٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
الرازي
تفسير : لما ذكر العرضيات التي للأنفس اللازمة والمفارقة ذكر العرضيات التي للآفاق، وقال: {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لما قدم دلائل الأنفس ههنا قدم العرضيات التي للأنفس وأخر العرضيات التي للآفاق كما أخر دلائل الآفاق، بقوله: { أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الروم: 22]. المسألة الثانية: قدم لوازم الأنفس على العوارض المفارقة حيث ذكر أولاً اختلاف الألسنة والألوان ثم المنام والابتغاء، وقدم في الآفاق العوارض المفارقة على اللوازم حيث قال: {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزّلُ } وذلك لأن الإنسان متغير الحال والعوارض له غير بعيدة، وأما اللوازم فيه فقريبة. وأما السموات والأرض فقليلة التغير فالعوارض فيها أغرب من اللوازم، فقدم ما هو أعجب لكونه أدخل في كونه آية ونزيده بياناً فنقول: الإنسان يتغير حاله بالكبر والصغر والصحة والسقم وله صوت يعرف به لا يتغير وله لون يتميز عن غيره، وهو يتغير في الأحوال وذلك لا يتغير وهو آية عجيبة، والسماء والأرض ثابتان لا يتغيران، ثم يرى في بعض الأحوال أمطار هاطلة وبروق هائلة، والسماء كما كانت والأرض كذلك، فهو آية دالة على فاعل مختار يديم أمراً مع تغير المحل ويزيل أمراً مع ثبات المحل. المسألة الثالثة: كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء. المسألة الرابعة:كما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافع، كذلك في تقدم البرق والرعد على المطر منفعة، وذلك لأن البرق إذا لاح، فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلال فيستعد له، والذي له صهريج أو مصنع يحتاج إلى الماء أو زرع يسوي مجاري الماء، وأيضاً العرب من أهل البوادي فلا يعلمون البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب، واعلم أن فوائد البرق وإن لم تظهر للمقيمين بالبلاد فهي ظاهرة للبادين ولهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة، وآية، وأما كونه آية فظاهر فإن في السحاب ليس إلا ماء وهواء وخروج النار منها بحيث تحرق الجبال في غاية البعد فلا بد له من خالق هو الله، قالت الفلاسفة السحاب فيه كثافة ولطافة بالنسبة إلى الهواء والماء. فالهواء ألطف منه والماء أكثف فإذا هبت ريح قوية تخرق السحاب بعنف فيحدث صوت الرعد ويخرج منه النار كمساس جسم جسماً بعنف، وهذا كما أن النار تخرج من وقوع الحجر على الحديد فإن قال قائل الحجر والحديد جسمان صلبان والسحاب والريح جسمان رطبان، فيقولون لكن حركة يد الإنسان ضعيفة وحركة الريح قوية تقلع الأشجار، فنقول لهم البرق والرعد أمران حادثان لا بد لهما من سبب، وقد علم بالبرهان كون كل حادث من الله فهما من الله، ثم إنا نقول هب أن الأمر كما تقولون فهبوب تلك الريح القوية من الأمور الحادثة العجيبة لا بد من سبب وينتهي إلى واجب الوجود، فهو آية للعاقل على قدرة الله كيفما فرضتم ذلك. المسألة الخامسة: قال ههنا: {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } لما كان حدوث الولد من الوالد أمراً عادياً مطرداً قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أن ذلك بالطبيعة، لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة من المختلف، لكن البرق والمطر ليس أمراً مطرداً غير متخلف إذ يقع ببلدة دون بلدة وفي وقت دون وقت وتارة تكون قوية وتارة تكون ضعيفة فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار، فقال هو آية لمن له عقل إن لم يتفكر تفكراً تاماً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ} الدالة على عظمته: أنه {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} أي: تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق متلفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال تعالى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْىِ بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء، {أية : ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [الحج: 5] وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا قال: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ثم قال تعالى: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ} كقوله تعالى: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الحج: 65] وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ}. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اجتهد في اليمين قال: والذي تقوم السماء والأرض بأمره، أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها، وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة، بدلت الأرض غير الأرض والسموات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى، ودعائه إياهم، ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 52] وقال تعالى: {أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} تفسير : [النازعات: 13 ــــ 14] وقال تعالى: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } تفسير : [يس: 53].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْ ءَايَٰتِهِ يُرِيكُمُ } أي إراءتكم {ٱلْبَرْقَ خَوْفاً } للمسافر من الصواعق {وَطَمَعًا } للمقيم في المطر {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَيُحْىِ بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } أي يبسطها بأن تنبت {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور {لأَيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يتدبَّرون.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِن ءَايَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم، قاله قتادة. الثاني: خوفاً من الصواعق وطمعاً في الغيث، قاله الضحاك. الثالث: خوفاً من البرد أن يهلك الزرع وطمعاً في المطر أن يحيي الزرع، حكاه يحيى بن سلام. الرابع: خوفاً أن يكون البرق برقاً خُلّباً لا يمطر وطمعاً أن يكون ممطراً، ذكره ابن بحر، وأنشد قول الشاعر: شعر : لا يكن برقك برقاً خُلّباً إن خير البرق ما الغيث معه تفسير : والعرب يقولون: إذا توالت أربعون برقة مطرت وقد أشار المتنبي إلى ذلك بقوله: شعر : فقد أرد المياه بغير زادٍ سوى عَدّي لها بَرْق الغمام تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ ءَآيَاتِهِ أنْ تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ} فيه وجهان: أحدهما: أن تكون. الثاني: أن تثبت. {بِأَمْرِهِ} فيه وجهان: أحدهما: بتدبيره وحكمته. الثاني: بإذنه لها أن تقوم بغير عمد. {ثُمَّ إِذا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنْ الأَرْضِ} أي وأنتم موتى في قبوركم. {إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} أي من قبوركم مبعوثين إلى القيامة. قال قتادة: دعاهم من السماء فخرجوا من الأرض. ثم فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أخرجهم بما هو بمنزلة الدعاء وبمنزلة قوله كن فيكون، قاله ابن عيسى. الثاني: أنهم أخرجهم بدعاء دعاهم به، قاله قتادة. الثالث: أنه أخرجهم بالنفخة الثانية وجعلها دعاء لهم. ويشبه أن يكون قول يحيى بن سلام.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَوْفاً} للمسافر {وَطَمَعاً} للمقيم، أو خوفاً من الصواعق وطمعاً في الغيث، أو خوفاً من البرد أن يهلك الزرع وطمعاً في الغيث أن يحييه، أو خوفاً أن يكون خُلباً لا يمطر وطمعاً أن يمطر.
