Verse. 3435 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَلَہٗ مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ كُلٌّ لَّہٗ قٰنِتُوْنَ۝۲۶
Walahu man fee alssamawati waalardi kullun lahu qanitoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وله من في السماوات والأرض» ملكا وخلقا وعبيدا «كل له قانتون» مطيعون.

26

Tafseer

الرازي

تفسير : لما ذكر الآيات وكان مدلولها القدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر، والوحدانية التي هي الأصل الأول، أشار إليها بقوله: {وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } يعني لا شريك له أصلاً لأن كل من في السموات وكل من في الأرض، ونفس السموات والأرض له وملكه، فكل له منقادون قانتون، والشريك يكون منازعاً مماثلاً، فلا شريك له أصلاً ثم ذكر المدلول الآخر، فقال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } أي في نظركم الإعادة أهون من الإبداء لأن من يفعل فعلاً أولاً يصعب عليه، ثم إذا فعل بعد ذلك مثله يكون أهون، وقيل المراد هو هين عليه كما قيل في قول القائل الله أكبر أي كبير، وقيل المراد هو أهون عليه أي الإعادة أهون على الخالق من الإبداء لأن في البدء يكون علقة ثم مضغة ثم لحماً ثم عظماً ثم يخلق بشراً ثم يخرج طفلاً يترعرع إلى غير ذلك فيصعب عليه ذلك كله، وأما في الإعادة فيخرج بشراً سوياً بكن فيكون أهون عليه، والوجه الأول أصح وعليه نتكلم فنقول هو أهون يحتمل أن يكون ذلك لأن في البدء خلق الأجزاء وتأليفها والإعادة تأليف ولا شك أن الأمر الواحد أهون من أمرين ولا يلزم من هذا أن يكون غيره فيه صعوبة، ولنبين هذا فنقول الهين هو ما لا يتعب فيه الفاعل، والأهون ما لا يتعب فيه الفاعل بالطريق الأولى، فإذا قال قائل إن الرجل القوي لا يتعب من نقل شعيرة من موضع إلى موضع وسلم السامع له ذلك، فإذا قال فكونه لا يتعب من نقل خردلة يكون ذلك كلاماً معقولاً مبقي على حقيقته. ثم قال تعالى: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي قولنا هو أهون عليه يفهم منه أمران أحدهما: هو ما يكون في الآخر تعب كما يقال إن نقل الخفيف أهون من نقل الثقيل والآخر: هو ما ذكرنا من الأولوية من غير لزوم تعب في الآخر فقوله: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } إشارة إلى أن كونه أهون بالمعنى الثاني لا يفهم منه الأول وههنا فائدة ذكرها صاحب «الكشاف» وهي أن الله تعالى قال في موضع آخر: { أية : هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } تفسير : [مريم: 21] وقال ههنا: {وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } فقدم هناك كلمة على وأخرها هنا، وذلك لأن المعنى الذي قال هناك إنه هين هو خلق الولد من العجوز وأنه صعب على غيره وليس بهين إلا عليه فقال: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } يعني لا على غيري، وأما ههنا المعنى الذي ذكر أنه أهون هو الإعادة والإعادة على كل مبدىء أهون فقال: وهو أهون عليه لا على سبيل الحصر، فالتقديم هناك كان للحصر، وقوله تعالى: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } على الوجه الأول وهو قولنا أهون عليه بالنسبة إليكم له معنى وعلى الوجه الذي ذكرناه له معنى أما على الوجه الأول فلما قال: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } وكان ذلك مثلاً مضروباً لمن في الأرض من الناس فيفيد ذلك أن له المثل الأعلى من أمثلة الناس وهم أهل الأرض ولا يفيد أن له المثل الأعلى من أمثلة الملائكة فقال: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } يعني هذا مثل مضروب لكم {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات، وأما على الوجه الثاني فمعناه أن له المثل الأعلى أي فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به، لكن ذاته ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وهو منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقيل المثل الأعلى أي الصفة العليا وهي لا إله إلا الله، وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي كامل القدرة على الممكنات، شامل العلم بجميع الموجودات، فيعلم الأجزاء في الأمكنة ويقدر على جمعها وتأليفها.

البيضاوي

تفسير : {وَلَهُمْ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} منقادون لفعله فيهم لا يمتنعون عنه. {وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد هلاكهم. {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } والإِعادة أسهل عليه من الأصل بالإِضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم وإلا فهما عليه سواء ولذلك قيل الهاء لـ {ٱلْخَلْقِ}، وقيل {أَهْوَنُ} بمعنى هين وتذكير هو لأهون أو لأن الإِعادة بمعنى أن يعيد. {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ} الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة ومن فسره بقول لا إله إلا الله أراد به الوصف بالوحدانية. {ٱلأَعْلَىٰ} الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه. {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ} يصفه به ما فيها دلالة ونطقاً. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } القادر الذي لا يعجز عن إبداء ممكن وإعادته. {ٱلْحَكِيمُ } الذي يجري الأفعال على مقتضى حكمته. {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ} منتزعاً من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم. {هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} من مماليككم. {مّن شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَـٰكُمْ} من الأموال وغيرها. {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} فتكونون أنتم وهم فيه شرعاً يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم وأنها معارة لكم، و {مِنْ } الأولى للابتداء والثانية للتبعيض والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. {تَخَافُونَهُمْ} أن يستبدوا بتصرف فيه. {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض. {كَذٰلِكَ} مثل ذلك التفصيل. {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} نبينها فإن التفصيل مما يكشف المعاني ويوضحها. {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال. {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالإِشراك. {أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} جاهلين لا يكفهم شيء فإن العالم إذا اتبع هواه ربما ردعه علمه. {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } فمن يقدر على هدايته. {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ} يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم عن آفاتها. {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً} فقومه له غير ملتفت أو ملتفت عنه، وهو تمثيل للإقبال والاستقامة عليه والاهتمام به. {فِطْرَتَ ٱللَّهِ} خلقته نصب على الإِغراء أو المصدر لما دل عليه ما بعدها. {ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} خلقهم عليها وهي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإِسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها، وقيل العهد المأخوذ من آدم وذريته. {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} لا يقدر أحد يغيره أو ما ينبغي أن يغير. {ذٰلِكَ} إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة إن فسرت بالملة. {ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ} المستقيم الذي لا عوج فيه. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} استقامته لعدم تدبرهم. {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجعين إليه من أناب إذا رجع مرة بعد أخرى، وقيل منقطعين إليه من الناب وهو حال من الضمير في الناصب المقدر لفطرة الله أو في أقم لأن الآية خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والأمة لقوله: {وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} غير أنها صدرت بخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيماً له. {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} بدل من المشركين وتفريقهم اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم، وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» بمعنى تركوا دينهم الذي أمروا به. {وَكَانُواْ شِيَعاً} فرقاً تشايع كل إمامها الذي أضل دينها. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} مسرورون ظناً بأنه الحق، ويجوز أن يجعل فرحون صفة كل على أن الخبر {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ}. {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} شدة. {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجعين من دعاء غيره. {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً} خلاصاً من تلك الشدة. {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } فاجأ فريق منهم بالإِشراك بربهم الذي عافاهم. {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ} اللام فيه للعاقبة وقيل للأمر بمعنى التهديد لقوله: {فَتَمَتَّعُواْ} غير أنه التفت فيه مبالغة وقرىء و «ليتمتعوا». {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبة تمتعكم، وقرىء بالياء التحتية على أن تمتعوا ماض. {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً} حجة وقيل ذا سلطان أي ملكاً معه برهان. {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } تكلم دلالة كقوله {أية : كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ }تفسير : [الجاثية: 29] أو نطق. {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} بإشراكهم وصحته، أو بالأمر الذي بسببه يشركون به في ألوهيته. {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} نعمة من صحة وسعة. {فَرِحُواْ بِهَا} بطروا بسببها. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } شدة. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بشؤم معاصيهم. {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} فاجؤوا القنوط من رحمته وقرأ الكسائي وأبو عمرو بكسر النون. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} فما لهم يشكروا ولم يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: ملكه وعبيده، {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} أي: خاضعون خاشعون طوعاً وكرهاً. وفي حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعاً: «حديث : كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة» تفسير : وقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ} قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: أيسر عليه، وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هينة، وكذا قال عكرمة وغيره. وروى البخاري: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري، كما انفرد بروايته أيضاً من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة به. وقد رواه الإمام أحمد منفرداً به عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة: حدثنا أبو يونس سليم بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه أو مثله. وقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء. وقال العوفي عن ابن عباس: كل عليه هين، وكذا قاله الربيع بن خُثيم، ومال إليه ابن جرير، وذكر عليه شواهد كثيرة، قال: ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} إلى الخلق، أي: وهو أهون على الخلق. وقوله: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَوَاتِ وٱلأَرْضِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كقوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] وقال قتادة: مَثَلُهُ أنه لا إله إلا هو، ولا رب غيره، وقال مثل هذا ابن جرير، وقد أنشد بعض المفسرين عند ذكر هذه الآية لبعض أهل المعارف:شعر : إذا سكنَ الغديرُ على صفاءٍ وجُنِّبَ أن يحركهُ النسيمُ تَرى فيهِ السَّماءَ بلا امتراءٍ كذاك الشمسُ تبدو والنجومُ كذاكَ قلوبُ أربابِ التَّجَلِّي يُرى في صفوها اللّهُ العظيمُ تفسير : وهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه، الحكيم في أقواله وأفعاله شرعاً وقدراً. وعن مالك في تفسيره المروي عنه عن محمد بن المنكدر في قوله تعالى: {أَهْوَنُ عَلَيْهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} قال: لا إِله إِلا الله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ملكاً وخلقاً وعبيداً {كُلٌّ لَّهُ قَٰنِتُونَ } مطيعون.

