٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : لما ذكر من العوارض التي للسماء والأرض بعضها، ذكر من لوازمها البعض وهي قيامها، فإن الأرض لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها وعدم نزولها وكون السماء يتعجب من علوها وثباتها من غير عمد، وهذا من اللوازم، فإن الأرض لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه والسماء كذلك لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه فإن قيل إنها تتحرك في مكانها كالرحى ولكن اتفق العقلاء على أنها في مكانها لا تخرج عنه، وهذه آية ظاهرة لأن كونهما في الموضع الذي هما فيه وعلى الموضع الذي هما عليه من الأمور الممكنة، وكونهما في غير ذلك الموضع جائز، فكان يمكن أن يخرجا منه فلما لم يخرجا كان ذلك ترجيحاً للجائز على غيره، وذلك لا يكون إلا بفاعل مختار، والفلاسفة قالوا كون الأرض في المكان الذي هي فيه طبيعي لها لأنها أثقل الأشياء والثقيل يطلب المركز والخفيف يطلب المحيط والسماء كونها في مكانها إن كانت ذات مكان فلذاتها فقيامهما فيهما بطبعهما، فنقول قد تقدم مراراً أن القول بالطبيعة باطل، والذي نزيده ههنا أنكم وافقتمونا بأن ما جاز على أحد المثلين جاز على المثل الآخر، لكن مقعر الفلك لا يخالف محدبه في الطبع فيجوز حصول مقعره في موضع محدبة، وذلك بالخروج والزوال فإذن الزوال عن المكان ممكن لا سيما على السماء الدنيا فإنها محددة الجهات على مذهبكم أيضاً والأرض كانت تجوز عليها الحركة الدورية، كما تقولون على السماء فعدمها وسكونها ليس إلا بفاعل مختار وفي الآية مسائل: المسألة الأولى:ذكر الله من كل باب أمرين، أما من الأنفس فقوله: {خَلَقَ لَكُمْ } استدل بخلق الزوجين ومن الآفاق السماء والأرض في قوله: {خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ومن عوارضه المنام والابتغاء ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار ومن لوازمها قيام السماء وقيام الأرض، لأن الواحد يكفي للإقرار بالحق والثاني: يفيد الاستقرار بالحق، ومن هذا اعتبر شهادة شاهدين فإن قول أحدهما يفيد الظن وقول الآخر يفيد تأكيده ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: { أية : بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } تفسير : [البقرة: 260]. المسألة الثانية: قوله: {بِأَمْرِهِ } أي بقوله: قوما أو بإرادته قيامهما، وذلك لأن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعندنا ليس كذلك ولكن النزاع في الأمر الذي للتكليف لا في الأمر الذي للتكوين، فإنا لا ننازعهم في أن قوله: {كُنَّ } و{كُونُواْ } {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِى } موافق للإرادة. المسألة الثالثة: قال ههنا: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ } وقال قبله: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ يُرِيكُمُ } ولم يقل أن يريكم، وإن قال بعض المفسرين إن أن مضمرة هناك معناه من آياته أن يريكم ليصير كالمصدر بأن، وذلك لأن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل وجعله مصدراً، لأن المستقبل ينبـىء عن التجدد، وفي البرق لما كان ذلك من الأمور التي تتجدد في زمان دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه شيئاً من الحروف المصدرية. المسألة الرابعة:ذكر ستة دلائل، وذكر في أربعة منها إن في ذلك لآيات، ولم يذكر في الأول وهو قوله: { أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } تفسير : [الروم: 20] ولا في الآخر وهو قوله: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ} أما في الأول فلأن قوله بعده: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم } تفسير : [الروم:21] أيضاً دليل الأنفس، فخلق الأنفس وخلق الأزواج من باب واحد، على ما بينا، غير أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير بالتكرير، فإذا قال: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ } كان عائداً إليهما، وأما في قيام السماء والأرض فنقول في الآيات السماوية ذكر أنها آيات للعالمين ولقوم يعقلون لظهورها فلما كان في أول الأمر ظاهراً ففي آخر الأمر بعد سرد الدلائل يكون أظهر، فلم يميز أحداً عن أحد في ذلك، وذكر ما هو مدلوله وهو قدرته على الإعادة، وقال: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ ٱلأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } وفيها مسائل: المسألة الأولى: ما وجه العطف يتم، وبم تعلق ثم؟ فنقول معناه، والله أعلم إنه تعالى إذا بين لكم كمال قدرته بهذه الآيات بعد ذلك يخبركم ويعلمكم أنه إذا قال للعظام الرميمة اخرجوا من الأجداث يخرجون أحياء. المسألة الثانية: قول القائل دعا فلان فلاناً من الجبل يحتمل أن يكون الدعاء من الجبل كما يقول القائل يا فلان اصعد إلى الجبل، فيقال دعاه من الجبل ويحتمل أن يكون المدعو يدعى من الجبل كما يقول القائل يا فلان انزل من الجبل، فيقال دعاه من الجبل، ولا يخفى على العاقل أن الدعاء لا يكون من الأرض إذا كان الداعي هو الله، فالمدعو يدعى من الأرض يعني أنتم تكونون في الأرض فيدعوكم منها فتخرجون. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {إِذَا أَنتُمْ } قد بينا أنه للمفاجأة يعني يكون ذلك بكن فيكون. المسألة الرابعة: قال ههنا {إذا أنتم تخرجون}، وقال في خلق الإنسان أولاً: { أية : ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ } تفسير : [الروم: 20] فنقول هناك يكون خلق وتقدير وتدريج وتراخ حتى يصير التراب قابلاً للحياة فينفخ فيه روحه، فإذا هو بشر، وأما في الإعادة لا يكون تدريج وتراخ بل يكون نداء وخروج، فلم يقل ههنا ثم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْ ءَايَٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ } بإرادته من غير عمد {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ ٱلأَرْضِ } بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور {إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } منها أحياء فخروجكم منها بدعوة من آياته تعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ} تكون، أو تثبت {بِأَمْرِهِ} بتدبيره وحكمته، أو بإرادته أن تقوم بغير عمر. {دَعَاكُمْ} من السماء فخرجتم من الأرض من قبوركم عبّر عن النفخة الثانية بالدعاء، أو أخرجهم بدعاء دعاهم به، أو بما هو بمنزلة الدعاء وبمنزلة قوله كُنْ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ} قال ابن مسعود: قامتا على غير عُمُدٍ بأمره. واعلم أنه ذكر من لوزم السماء والأرض قيامهما فإن الأرض لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها وعدم نزولها وكون السماء في علوها معجب من علوها وثباتها من غير عمد، وهذا من اللوازم، فإن الأرض لا تخرج عن مكانه الذي فيه. (فإن قيل:) بأنها تتحرك في مكانها كالرَّحَاء، ولكن اتفق العقلاء على أنها في مكانها (لا تخرج عنه. وهذا آية ظاهرة لأن كونهما في الموضع الذي هما فيه، وعلى الموضع الذي هما عليه) من الأمور الممكنة وكونهما في غير ذلك الموضع جائز فكان يمكن أن يَخْرُجَا منه، فلمّا لم يخرجا كان ذلك ترجيحاً للجائز على غيره وذلك لا يكون إلا بفاعل مختار، وقالت الفلاسفة: كون الأرض في الكائن الذي هي فيه طبيعي لها لأنها أثقل الأشياء، والثقيل يطلب المركز والخفيف يطلب المحيط وكون السماء في مكانها إن كانت ذات مكان فلذاتها، فقيامها فيه لطبعها وأُجيبُوا بأنكم وافقتمونا بأن ما جاز على أحد المثلين جاز على المثل الآخر لكن مقعَّر الفلك لا يخالف مُحْدَبه في الطبع فيجوز حصول مقعره في موضع محْدبه وذلك بالخروج والزوال فإذن تطرق الزوال إليه عن المكان ممكن لا سيما على السماء الدنيا فإنها ليست محدّده للجهات على مذهبكم أيضاً والأرض كانت يجوز عليها الحركة الدورية كما تقولون على السماء فعدمها وسكونها ليس إلا بفاعل مختار. فصل ذكر الله تعالى من كل باب أمرين: أما من الأنفس فقوله: "(خلقكم) وخلق لكم" واستدل بخلق الزوجين ومن الآفاق السماء والأرض (فقال: "خلق السماوات والأرض") ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ومن عوارض الآفاق البَرْقَ والأمطار ومن لوازمها قيام السماء والأرض؛ لأن الواحد يكفي للإقرار بالحق، والثاني يفيد الاستقرار ومن هذا اعتبر شهادة شاهدين، فإن قول أحدهما يفيد الظن، وقول الآخر يفيد تأكيده، ولهذا قال إبراهيم عليه (الصَّلاَة و) السلام: {أية : بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}تفسير : [البقرة: 60]. فصل قوله: بأمره أي بقوله: "قوما" أو بإرادته قيامها؛ لأن الأمر عند المعتزلة موافقٌ للإرادة وعندنا ليس كذلك ولكن النزاع في أمر التكليف، لا في أمر التكوين فإنا لا ننازعهم في أن قوله: "كُنْ فَيَكُونَ" و "كُونِي" و "كونوا" موافق للإرادة. فإن قيل: ما الفائدة في قوله "ههنا": { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ} وقال قبله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ}تفسير : [الروم: 24] (ولم يقل: أنْ يُرِيَكُم) ليصير (كالمصدر "بأن"؟). فالجواب: أن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل ولم يذكر معه الحروف المصدرية. فإن قيل: ما الحكمة في أنه ذكر ست دلائلَ وذكر في أربعةٍ منها: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ}تفسير : [الروم: 24] ولم يذكر الأولى وهو قوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ}تفسير : [الروم: 20] ولا في الآخر وهو قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ}؟. فالجواب: أما الأول فلأن قوله بعده: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم} أيضاً دليل الأنفس فخلق السماء والأرض وخلق الأزواج من باب واحد على ما تقدم من أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير والتوكيد. فلما قال في الثانية: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} كان عائداً إليهما، وأما في قيام السماء والأرض فلأنه ذكر في الآيات السماوية أنها آيات للعالمين ولقوم يعقلون وذلك لظهور فلما كان في أول الأمر ظاهراً ففي آخر الأمر بعد سَرْدِ الدلائل يكون أظهر (فلم يميز أحداً في ذلك عن الآخر). ثم إنه تعالى لما ذكر الدليل على القدرة والتوحيد ذكر مدلوله وهو قدرته على الإعادة فقال: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} وجه العطف "بثم" و "بم تعلق" فمعناه أنه تعالى إذا بين لكم كمال قدرته بهذه الآيات بعد ذلك يخبركم ويعلمكم أنه إذا قال للعظام الرميمة اخرجوا من الأجداث يخرجون أحياء. قوله: "مِنَ الأَرْضِ" فيه أوجه: أظهرها: أنه متعلق بمحذوف يدل