النسفي
تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } في {يريكم} وجهان: إضمار أن كما في حرف ابن مسعود رضي الله عنه وإنزال الفعل منزلة المصدر وبهما فسر المثل «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أي أن تسمع أو سماعك {خَوْفًا } من الصاعقة أو من الإخلاف {وَطَمَعًا } في الغيث أو خوفاً للمسافر وطمعاً للحاضر، وهما منصوبان على المفعول له على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي إرادة خوف وإرادة طمع، أو على الحال أي خائفين وطامعين {وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } وبالتخفيف: مكي وبصري {ماءً} مطراً {فيحي به الأَرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} يتفكرون بعقولهم {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ } تثبت بلا عمد {ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ } أي بإقامته وتدبيره وحكمته {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ } للبعث {دَعْوَةً مّنَ ٱلأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } من قبوركم هذا كقوله {يريكم} في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السماوات والأرض واستمساكها بغير عمد، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة يا أهل القبور أخرجوا، والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف. وإنما عطف هذا على قيام السماوات والأرض بـــــ «ثم» بياناً لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر كما قال {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }تفسير : [الزمر: 68] و«إذا» الأولى للشرط والثانية للمفاجأة وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط {ومن الأرض} متعلق بالفعل لا بالمصدر. وقولك «دعوته من مكان كذا» يجوز أن يكون مكانك ويجوز أن يكون مكان صاحبك
البقاعي
تفسير : ولما ختم بالسمع آية جمعت آيات الأنفس والآفاق لكونها نشأت من أحوال البشر والخافقين، افتتح بالرؤية آية أخرى جامعة لهما لكونها ناشئة عنهما مع كونها أدل على المقصود جامعة بين الترغيب والترهيب فقال: {ومن آياته} ولما كان لمعان البرق جديراً بالتماع البصر عند أول رؤية، وكان يتجدد في حين دون حين، عبر بالمضارع حاذفاً الدال على إرادة المصدر للدلالة على التجدد المعجب منه فقال: {يريكم البرق} أي على هيئات وكيفيات طالما شاهدتموها تارة تأتي يما يضر وتارة بما يسر، ولذلك قال معبراً بغاية الإخافة والإطماع لأن الغايات هي المقصودة بالذات: {خوفاً} أي للإخافة من الصواعق المحرقة {وطمعاً} أي وللاطماع في المياه الغدقة، وعبر بالطمع لعدم الأسباب الموصلة إليه. ولما كان البرق غالباً من المبشرات بالمطر، وكان ما ينشأ عن الماء أدل شيء على البعث، أتبعه شرح ما أشار إليه به من الطمع فقال: {وينزّل} ولما كان إمساك الماء في جهة العلو في غاية الغرابة، قال محققاً للمراد بالإنزال من الموضع الذي لا يمكن لأحد غيره دعواه {من السماء ماء}. ولما جعل سبحانه ذلك سبباً لتعقب الحياة قال: {فيحيي به} أي الماء النازل من السماء خاصة لأن أكثر الأرض لا تسقى بغيره {الأرض} أي بالنبات الذي هو لها كالروح لجسد الإنسان، ولما كانت الأرض ليس لها من ذاتها في الإنبات إلا العدم، وكان إحياؤها به متكرراً، فكان كأنه دائم، وكان ذلك أنسب لمقصود السورة حذف الجار قائلاً: {بعد موتها} أي بيبسه وتهشمه {إن في ذلك} أي الأمر العظيم العالي القدر {لآيات} لا سيما على القدرة على البعث. ولما كان ذلك ظاهراً كونه من الله الفاعل بالاختيار لوقوعه في سحاب دون سحاب وفي وقت دون آخر وفي بلد دون آخر، وعلى هيئات من القوة والضعف والبرد والحر وغير ذلك من الأمر، وكان من الوضوح في الدلالة على البعث بمكان لا يخفى على عاقل قال: {لقوم يعقلون*}. ولما كان جميع ما مضى من الآيات المرئيات ناشئاً عن هذين الخلقين العظيمين المحيطين بمن أنزلت عليهم هذه الآيات المسموعات بياناً لمن أشكل عليه أمر الآيات المرئيات، ذكر أمراً جامعاً للكل وهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أكثر من العقل المختوم به ما قبل فقال: {ومن آياته} أي على تمام القدرة وكمال الحكمة. ولما كانت هذه الآية في الثبات لا في التجدد، أتى بالحرف الدال على المصرف ليسلخ الفعل عن الاستقبال، وعبر بالمضارع لأنه لا بد من إخراجهما عن هذا الوضع فقال: {أن تقوم} أي تبقى على ما تشاهدون من الأمر العظيم بلا عمد {السماء} أفرد لأن السماء الأولى لا تقبل النزاع لأنها مشاهدة مع صلاحية اللفظ للكل لأنه جنس {والأرض} على ما لهما من الجسامة والثقل المقتضي للهبوط {بأمره} لا بشيء سواه. ولما لم يبق في كمال علمه وتمام قدرته شبهة، قال معبراً بأداة