الماوردي

تفسير : قوله: {... كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} فيه ستة تأويلات: أحدها: مطيعون، قاله مجاهد. روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة. الثاني: مصلون، قاله ابن عباس. الثالث: مقرون بالعبودية، قاله عكرمة وأبو مالك والسدي. الرابع: كل له قائم يوم القيامة، قاله الربيع بن أنس. الخامس: كل له قائم بالشهادة أنه عبد له، قاله الحسن. السادس: أنه المخلص، قاله ابن جبير. قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته، وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلاً على ما خفي من إعادته استدلالاً بالشاهد على الغائب. ثم أكد ذلك بقوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: إن إعادة الخلق أهون من ابتداء إنشائهم لأنهم ينقلون في الابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم يعود رضيعاً ثم فطيماً، وهو في الإعادة يصاح به. فيقوم سوياً وهذا مروي عن ابن عباس. الثالث: معناه وهو هين عليه فجعل {أهْونُ} مكان {هَيِّنٌ} كقول الفرزدق: شعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول تفسير : أي دعائمه عزيرة طويلة: وفي تأويل {أَهْوَنُ} وجهان: أحدهما: أيسر، قاله ابن عباس. الثاني: أسهل، وأنشد ابن شجرة قول الشاعر: شعر : وهان على أسماءَ أن شطت النوى يحن إليها والهٌ ويتوق تفسير : أي هي أسهل عليه، وقال الربيع بن هيثم في قوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} قال: ما شيء على الله بعزيز. {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} أي الصفة العليا. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ليس كمثله شيء، قاله ابن عباس. الثاني: هو شهادة أن لا إله إلا الله، قاله قتادة. الثالث: أنه يحيي ويميت، قاله الضحاك. ويحتمل رابعاً: -هو أعلم- أنه جميع ما يختص به من الصفات التي لا يشاركه المخلوق فيها. {فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ} أي لا إله فيها غيره. {وَهُوَ الْعَزِيزُ} فيه وجهان: أحدهما: المنيع في قدرته. الثاني: في انتقامه. {الْحَكِيمُ} فيه وجهان: أحدهما: في تدبيره لأمره وهو معنى قول أبي العالية. الثاني: في إعذاره وحجته إلى عباده، قاله جعفر بن الزبير.

