاج، تراه يأخذ عجينة الزجاج ويصبُّها في قالب قتخرج جميعها على شكل واحد، أما الخباز مثلاً فيأخذ العجينة ويجعلها رغيفاً فلا ترى رغيفاً مثل الآخر. أمَّا الخالق - عز وجل - فيخلق بحكمة وبطلاقة قدرة، ويخلق سبحانه ما يشاء، غير محكوم بقالب معين. وقوله {لِّلْعَالَمِينَ ..} [الروم: 22] أي: الذين يبحثون في الأشياء، ولا يقفون عند ظواهرها، إنما يتغلغلون في بطونها، ويَسْبرون أغوارها للوصول إلى حقيقتها. لذلك يلوم علينا ربنا عز وجل: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105] فلا يليق بأصحاب العقول أن يغفلوا عن هذه الآيات، إنما يتأملونها ليستنبطوا منها ما ينفعهم في مستقبل حياتهم، كما نرى في المخترعات والاكتشافات الحديثة التي خدمتْ البشرية، كالذي اخترع عصر البخار، والذي اخترع العجلة، والذي اكتشف الكهرباء والجاذبية والبنسلين .. الخ، إذن: نمر على آيات الله في الكون بيقظة، وكل العلوم التجريبية نتيجة لهذه اليقظة. والعَالمون: جمع عالم، وكانت تطلق في الماضي على مَنْ يعرف الحلال والحرام، لكن هي أوسع من ذلك، فالعالم: كل مَنْ يعلم قضية كونية أو شرعية، ويُسمَّى هذا "عالم بالكونيات" وهذا عالم بالشرع، وإنْ شئتَ فاقرأ: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ..} تفسير : [فاطر: 27-28]. فذكر سبحانه النبات، ثم الجماد، ثم الناس، ثم الحيوان. ثم يقول سبحانه: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ..} تفسير : [فاطر: 28] على إطلاقها فلم يُحدِّد أي علماء: علماء النبات، أو الحيوان، أو الجمادات، أو علماء الشرع، إذن: العَالِم كل مَنْ يعلم حقيقة في الكون وجودية أو شرعية من عند الله. لكن، لماذا أطلقوا العالم على العالم بالشرع خاصة؟ قالوا: لأنه أول العلوم المفيدة التي عرفوها؛ لذلك رأينا من آداب العلم في الإسلام ألاَّ يُدخِل علماء الشرع أنفسهم في الكونيات، وألاَّ يُدخل علماء الكونيات أنفسهم في علوم الشرع. والذي أحدث الاضطراب بين هذه التخصصات أن يقول مثلاً علماء الكونيات بأن الأرض تدور حول الشمس، فيقوم من علماء الدين مَنْ يقول: هذا مخالف للدين - هكذا عن غير دراسة، سبحان الله، لماذا تُقحِم نفسك فيما لا تعلم؟ وماذا يضيرك كعالم بالشرع أن تكون الأرض كرة تدور أو لا تدور؟ ما الحرام الذي زاد بدوران الأرض وما الحلال الذي انتقص؟ كذلك الحال لما صعد الإنسان إلى القمر، اعترض على ذلك بعض رجال الدين. كذلك نسمع مَنْ لا عِلْم له بالشرع يعترض على بعض مسائل الشرع يقول: هذه لا يقبلها العقل. إذن: آفة العلم أن يقحم العالم نفسه فيما لا يعلم، ولو التزم كلٌّ بما يعلم لارتاح الجميع، وتركت كل ساحة لأهلها. وعجيب أن يستشهد رجال الدين على عدم كروية الأرض بقوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ..} تفسير : [الحجر: 19] ولو تأملوا معنى {أية : مَدَدْنَاهَا ..} تفسير : [الحجر: 19] لما اعترضوا؛ لأن معنى مددناها يعني: كلما سِرْتُ في الأرض وجدتها ممتدة لا تنتهي حتى تعود إلى النقطة التي بدأت منها، وهذا يعني أنها كرة لا نهاية لها، ولو كانت مُسطحة أو مُثلثة مثلاً لكان لها نهاية. إذن: نقول للعلماء عموماً: لا تُدخلوا أنوفكم فيما لا علْم لكم به، ودَعُوا المجال لأصحابه، عملاً بقوله تعالى: {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ..} تفسير : [البقرة: 60]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} أيضاً مِنْ {آيَاتِهِ} العجيبة الشأن، والبديعة البرهان: {خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} وإيجاد العلويات متطابقة مترافعة مع ما فيها من الكواكب المتفاوتة في الإضاءة والإشراق على أبدع نظام، وأبلغ التئام وانتظام، بحيث لا يكتنه عند ذوي العقول، وأولي الإفهام المجبولين على الاستعلام والاستفهام، بل لاحظ لهم منها سوى الحيرة والعبرة، وأنواع الوله والهيمان {وَ} خلق {ٱلأَرْضِ} ممهدة منبسطة مشتملة على جبال راسيات، وبحار واسعات، وأنهار جاريات، وأشجار مثمرات، ومعادن وحيوانات، وأصناف من نواع الإنسان المجبول على صورة الرحمن، الجامع لأنواع التبيان والبيان، وأصناف الدلائل والبرهان؛ ليصير مرآة مجلوة يتراءى فيها صور الأسماء والصفات الإلهية، وينعكس منها شئونه وتطوراته {وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ} أي: لغاتكم وتكلمكم أيها المجبولون على فطرة النيابة والخلافة. {وَ} اختلاف {أَلْوَانِكُمْ} من السواد والبياض، وأنواع التخطيطات والتشكيلات، والهيئات الصورية والمعنوية