التراخي لتدل - مع دلالتها على ما هي له - على العظمة، فقال دالاً على أن قدرته على الأشياء كلها مع تباعدها على حد سواء، وأنه لا فرق عنده في شمول أمره بين قيام الأحياء وقيام الأرض والسماء {ثم إذا دعاكم} وأشار إلى هوان ذلك الأمر عنده بقوله: {دعوة من الأرض} على بعد ما بينها وبين السماء فضلاً عن العرش، وأكد ذلك بكونه مثل لمح البصر أو هو أقرب فقال معبراً بأداة الفجاءة: {إذا أنتم تخرجون*} أي يتجدد لكم هذا الوصف بعد اضمحلالكم بالموت والبلى، ويتكرر باعتبار آحادكم من غير تلبث ولا مهلة أصلاً، إلا أن يترتب على الأفضل فالأفضل لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أول من تنشق عنه الأرض"تفسير : كما دعاكم منها أولاً إذا خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، وأعرى هذه مما ختم به الآيات السالفة تنبيهاً على أنها مثل الأولى قد انتهت في الظهور، ولا سيما بانضمامها إلى الأولى التي هي أعظم دال عليها إلى حد هو أضوأ من النور، كما تأتي الإشارة إليه في آية "وهو أهون عليه". ولما ذكر تصرفه في الظرف وبعض المظروف من الإنس والجن، ذكر قهره للكل فقال: {وله} أي وحده بالملك الأتم {من في السماوات والأرض} أي كلهم، وأشار إلى الملك بقوله: {كلٌّ له} أي وحده. ولما كان انقياد الجمع مستلزماً لانقياد الفرد دون عكسه جمع في قوله: {قانتون*} أي مخلصون في الانقياد ليس لأنفسهم ولا لمن سواه في الحقيقة والواقع تصرف بوجه ما إلا بإذنه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: مطيعون طاعة الإرادة وإن عصوا أمره في العبادة - نقله عنه البغوي وغيره ورجحه الطبري وهو معنى ما قلت. ولما كان هذا معنى يشاهده كل أحد في نفسه مع ما جلى سبحانه من عرائس الآيات الماضيات، فوصل الأمر في الوضوح إلى حد عظيم قال: {وهو} أي لا غيره {الذي يبدأ الخلق} أي على سبيل التجديد كما تشاهدون، وأشار إلى تعظيم الإعادة بأداة التراخي فقال: {ثم يعيده} أي بعد أن يبيده. ولما كان من المركوز في فطر جميع البشر أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه قال: {وهو} أي وذلك الذي ينكرونه من الإعادة {أهون عليه} خطاباً لهم بما الفوه وعقلوه ولذلك أخر الصلة لأنه لا معنى هنا للاختصاص الذي يفيده تقديمها. ولما كان هذا إثماً هو على طريق التمثيل لما يخفى عليهم بما هو جلي عندهم، وكل من الأمرين بالنسبة إلى قدرته على حد سواء لا شيء في علمه أجلى من آخر، ولا في قدرته أولى من الآخر، قال مشيراً إلى تنزيه نفسه المقدسة عما قد يتوهمه بعض الأغبياء من ذلك: {وله} أي وحده {المثل الأعلى} أي الذي تنزه عن كل شائبة نقص، واستولى على كل رتبة كمال، وهو أمره الذي أحاط بكل مقدور، فعلم به إحاطته هو سبحانه بكل معلوم، كما تقدم في البقرة في شرح المثل {أية : ألا له الخلق والأمر}تفسير : [الأعراف: 54]. ولما كان الخلق لقصورهم مقيدين بما لهم به نوع مشاهدة قال: {في السماوات والأرض} اللتين خلقهما ولم تستعصيا عليه، فكيف يستعصي عليه شيء فيهما، وقد قالوا: إن المراد بالمثل هنا الصفة، وعندي أنه يمكن أن يكون على حقيقته تقريباً لعقولنا، فإذا أردنا تعرفه سبحانه في الملك مثلنا بأعلى ما نعلم من ملوكنا فنقول: الاستواء على العرش مثل للتدبير والتفرد بالملك كما يقال في ملوكنا: فلان جلس على سرير الملك، بمعنى: استقل بالأمر وتفرد بالتدبير وإن لم يكن هنا سرير ولا جلوس، وإذا ذكر بطشه سبحانه وأخذه لأعدائه في نحو قوله تعالى: {أية : يد الله فوق أيديهم} تفسير : [الفتح: 10] {أية : إن بطش ربك لشديد}تفسير : [البروج: 12] مثلناه بما لو قهر سلطان أعدائه بحزمه وصحة تدبيره وكثرة جنوده فقلنا "محق سيفه أعداءه" فأطلقنا سيفه على ما ذكر من قوته، وإذا قيل: تجري بأعيننا، ونحو ذلك علمنا أنه مثل ما نقول إذا رأينا ملكاً حسن التدبير لا يغفل عن شيء من أحوال رعيته فقلنا "هو في غاية اليقظة" فأطلقنا اليقظة التي هي ضد النوم على حسن النظر وعظيم التدبير وشمول العلم، وهذه تفاصيل مما قدمت أنه مثله، وهو أمره المحيط الذي انجلى لنا به غيب ذاته سبحانه، وهكذا ما جاء من أمثاله نأخذ من العبارة روحها فنعلم أنه المراد، وأن ذلك الظاهر ما ذكر إلا تقريباً للأفهام النقيسة على ما نعرف من أعلى الأمثال، والأمر بعد ذلك أعلى مما نعلم، ولذلك قال تعالى: {وهو} أي وحده {العزيز} أي الذي إذا أراد شيئاً كان له في غاية الانقياد كائناً ما كان {الحكيم*} أي الذي إذا أراد شيئاً أتقنه فلم يقدر غيره على التوصل إلى نقص شيء منه، ولا تتم حكمة هذا الكون على هذه الصورة إلا بالبعث، بل هو محط الحكمة الأعظم ليصل كل ذي حق إلى حقه بأقصى التحرير على ما نتعارفه وإلا لكان الباطل أحق من الحق وأكثر، فكان عدم هذا الموجود خيراً من وجوده وأحكم.
