٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أمّا بدْء خلقه فبعلوقه في الرّحم قبل ولادته، وأمّا إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث؛ فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلاً على ما يخفى من إعادته؛ استدلالاً بالشاهد على الغائب، ثم أكد ذلك بقوله {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وقرأ ابن مسعود وابن عمر: «يُبْدِىءُ الْخَلْقَ» من أبدأ يبدىء؛ دليله قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ} تفسير : [البروج: 13]. ودليل قراءة العامة قوله سبحانه: {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}تفسير : [الأعراف: 29]. و«أَهْوَنُ» بمعنى هيّن؛ أي الإعادة هيّن عليه؛ قاله الرَّبيع بن خُثيم والحسن. فأهون بمعنى هيّن؛ لأنه ليس شيء أهونَ على الله من شيء. قال أبو عبيدة: ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله تعالى: {أية : وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}تفسير : [النساء: 30] وبقوله: {أية : وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} تفسير : [البقرة: 255]. والعرب تحمل أفعل على فاعل، ومنه قول الفرزدق:شعر : إن الذي سَمَك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعزّ وأطول تفسير : أي دعائمه عزيزة طويلة. وقال آخر:شعر : لَعَمْرُكَ ما أدرِي وإني لأوْجَل على أيّنا تَعْدُو المنيّة أوّل تفسير : أراد: إني لوجِل. وأنشد أبو عبيدة أيضاً:شعر : إني لأمنْحُكُ الصّدود وإنني قَسَماً إليك مع الصُّدود لأمْيَلُ تفسير : أراد لمائل: وأنشد أحمد بن يحيـى:شعر : تَمنّى رجال أن أموت وإن أمُتْ فتلك سبيلٌ لست فيها بأوْحَدِ تفسير : أراد بواحد. وقال آخر:شعر : لعمرك إن الزِّبرقان لباذل لمعروفه عند السنينَ وأفضل تفسير : أي وفاضل. ومنه قولهم: الله أكبر؛ إنما معناه الله الكبير. وروى معمر عن قتادة قال: في قراءة عبد الله بن مسعود «وهو عليه هين». وقال مجاهد وعكرمة والضحاك: إن المعنى أن الإعادة أهون عليه ـ أي على الله ـ من البداية؛ أي أيسر، وإن كان جميعه على الله تعالى هيناً؛ وقاله ابن عباس. ووجهه أن هذا مَثَل ضربه الله تعالى لعباده؛ يقول: إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه؛ فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهونَ عليه من الإنشاء. وقيل: الضمير في «عَلَيْهِ» للمخلوقين؛ أي وهو أهون عليه، أي على الخلق، يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ويقال لهم: كونوا فيكونون؛ فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نُطَفاً ثم عَلَقا ثم مُضَغا ثم أجِنّة ثم أطفالا ثم غلماناً ثم شبانا ثم رجالاً أو نساء. وقاله ابن عباس وقُطْرُب. وقيل: أهون أسهل؛ قال:شعر : وهان على أسماء أن شطَّت النَّوَى يحنّ إليها والِهٌ ويتوق تفسير : أي سهل عليها، وقال الربيع بن خُثَيم في قوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} قال: ما شيء على الله بعزيز. عِكرمة: تعجّب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي ما أراده جلّ وعزّ كان. وقال الخليل: المثل الصفة؛ أي وله الوصف الأعلى {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} كما قال: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [الرعد: 35] أي صفتها. وقد مضى الكلام في ذلك. وعن مجاهد: «الْمَثَلُ الأَعْلَى» قولُ لا إلٰه إلا الله؛ ومعناه: أي الذي له الوصف الأعلى، أي الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية. وكذا قال قتادة: إن المثل الأعلى شهادةُ أن لا إلٰه إلا الله؛ ويَعْضُده قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [الروم: 28] على ما نبيّنه آنفاً إن شاء الله تعالى. وقال الزجاج: «وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ» أي قوله: «وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» قد ضربه لكم مثلاً فيما يصعب ويسهل؛ يريد التفسير الأوّل. وقال ابن عباس: أي ليس كمثله شيء {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ } للناس {ثُمَّ يُعِيدُهُ } بعد هلاكهم {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا الله {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في خلقه.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ} بعلوقه في الرحم ثم يعيده بالبعث استدلالاً بالنشأة على الإعادة. {أَهْوَنُ عَلَيْهِ} إعادة الخلق أهون على الله تعالى من ابتدائه لأن الإعادة أهون من البُدأة عُرفاً وإن كانا هينين على الله تعالى، أو الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقلب نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم رضيعاً ثم فطيماً وفي الإعادة يُصاح به فيعود سوياً "ع" أو أهون بمعنى هين. قال: شعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول تفسير : وأهون أيسر وأسهل {الْمَثَلُ الأَعْلَى} الصفة العليا ليس كمثله شيء "ع" أو شهادة أن لا إله إلا الله، أو يحيي ويميت {الْعَزِيزُ} المنيع في قدرته أو القوي في انتقامه {الْحَكِيمُ} في تدبيره، أو في إعذاره وحجته إلى عباده.