ابن عطية

تفسير : اللام في {له} الأولى لام الملك، وفي الثانية لام تعدية لـ"قنت" إذ "قنت" بمعنى خضع في طاعته وانقياده، وهذه الآية ظاهر لفظها العموم في القنت والعموم في كل من يعقل، وتعميم ذلك في المعنى لا يصح لأنه خبر، ونحن نجد كثيراً من الجن والإنس لا يقنت في كثير من المعتقد والأعمال، فلا بد أن عموم ظاهر هذه الآية معناه الخصوص، واختلف المتألون في هذا الخصوص أين هو، فقال ابن عباس وقتادة: هو في القنت والطاعة وذلك أن جميع من يعقل هو قانت لله في معظم الأمور من الحياة والموت والرزق والقدرة ونحو ذلك، وبعضهم يبخل بالعبادة وبالمعتقدات فلا يقنت فيها فكأنه قال كل له قانتون في معظم الأمور وفي غالب الشأن، وقال ابن زيد ما معناه: إن الخصوص هو في الأعيان المذكورين كأنه قال {وله من في السماوات والأرض} من ملك ومؤمن، وقوله {يبدأ الخلق} معناه ينشئه ويخرجه من العدم، وجاء الفعل بصيغة الحال لما كان في هذا المعنى ما قد مضى كآدم وسائر القرون وفيه ما يأتي في المستقبل، فكانت صيغة الحال تعطي هذا كله، و {يعيده} معناه يبعثه من القبور وينشئه تارة أخرى، واختلف المتأولون في قوله {وهو أهون عليه}، فقال ابن عباس والربيع بن خيثم: المعنى وهو هين ونظيره قول الشاعر: (لعمرك ما أدري وأني لأوجل) بمعنى لوجل، وقول الآخر (بيت دعائمه أعز وأطول)، وقولهم في الأذان الله أكبر وقال الآخر وهو الشافعي: شعر : فتلك سبيل لست فيها بأوحد تفسير : واستشهد بهذا البيت أبو عبيدة وهذا شاهده كثير، وفي مصحف ابن مسعود "وهو هين عليه"، وفي بعض المصاحف و"كل هين عليه"، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وعكرمة: المعنى وهو أيسر عليه، وإن كان الكل من اليسر عليه في حيز واحد وحال متماثلة، ولكن هذا التفضيل بحسب معتقد البشر وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعادة في كثير من الأشياء أهون علينا من البداءة للتمرن والاستغناء عن الروية التي كانت في البدأة، وهذان القولان الضمير فيهما عائد على الله تعالى، وقالت فرقة أخرى: الضمير في {عليه} عائد على الخلق. قال الفقيه الإمام القاضي: فهذا بمعنى المخلوق فقط، وعلى التأويلين يصح أن يكون المخلوق أو يكون مصدراً من خلق، فقال الحسن بن أبي الحسن إن الإعادة أهون على المخلوق من إنشائه لأنه في إنشائه يصير من حالة إلى حالة، من نطفة إلى علقة إلى مضغة ونحو هذا، وفي الإعادة إنما يقوم في حين واحد، فكأنه قال وهو أيسر عليه، أي أقصر مدة وأقل انتقالاً، وقال بعضها: المعنى "وهو أهون" على المخلوق أن يعيد شيئاً بعد إنشائه، أي فهذا عرف المخلوقين فكيف تنكرون أنتم الإعادة في جانب الخالق. قال الفقيه الإمام القاضي: والأظهر عندي عود الضمير على الله تعالى ويؤيده قوله تعالى {وله المثل الأعلى} لما جاء بلفظ فيه استعارة واستشهاد بالمخلوق على الخالق وتشبيه بما يعهده الناس من أنفسهم خلص جانب العظمة بأن جعل له المثل الأعلى الذي لا يتصل به تكييف ولا تماثل مع شيء و"العزة والحكمة"، صفتان موافقتان لمعنى الآية، فبهما يعيد وينفذ أمره في عباده كيف شاء، ثم بين تعالى أمر الأصنام وفساد معتقد من يشركها بالله بضربه هذا المثل، ومعناه أنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد تملكونهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومهمّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواء المنزلة، وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم أو يقاسموكم إياها في حياتكم كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم فكيف تقولون إن من عبيده وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته، وتثبتون في جانبه ما لا يليق بكم عندكم بجوانبكم، هذا تفسير ابن عباس والجماعة. وجاء هذا المعنى في معرض السؤال والتقرير، وقرأ الناس" كخيفتكم أنفسَكم" بنصب السين، وقرأ ابن أبي عبلة "أنفسُكم" بضمها، وقرأ الجمهور "نفصل" بالنون حملاً على {رزقناكم}، وقرأ عباس عن أبي عمرو "يفصل" بالياء حملاً على {ضرب لكم مثلاً}.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَانِتُونَ} مطيعون. مأثور، أو مصلون "ع"، أو مقرون بالعبودية، أو قائمون له يوم القيامة، أو قائمون بالشهادة أنهم عباده "ع" أو مخلصون.

النسفي

تفسير : {وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه أو مقرون بالعبودية. {وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ } أي ينشئهم {ثُمَّ يُعِيدُهُ } للبعث {وَهُوَ } أي البعث {أَهْوَنُ } أيسر {عَلَيْهِ } عندكم لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء فلم أنكرتم الإعادة، وأخرت الصلة في قوله {وهو أهون عليه} وقدمت في قوله: {أية : وَهُوَ عَليَّ هَيّنٌ }تفسير : [مريم: 9] لقصد الاختصاص هناك، وأما هنا فلا معنى للاختصاص. وقال أبو عبيدة والزجاج وغيرهما الأهون بمعنى الهين فيوصف به الله عز وجل وكان ذلك على الله يسيراً كما قالوا: الله أكبر أي كبير، والإعادة في نفسها عظيمة ولكنها هونت بالقياس إلى الإنشاء، أو هو أهون على الخلق من الإنشاء لأن قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم نطفاً ثم علقاً ثم مضغ إلى تكميل خلقهم {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي الوصف الأعلى الذي ليس لغيره وقد عرف به ووصف في السماوات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما من المقدورات ويدل عليه قوله {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } أي القاهر لكل مقدور {ٱلْحَكِيمُ } الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: المثل الأعلى {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ }تفسير : [الشورى: 11]. وعن مجاهد: هو قول لا إله إلا الله. ومعناه وله الوصف الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية ويعضده قوله {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ } فهذا مثل ضربه الله عز وجل لمن جعل له شريكاً من خلقه. و «من» للابتداء كأنه قال: أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم {هَلْ لَّكُمْ } معاشر الأحرار {مّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } عبيدكم و «من» للتبعيض {مّن شُرَكَاء } «من» مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي ومعناه: هل ترضون لأنفسكم وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيد أن يشارككم بعضهم {فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } من الأموال وغيرها {فَأَنتُمْ } معاشر الأحرار والعبيد {فِيهِ } في ذلك الرزق {سَوَآء } من غير تفصلة بين حر وعبد يحكم مماليككم في أموالكم كحكمكم {تَخَافُونَهُمْ } حال من ضمير الفاعل في سواء أي متساوون خائفاً بعضكم بعضاً مشاركته في المال، والمعنى: تخافون معاشرة السادة عبيدكم فيها فلا تمضون فيها حكماً دون إذنهم خوفاً من لائمة تلحقكم من جهتهم {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } يعني كما يخاف بعض الأحرار بعضاً فيما هو مشترك بينهم، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء؟ {كَذٰلِكَ } موضع الكاف نصب أي مثل هذا التفصيل {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } نبينها لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يتدبرون في ضرب الأمثال فلما لم ينزجروا أضرب عنهم فقال

ابو السعود

تفسير : {وَلَهُ} خاصة {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} من الملائكةِ والثَّقلين خَلقاً ومُلكاً وتصرُّفاً ليس لغيرِه شركةٌ في ذلك بوجهٍ من الوجوه {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} أي منقادُون لفعله لا يمتنعون عليه في شأنٍ من شؤونِه تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد موتِهم، وتكريرُه لزيادةِ التَّقريرِ والتَّمهيدِ لما بعده من قولِه تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي بالإضافةِ إلى قُدَرِكم والقياس على أصولِكم وإلا فُهما عليه سواءٌ وقيل أهونُ بمعنى هَيِّنٌ، وتذكير الضمير مع رجوعِه إلى الإعادة لما أنَّها مؤَّولةٌ بأنْ يُعيد وقيل: هو راجعٌ إلى الخلقِ وليس بذاك، وأما ما قيل من أنَّ الإنشاء بطريقِ التَّفضل الذي يتخيَّر فيه الفاعلُ بـين الفعل والتَّرك، والإعادةُ من قبـيلِ الواجبِ الذي لا بدَّ من فعله حتماً فكان أقربَ إلى الحصولِ من الإنشاءِ المترددِ بـين الحصولِ وعدمِه فبمعزلٍ من التَّحصيل إذ ليس المرادُ بأهونيةِ الفعل أقربـيَّتَه إلى الوجود باعتبار كثرةِ الأمورِ الدَّاعية للفاعل إلى إيجادِه وقوَّة اقتضائها لتعلق قدرته به بل أسهلية تأتَّيه وصدوره عنه بعد تعلق قدرته بوجوده وكونِه واجباً بالغيرِ ولا تفاوتَ في ذلك بـين أنْ يكون ذلك التعلق بطريق الإيجابِ أو بطريقِ الاختيارِ. {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي الوصفُ الأعلى العجيبُ الشأنِ من القدرة العامَّةِ والحكمة التَّامةِ وسائر صفاتِ الكمال التي ليس لغيرِه ما يُدانيها فضلاً عمَّا يُساويها، ومن فسَّره بقوله لا إله إلا الله أرادَ به الوصفَ بالوحدانيةِ {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ} متعلق بمضمونِ الجملة المتقدِّمةِ على معنى أنَّه تعالى قد وُصف به وعُرف فيهما على ألسنةِ الخلائقِ وألسنةِ الدَّلائلِ، وقيل: متعلق بالأعلى وقيل بمحذوفٍ هو حالٌ منه أو من المثل أو من ضميره في الأعلى {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} القادر الذي لا يعجزُ عن بدءِ ممكنٍ وإعادتِه {ٱلْحَكِيمُ} الذي يجري الأفعالَ على سَنَنِ الحكمة والمصلحةِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 26]. قال: الكل له فمن طلب البعض من الكل من غيره فقد أظهر نذالته وأنبأ عن قدره ومحله.