القشيري
تفسير : يُلْقِي في القلوب من الرجاءِ والتوقع في الأمور، ثم يختلف بهم الحال؛ فمِنْ عبدٍ يحصلُ مقصودُه. ومِنْ آخر لا يتفق مرادُه. والأحوال اللطيفة كالبروق، وقالوا: إنها لوائح ثم لوامع ثم طوالع ثم شوارق ثم متوع النهار، فاللوائح في أوائل العلوم، واللوامع من حيث الفهوم، والطوالع من حيث المعارف، والشوارق من حيث التوحيد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن آياته يريكم البرق} اصله ان يريكم فلما حذف ان لدلالة الكلام عليه سكن الياء كما فى القرآن. وقيل غير ذلك كما فى التفاسير. والبرق لمعان السحاب وبالفارسية [درخش]. وفى اخوان الصفاء البرق وهواء {خوفا} مفعول بمعنى الاخافة كقوله فعلته رغما للشيطان اى ارغا ماله. والمعنى يريكم ضوء السحاب اخافة من الصاعقة خصوصا لمن كان فى البرية من ابناء السبيل وغيرهم [وصاعقة آوازيست هائل كه با او آتشى باشد فى زبانه ودودكه بهرجا رسد بسوزد] {وطمعا} اى اطماعا فى الغيث لا سيما لمن كان مقيما. فان قلت المقيم يطمع لضرورة سقى الزروع والكروم والبساتين ونحوها واما المسافر فلا. قلت يطمع المسافر ايضا فى الارض القفر {وينزل من السماء} [از آسمان يا ازابر] {ماء} [آبى را]. قال فى اخوان الصفاء المطر هو الاجزاء المائية اذا التأم بعضها مع بعض وبردت وثقلت رجعت نحو الارض {فيحي به} اى بسبب ذلك الماء وهو المطر {الارض} بالنبات {بعد موتها} اى يبسها. فان قيل ما الارض يقال جسم غليظ اغلظ ما يكون من الاجسام واقف فى مركز العالم مبين لكيفية الجهات الست فالمشرق حيث تطلع الشمس والمغرب حيث تغيب والشمال حيث مدار الجدى والجنوب حيث مدار سهيل والفوق ما يلى المحيط والاسفل ما يلى مركز الارض. فان قيل ما النبات يقال ما الغالب عليه المائية ويقول الفرس اذا زخرت الاودية اى كثرت بالماء كثر الثمر واذا اشتد الرياح كثر الحب. واعلم ان الثمر والشجر من فيض المطر والكل آثار شؤونه تعالى فى الارض. وغرس معاوية نخلا بمكة فى آخر خلافته فقال ما غرستها طمعا فى ادراكها ولكن ذكرت قول الاسدى شعر : ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ولا تكون له فى الارض آثار تفسير : {ان فى ذلك} المذكور {لآيات} [علامتها ست برقدرت الهى] {لقوم يعقلون} يفهمون عن الله حججه وادلته. قال الكاشفى [مر كروهى راكه تعقل كنند درتكون حادثات حق تابر ايشان ظاهر كردد كمالات قدرت صانع در هر حادثه] فكما انه تعالى قادر على ان يحي الارض بعد موتها كذلك قادر على ان يحي الموتى ويبعث من فى القبور. قال فى برهان القرآن ختم بقوله {يعقلون} لان العقل ملاك الامر فى هذه الابواب وهو المؤدى الى العلم انتهى. قال بعض العلماء العاقل من يرى باول رأيه آخر الامور ويهتك عن مهماتها ظلم الستور ويستنبط دقائق القلوب ويستخرج ودائع الغيوب. قال حكيم العقل والتجربة فى التعاون بمنزلة الماء والارض لا يطيق احدهما بدون الآخر انباتا: وفى المثنوى شعر : بس نكوكفت آن رسول خوش جواز ذره عقلت به از صوم ونماز زانكه عقلت جوهر ست اين دوعرض اين دودر تكميل آن شد مفترض تا جلا باشد مران آيينه را كه صفا أيد زطاعت سينه را ليك كر آيينه از بن فاسدست صيقل اورا دير باز آرد بدست اين تفاوت عقلها نيك دان در مراتب از زمين تا آسمان هست عقلى همجو قرص آفتاب هست عقلى كمتر از زهره شهاب هست عقلى جون جراغ سرخوشى هست عقلى جون ستاره آتشى عقل جزوى عقل را بدنام كرد كام دنيا مرد را بى كام كرد تفسير : وفى التأويلات النجمية {ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا} اى برق شواهد الحق عند انحراق سحاب حجب البشرية وظهور تلألؤ انوار الروحانية اولها البروق ثم اللوامع ثم الطوالع ثم الاشراق ثم التجلى فبنور البرق يرى شهوات الدنيا انها نيران فيخاف منها ويتركها ويرى مكروهات تكاليف الشرع على النفس انها جنان فيطمع فيها ويطلبها {وينزل من السماء} الروح {ماء} الرحمة {فيحي به الارض} القلوب {بعد موتها} بالمعاصي والذنوب واستغراقها فى بحر الدنيا وتموج شهواتها برياح الخذلان {ان فى ذلك لآيات لقوم يعقلون} لا يبيعون الآخرة بالاولى ولا قربات المولى بنعيم جنة المولى انتهى اللهم اجعلنا من المشتغلين بذكرك وحست طاعتك واصرفنا عن الميل الى ما سوى حضرتك انك انت محي القلوب بفيوض الغيوب.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ} كان الموافق للسّابق والّلاحق ان يقول: ومن آياته ان يريكم البرق لكنّه لمّا لم يرد ان يقول اراءة البرق من آياته عدل عنه، والظّرف لغو متعلّق بيريكم، امّا جعل يريكم بتقدير ان او واقعاً موقع المصدر فيذهب بنكتة العدول عن صريح ان او المصدر فانّه لمّا اراد ان يبيّن انّ تلك الآيات آيات لمن صار علمه تحقيقيّاً ولذلك قال: يريكم وانّ البرق المشهود انّما ينشأ من الآيات الغيبيّة الّتى يكون صاحب التّحقيق منتظراً لها دائماً قال: من آياته يريكم دون ان يريكم {خَوْفاً} اراءة خوفٍ او هو بتقدير الّلام وليس مفعولاً له او هو حال عن المفعول {وَطَمَعاً} والمقصود الخوف من الصّاعقة والطّمع فى الغيث {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يحقّقون فى العلم بالخروج من حدّ التّقليد فانّ التّعقّل عبارة عن ادراك الشّيء بالعقل لا بمحض التّقليد وهم الّذين يكون لهم قلبٌ المشار اليهم بقوله: {أية : لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} تفسير : [ق: 37] وهذا مقام التّحقيق فى العلم ووجدان آثار المعلوم والالتذاذ بالعلم وفوقه مقام الشّهود والعيان فى ادراك المعلوم وهو خاصّ بالانبياء والاولياء (ع) وفوقه مقام التّحقّق بالمعلوم وهو مقام بعض الانبياء والاولياء (ع).