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} في "أهون" قولان: أحدهما: أنها للتفضيل على بابها وعلى هذا يقال: كيف يتصور التفضيل، والإعادة والبداءة بالنسبة إلى الله تعالى على حد سواء؟ في ذلك أجوبة: أحدها: أن ذلك بالنسبة إلى اعتقاد البشر باعتبار المشاهدة من أن إعادة الشيء أهون من اختراعه لاحتياج الابتداء إلى إعمال فكر غالباً، وإن كان هذا (مُنْتَفِياً) عن البارىء تعالى فخوطبوا بحسب ما أَلِفُوهُ. الثاني: أن الضمير في "عليه" ليس عائداً على الله تعالى إنما يعود على الخلق أي والعود أَهْوَنُ عَلَى الخلق أي أسرع لأن البداء فيها تدريجٌ من طورٍ إلى طورٍ إلى أن صارت إنساناً والإعادة لا تحتاج إلى هذه التدريجات فكأنه قيل: وهو أَقْصَرُ عليه وأيسر وأقل انتقالاً والمعنى يقومون بصيحة واحد فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نُطَفاً ثم عَلَقاً ثم مُضَغاً إلى أن يَصِيرُوا رجالاً ونساءً - وهي رواية الكلبي عن أبي صالحٍ عن ابن عباس. الثالث: أن الضمير في "عليه" يعود على (المخلوق بمعنى) والإعادة أَهْوَنُ على المخلوق أي إعادته شيئاً بعد ما أنشأه هذه في عرف المخلوقين، فكيف ينكرون ذلك في جانب الله تعالى، والثاني: أن "أَهْوَن" ليست للتفضيل بل هي صفة بمعنى "هَيِّن" كقولهم "اللَّهُ أكبر" أي الكبير وهي رواية العَوْفِيِّ عن ابن عباس. وقد يجيء "أفعل" بمعنى الفاعل كقول الفرزدق: شعر : 4040 - إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا بَيْتاً دَعائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ تفسير : أي عزيزة طويلة. والظاهر عود الضمير في "عليه" على الباري تعالى ليوافق الضمير في قوله: (وله المثل الأعلى. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: لم أخرت الصلة في قوله {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وقدمت في قوله): {أية : هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ}تفسير : [مريم: 9] قلتُ: هنالك قصد الاختصاص وهو (محزة) فقيل: هو على هين وإن كان مستصعباً عندك أن يولد بين هِمٍّ وعاقر فذلك عليّ هين لا على غيري، وأما هنا فلا معنى للاختصاص كيف والأمر مبيَّن على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من الابتداء فلو قدمت الصلة لتغير المعنى. قال أبو حيان: ومبنى كلامه على أن التقديم يفيد الاختصاص وقد تقدم منعه. قال شهاب الدين: الصحيح أنه يفيده. وتقدم جميع ذلك. قوله: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} يجوز أن يكون مرتبطاً بما قبله وهو قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي قد ضربه لكم مثلاً فيما يسهل ويصعب. وإليه نحا الزجاج. أو بما بعده من قوله: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [الروم: 28] وقيل: المثل: الوصف أي الصفة العليا. قال ابن عباس: هي أنه {ليس كمثله شيء} وقال قتادة: هو أنه لا إله إلا هو. قوله: "فِي السَّمَواتِ" يجوز أن يتعلق "بالأَعْلَى" أي أنه أعلى في هاتين الجهتين، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "الأعلى" أو من "المثل" أو من الضمير في "الأعلى" فإنه يعود على المثل، "وَهُوَ العَزِيزُ" في ملكه "الحَكِيمُ" في خلقه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عكرمة قال: تعجب الكفار من احياء الله الموتى، فنزلت {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} قال: اعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. وأخرج آدم بن أبي أياس والفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله {وهو أهون عليه} قال: الاعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وهو أهون عليه} قال: أيسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: في عقولكم، اعادة شيء إلى شيء كان، أهون من ابتدائه إلى شيء لم يكن. وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وهو أهون عليه} قال: الاعادة أهون على المخلوق لأنه يقول له يوم القيامة {كن فيكون} وابتداء الخلق من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: كل عليه هين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وله المثل الأعلى} يقول {أية : ليس كمثله شيء} تفسير : [الشورى: 11]. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {وله المثل الأعلى} قال: شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {وله المثل الأعلى} قال: مثله أنه لا إله إلا هو، ولا معبود غيره.