عليه "يخرجون" أي خرجتم من الأرض، ولا جائز أن يتعلق "بتَخْرُجُونَ" لأن ما بعد "إذا" لا يعمل فيما قبلها. فصل قَوْلُ القَائِل: "دعا فلانٌ فلاناً من الجبل" يحتمل أن يكون الدعاء من الجبل كما يقول القائل: يا فلانُ (اصْعَدْ) إلى الجبل، (فيقال: دَعَاهُ من الجبل، ويحتمل أن يكون المدعوّ يُدْعَى من الجبل كما يقول القائل: يا فلانُ انزل من الجبل فيقال دعاه من الجبل)، ولا يخفى على العاقل أن الدعاء لا يكون من الأرض إذا كان الداعي هو اللَّه، والمدعوّ يدعى من الأرض، يعني أنكم في الأرض فيدعوكم منها فتخرجون، وَإِذا هي الفجائية، قال أكثر العلماء معنى الآية: ثم إذا دعاكم دعوة إِذا أنتم تخرجون من الأرض. فصل قال ههنا: {إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} وقال في خلق الإنسان أولاً: {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} لأن هناك يكون خلقٌ وتقديرٌ وتدريجٌ حتى يصير التراب قابلاً للحياة فينفُخُ فيه روحَه فإذا هو بشر، وأما في الإعادة فلا يكون تدريجٌ وتراخٍ بل يكون نداء وخروج، فلم يقل ههنا: "ثُمَّ". قوله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} قال ابن عباس: كل له مطيعون في الحياة والفناء والموت والبعث وإنْ عَصَوْا في العبادة. وقال الكلبي: هذا خاص لمن كان منهم مطيعاً. ولما ذكر الآيات التي تدل على القدرة على الحشر الذي هو الأصل الآخر والوحدانية التي هي الأصل الأول أشار إليهما بقوله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ونفس السموات والأرض له وملكه فكُلٌّ له منقادون قانتون، والشريك يكون منازعاً، فلا شريك له أصلاً، ثم ذكر المدلول الآخر فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} يخلقهم أولاً، ثم يعيدهم بعد الموت للبعث.
القشيري
تفسير : يُفْنِي هذه الأدوار، ويُغَيِّر هذه الأطوار، ويبدِّل أحوالاً غير هذه الأَحوال؛ إماتةٌ ثم إحياءٌ، وإعادةٌ وقبلها إبداءٌ وقبرٌ ثم نَشْر، ومعاتبةٌ في القبر ثم محاسبةٌ بعد النَّشْرِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن آياته ان تقوم السماء والارض} اى قيامهما واستمرارهما على ما هما عليه من الهيآت الى الاجل المقدر لقيامهما وهو يوم القيامة {بامره} اى بارادته تعالى والتعبير عن الارادة بالامر للدلالة على كمال قدرة والغنى عن المبادى والاسباب. والامر لفظ عام للافعال والاقوال كلها كما فى المفردات {ثم اذا دعاكم دعوة من الارض} متعلق بدعاكم اذ يكفى فى ذلك كون المدعو فيها يقال دعوته من اسفل الوادى فطلع الىّ. والمعنى ثم اذا دعاكم بعد انقضاء الاجل وانتم فى قبوركم دعوة واحدة بان قال ايها الموتى اخرجوا [اى مرد كان بيرون آييد] والداعى فى الحقيقة هو اسرافيل عليه السلام فانه يدعو الخلق على صخرة بيت المقدس حين ينفخ فى الصور النفخة الاخيرة {اذا انتم} [آنكاه شما] {تخرجون} اذا للمفاجأة ولذلك ناب مناب الفاء فى الجواب فانهما يشتركان فى افادة التعقيب اى فاجأتم الخروج منها بلا توقف ولا اباء ولذلك قوله تعالى {يومئذ يتبعون الداعى}. وفي الآية اشارة الى سماء القلب وارض النفس وقيامها بالروح فانه من عالم الامر والى جذبة خطاب ارجعى فانه تعالى اذا دعا النفس والقلب والروح بتلك الجذبة فتخرج من قبور انانية الوجود على عرصة الهوية والشهود وهو حشر اخص الخواص فان للحشر مراتب مرتبة العام وهى خروج الاجساد من القبور الى المحشر يوم النشور ومرتبة الخاص وهى خروج الارواح الاخروية من قبور الاجسام الدنيوية بالسير والسلوك فى حال حياتهم الى عالم الروحانية لانهم ماتوا بالارادة عن صفات الحيوانية النفسانية قبل ان يموتوا بالموت عن صورة الحيوانية ومرتبة الاخص وهى الخروج من قبور الانانية الروحانية الى الهوية الربانية وهى مقام الحبيب فيبقى مع الله بلا هو: وفى المثنوى شعر : هين كه اسرافيل وقتند اوليا مرده را زيشان حياتست ونما جان هريك مرده اندر كورتن مى جهد زآواز شن اندر كفن كويد اين آواززآواز هاجداست زنده كردن كار آواز خداست ما بمر ديم وبكلى كاستيم بنك حق آمد همه بر خاستيم بانك حق اندر حجاب وبى حجيب آن دهد كو داد مريم را زجيب اى فناتان نيست كرده زير بوست باز كرديد از عدم ز آواز دوست مطلق آن آواز خود از شه بود كرجه از حلقوم عبد الله بود كفته اورا من زبان وجشم تو من حواسى ومن رضا وخشم تو
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ} لا بآلةٍ ومقيم اى السّماء والارض فى العالم الصّغير والعالم الكبير {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ} عطف على ان تقوم بتأويل مفرد اى ثمّ خروجكم من الارض اذا دعاكم دعوة من الارض {إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} او هو عطف على مجموع من آياته ان تقوم السّماء عطف الجملة ولم يكن حينئذٍ من جملة آياته ولم يقل ههنا انّ فى ذلك لآياتٍ لقوم كذا لانّ هذه الآيات خاصّة بالمشاهدين، وليس للعالمين الغير المشاهدين فيها حقّ ونصيب والمشاهد من حيث انّه مشاهد من صقع الله لا من جانب الخلق والله تعالى لا حاجة له الى آيةٍ فلم يقل: انّ فى ذلك لآياتٍ للمشاهدين وهذه هى الآيات العليا وليست الاّ للصّنف الاعلى من الانسان، وقد سلف الاشارة الى انّ كلّما كانت آية للصّنف الادنى فهى آية للصّنف الاعلى ايضاً من دون عكسٍ وقد سبق الآية فى سورة النّحل مع بعض الاشارات والنّكات.