الأعقم
تفسير : {ومن آياته يريكم البرق خوفاً} وهو نار يحدث في السحاب خوفاً {وطمعاً} من الحلف وطمعاً في المطر، وقيل: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم {وينزّل من السماء ماء فيحي به الأرض بعد موتها} بعد يبسها {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} يستدلون {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} أي قوّمها من غير عمد، يعني قيام السماء والأرض واستمساكهما بغير عمد من أعظم الآيات على توحيده بأمره، أي بقوله كونا قائمتين {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} وذلك خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة من الأرض دعوة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة وجود ذلك وهو منادي القيامة {وله من في السماوات والأرض} ملكاً وخلقا {كلٌ له قانتون} مطيعون في تصريفه لا يمتنع عليه شيء مما يريد بهم من إحياء أو موت أو صحة أو مرض {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الفناء {وهو أهون عليه} أي هيّن عليه سهل يسير {وله المثل الأعلى} الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله مذ عرف به ووصف {في السماوات والأرض} وهو أنه القادر لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما من المقدروات، ويدل عليه قوله: {وهو العزيز الحكيم} أي القادر على كل مقدور الحكيم في صنعه، وعن مجاهد: المثل الأعلى قوله لا إله إلا الله ومعناه أوله الوصف الأعلى الذي هو الوصف بالوحدانية ويعضده قوله: {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} معناه هل ترضون لأنفسكم وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيد وأن يشاركهم بعضهم {فيما رزقناكم} من الأموال وغيرها أن تكونوا أنتم وهم فيه على السواء من غير تفصيلة بين حرٍّ وعبدٍ، تهابون أن تستبدوا بتصرف دونهم وأن تفانوا بتدبير عليهم كما تهاب بعضكم بعضاً من الأحرار، وإذا لم ترضوا فرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء {كذلك نفصِّل الآيات} أي نبينها لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها {لقوم يعقلون} يعلمون بأن يستدلوا {بل اتبع الذين ظلموا} أي أشركوا بقوله تعالى: {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13] {بغير علم} أي اتبعوا {أهواءهم} جاهلين {فمن يهدي من أضل الله} أي من خذله ولم يلطف به لعلمه أنه ممن لا لطف له {وما لهم من ناصرين} من ينصرهم لينجيهم من عذاب الله تعالى.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} الأصل ان يريكم بالنصب حذفت إن وارتفع الفعل وقيل يريكم مبتدأ ومفعول به تنزيلاً للفعل منزلة الإسم الذي هو مصدر بلا تقدير حرف المصدر. {البَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} معفول لأجلهما إما بناء على عدم اشتراط اتحاد الفاعل فإن فاعل الإرادة الله وفاعل الخوف والطمع الإنسان او لان معنى يريكم بمعنى يجعلكم رائتين او يجعلكم ترون والراؤون هم الناس لكن بضعفه أن العامل الذي يتعلق به الأحكام النجوية هو يريكم لا ترون او ورائين لان الخوف والطمع ليسا علتين للرؤية وقال بذلك الوجه ابن مالك في شرح التسهيل معنى يريكم يجعلكم ترون ففاعل الرؤية هو فاعل الخوف والطمع وكذا ابن هشام أو {خَوْفاً وَطَمَعاً} إسمان مصدريان ومعناهما إخافةً وإطماعاً فيه فيتحد الفاعل وهو الله سبحانه وتعالى، أو يقدر مضاف أي إرادة خوف وطمع فيتحد الفاعل ايضا وهو الله لكن فاعل الإرادة التي هي المفعول لأجله في الحقيقة حذف وناب عنه المضاف إليه أو مفعول لأجلهما من محذوف اي يرونه خوفاً وطمعاً أو حالان بمعنى خائفين وطامعين أو ذوي خوف وطمع، قال ابن هشام: فتخافون خوفاً وتطمعون طمعاً وابن مالك يمنع حذف عامل المصدر المؤكد إلا فيما استثنى أو خائفين أو طامعين أو لأجل الخوف والطمع فان قلنا لا يشترط اتحاد ما على الفعل والمصدر المعلل وهو اختيار ابن خروف فواضح، وقيل باشتراطه فوجهه أن يريكم بمعنى يجعلكم ترون والتعليل باعتبار الرؤية لا الإرادة أو الأصل إخافة وإطماعا وحذفت الزوائد ـ انتهى ـ كلام ابن هشام. والمراد والله أعلم الخوف من الصاعقة والطمع في الغيث وقيل: الخوف من الإخلاف وهو ترك الغيث والطمع في الغيث وقيل: خوف المسافر من الصاعقة وطمع المقيم في الغيث وقيل: خوفا من البرد يفسد الزرع وطمعاً في المطر. {وَيُنَزِّلُ} وقرىء بإسكان النون. {مِنَ السَّمَاء مَاءً فَيُحْي بهِ الأَرْضَ} بالنبات. {بَعْدَ مَوْتِهَا} يبسها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكونها لتظهر كمال قدرة الصانع وحكمته تعالى.
اطفيش
تفسير : {ومن آياته} فى الدلالة على القدرة من للابتداء متعلق بقوله: {يُريكُم البَرْق} ظهر لى زيادة على الاوجه المشهورة فيه، ثم رايته وجها لبحر العلم ابى حيان فى بحره، الا ان فيه مخالفة لنظرائه مثل قوله عز وجل: "أية : ومن آياته أن تقوم السماء والأرض" تفسير : [الروم: 25] "أية : ومن آياته أنْ يرسل الرياح"تفسير : [الروم: 46] ولا بأس بمخالفة نظرائه للتفنن، وعلى المناظرة يجعل مرفوعا لفظاً منصوبا بتقدير ان اى {ومن آياته يريكم} فهو فى تأويل مصدر مبتدأ خبره: من آياته، ومن للتبعيض، ولكن تقدير ان يصرف الفعل للاستقبال، وليس مرادا، بل الحال والاستمرار، اللهم الا ان يراد ان يريكم بعد ما اراكم قبل وفى الحال، ويجوز ان يكون يريكم مبتدأ بلا تأويل مصدر منزلا منزلة الاسم، مستعملا فى جزء معناه، وهو الحدث مقطوعا فيه عن الزمان، فهو اسم فى صورة الفعل، ومعناه الاراءة لا الرؤية، ويجوز ان يكون نعتا لمبتدأ محذوف مع حذف الرابط، اى ومن آياته آية يريكم البرق فيها او بها، وان يكون من آياته حال من البرق، او خبر محذوف اى ومن آياته {البرق}، او ما يتلى عليكم، ثم استأنف يريكم البرق. {خَوفاً