القشيري

تفسير : له ذلك مِلْكاً، ومنه تلك الأشياء بَدْءاً، وبه إيجاداً، وإليه رجوعاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {وله} اى لله خاصة {من فى السموات} من الملائكة {والارض} من الانس والجن خلقا وملكا وتصرفا ليس لغيره شركه فى ذلك بوجه من الوجوه {كل} اى كل من فيها {له} تعالى وهو متعلق بقوله {قانتون} القنوت الطاعة: يعنى [فرمان بردارى]. والمراد طاعة الارادة لا طاعة العبادة اى منقادون لما يريده بهم من حياة وموت وبعث وصحة وسقم وعز وذل وغنى وفقير وغيرها لا يمتنعون عليه تعالى فى شأن من شئونه: يعني [تمرد نمى توانند كرد] اى منقادون لما يريده بهم من حياة وموت وبعث وصحة وسقم فهم مسخرون تحت حكمه على كل حال. وفيه اشارة الى ان من فى سموات الروحانية من ارباب القلوب وارض البشرية من اصحاب النفوس كل له مطيعون بان تكون الطائفة الاولى مظهر صفات اللطف والفرقة الثانية مظهر صفات القهر ولذلك خلقهم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وله من في السماوات والأرض}؛ ملكاً ومُلكاً، {كل له قانتون} أي: مطيعون، كلُّ لما أراد، لا يستطيع التغيرَ عن ذلك. أو مُقرّون بالعبودية، أو: قائمون بالشهادة على وحدانيته. {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يُعيده} أي: يُنشئهم ثم يعيدهم للبعث، {وهو} أي: البعث {أهونُ}؛ أيسر {عليه} عندكم؛ لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء، فلِمَ أنكرتم الإعادة، مع إقراركم بأن الإنشاء منه تعالى؟ وقال الزجاج وغيره: أهون بمعنى "هيّن"؛ كقوله: {أية : وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}تفسير : [النساء: 30]، كما قالوا: أكبر، بمعنى كبير. والإعادة في نفسها عظيمة ولكنها هُوّنت بالقياس إلى الإنشاء؛ إذ هو أهون عند الخلق من الإنشاء؛ لأن قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم نُطفاً، ثم عُلقاً، ثم مضغاً، إلى تكميل خلقهم. قاله النسفي. {وله المَثَلُ الأعلى في السماوات والأرض} أي: الوصف الأعلى، الذي ليس لغيره، وقد عُرف به، ووُصف في السموات والأرض، على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاءٍ وإعادة، وغيرهما من المقدورات، {وهو العزيزُ} أي: القاهر لكل مقدور، {الحكيم} الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه. وعن ابن عباس: المثل الأعلى هو: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى: 11]. وعن مجاهد: هو قول: "لا إله إلا الله". ومعناه: وله الوصف الأرفع، وهو اختصاصه بالألوهية في العالم العلوي والسفلي، ويعضده: ما بعده مِنْ ضرب المثل. والله تعالى أعلم. الإشارة: الاشياء كلها، من عرشها إلى فرشها، حيها وجامدها، قانتة وساجدة لله تعالى، من حيث حِسُّها الذي هو مَقَر العبودية، وغنية عن السجود من حيث معناها؛ لأنها من أسرار الربوبية. فالعبد، من حيثُ حِسُّها الذي هو مَقَر العبودية، وغنية عن السجود من حيث معناها؛ لأنها من أسرار الربوبية. فالعبد، من حيثُ فرقه، عبد خاضع، ومن حيث جمعه: حُر مُطاع. قال القشيري: قوله: {وهو أهون عليه} أي: في ظنِّكم وتقديركم. وفي الحقيقة السهولة والوعورة على الحق لا تجوز. {وله المثل الأعلى } والصفات العلى في الوجود بحق القِدَم، وفي وجوده - أي: للأشياء - بنعت الكرم، وفي القدرة بوصف الشمول، وفي النظرة بوصف الكمال، وفي العلم بعموم التعلق، وفي الحكْم بوجود التحقق، وفي المشيئة بوصف البلوغ، وفي القضية بحكم النفوذ، وفي الجبروت بعين العز والجلال، وفي الملكوت بنعت الجد والكمال. هـ. قلت: والحاصل ان المثل الأعلى يرجع إلى كمال ذاته، تعالى، وصفاته وأفعاله. ثم ضرب مثلاً لقبح الشرك، بعد بيان علوّ شأنه، فقال: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ...}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى بعد أن ذكر ما يدل على توحيده، وإخلاص العبادة له أن {له من في السماوات والأرض} من العقلاء فانه يملكهم ويملك التصرف فيهم، وليس لاحد منعه منه والاعتراض عليه، وخص العقلاء بذلك لأن ما عداهم في حكم التبع. ثم اخبر عن جميع من في السموات والارض بأنهم قانتون له. قال مجاهد: معناه مطيعون وقال ابن عباس: معناه مصلون. وقال عكرمة: مقرون له بالعبودية. وقال الحسن: كل له قائم بالشهادة فالقانت الدائم على أمر واحد فالملائكة وغيرهم من المؤمنين دائمون على أمر واحد في الذلة لله في لزوم الطاعة لله تعالى، والكافرون وغيرهم من الفساق دائمون على أمر واحد في الذلة لله - عز وجل - إلا أن منهم من هو بخلقته وفعله، ومنهم من هو بخلقته. ثم قال تعالى {وهو الذي يبدؤ الخلق} اي يخترعهم ابتداء وينشئهم {ثم يعيده} إذا أعدمه {وهو أهون عليه} قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: اي هو ايسر، وكل هين. وروي عن ابن عباس ايضاً: ان معناه وهو هين عليه، فـ (افعل) بمعنى (فاعل) وقال بعضهم {وهو أهون} على الخلق، لأن الانشاء أولا من نطفة إلى علقة ومن علقة إلى مضغة على التدريج، وفي الاعادة يعادون دفعة واحدة، وحكي عن ابن عباس: انه قال المعنى وهو أهون عليه عندكم، لأنكم أقررتم بأنه يبدؤ الخلق، فاعادة الشيء عند المخلوقين أهون من ابتدائه، قال الشاعر - في أهون بمعنى هين: شعر : تمنى رجال أن أموت وان أمت فتلك سبيل لست فيها باوحد تفسير : أي بواحد. وقال الراجز: شعر : قبحتموا يا آل زيد نفرا الام قوم أصغراً واكبرا تفسير : أي صغيراً وكبيراً، وقال معن بن أوس: شعر : لعمرك ما ادري واني لاوجل على أينا تعدو المنية أول تفسير : أي لواجل. والله أكبر بمعنى تكبير. ويقال للسلطان: الأعظم بمعنى عظيم. وقوله {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} قال قتادة وهو قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لأنه دائم في السموات والارض، يقول الثاني فيه كما قال الأول. وقيل: المعنى وله الصفة العليا، لأنها دائرة يصفه بها الثاني كما يصفه بها الأول. وقيل: النشأة الثانية يا أهل الكفر ينبغى أن تكون أهون عليه. ثم قال {وله المثل الأعلى} فذلك دليل على انه مثل ضربه الله. ذكره الفراء. وقوله {وهو العزيز الحكيم} يعني في انتقامه من اعدائه، الحكيم في تدبيره لخلقه. ثم قال {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء} المعنى إنكم إذا لم ترضوا في عبيدكم أن يكونوا شركاء لكم في أموالكم وأملاككم، فكيف ترضون لربكم ان يكون له شركاء في العبادة!!. وقال قتادة: كما لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاءكم في فراشكم وأزواجكم كذلك لا ترضوا في ربكم الذي خلقكم أن يعدل به أحد من خلقه فيشرك بينهما في العبادة. وقوله {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} قال ابو مخلد: معناه تخافون عبيدكم أن يشاركوكم في أموالكم كما تخافون الشريك من نظرائكم. وقيل: تخافون ان يرثوكم كما يرث بعضكم من بعض - ذكره ابن عباس - وقيل: معناه تخافونهم كخيفتكم أنفسكم في اتلاف المال بانفاقه. ثم قال {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} أي كما ميزنا لكم هذه الأدلة نفصل الأدلة لقوم يعقلون، فيتدبرون ذلك ويفكرون فيها. وقال سعيد ابن جبير: كان اهل الجاهلية إذا لبو قالوا: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هولك تملكه وما ملك. فأنزل الله الآية رداً. عليهم وإنكار لقولهم ثم قال تعالى {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم} معناه إن هؤلاء الكفار لم يتفكروا في أدلة الله، ولا انتفعوا بها بل اتبعوا اهواءهم وشهواتهم بغير علم منهم بصحة ما اتبعوه. ثم قال {فمن يهدي من أضل الله} وقيل: المعنى من يهدي إلى الثواب من أضله الله عنه. وقيل: المعنى من يحكم بهداية من حكم الله بضلالته. ثم قال {وما لهم من ناصرين} أي ليس لهم من ينصرهم ويدفع عذاب الله إذا حل بهم. ثم قال تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين {فأقم وجهك للدين حنيفاً} أمرهم الله بأن يوجهوا عبادتهم إلى الله على الاستقامة دون الاشراك في العبادة. ثم قال {فطرة الله التي فطر الناس عليها} قال مجاهد: فطرة الله الاسلام. وقيل: فطر الناس عليها ولها وبها بمعنى واحد، كما يقول القائل لرسوله: بعثتك على هذا ولهذا وبهذا بمعنى واحد. ونصب {فطرة الله} على المصدر، وقيل تقديره: اتبع فطرة الله التي فطر الناس عليها، لأن الله تعالى خلق الخلق للايمان، ومنه قوله صلى الله عليه وآله "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" تفسير : ومعنى الفطر الشق ابتداء يقولون: أنا فطرت هذا الشيء اي أنا ابتدأته، والمعنى خلق الله الخلق للتوحيد والاسلام. وقوله {لا تبديل لخلق الله} قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وابراهيم: لا تبديل لدين الله الذي أمركم به من توحيده وعدله وإخلاص العبادة له، وهو قول ابن عباس وعكرمة. وقيل: المراد نفي الخطأ. ثم قال {ذلك الدين القيم} أي ما بيناه من التوحيد والعدل واخلاص العبادة لله هو الدين القيم أي المستقيم الذي يجب اتباعه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} صحة ذلك لعدولهم عن النظر فيه.