الهواري
تفسير : قال: {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ}. [يعني بغير عمد تفسير [فاطر: 2] قال: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} يعني النفخة الآخرة. وفيها تقديم: إذا دعاكم دعوة إذا أنتم من الأرض تخرجون. كقوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ} أي: من القبور (أية : إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) تفسير : [يس: 51] أي: يخرجون، وهو نفخ صاحب الصور. وهو كقوله: (أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ) تفسير : [النازعات: 13-14] أي: فإذا هم على الأرض. وهو قوله: (أية : يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِ) تفسير : [سورة ق: 41]. قوله: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} تفسير الحسن: كل له قائم بالشهادة، أي: إنه عبد له. وتفسير الكلبي: كل له مطيعون، أي: في الآخرة، ولا يقبل ذلك من الكفار. قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: بعد الموت، أي: يبعثهم بعد الموت، {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي: أيسر عليه. أي: إنه بدأ الخلق خلقاً بعد خلق، ثم يبعثهم مرة واحدة. قوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} أي: لا إله إلا الله {فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: ليس له نِدّ ولا شبيه. قال: {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} العزيز في نقمته، الحكيم في أمره. ينزِّه نفسه عما قال المشركون أن جعلوا له الأنداد فعبدوهم دونه.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ} أي بإرادته من غير عمد ولا حاجة الى آلة بل قامتا بمجرد إرادته قيامهما فلا قدرة أبلغ من هذه، وقيل المراد دوام قيامهما بأمره وهذه الآيات والعبر انما يعظم موقعها في قلوب العارفين والمعرفة بحر لا ساحل له وكلجا كثرت المعرفة بالله وصفاته وأفعاله وأسرار مملكته كثر النعيم في الآخرة وعظم كما انه كلما كثر البذر وحسن كثر الزرع وحسن وسعة ملك العبد في الجنة بحسب سعة معرفته في الله. {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعَوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} العطف على قيام السماء والأرض على تأويل تخرجون بمفرد كما أول بعضهم يريكم بالمصدر بلا تقدير حرف المصدر اي ومن آياته قيام السماء والأرض بأمره ثم خروجكم من القبور فجاءه عقب دعوة واحدة أيها الموتى اخرجوا والداعي إسرافيل عليه السلام يدعوا الموتى من الأرض لا من السماء قيل يدعوهم من صخرة بيت المقدس ومر الكلام في ذلك، فمن للإبتداء متعلقة بدعى وإذا الأولى شرطية والثانية فجاء به ومتعلقة تخرجون محذوف أي من القبور واسد الدعاء إلى الله بأن الداعي ولو كان إسرافيل لكن بأمر الله او المراد سرته وجود ذلك من غير توقف ولا ثبت كما يجيب المدعو داعية المطاع وكان العطف ثم لتراخي زمان الخروج من القبور او لعظمة ويجوز عطف الجملة على مجموع قوله ومن آياته ان تقوم السماء والأرض بأمره هذا ما بان لي في الآية وأجاز بعضهم كون ثم للإستئناف وأما تعليق بعضهم من الأرض يتخرجون فيرده إن إذا الفجاءية لها الصدر ولا سيما انها هنا رابطة لجواب الشرط كالفاء وأجاز عياض نعلته بدعوة قلت إلا جعل في العمل الفعل فاذا وجد بلا مانع ولا مضعف فليك هو العامل كما قال جار الله: اذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وقرأ حمزة والكسائي بفتح تاء تخرجون وضم راءه وفسر بعضهم الأرض بالقبور وعلقها بدعاء وقدر ضميرها لتخرجون على حد قولك دعوت زيدا من الجبل اذا كان زيد في الجبل كأنك قلت جلبته من الجبل بدعائي. لتخرجون على حد قولك دعوت زيدا من الجبل اذا كان زيد في الجبل كأنك قلت جلبته من الجبل بدعائي.