وطمَعاً} مفعول من اجله باعتبار ما تضمنه يريكم، لان المعنى يصيركم راءين خوفا وطمعا، فقد اتخذ الفاعل لانهم راءون خائفون طامعون، ولكن يضعف معنى قولك يصيركم راءين، لاجل ان تروه خوفا وطمعا، ولو رؤية قصد وتوجه، او مفعول من اجله للاراءة على انهما اسما مصدرين، اى اخافة واطماعا، او مصدران حال من الكاف لمبالغة او تأويل بذوى خوف او طمع، او بخائفين وطامعين، او اسما مصدر لتأويل ذوى اخافة وطمع، او مخيفين ومطمعين {وينزل من السَّماءِ ماءً فيحيى به الأرض بعد مَوتها} حكم الفعلين حكم يريكم لعطفهما عليه، شبه انبات الارض باحياء الميت لجامع الايجاد واعدامه باماته الحى بجامع الافناء. {إنَّ في ذلك لآيات لقَومٍ يعْقِلَون} يستعملون عقولهم، فيدركون ان احياء الموتى المعقول، وانبات الارض المحسوس معنى واحد، فهو تعالى قادر على البعث قدرته على الانبات.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } ذهب أبو علي إلى أنه بتقدير أن المصدرية والأصل أن يريكم فحذف أن وارتفع الفعل وهو الشائع بعد الحذف في مثل ذلك، وشذ بقاؤه منصوباً بعده وقد روي بالوجهين قول طرفة:شعر : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي تفسير : وجوز كونه مما نزل فيه الفعل منزلة المصدر فلا تقدر أن بل الفعل مستعمل في جزء معناه وهو الحدث مقطوع فيه النظر عن الزمان فيكون اسماً في صورة الفعل فيريكم بمعنى الرؤية، وحمل على ذلك في المشهور قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وجوز فيه أن يكون مما حذف فيه أن وأيد بأنه روي فيه تسمع بالنصب أيضاً ولم يرتضه بعض الأجلة لأن المعنى ليس على الاستقبال، وأما أن تراه فالاستقبال فيه بالنسبة إلى السماء فلا ينافيه، ومثله قوله:شعر : فقالوا ما تشاء فقلت ألهو إلى الإصباح آثر ذي أثير تفسير : ورجح الحمل على التنزيل منزلة اللازم دلالة على أنه كالحال اهتماماً بشأن المراد لقوله: آثر ذي أثير، والتعليل بأن ما تشاء سؤال عما يشاؤه في الحال وأن للاستقبال ليس بالوجه لأن المشيئة تتعلق بالمستقبل أبداً، وقال الجامع الأصفهاني: تقدير الآية ومن آياته آية يريكم البرق على أن {يُرِيكُمْ } صفة وحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه كما في قوله:شعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح تفسير : أي فمنهما تارة أموت قيل فلا بد من راجع فقدر فيها أو بها، ونص على الثاني الرماني كما في «البحر» وكلاهما لا يسد ـ كما في «الكشف» ـ عليه المعنى، وقيل: التقدير ومن آياته البرق ثم استؤنف يريكم البرق، وقيل: {مّنْ ءايَـٰتِهِ } حال من البرق أي يريكم البرق حال كونه من آياته، وجوز أبو حيان تعلقه بيريكم و {مِنْ } لابتداء الغاية وفيه مخالفة لنظرائه. وفي «الكشف» لعل الأوجه أن يكون {مّنْ ءايَـٰتِهِ} خبر مبتدأ محذوف أي من آياته ما يذكر أو ما يتلى عليكم ثم قيل: {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } بياناً لذلك ثم قال: وهذا أقل تكلفاً من الكل، وأنت تعلم أن الأوجه ما توافق الآية به نظائرها. {خَوْفًا } أي من الصواعق {وَطَمَعًا} في المطر قاله الضحاك، وقال قتادة: خوفاً للمسافر لأنه علامة المطر وهو يضره لعدم ما يكنه ولا نفع له فيه وطمعاً للمقيم، وقيل: خوفاً أن يكون خلباً وطمعاً أن يكون ماطراً وقال ابن سلام: خوفاً من البرد أن يهلك الزرع وطمعاً في المطر ونصبهما على العلة عند الزجاج، وهو على مذهب من لا يشترط في نصب المفعول له اتحاد المصدر والفعل المعلل في الفاعل ظاهر، وأما على مذهب الأكثرين المشترطين لذلك فقيل في توجيهه: إن ذلك على تقدير مضاف أي إرادة خوف وطمع أي على تأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع أما بأن يجعل أصلهما ذلك على حذف الزوائد أو بأن يجعلا مجازين عن سببيهما. وقيل: إن ذلك لأن إراءتهم تستلزم رؤيتهم فالمفعولون فاعلون في المعنى فكأنه قيل: لجعلكم رائين خوفاً وطمعاً. واعترض بأن الخوف والطمع ليسا غرضين للرؤية ولا داعيين لها بل يتبعانها فكيف يكونان علة على فرض الاكتفاء بمثل ذلك عند المشترطين، ووجه بأنه ليس المراد بالرؤية مجرد وقوع البصر بل الرؤية القصدية بالتوجه والالتفات فهو مثل قعدت عن الحزب جبناً ولم يرتض ذلك أبو حيان أيضاً ثم قال: لو قيل على مذهب المشترطين أن التقدير يريكم البرق فترونه خوفاً وطمعاً فحذف العامل للدلالة عليه لكان إعراباً سائغاً، وقيل: لعل الأظهر / نصبهما على العلة للإراءة لوجود المقارنة والاتحاد في الفاعل فإن الله تعالى هو خالق الخوف والطمع، وكون معنى قول النحاة لا بد أن يكون المفعول له فعل الفاعل أنه لا بد من كونه متصفاً به كالإكرام في قولك: جئتك إكراماً لك إن سلم فلا حجر من الانتصاب على التشبيه في المقارنة والاتحاد المذكور. وتعقب بأن كون المعنى ما ذكر مما لا شبهة فيه وقد ذكره صاحب «الانتصاف» وغيره فإن الفاعل اللغوي غير الفاعل الحقيقي فالتوقف فيه وادعاء أنه لا حجر من الانتصاب على التشبيه مما لا وجه له، وأنا أميل إلى عدم اشتراط الاتحاد في الفاعل لكثرة النصب مع عدم الاتحاد كما يشهد بذلك التتبع والرجوع إلى «شرح الكافية» للرضى، والتأويل مع الكثرة مما لا موجب له، وجوز أن يكون النصب هنا على المصدر أي تخافون خوفاً وتطمعون طمعاً على أن تكون الجملة حالاً، وأولى منه أن يكونا نصباً على الحال أي خائفين وطامعين. {وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } وقرأ غير واحد بالتخفيف {فَيُحْيىِْ} أي بسبب الماء {ٱلأَرْضِ } بأن يخرج سبحانه به النبات {بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع جل شأنه وحكمته سبحانه، وقال الطيبـي: لما كان ما ذكر تمثيلاً لإحياء الناس وإخراج الموتى وكان التمثيل لإدناء المتوهم المعقول وإراءة المتخيل في صورة المحقق ناسب أن تكون الفاصلة لقوم يعقلون.