الجنابذي

تفسير : {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اى السّماوات والارض ومن فيهما يعنى ليس فيهما احد يكون شريكاً له تعالى {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} خاضعون منقادون وليسوا مقابلين له كما يقول الثّنويّة بالنّور والظّلمة او بيزدان واهر يمن فلا ندّ له ولا ضدّ.

اطفيش

تفسير : {وَلَهُ مَن فِي السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} عبيدا وملكا. {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} مطيعون منقادون في الحياة والبقاء والموت والبعث وسائر التصرف فيهم ولو جحدني من جحدني منهم وعصوني لكن لا يقدر احد منهم ان يمتنع عن قضائي فيه وقال الحسن كل قائم بالشهادة انه عبد له ولعل المراد ان ذاته تدل على ذلك او ذلك يوم القيامة.

اطفيش

تفسير : {وله} وحده {من في السماوات والأرض} من الملائكة والجن والجن والانس خلقا وملكا وتصرفا، ولا يجوز لمفسر الدخول على الفاظ القرآن بما يغير المعنى، او الاعراب ولو محلا، بل يذكر اللفظ كما هو، ثم يفسره فلو دخل بين له، ومن يلفظ كل لكان مغير الاعراب من الرفع الى الجر باضافة كل {كل لهُ} وحده {قانتون} مذعنون لما يتصرف فيهم لا يخرجون عما يريده فيهم، او اجسامهم منقادة لواحدانية الله، ولو كان الكفر فى القلب او اللسان او فيهما او فى الجوارح: شعر : وفى كل معبود سواك دلائل من الصنع تبنى انه لك عابد وهل فى التى طاعوا لها وتعبدوا لامرك عاص او لحقك جاحد تفسير : وان اريد بالقنوت الاخلاص فالمراد الملائكة، ومن أخلص من الثقلين.

الالوسي

تفسير : {وَلَهُ } عز وجل خاصة كل {مِنْ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من الملائكة والثقلين خلقاً وملكاً وتصرفاً ليس لغيره سبحانه شركة في ذلك بوجه من الوجوه {كُلٌّ لَّهُ } لا لغيره جل وعلا {قَـٰنِتُونَ } منقادون لفعله لا يمتنعون عليه جل شأنه في شأن من الشؤون وإن لم ينقد بعضهم لأمره سبحانه فالمراد طاعة الإرادة لا طاعة الأمر بالعبادة، وهذا حاصل ما روي عن ابن عباس، وقال الحسن: {قَـٰنِتُونَ } قائمون بالشهادة على وحدانيته تعالى كما قال الشاعر:شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : / وقال ابن جبير: {قَـٰنِتُونَ } مخلصون، وقيل: مقرون بالعبودية، وعليهما ليس العموم على ظاهره.