التي اشتملت عليها هياكلكم وهوايتكم، إنما هي من آثار الأوصاف والأسماء الإلهية التي امتدت على ماهياتكم وتعيناتكم أظلالها وانبسطت {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الانطباق والالتصاق وأنواع الائتلاف والانتظام الواقعة في الأنفس والآفاق على أغرب الوجوه وأبدع الطرق {لآيَاتٍ} دلائل واضحات، وشواهد لائحات على كمال قدرة العليم الحكيم {لِّلْعَالِمِينَ} [الروم: 22] أي: لكل من يتأتى منه التفطن والتدبر للمبدأ والمعاد من أرباب الهداية والرشاد، والتأمل والتفكر على سبيل النظر والاستدلال من الصنائع والآثار إلى الصانع المؤثر المختار. {وَمِنْ آيَاتِهِ} العظام أيضاً: {مَنَامُكُم} واستراحتكم؛ تقويماً لأمزجتكم، تقويةً لقواكم {بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} وقت عروض الإعياء والعناء {وَٱبْتِغَآؤُكُمْ} طلبكم المعاش فيهما {مِّن فَضْلِهِ} وسعة رحمة جوده، أو على طريق اللف والنشر بأن قدر لمنامكم زمان الليل ولابتغائكم النهار {إِنَّ فِي ذَلِكَ} التقدير والتدبير المبني عن كمال العطف واللطف {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [الروم: 23] دلائل توحيده سبحانه سمع قبول ورضا، ويتأملون في حكمة الحكيم المدبر لمصالح عباده، وما هو إلا صلح لهم. {وَمِنْ} جملة {آيَاتِهِ} أيضاً: إنه سبحانه {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ} المبنئ عن هجوم البلاء ونزول المطر أيضاً، إنما أريكم سبحانه؛ ليحصل لكم {خَوْفاً} من خشية الله وحلول غضبه وعذابه {وَطَمَعاً} لنزول فضله ورحمته، وإنما فعل سبحانه معهم كذلك؛ لتكونوا دائماً خائفين من سخطه وبطشه، راجعين من فضله وجوده {وَيُنَزِّلُ مِنَ} جانب {ٱلسَّمَآءِ مَآءً} بعدما أراكم البرق المخيف المطمع {فَيُحْيِي بِهِ} أي: بالماء النازل {ٱلأَرْضَ} اليابسة {بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: بعد جمودها ويبسها {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإراءة والإخافة والإطماع، والإنزال والإحياء {لآيَاتٍ} على حكمة القادر المختار، المستقل في التصرف والآثار {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 24] ويستعملون عقولهم في التفكر والتدبر في المصنوعات العجيبة والمخترعات البديعة الصادرة من الفاعل المطلق بالإرادة والاختيار. {وَمِنْ آيَاتِهِ} المحكمة أيضاً: {أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ} يعني: من جملة آياته الظاهرة الباهرة: قيام السماء والأرض بلا عمد وأوتاد وأسانيد، وقرارها ومدارها في مكان معين بلا تبدل وتحول، إنما هو بأمره وحكمه، وعلى مقتضى إرادته ومشيئته، بحث لا يسع لهما الخروج عن أمره وحكمه أصلاً {ثُمَّ} بعدما تأملتم نفاذ حكمه سبحانه، ومضاء قضائه في معظم مخلوقاته، فلكم أن تتيقنوا {إِذَا دَعَاكُمْ} وقت إرادة إعادتكم وإحيائكم {دَعْوَةً} متضمنة لأخراجكم {مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] يعني: بعدما أسمعكم بكمال قدرته مضمون دعوته إليكم فاجأتم إلى الخروج منها أحياءً بلا تراخٍ ومهلةٍ تتميماً لسرعة نفوذ قضائه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : والعَالِمُون هم أهل العلم الذين يفهمون العبر ويتدبرون الآيات. والآيات في ذلك كثيرة: فمن آيات خلق السماوات والأرض وما فيهما، أن ذلك دال على عظمة سلطان اللّه وكمال اقتداره الذي أوجد هذه المخلوقات العظيمة، وكمال حكمته لما فيها من الإتقان وسعة علمه، لأن الخالق لا بد أن يعلم ما خلقه {أية : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } تفسير : وعموم رحمته وفضله لما في ذلك من المنافع الجليلة، وأنه المريد الذي يختار ما يشاء لما فيها من التخصيصات والمزايا، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ويوحد لأنه المنفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة، فكل هذه أدلة عقلية نبه اللّه العقول إليها وأمرها بالتفكر واستخراج العبرة منها. { و } كذلك في { اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ } على كثرتكم وتباينكم مع أن الأصل واحد ومخارج الحروف واحدة، ومع ذلك لا تجد صوتين متفقين من كل وجه ولا لونين متشابهين من كل وجه إلا وتجد من الفرق بين ذلك ما به يحصل التمييز. وهذا دال على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته. و [من] عنايته بعباده ورحمته بهم أن قدر ذلك الاختلاف لئلا يقع التشابه فيحصل الاضطراب ويفوت كثير من المقاصد والمطالب.