ابن عاشور
تفسير : تلك آية خامسة وهي متعلقة بالإنسان وليست متصلة به، فإن البرق آية من آيات صنع الله وهو من خلْق القوى الكهربائية النورانية في الأسحبة وجعلها آثاراً مشاهدة، وكم من قوى أمثالها منبثة في العوالم العلوية لا تُشاهد آثارُها. ومن الحكم الإلهية في كون البرق مرئياً أن ذلك يثير في النفوس خوفاً من أن يكون الله سلطه عقاباً وطمعاً في أن يكون أراد به خيراً للناس فيطمعون في نزول المطر، ولذلك أعقبه بقوله {وينزِّل من السماء ماء} فإن نزول المطر مما يخطر بالبال عند ذكر البرق. وقوله {من آياته} جار ومجرور يحتاج إلى تقدير كونٍ إن كان ظرفاً مستقراً، أو إلى متعلَّق إن كان ظرفاً لغواً. وموقع هذا الجار والمجرور في هذه الآية وارد على مثل مواقع أمثاله في الآيات السابقة واللاحقة الشبيهة بها، وذلك مما يدعو إلى اعتبار ما يذكر بعد الجار والمجرور في معنى مبتدأ مخبَر عنه بالجار والمجرور المقدم عليه حملاً على نظائره، فيكون المعنى: ومن ءاياته إراءته إياكم البَرق الخ. فلذلك قال أيمة النحو: يجوز هنا جعل الفعل المضارع بمعنى المصدر من غير وجود (أن) ولا تقديرها، أي من غير نصب المضارع بتقدير (أن) محذوفة، وجعلوا منه قول عُروة بن الوَرْد:شعر : وقالوا ما تشاء فقلت ألهو إلى الإصباح آثر ذي آثار تفسير : وقول طرفة:شعر : ألا أيهذا الزاجري احضُر الوغى تفسير : وجعلوا منه قوله تعالى {أية : قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون}تفسير : [الزمر: 64] برفع {أعبد} في مشهور القراءات، وقولهم في المثل: تسمع بالمعيديّ خيرٌ من أن تراه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كلَّ يوم تطلُع فيه الشمس تعدِل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو تحمل عليها متاعه صدقة» تفسير : وقوله فيه: «حديث : وتميط الأذى عن الطريق صدقة» تفسير : رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. ومن بديع الاستعمال تفنن هذه الآيات في التعبير عن معاني المصدر بأنواع صيغه الواردة في الاستعمال، من تعبير بصيغة صريح المصدر تارة كقوله {أية : ومن آياته خلق السماوات والأرض}تفسير : [الروم: 22] وقوله {أية : وابتغاؤكم من فضله}تفسير : [الروم: 23]، وبالمصدر الذي ينسبك من اقتران {أن} المصدرية بالفعل الماضي {أية : أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً}تفسير : [الروم: 21] واقترانها بالفعل المضارع {أية : ومن ءاياته أن تقوم السماء والأرض بأمره}تفسير : [الروم: 25]، وباسم المصدر تارة {أية : ومن ءاياته منامكم بالليل والنهار}تفسير : [الروم: 23] ومرة بالفعل المجرد المؤوّل بالمصدر {ومن آياته يريكم البرق}. ولك أن تجعل المجرور متعلقاً بــــ {يريكم} وتكون {من} ابتدائية في موضع الحال من البرق، وتكون جملة {يريكم البرق} معطوفة على جملة {أية : ومن آياته منامكم بالليل والنهار}تفسير : [الروم: 23] الخ. فيكون تغيير الأسلوب لأن مناط هذه الآية هو تقرير الناس بها إذ هي غير متصلة بذواتهم فليس حظهم منها سوى مشاهدتها والإقرار بأنها آية بينة. فهذا التقرير كالذي في قوله تعالى {أية : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها}تفسير : [الرعد: 2]، وليتأتى عطف {وينزل من السماء ماء}عليه لأنه تكملة لهذه الآية. وقوله {خوفاً وطمعاً} مفعول لأجله معطوف عليه. والمراد: خوفاً تخافونه وطمعاً تطمعونه. فالمصدران مؤولان بمعنى الإرادة، أي إرادة أن تخافوا خوفاً وتطمعوا. وقد تقدم الكلام على البرق في قوله {أية : وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً} تفسير : في سورة الرعد (12). وتقدم هنالك أن {خوفاً}مفعول له و{طمعاً}كذلك وتوجيه ذلك. وجعلت هذه الآية آيات لانطوائها على دقائق عظيمة في خلق القوى التي هي أسباب البرق ونزول المطر وخروج النبات من الأرض بعد جفافها وموتها. ونيط الانتفاع بهذه الآيات بأصحاب صفة العقل لأن العقل المستقيم غير المشوب بعاهة العناد والمكابرة كافٍ في فهم ما في تلك المذكورات من الدلائل والحكم على نحو ما قرر في نظائره آنفاً. وإجراء {يعقلون}على لفظ {قوم} للإيماء إلى ما تقدم ذكره آنفاً في مثله. ومعنى اللام في قوله {لقوم يعقلون} مثل معنى أختها في قوله {أية : لقوم يتفكرون}تفسير : [الروم: 21].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ {خَوْفاً وَطَمَعاً} الآية. قد قدمنا ما يوضحه من الآيات مع تفسير قوله: {خَوْفاً وَطَمَعاً} في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} تفسير : [الرعد: 12] الآية، وسنحذف هنا بعض الإحالات لكثرتها.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِهِ} {فَيُحْيِي} {لآيَاتٍ} (24) - وَمِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، أَنَّهُ يُريكُمُ البَرْقَ فَتَخَافُونَ مِنْ صَوَاعِقِهِ، وَتَرْجُونَ أَن يَأتِيَكُمْ بَعدَهُ المَطَرُ، ليُحْيِيَ الأَرْضَ، فَتَغْزُرَ المِيَاهُ، وَتَنْبُتَ الأَرضُ بالكَلأَِ والنَّبَاتِ، وفي ذلِكَ دَلاَلاَتٌ، وَعِبَرٌ وَاضِحَةٌ لِمَنْ يَتَبَصَّرونَ وَيَعْقِلُونَ، عَلى قُدْرَةِ اللهُ تَعالى عَلَى بَعْثِ الخَلاَئِقِ في الآخِرَة، وَنَشْرِهِمْ لِلْحِسَابِ والجَزَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلحظ في تذييل الآيات مرة يقول سبحانه: {أية : لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [الروم: 21] ومرة {أية : لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الروم: 22] ومرة {أية : لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} تفسير : [الروم: 23] أو {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 