اطفيش
تفسير : {ومِنْ آياته أن تقوم السَّماء والأرض بأمره} بأن يوحى اليهما بخلق العقل فيهما، او بالملك، او ما شاء او امره ارادته، او قضاءه، عبر عن احدهما بالامر للدلالة على انه لا يحتاج الى آلة، ولا يخفى ان المضارع مستقبل لانه منصوب، مع ان قيامهما موجود لا مستقبل، فتأول الفعل بالبقاء بعد او بالدوام بمعنى ان يدوم قيامهما، وهو بقاؤهما ووجودهما الى ما شاء الله، او كونهما بلا عمد من فوق للسماء، ولا من تحت للارض او بلا عمد لهما من تحت، ولا من فوق كقوله تعالى: "أية : خلق السماوات بغير عمد"تفسير : [لقمان: 10] او بقاءهما وقوفهما بلا نزول، وقيل: الاستقبال باعتبار اواخر البقاء. {ثمَّ إذا دعاكمُ من الأرض إذا أنتُم تخرجُون} عطف على قوله: {ومن آياته أن تقوم} الآية فليست هذه الجملة من الآيات، لانها لم توجد الان، بل اخبار بالبعث، وقيل: عطف على ان تقوم على تأويلها بالمفرد بمعنى، ومن آياته قيام السماوات والأرض بأمره، ثم خروجكم بسرعة من قبروكم اذا دعاكم، فيكون خروجهم متعقبا للآية لا منها او يفرض انه منها ولو لم يوجد الان، ولم يقروا به، لانه فى نفسه متحقق ظاهر، ولو انكروه، ومن للابتداء، لان معنى دعاكم استخرجكم، تقول: دعوته من اسفل الوادي، اى استجلبته منه، ومعنى دعاء الله لهم قضاءه او خلقه لهم صوتا يسمعهم، او قول ملك، او بمعنى فى فتعلق بمحذوف حال من الكاف. والموتى يدعون حقيقة للخروج، من القبور او شبه ترتب حصول الخروج على تعلق ارادته دون احتياج الى عمل بترتب اجابة الداعى المطاع على دعائه على الاستعارة التمثيلية، او شبه الموتى بقوم يراد جمعهم الى موضع على الاستعارة بالكناية، ورمز لذلك الدعاء، وذلك كله غير نفخ إسرافيل، وإنما ينفخ فى الصور قبله او بعده، او شبه قصد جمعهم بالدعاء على الاستعارة الاصلية، واشتق منه دعا على التبعية، ومن ثم للترتيب الزمانى او الرتبى، فان احياء الموتى اعظم من قيام السماوات والارض، لو كان اهون من البدء لبادى الراى، ولا سيما انهما سواء فى نفس الامر لا كما قال ابن المنير: ان قيامهما أعلى من إحياء الموتى، ولا يصح ما أجيب به من أن كون المعطوف أعلى فى الرتبة اغلبى لا لازم، اذ لا وجه لعكسه، لان لا وجه لكون العطف رتيبا فى العكس، بل يرجع الى عطف قصة على اخرى دون تراخ رتبى، ويجوز حملها على مطلق البعد، او مطلقه، والزمانى بطريق عموم المجاز.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ } أي بقوله تعالى قوما أو بإرادته عز وجل، والتعبير عنها بالأمر للدلالة على كمال القدرة والغنى عن المبادي والأسباب، وليس المراد بإقامتهما إنشاءهما لأنه قد بين حاله بقوله تعالى: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }تفسير : [الروم: 22] ولا إقامتهما بغير مقيم محسوس كما قيل فإن ذلك من تتمات إنشائهما وإن لم يصرح به تعويلاً على ما ذكر في موضع آخر من قوله تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } تفسير : [لقمان: 10] الآية بل قيامهما وبقاؤهما على ما هما عليه إلى أجلهما الذي أشير إليه بقوله تعالى فيما قبل: {أية : مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } تفسير : [الروم: 8]. ولما كان البقاء مستقبلاً باعتبار أواخره وما بعده نزول هذه الآية أظهرت هنا كلمة {أَن} التي هي علم في الاستقبال. والإمام ذهب إلى أن القيام بمعنى الوقوف وعدم النزول ثم قال على ما لخصه بعضهم: ذكرت {أَن} هٰهنا دون قوله تعالى: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ } تفسير : [الروم: 24] لأن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل ـ بأن ـ العلم في الاستقبال وجعل مصدراً ليدل على الثبوت، وإراءة البرق لما كانت من الأمور المتجددة جيء بلفظ المستقبل ولم يذكر معه ما يدل على المصدر اهـ. {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ ٱلأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } {إِذْ } الأولى شرطية والثانية فجائية نائبة مناب الفاء في الجزاء لاشتراكهما في التعقيب. والجملة الشرطية قيل: معطوفة على {أَن تَقُومَ } على تأويل مفرد كأنه قيل: ومن آياته قيام السماء والأرض بأمره ثم خروجكم من قبوركم بسرعة إذا دعاكم، وصاحب «الكشف» يقول: إنها أقيمت مقام المفرد من حيث المعنى وأما من حيث الصورة فهي جملة معطوفة على قوله تعالى: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ } وذلك على أسلوب {أية : مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } تفسير : [آل عمران: 97] وفائدته ما سمعته قريباً، وظاهر كلام بعض الأفاضل أن العطف عليه ظاهر في عدم قصد عد ما ذكر آية. واختار أبو السعود عليه الرحمة كون العطف من عطف الجمل وأن المذكور ليس من الآيات قال: حيث كانت آية قيام السماء والأرض بأمره تعالى متأخرة عن سائر الآيات المعدودة متصلة / بالبعث في الوجود أخرت عنهن وجعلت متصلة به في الذكر أيضاً فقيل: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ } الآية، والكلام مسوق للإخبار بوقوع البعث ووجوده بعد انقضاء أجل قيامهما مترتب على تعدد آياته تعالى الدالة عليه غير منتظم في سلكها كما قيل كأنه قيل: ومن آياته قيام السماء والأرض على هيئتهما بأمره عز وجل إلى أجل مسمى قدره الله تعالى لقيامهما ثم إذا دعاكم أي بعد انقضاء الأجل في الأرض وأنتم في قبوركم دعوة واحدة بأن قال سبحانه: أيها الموتى اخرجوا فجأتم الخروج منها، ولعل ما أشار إليه صاحب «الكشف» أدق وأبعد مغزى فتأمل. و {مِنَ ٱلأَرْضِ } متعلق بدعا و {مِنْ } لابتداء الغاية ويكفي في ذلك إذا كان الداعي هو الله تعالى نفسه لا الملك بأمره سبحانه كون المدعو فيها يقال دعوته من أسفل الوادي فطلع إلى لا بدعوة فإنه إذا جاء نهر الله جل وعلا بطل نهر معقل. نعم جوز كون