ابن عاشور

تفسير : أتبع ذكر إقامة الله تعالى السماوات والأرض بالتذكير بأن كل العقلاء في السماوات والأرض عبيد لله تعالى فيكون من مكملات ما تضمنته جملة {أية : ومن ءاياته أن تقوم السماء والأرض بأمره}تفسير : [الروم: 25] فعطفت عليها هذه الجملة زيادة لبيان معنى إقامته السماءَ والأرض. فاللام في قوله {وله من في السموات والأرض} لام الملك، واللام في قوله {كل له قانتون} لام التقوية، أي تقوية تعدية العامل إلى معموله لضعف العامل بكونه فرعاً في العَمل، وبتأخيره عن معموله. وعليه تكون {مَنْ} صادقة على العقلاء كما هو الغالب في استعمالها. وظاهر معنى القنوت امتثال الأمر، فيجوز أن يكون المعنى: أنهم منقادون لأمره. وإذ قد كان في العقلاء عصاة كثيرون تعيَّن تأويل القنوت باستعماله في الامتثال لأمر التكوين، أو في الشهادة لله بالوحدانية بدلالة الحال، وهذا هو المقصود هنا لأن هذا الكلام أورد بعد ذكر الآيات الستّ إيرادَ الفذلكة بإثبات الوحدانية فلا يحمل قنوتهم على امتثالهم لما يأمرهم الله به من أمر التكليف مباشرة أو بواسطة لأن المخلوقات متفاوتون في الامتثال للتكليف؛ فالشيطان أمره الله مباشرة بالسجود لآدم فلم يمتثل، وآدم أمره الله مباشرة أن لا يأكل من الشجرة فأكل منها؛ إلا أن ذلك قبل ابتداء التكليف. والمخلوقات السماوية ممتثلون لأمره ساعون في مرضاته قال تعالى {أية : وهم بأمره يعملون}تفسير : [الأنبياء: 27]. وأما المخلوقات الأرضية العقلاء فهم مخلوقون للطاعة قال تعالى {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56]، فزيغ الزائغين عن طاعة الله تعالى انحراف منهم عن الفطرة التي فطروا عليها، وهم في انحرافهم متفاوتون؛ فالضالّون الذين أشركوا بالله فجعلوا له أنداداً، والعصاة الذين لم يخرجوا عن توحيده، ولكنهم ربما خالفوا بعض أوامره قليلاً أو كثيراً، هم في ذلك آخذون بجانب من الإباق متفاوتون فيه. فجملة {وله من في السماوات والأرض كل له قانتون} معطوفة على جملة {أية : ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره}تفسير : [الروم: 25]. ويجوز أن تكون جملة {ولَه مَنْ فِي السَّمَاوات والأرض كُل لهُ قانِتُون} تكملة لجملة {أية : ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون}تفسير : [الروم: 25] على معنى: وله يومئذ من في السموات والأرض كل له قانتون، فالقنوت بمعنى الامتثال الواقع في ذلك اليوم وهو امتثال الخضوع لأن امتثال التكليف قد انقضى بانقضاء الدنيا، أي لا يسعهم إلا الخضوع فيها بأمر الله به من شأنهم {أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}تفسير : [النور: 24]، فتكون الجملة معطوفة على جملة {أية : ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون}تفسير : [الروم: 25]. والقنوت تقدم في قوله {أية : قانتاً لله حنيفاً} تفسير : في سورة النحل (120).

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وله من في السماوات والأرض: أي خلقا وملكا وتصرفا وعبيداً. كل له قانتون: أي كل من في السماوات والأرض من الملائكة والإِنس والجن منقادون له تجري عليهم أحكامه كما أرادها فلا يتعطل منها حكم. وهو أهون عليه: أي أيسر وأسهل نظراً إلى أن الإعادة أسهل من البداية. وله المثل الأعلى: أي الوصف الأعلى في كل كمال فصفاته كلها عليا ومنها الوحدانية. وهو العزيز الحكيم: أي الغالب على أمره الحكيم في قضائه وتصرفه. ضرب لكم مثلا: أي جعل لكم مثلا. من أنفسكم: أي منتزعا من أموالكم وما تعرفونه من أنفسكم. كخيفتكم: أي تخوفكم من بعضكم بعضاً أيها الأحرار. نفصل الآيات: أي نبينها بتنويع الأسلوب وإيراد الحجج وضرب الأمثال. بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم: أي ليس الأمر قصوراً في البيان حتى لم يؤمن المشركون وإنما العلة اتباع المشركين لأهوائهم وتجاهل عقولهم. فمن يهدي من أضل الله: أي لا أحد فالاستفهام للنفي. معنى الآيات ما زال السياق الكريم في تقرير قدرة الله تعالى على البعث الذي أنكره المشركون بذكر الأدلة العقلية وتصريف الآيات فقال تعالى {وَلَهُ} أي لله المحي المميت الوارث الباعث سبحانه وتعالى {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي من ملائكة وجان وإنسان فهو خلقهم وهو يملكهم ويتصرف فيهم. وقوله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي مطيعون منقادون فالملائكة لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والجن والإِنس منقادون لما أراده منهم من حياة وموت ونشور وأمّا عصيانهم في العبادات فهو غير مقصود لأنه التكليف الذي هو علة الحياة كلها ومع هذا فهم منفذون باختيارهم وإراداتهم الحرة ما كتبه عليهم أزلا والله أكبر ولله الحمد وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي هو الله الذي يبدا خلق ما أراد خلقه في كل يوم وساعة من غير شيء ويهبه الحياة ثم يسلبها منه في آجال سماها ثم يعيده يوم القيامة أحب الناس أم كرهوا. وقوله {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي الإِعادة أيسر وأسهل عليه فليس على الله شيء صعب ولا شاق ولا عزيز ممتنع، وإنما خرج الخطاب على أسلوب المتعجبين من إعادة الخلق بعد فنائه فأعلمهم أن المتعارف عليه عندهم أن الإِعادة أسهل من البداءة ليفهموا ويقتنعوا، وإلا فلا شيء صعب على الله تعالى ولا شاق ولا عسير، إذ هو يقول للشيء متى أراده كن فيكون. وقوله تعالى {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} وله أي لله سبحانه وتعالى الوصف الأكمل في السماوات والأرض وهو الألوهية والوحدانية فهو الرب الذي لا إله إلا هو المعبود في السماء والأرض لا إله إلا هو فيهما ولا ربّ غيره لهما وهو العزيز الغالب المنتقم ممن كفر به وعصاه الحكيم في تدبيره وتصريفه لشؤون خلقه. وقوله تعالى {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي جعل لكم مثلا مأخوذاً منتزعاً من أنفسكم وهو: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} أي إنه ليس لكم من مماليككم وعبيدكم شريك منهم يشارككم في أموالكم إذ لا ترضون بذلك ولا تقرونه أبداً، إذاً فكذلك الله تعالى لا يرضى أن يكون من عبيده من هو شريك له في عبادته التي خلق كل شيء من أجلها.. وقوله {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي تخافون عبيدكم كما تخافون بعضكم بعضا أيها الأحرار، أي لا يكون هذا منكم ولا ترضون به إذاً فالله - وله المثل الأعلى - كذلك لا يرضى أبداً أن يكون مخلوق من مخلوقاته ملكاً كان أو نبيّاً أو وثنا أو صنماً شريكا له في عباداته.، وقوله: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي نبيّنها بتنويع الأساليب وضرب الأمثال {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} إذ هم الذين يفهمون معاني الكلام وما يراد من أخباره وقصصه وأمثاله وأوامره ونواهيه، وقوله تعالى {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي ليس الأمر قصوراً في الأدلة ولا عدم وضوح في الحجج وإنما الظالمون اتبعوا أهواءهم أي ما يهوونه ويشتهونه بغير علم من نفعة وجدواه لهم فضلوا لذلك. فمن يهديهم، وقد أضلهم الله حسب سنته في الإِضلال. وهو معنى قوله تعالى: {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ}؟ أي لا أحد وقوله {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي يهدونهم بعد أن أضلّهم الله، والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير عقيدة البعث والتوحيد بذكر الأدلة وضرب الأمثال وتفصيل الآيات. 2) تَفَرُّدُ الربّ تعالى بالمثل الأعلى في كل جلال وكمال. 3) استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام. 4) عظم فائدة هذا المثل {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} الآية حتى قال بعضهم: فَهْمُ هذا المثل أفضل من حفظ كذا مسألة فقهيّة. 5) علَّة ضلال الناس اتباعهم لأهوائهم بغير علم وبانصرافهم عن الهدى بالاسترسال في اتباع الهوى.