24] فتختلف الأدوات الباحثة في الآيات. والبعض يظن أن العقل آلة يُعملها في كل شيء، فالعقل هو الذي يُصدِّق أو لا يُصدِّق، والحقيقة أنك تستعمل العقل في مسألة الدين مرة واحدة تُغنيك عن استعماله بعد ذلك، فأنت تستعمل العقل في أنْ تؤمن أو لا تؤمن، فإنْ هداك العقل إلى أن الكون له إله قادر حكيم خالق لا إله إلا هو ووثقتَ بهذه القضية، فإنها لا تطرأ على تفكيرك مرة أخرى، ولا يبحثها العقل بعد ذلك، ثم إنك في القضايا الفرعية تسير فيها على وَفْق قضية الإيمان الأولى فلا تحتاج فيها للعقل. لذلك العقلاء يقولون: العقل كالمطية توصلك إلى حضرة السلطان، لكن لا تدخل معك عليه، وهكذا العقل أوصلك إلى الإيمان ثم انتهى دوره، فإذا ما سمعتَ قال الله فأنت واثق من صِدْق القول دون أنْ تُعمل فيه العقل. وحين يقول سبحانه: يعقلون يتفكرون يعلمون، حين يدعوك للتدبُّر والعِظَة إنما ينبه فيك أدوات المعارضة لتتأكد، والعقل هنا مهمته النظر في البدائل وفي المقدمات والنتائج. كما لو ذهبتَ مثلاً لتاجر القماش فيعرض عليك بضاعته: فهذا صوف أصلي، وهذا قطن خالص، ولا يكتفي بذلك إنما يُريك جودة بضاعته، فيأخذ (فتلة) من الصوف، و (فتلة) من القطن، ويشعل النار في كل منهما لترى بنفسك، فالصوف لا ترعى فيه النار على خلاف القطن. إذن: هو الذي يُنبِّه فيك وسائل النقد، ولا يفعل ذلك إلا وهو واثق من جودة بضاعته، أما الآخر الذي لا يثق في جودة بضاعته فإنه يلجأ إلى ألاعيب وحيل يغري بها المشتري ليغُرّه. كذلك الخالق - عز وجل - يُنبِّهنا إلى البحث والتأمل في آياته فيقول: تفكَّروا تدبَّروا، تعقَّلوا، كونوا علماء واعين لما يدور حولكم، وهذا دليل على أننا لو بحثنا هذه الآيات لتوصَّلْنا إلى مطلوبه سبحانه، وهو الإيمان. والبرق: ظاهرة من ظواهر فصل الشتاء، حيث نسمع صوتاً مُدوِّياً نسميه الرعد، بعد أن نرى ضوءاً شديداً يلمع في الجو نسميه (برق)، وهو عامل من عوامل كهربة الجو التي توصَّل إليها العلم الحديث، لكن قبل ذلك كان الناس عندما يروْن البرق لا يفهمون منه إلا أحد أمرين: إما أنْ يأتي بصاعقة تحرقهم، أو ينزل عليهم المطر، فيخافون من الصاعقة ويرجون المطر. {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ..} [الروم: 24] ليظل العبد دائماً مع ربه بين الخوف والرجاء. لكن أكُلّ الناس يرجون المطر؟ هَبْ أنك مسافر أو مقيم في بادية ليس لك كِنٌّ تكِنُّ فيه، ولا مأوى يأويك من المطر، فهذا لا يرجو المطر ولا ينتظره، لذلك من رحمته تعالى أن يغلب انفعال الطمع في الماء الذي به تحيا الأرض بالنبات. {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ..} [الروم: 24] وكلمة السماء لها مدلولان: مدلولٌ غالب، وهي السماوات السبع، ومدلول لُغوي، وهي كل ما علاَّك فأظلَّك، وهذا هو المعنى المراد هنا {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ..} [الروم: 24] لأن المطر إنما ينزل من السحاب، فالسماء هنا تعني: كل ما علاك فأظلَّك. ولو تأملتَ الماء الذي ينزل من السماء لوجدتَّه من سحاب متراكم {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ..} تفسير : [النور: 43]. وسبق أنْ تحدَّثنا عن كيفية تكوُّن السُّحُب، وأنها نتيجة لبخر الماء، لذلك من حكمته تعالى أنْ جعل ثلاثة أرباع الأرض ماءً والربع يابسة، ذلك لتتسع رقعة بَخْر الماء، فكأن الثلاثة الأرباع جعلت لخدمة الرُّبْع، وليكفي ماء المطر سكان اليابسة. وبيَّنا أهمية اتساع مسطح الماء في عملية البخر، بأنك حين تترك مثلاً كوباً من الماء على المنضدة لمدة طويلة يظل كما هو، ولو نَقُص منه الماء لكان قليلاً، أمّا لو سكبتَ ماء الكوب على أرض الغرفة مثلاً فإنه يجفّ في عدة دقائق لماذا؟ لأن مسطح الماء اتسع فكَثُر الماء المتبخِّر. ومثَّلْنا لتكوُّن السُّحُب بعملية التقطير التي نُجريها في الصيدليات لنحصل منها على الماء النقي المعقم، وهذه تقوم على نظرية استقبال بخار الماء من الماء المغلي، ثم تمريره على سطح بارد فيتكثف البخار مُكوِّناً الماء الصافي، إذن: فأنت حينما تستقبل ماء المطر إنما تستقبل ماءً مقطراً في غاية الصفاء والنقاء، دون أن تشعر أنت بهذه العملية، ودون أن نُكلِّفك فيها شيئاً. وتأمل هذه الهندسة الكونية العجيبة التي ينشأ عنها المطر، فحرارة الشمس على سطح الأرض تُبخِّر الماء بالحرارة، وفي طبقات الجو العليا تنخفض الحرارة فيحدث تكثُّف للماء ويتكوَّن السحاب، ومن العجيب أننا كلما ارتفعنا 30 متراً عن الأرض تقل الحرارة درجة، مع أننا نقترب من الشمس؛ ذلك لأن الشمس لا تُسخِّن الجو، إنما تُسخِّن سطح الأرض، وهو بدوره يعطي الحرارة للجو؛ لذلك كلما بَعُدنا عن الأرض قلَّتْ درجة الحرارة. ومن حكمة الله أنْ جعل ماء الأرض الذي يتبخر منه الماء العَذْب جعله مالحاً؛ لأن ملوحته تحفظه أنْ يأسن، أو يعطن، أو تتغير رائحته، تحفظه أن تنمو به الطفيليات الضارة، وليظلّ على صلاحه؛ لأنه مخزن للماء العذب الذي يروي بعذوبته الأرض. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن آياته أن ينزل عليكم المطر الذي تحيا به البلاد والعباد ويريكم قبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يُخَاف ويُطْمَع فيه. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ } [دالة] على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه، وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها. { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لهم عقول تعقل بها ما تسمعه وتراه وتحفظه، وتستدل به عل ما جعل دليلا عليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):