ذلك صفة لها وأن يكون حالاً من الضمير المنصوب ولا بتخرجون لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها، وقال ابن عطية: إن {مِنْ } عندي لانتهاء الغاية وأثبت ذلك سيبويه، وقال أبو حيان: إنه قول مردود عند أصحابنا، وظواهر الأخبار أن الموتى يدعون حقيقة للخروج من القبور، وقيل: المراد تشبيه ترتب حصول الخروج على تعلق إرادته بلا توقف واحتياج إلى تجشم عمل بسرعة ترتب إجابه الداعي المطلع على دعائه، ففي الكلام استعارة تمثيلية أو تخييلية ومكنية بتشبيه الموتى بقوم يريدون الذهاب إلى محل ملك عظيم متهيئين لذلك وإثبات الدعوة لهم قرينتها أو هي تصريحية تبعية في قوله تعالى: {دَعَاكُمْ } إلى آخرها، {وثم} إما للتراخي الزماني أو للتراخي الرتبـي، والمراد عظم ما في المعطوف من إحياء الموتى في نفسه وبالنسبة إلى المعطوف عليه فلا ينافي قوله تعالى الآتي: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }تفسير : [الروم: 27] وكونه أعظم من قيام السماء والأرض لأنه المقصود من الإيجاد والإنشاء وبه استقرار السعداء والأشقياء في الدرجات والدركات وهو المقصود من خلق الأرض والسماوات، فاندفع ما قاله ابن المنير من أن مرتبة المعطوف عليه هنا هي العليا مع أن كون المعطوف في مثله أرفع درجة أكثري لا كلي كما صرح به الطيبـي فلا مانع من اعتبار التراخي الرتبـي لو لم يكن المعطوف أرفع درجة، ويجوز حمل التراخي على مطلق البعد الشامل للزماني والرتبـي. وقرأ السبعة ما عدا حمزة والكسائي {تُخْرَجُونَ } بضم التاء وفتح الراء. وهذه الآية ذكر أنها مما تقرأ على المصاب، أخرج ابن أبـي حاتم عن الأزهر بن عبد الله الحرازي قال: يقرأ على المصاب إذا أخذ {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ ٱلأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } وذكر الإمام وأبو حيان في وجه ترتيب الآيات وتذييل كل منهما بما ذيل كلاماً طويلاً إن احتجته فارجع إليه.
ابن عاشور
تفسير : ختمت الآيات بهذه الآية السادسة وهي التي دلت على عظيم القدرة على حفظ نظام المخلوقات العظيمة بعد خلقها؛ فخلقُ السماوات والأرض آيةٌ مستقلة تقدمت، وبقاء نظامهما على ممر القرون آية أخرى. وموقع العبرة من هاته الآية هو أولها وهو أن تقوم السماء والأرض هذا القيام المتقن بأمر الله دون غيره. فمعنى القيام هنا: البقاء الكامل الذي يشبه بقاء القائم غير المضطجع وغير القاعد من قولهم: قامت السوق، إذا عظم فيها البيع والشراء. وهذا هو المعبر عنه في قوله تعالى {أية : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا}تفسير : [فاطر: 41] وقوله {أية : ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه}تفسير : [الحج: 65]. والأمر المضاف إلى الله هو أمره التكويني وهو مجموع ما وضعه الله من نظام العالم العلوي والسفلي، ذلك النظامَ الحارس لهما من تطرق الاختلال بإيجاد ذلك النظام. و{بأمره} متعلق بفعل {تقوم،} والباء للسببية. و{ثم}عاطفة الجملة على الجملة. والمقصود من الجملة المعطوفة الاحتراس عما قد يتوهم من قوله {أن تقوم السماء والأرض بأمره} من أبدية وجود السماوات والأرض، فأفادت الجملة أن هذا النظام الأرضي يعتوره الاختلال إذا أراد الله انقضاء العالم الأرضي وإحضار الخلق إلى الحشر تسجيلاً على المشركين بإثبات البعث. فمضمون جملة {إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} ليس من تمام هذه الآية السادسة ولكنه تكملة وإدماج موجه إلى منكري البعث. وفي متعلق المجرور في قوله {مِنَ الأرْض}اضطراب؛ فالذي ذهب إليه صاحب «الكشاف» أنه متعلق بــــ {دعاكم} لأن {دعاكم}لما اشتمل على فاعل ومفعول فالمتعلق بالفعل يجوز أن يكون من شؤون الفاعل ويجوز أن يكون من شؤون المفعول على حسب القرينة، كما تقول: دعوت فلاناً من أعلى الجبل فنزل إليّ، أي دعوته وهو في أعلى الجبل. وهذا الاستعمال خلاف الغالب ولكن دلت عليه القرينة مع التفصي من أن يكون المجرور متعلقاً بــــ {تخرجون}لأن ما بعد حرف المفاجأة لا يعمل فيما قبلها، على أن في هذا المنع نظراً. ولا يجوز تعليقه بــــ {دعوة}لعدم اشتمال المصدر على فاعل ومفعول، وهو وجيه وكفاك بذوق قائله. وأقول: قريب منه قوله تعالى {أية : أولئك يُنادَوْن من مكان بعيد}تفسير : [فصلت: 44]. و{مِن}لابتداء المكان، والمجرور ظرف لغو. ويجوز أن يكون المجرور حالاً من ضمير النصب في {دَعَاكم}فهو ظرف مستقر. ويجوز أن يكون {من الأرض}متعلقاً بــــ {تخرجون}قدم عليه. وهذا ذكر في «مغني اللبيب» أنه حكاه عنهم أبو حاتم في كتاب «الوقف»، وهذا أحسن وأبعد عن التكلف، وعليه فتقديم المجرور للاهتمام تعريضاً بخطئهم إذ أحالوا أن يكون لهم خروج من الأرض عن بعد صيرورتهم فيها في قولهم المحكي عنهم بقوله تعالى {أية : وقالوا أإذا ضَلَلْنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد}تفسير : [السجدة: 10] وقولهم {أية : أإذا كنّا تُراباً وءاباؤنا أئنّا لمخرجون}تفسير : [النمل: 67]. وأما قضية تقديم المعمول على {إذا}الفجائية فإذا سلم عدم جوازه فإن التوسع في المجرور والمظروف من حديث البحر، فمن العجب كيف سدّ باب التوسع فيه صاحب «مغني اللبيب» في الجهة الثانية من الباب الخامس. وجيء بحرف المفاجأة في قوله {إذا أنتم تخرجون}لإفادة سرعة خروجهم إلى الحشر كقوله {أية : فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة}تفسير : [النازعات: 13، 14] و{إذا}الفجائية تقتضي أن يكون ما بعدها مبتدأ. وجيء بخبر المبتدأ جملة فعلية لإفادة التقوّي الحاصل من تحمل الفعل ضمير المبتدأ فكأنه أعيد ذكره كما أشار إليه صاحب «المفتاح». وجيء بالمضارع لاستحضار الصورة العجيبة في ذلك الخروج كقوله {أية : فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون}تفسير : [يس: 51].