القطان

تفسير : قانتون: طائعون منقادون. المثل الأعلى: الوصف الارفع، الصفة العليا لا يشاركه فيها احد. مما ملكت أيمانكم: من العبيد. ولله كلُّ من في السماوات والارض من الأحياء والجمادات كلٌّ له خاضعٌ منقاد. وهو الذي يبدأ الخلق على غير مثال، ثم يعيده بعد الموت، والاعادةُ أهونُ عليه من البدء. وله الوصف الأرفع لا يشاركه احد فيه. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} لا يغالَب ولا يغلَب، حكيم في تدبيره وتصريف شئونه فيما اراد. لقد بين لكم الله مثلا منتزعا من أنفسكم: هل لكم من عبيدِكم شركاءَ في أموالكم فأنتم وهم سواء في التصرف فيها، تخافون منهم الاستبدادَ في التصرف فيها كما يخاف بعضكم بعضا؟ اذا كان أحدكم يأنف ان يساويه عبيدُه في التصرف بأمواله، فكيف تجعلون لله أنداداً من خلقه؟ {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. ثم بيّن الله ان المشركين إنما عبدوا غيره سَفَهاً من أنفسهم وجهلاً بغير علم فقال: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ}؟ لا أحد.... {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} ليس لهم من يشفع لهم ويدفع عنهم عذابَهُ يومَ القيامة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {قَانِتُونَ} (26) - وَجَميعُ مَنْ خَلَقَهُمُ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ يَخْشَعُونَ لِرَبِّهِمْ، وَيَخْضَعُونَ لَهُ، طَوْعاً أَوْ كَرْهاً. قَانِتُونَ - مُطِيعُونَ مُنْقَادُونَ لإِرَادَتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعرف أن (مَنْ) للعاقل، ولنا أن نسأل: لماذا خصَّ العاقل مع أن كل ما في الكون خاضع لله طائع مُسبِّح يدخل في دائرة القنوت لله؟ قالوا: لأن التمرد لا يأتي إلا من ناحية العقل؛ لذلك بدأ الله به، أما الجماد الذي لا عقلَ له، فأمره يسير حيث لا يتأبَّى منه شيء على الله، لا الجماد ولا الحيوان ولا النبات. تأمل مثلاً الحمار تُحمِّله القاذورات فيحمل، فإذا رقَّيْته وجعلته مطية للركوب لا يعترض، لا عصى في الأولى، ولا عصى في الأخرى؛ لأنه مُذلَّل لك بتذليل الله، ما ذلَّلته لك بعقلك ولا بقوتك {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 71-72]. وضربنا لذلك مثلاً بالجمل لما ذلَّله الله لك استطاع الغلام الصغير أنْ يقوده ويُنيخه ويركبه ويحمله، أما الثعبان الصغير فيُخيفك رغم صِغَره؛ لأن الله لم يُذلِّله لك. ونقف هنا عند قوله تعالى {مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الروم: 26] فمن في السماوات نعم هم قانتون لله أي: خاضعون له سبحانه، مطيعون لإرادته لأنهم ملائكة مُكرَّمون {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 20]. فما بال أهل الأرض، وفيهم ملاحدة وكفار ليسوا قانتين، فكيف إذن نفهم {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [الروم: 26]. قالوا: لأنهم لما تمرَّدوا على الله وكفروا به، أو تمرَّدوا على حكمه فعصَوْه لم يتمردوا بذواتهم، إنما بما خلق الله فيهم من اختيار، ولو أرادهم سبحانه مقهورين ما شذَّ واحد منهم عن مراد ربه، والله عز وجل لا يريد أنْ يحكم الإنسان بقهر القدرة، إنما يريد لعبده أنْ يأتيه طواعية مختاراً، بإمكانه أن يكفر ومع ذلك آمن، وبإمكانه أن يعصي ومع ذلك أطاع. فلو أرادهم الله مؤمنين ما وجدوا إلى الكفر سبيلاً، ولعصمهم كما عصم الأنبياء، ربك يريدك مؤمناً عن محبة وإخلاص لا عن قهر وغلبة؛ لذلك قال إبليس في جداله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83]. فلا قدرة له على عباد الله المخلصين، الذين اختارهم الله لنفسه، ولا سلطانَ له عليهم، فإبليس إذن ليس في معركة مع ربه، إنما في معركة مع الإنسان. وفي موضع آخر قال تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ..} تفسير : [الحجر: 42]. ولما عشق هؤلاء المتمرِّدون على الله التمرد، وأحبوه زادهم الله منه وأعانهم عليه؛ لأنه سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، فختم على قلوبهم فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، وهو سبحانه الغني عن خَلْقه؛ لذلك لما خلق الجنة خلقها لتتسع للناس جميعاً إنْ آمنوا، ولما خلق النار خلقها لتتسع للناس جميعاً إنْ كفروا، وترك لنا سبحانه الاختيار: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29]. وكأن الحق سبحانه يقول لنا: أنتم أحرار، فأنا مستعد للجزاء على أيِّ حال تسعكم جنتي، إنْ آمنتم جميعاً، ولا تضيق بكم النار إنْ كفرتم جميعاً. ونقول لمن تمرَّد على الله: ينبغي أن تكون منطقياً مع نفسك، وأن تظل متمرداً على الله في كل شيء ما دمت قد ألفتَ التمرد، فإنْ جاءك المرض تتأبى عليه، وإنْ جاءك الموت ترفضه، فإذا لم تستطع فأنت مقهور لله خاضع له {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [الروم: 26] خاضعون، إما عن اختيار، وإما عن قهر في كل أمر لا اختيار لك فيه، إذن: فأنت قانت رغماً عنك، وقنوتك مع تمرُّدك أبلغ في الشهادة لله. إذن: فالمؤمن خاضع لله في منطقة الاختيار، وهي الإيمان والتكاليف، وخاضع لله فيما لا اختيارَ له فيه كالقضاء والأمور الاضطرارية، فهو يستقبلها عن رضا، أما الكافر فهو خاضع لله لا يستطيع الفكاك عن قضائه ولا عن قدره رغماً عنه في الأمور التي لا اختيارَ له فيها، لكنه يستقبلها بالسُّخْط وعدم الرضا، فهو كافر بالله كاره لقضائه. فنقول لمن تمرد على الله فكفر به، أو تمرَّد على أحكامه فعصاها: ما لكم لا تتمردون على الله فيما يقضيه عليكم من أمور اضطرارية؟ هذا دليل على أنكم اتخذتم الاختيار في غير محلِّه؛ لأن الذي يختار ينبغي أنْ يأخذ الاختيار في كل شيء، لكن أنْ تختار في شيء ولا تختار في شيء آخر، فهذا لا يجوز.