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِهِ} (25) - ومِنَ الحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَشَاءُ، قِيَامُ السَّمَاءِ والأَرض بِلاَ عَمَدٍ تَحْمِلُها، وَلا أَرْبِطَةٍ تَشُدُّها، وإِنَّما تَقُومَانِ بأمرِهِ وَتدبِيرِهِ، بِمَوْجِبِ نِظَامٍ قَدَّرَهُ وَأَقَامَهُ فِي الوُجُودِ، وَلاَ يَزَالُ الأمرُ كَذَلِكَ حتَّى يَنْتَهيَ أجلُ العالمِ في المَوعِدِ الذي حَدَّدَهُ اللهُ لانتِهَائِهِ، فَتُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ، وتُدَكُّ الجِبَالُ، وَحِينَئِدٍ يَأْمُرُ اللهُ فَيُنْفَخُ في الصُّورِ، فَيَخْرُجُ البَشَرُ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً إِلى رَبِّهِمْ مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ تَعَالى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : السماء هنا بمعنى السماوات السبع التي تقوم بلا عَمَد، وقلنا: إن الشيء الذي يعلوك إما أنْ يُحمل على أعمدة، وإما أنْ يُشدَّ إلى أعلى، مثل الكباري المعلقة مثلاً، وكذلك السماء سقف مرفوع لا نرى له أعمدة. إذن: لا تبقى إلا الوسيلة الأخرى، وهي أن الله تعالى {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..} تفسير : [الحج: 65] فهي قائمة بأمره. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ ..} [الروم: 25] لا يهتز لها نظام أبداً، ولا تجد فيها فروجاً، لأنها محْكَمة البناء، وانظر إليها حين صفاء السماء وخُلوِّها من السحب تجدها ملساء ذات لون واحد على اتساعها، أيستطيع أحد من رجال الدهانات أن يطلي لنا مثل هذه المساحة بلون واحد لا يختلف؟ وإذا أخذنا السماء على أنها كُلُّ ما علاك فأظلَّك، فانظر إلى الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وكيف أنها تقوم بأمر الله خالقها على نظام دقيق لا اختلالَ فيه، فلم نَر مثلاً كوكباً اصطدم بآخر، ولا شيئاً منها خرج عن مساره. وصدق الله تعالى {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 33] فلكل منها سرعة، ولكل منها مداره الخاص ونظام بحسبان؛ ذلك لأنها تقوم بأمر الله وقدرته تعالى فهي منضبطة تؤدي مهمتها دون خلل، ودون تخلّف. فمعنى {تَقُومَ ..} [الروم: 25] يعني: تظل قائمة على حالها دون فساد، وهو فعل مضارع دالٌّ على استمرار. وحين تتأمل: قبل أن يخترع الإنسان المجاهر والميكروسكوبات لم نكن نرى من المجموعة الشمسية غير الشمس، فلما اخترعوا المجهر رأينا الكواكب الأخرى التي تدور حولها. والعجيب أنها لا تدور في دوائر متساوية، إنما في شكل إهليلي، يتسع من ناحية، ويضيق من ناحية، وهذه الكواكب لها دورة حول الشمس، ودورة أخرى حول نفسها. فالأرض مثلاً لها مدار حول الشمس ينشأ عنه الفصول الأربعة، ولها دورة حول نفسها ينشأ عنها الليل والنهار، وكل هذه الحركة المركبة تتم بنظام دقيق محكم منضبط غاية الانضباط. وهذه الكواكب تتفاوت في قُرْبها أو بُعْدها عن الشمس، فأقربها من الشمس عطارد، ثم الزهرة، ثم الأرض، ثم المشتري، ثم المريخ، ثم زحل، ثم أورانوس، ثم نبتون، ثم أبعدها عن الشمس بلوتو. ولكل منها مداره الخاص حول الشمس وتسمى (عام)، ودورة حول نفسه تسمى (يوم). وعجيب أن يوم الزهرة، وهو ثاني كوكب من الشمس يُقدَّر بـ 244 يوماً من أيام الأرض، في حين أن العام بالنسبة لها يُقدَّر بـ 225 يوماً من أيام الأرض، فالعام أقل من اليوم، كيف؟ قالوا: لأن هذه دورة مستقلة، وهذه دورة مستقلة، فهي سريعة في دورانها حول الشمس، وبطيئة في دورانها حول نفسها. ولو علمتَ أن في الفضاء وفي كون الله الواسع مليون مجموعة مثل مجموعتنا الشمسية في (سكة التبَّانة)، وهذا كله في المجرة التي نعرفها - لو علمت ذلك لتبيَّن لك عظَم هذا الكون الذي لا نعرف عنه إلا القليل؛ لذلك حين تقرأ: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} تفسير : [الذاريات: 47] فاعلم أنها مسألة لا نهاية لها ولا حدودَ في علمنا وفي عقولنا، لكن لها نهاية عند الله. ولا أدلَّ على انضباط حركة هذه الكونيات من انضباط موعد الكسوف أو الخسوف الذي يحسبه العلماء فيأتي منضبطاً تماماً، وهم يبنون حساباتهم على حركة الكواكب ودورانها؛ لذلك نقول لمن يكابر حتى الآن ويقول بعدم دوران الأرض: عليك أن تعترف إذن أن هؤلاء الذين يتنبأون بالكسوف والخسوف يعلمون الغيب. فالأقرب - إذن - أن نقول: إنها لله الذي خلقها على هذه الهيئة من الانضباط والدقة، فاجعلها لله بدل أنْ تجعلها للعلماء. ثم يقول سبحانه: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ ..} [الروم: 25] معنى {دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ ..} [الروم: 25] المراد النفخة الثانية، فالأولى التي يقول الله عنها: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} تفسير : [يس: 29] والثانية يقول فيها: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} تفسير : [يس: 53]. فالأولى للموت الكلي، والثانية للبعث الكلي، ولو نظرتَ إلى هاتين النفختين وما جعل الله فيهما من أسرار تلتقي بما في الحياة الدنيا من أسرار لوجدتَ عجباً. فكل لحظة من لحظات الزمن يحدث فيها ميلاد، ويحدث فيها موت، فنحن مختلفون في مواليدنا وفي آجالنا، أما في الآخرة فالأمر على الاتفاق، فالذين اختلفوا في المواليد سيتفقون في البعث {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} تفسير : [يس: 53]. والذين اختلفوا في الموت سيتفقون في الخمود: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} تفسير : [يس: 29] فالميلاد يقابله البعث، والموت يقابله الخمود. إذن: اختلاف هذه يعالج اتفاق هذه، واتفاق هذه يعالج اختلاف هذه؛ لذلك يقول: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ..} تفسير : [التغابن: 9]. والنفخة الثانية يؤديها إسرافيل بأمر الله؛ لأن الحق - سبحانه وتعالى - يزاول أشياء بذاته، ولا نعلم منها إلا أنه سبحانه وتعالى خلق الإنسان وسَّواه بيده، كما قال سبحانه: {أية : يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..} تفسير : [ص: 75] أما غير ذلك فهو سبحانه يزاول الأشياء بواسطة خَلْقه في كل مسائل الكونيات. تأمل مثلاً: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا ..} تفسير : [الزمر: 42] فالمتوفِّي هنا الله عز وجل، وفي موضع آخر: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ..} تفسير : [السجدة: 11] فنقلها إلى ملَك الموت، وفي موضع آخر: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ..} تفسير : [الأنعام: 61] فنقلها إلى رسل الموت من الملائكة، وهم جنود لملَك الموت. وبيان ذلك أنه سبحانه نسب الموت لنفسه أولاً؛ لأنه صاحب الأمر الأعلى فيه، فيأمر به ملَك الموت، وملَك الموت بدوره يأمر جنوده، إذن: فمردُّها إلى الله. ثم يقول سبحانه: {إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] أي: حين يسمع الموتى هذه الصيحة يهبُّون جميعاً أحياء، فإذا هنا الفجائية الدالة على الفجأة، وهذا هو الفارق بين ميلاد الدنيا وميلاد الآخرة، ميلاد الدنيا لم يكُنْ فجأة، بل على مهل، فالمرأة قبل أنْ تلد نشاهد حملها عدة أشهر، وتعاني هي آلام الحمل عدة أشهر، فلا فجأة إذن.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن آياته العظيمة أن قامت السماوات والأرض واستقرتا وثبتتا بأمره فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة التي بها أمسك السماوات والأرض أن تزولا يقدر بها أنه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض إذا هم يخرجون { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ }. { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } الكل خلقه ومماليكه المتصرف فيهم من غير منازع ولا معاون ولا معارض وكلهم قانتون لجلاله خاضعون لكماله. { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ } أي: الإعادة للخلق بعد موتهم { أَهْوَنُ عَلَيْهِ } من ابتداء خلقهم وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول، فإذا كان قادرا على الابتداء الذي تقرون به كانت قدرته على الإعادة التي أهون أولى وأولى. ولما ذكر من الآيات العظيمة ما به يعتبر المعتبرون ويتذكر المؤمنون ويتبصر المهتدون ذكر الأمر العظيم والمطلب الكبير فقال: { وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } وهو كل صفة كمال، والكمال من تلك الصفة والمحبة والإنابة التامة الكاملة في قلوب عباده المخلصين والذكر الجليل والعبادة منهم. فالمثل الأعلى هو وصفه الأعلى وما ترتب عليه. ولهذا كان أهل العلم يستعملون في حق الباري قياس الأولى، فيقولون: كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها أحق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد، وكل نقص في المخلوق ينزه عنه فتنزيه الخالق عنه من باب أولى وأحرى. { وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم } أي: له العزة الكاملة والحكمة الواسعة، فعزته أوجد بها المخلوقات وأظهر المأمورات، وحكمته أتقن بها ما صنعه وأحسن فيها ما شرعه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):