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} معناه مُطيعونَ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كيف لا تسمعون وتخرجون منها أحياءً بعدما تعلق قدرته سبحانه بإخراجكم وإعادتكم؛ إذ {لَهُ} ملكاً وتصرفاً، إبداعاً وإنشاءً {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من الملائكة المغمورين في آلاء الله ونعمائه، المستغرقين بمطالعة وجهه الكريم {وَ} من في {ٱلأَرْضِ} من أرباب الولاء التائهين في بيدا الألوهية، الفانين في فضاء الربوبية، الهائمين في صحراء الوجود؛ لذلك {كُلٌّ} ممن أشرق عليه شمس الذات، ولاح عليه نور الوجود، ولمع عليه برق التجليات الحبيبة اللطيفة {لَّهُ قَانِتُونَ} [الروم: 26] منقادون مطيعون طوعاً وطبعاً؟!. {وَ} كيف لا ينقادون ويطيعون لحكه أولئك المسخرون لصولجان قضائه، وقلم تقديره {هُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ} ويظهر {ٱلْخَلْقَ} من كتم العدم في فضاء الوجود بمقتضى اللطف والجود، ثمَّ يعدمه ويميته بمقتضى قهره وجلاله أيضاً فيها {ثُمَّ يُعِيدُهُ} أيضاً على ما يشئه في النشأة الأخرى إظهاراً لكمال قدرته ومقتضى حكمته؛ كي يظهر مصلحة الإبداء والإبراز في النشأة الأولى، وفائدة ما يترتب عليها في النشأة الأخرى يوم العرض والجزاء {وَ} أهل الأهواء والآراء الباطلة ينكرون الإعادة، مع أنه {هُوَ} أي: الإظهار بعد الإعدام {أَهْوَنُ} وأسهل {عَلَيْهِ} سبحانه بالنسبة إلى عقولهم السخيفة، وأحلامهم الضعيفة من الإبداء والإبداع لا عن شيء وبلا سبق مادة، وإن كانت نسبة قدرته وإرادته سبحانه إلى كل ما دخل في حيطة حضرة علمه وخبرته على السواء؛ إذ {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ}تفسير : [الملك: 3] وكرر النظر {أية : هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}تفسير : [الملك: 3] وفتور في مبدعات الحق ومخترعاته؟!. {وَ} كيف يتفاوت دون قدرته الأشياء؛ إذ {لَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} واليد الطولى، والتصرف التام، والاقتدار العام الشامل لكل ما لاح عليه برق الوجود سواء كان {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات التي هي عالم الأسماء والصفات باعتبار التنزؤلات من مرتبته الأحدية، والعماء التي لا يسع فيه إدراك مدرك وخيرة خبير {وَٱلأَرْضِ} أي: السلفيات التي هي هالم الهيولي والطبيعة القابلة لأن تنعكس منها أشعة أنواع العلويات المتفاوتة حسب تفاوت الشئون والتطورات المرتبة على الأسماء والصفات المتخالفة المتكثرة حسب التجليات الحِبِّية الإلهية؟! {وَ} كيف لا يكون له سبحانه المثل الأعلى؛ إذ {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب في ذاته، حيث تفردت بوجوب الوجود، ودوام البقاء المنيع فناء على سرادقات سطوته وسلطنته عن شوب النقص والقصور مطلقاً {ٱلْحَكِيمُ} [الروم: 27] المقتن في أفعاله وآثاره بالاستقلال على مقتضى حيطة حضرة علمه الكامل بجميع وجوه الكمالات اللائقة لكل ذرة من ذرائر الكائنات؟!. لذلك {ضَرَبَ لَكُمْ} سبحانه تبييناً وتنبيهاً {مَّثَلاً} متخذاً منتزعاً {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أيها المشركون المتخذون لله شركاء من مصنوعاته وعبيده؛ إذ هي أقرب الأشياء إليكم، وأوضحها عندكم {هَلْ لَّكُمْ} أيها الأحرار المتصرفون بالاستقلال في منسوباتكم متصرف آخر سواكم {مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وحصلت من اكسابكم من العبيد والإماء الذين هم من جملة منسوابتكم، وهل يصح ويجوز لمملوكيكم أن يكونوا، وبعدوا {مِّن شُرَكَآءَ} معكم يتصرفون أمثالكم {فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} مثل تصرفكم بلا إذن منكم؟!. وبالجلمة: {فَأَنتُمْ} أيها المالكون وما ملكت أيمانكم {فِيهِ} أي: في التصرف والاحتياج إلى الأموال {سَوَآءٌ} إذ هم أمثالكم، فلأي شيء تحتاجون إليه أنتم، وهم أيضاً محتاجون إليه بلا تفاوت ولكن {تَخَافُونَهُمْ} وتحذرون منهم أن تتصرفوا في أموالكم وأكسابكم بلا إذنٍ منكم {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} يعني: تخافون على تضييع أموالكم، مثل خوفكم على أنفسكم، بل أشد من ذلك، وبالجملة: تخافون منهم أن تساووا معكم في التصرف في أموالكم؛ فلذلك منعتموهم، ولم ترضوا بتصرفهم وشركتهم في الحطام الدنيا، فكيف ترضون لنا شركة عبيدنا ومخلوقاتنا في ألوهيتنا وربوبيتنا، والتصرف في ملكنا وملكوتنا أيها الغافلون المفرطون في شأننا، والجاهلون بقدرتنا ومكانتنا؟!. {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ} ونوضح {ٱلآيَاتِ} أي: دلائل توحيدنا، وبراهين وحدتنا وتفريدنا {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] ويستعملون عقولهم في تأمل الآيات، والتدبر فيها على وجه العبرة الاستبصار، فاعتبروا يا أولي الأبصار. {بَلِ ٱتَّبَعَ} الجاهلون {ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أنفسهم بالخروج على مقتضى الآيات الواضحة، والبراهين اللائحة {أَهْوَآءَهُمْ} الباطلة، وآراءهم الزائغة الزائلة، مع أن اتباعهم بها {بِغَيْرِ عِلْمٍ} فائض عليهم من المبدأ الفياض، بل عن جهل مركوز في جبلتهم مركب مع طبيعتهم في أصل فطرتهم؛ لمقتضى الشقاوة الأزلية والغباوة الفطرية الجبلية، وإذا كان الأمر على ذلك {فَمَن يَهْدِي} ويرشد {مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} وأراد ضلاله، وأثبته في لوح قضائه وحضرة علمه من جملة الضالين وزمرة الجاهلين {وَمَا لَهُمْ} بعدما نفذ القضاء على شقاوتهم وضلالهم {مِّن نَّاصِرِينَ} [الروم: 29] ينصروهم، ويرشدونهم إلى سبيل الهداية وطريق السعادة والرشاد.