القشيري
تفسير : {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي في ظنِّكم وتقديركم. وفي الحقيقة السهولةُ والوعورةُ على الحقِّ لا تجوز. {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ}: له الصفةُ العليا في الوجود بحقِّ القِدَم، وفي الجود بنعت الكَرَم، وفي القدرة بوصف الشمول، وفي النصرة بوصف الكمال، وفي العلم بعموم التعلُّق، وفي الحكم بوجوب التحقق، وفي المشيئة بوصف البلوغ، وفي القضية بحكم النفوذ، وفي الجبروت بعين العزِّ والجلال، وفي الملكوت بنعت المجد والجمال.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى يبدؤا الخلق} بمعنى المخلوق اى ينشئهم فى الدنيا ابتداء فانه انشأ آدم وحواء وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ثم يميتهم عند انتهاء آجالهم {ثم يعيده} تذكير الضمير باعتبار لفظ الخلق اى ثم يعيدهم فى الآخرة بنفخ صور اسرافيل فيكونون احياء كما كانوا {وهو} اى الاعادة وتذكير الضمير لانها فى تأويل ان يعيدوا لقوله {اهون عليه} اى اسهل وايسر عليه تعالى من البدء بالاضافة الى قدركم ايها الانسان والقياس الى اصولكم والا فهما عليه تعالى سواء انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون سواء هناك مادة ام لا يعنى ان ابتداء الشئ اشد عند الخلق من اعادته واعادته اهون من ابتدائه فتكون الاية واردة على ما يزعمون فيما بينهم ويعتقدون عندهم والا فما شق على الله ابتداء الخلق ليكون اعادتهم اهون عليه. قال الكاشفى [اعاده باعتقاد شما آسانترست از ابداء بس جون ابداء اقرار داريد اعاده راجرا منكريد وابداء واعاده نزد قدرت او يكسانست] شعر : جون قدرت او منزه ازنقصانست آوردن خلق وبردنش يكسانست نسبت بمن وتو هرجه دشوار بود در قدرت بر كمال او آسانست تفسير : قال بعضهم افعل ههنا بمعنى فعيل اى أهون بمعنى هين مثل الله اكبر بمعنى كبير قال الفرزدق شعر : ان الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه اعز واطول تفسير : اى عزيزة طويلة. وفى التأويلات النجمية يعنى الاعادة اهون عليه من البداءة لان فى البداءة كان بنفسه مباشرا للخليقة وفى الاعادة كان المباشر اسرافيل بنفخته والمباشرة بنفس الغير فى العمل اهون من المباشر بنفسه عند نظر الخلق وعنده سواء لان افعال الاغيار ايضا مخلوقة. وفيه اشارة اخرى فى غاية الدقة واللطافة وهى ان الخلق اهون على الله عند الاعادة منهم عند البداءة لان فى البداءة لم يكونوا متلوثين بلوث الحدوث ولا متدنسين بدنس الشركة فى الوجود بان يكونوا شركاء فى الوجود مع الله فلعزتهم فى البداءة باشر بنفسه وخلقهم وفى الاعادة لهو انهم باشر بنفسى غيره انتهى. قال فى القاموس هان هونا بالضم وهو انا ومهانة ذلك وهونا سهل فهو هين بالتشديد والتخفيف واهون {وله} اى لله تعالى {المثل الاعلى} المثل بمعنى الصفة كما فى قوله {مثل الجنة التى} {ومثلهم فى التوراة} اى الوصف الاعلى العجيب الشان من القدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال التى ليس لغيره ما يدانيها فضلا عما يساويها: وبالفارسية [ومروراست صفت برتروصنعت بزركتر جون قدرت كامله وحكمت شامله ووحدت ذات وعظمت صفات] ومن فسره بقوله لا اله الا الله اراد به الوصف بالوحدانية يعنى له الصفة العليا وهو انه لا اله الا هو ولا رب غيره {فى السموات والارض} متعلق بمضمون الجملة المقتدمة على معنى انه تعالى قد وصف به وعرف فيهما على ألسنة الخلائق اى نطقا وألسنة الدلائل. اى دلالة {وهو العزيز} اى القادر الذى لا يعجز عن بدء ممكن واعادته {الحكيم} الذى يجرى الافعال على سنن الحكمة والمصلحة. يقول الفقير دلت الآية على ان السموات والارض مشحونة بشواهد وحدته ودلائل قدرته تعالى شعر : زهر ذره بدورويى وراهيست بر اثبات وجود اوكواهيست تفسير : وذلك لاهل البصيرة فانهم هم المطالعون جمال انواره والمكاشفون عن حقيقة اسراره والعجب منك انك اذا دخلت بيت غنى فتراه مزينا بانواع الزين فلا ينقطع تعجبك عنه ولاتزال تذكره وتصف حسنه طول عمرك وانت تنظر ابدا الى الآفاق والانفس وهى بيوت الله المزينة باسمائه وصفاته وآثاره المتجلية بقدرته وعجيب آياته ثم انت فيما شاهدته اعمى عن حقيقته لعمى باطنك وعدم دخولك فى بيت القلب الذى بالتفكر المودع فيه يستخرج الحقائق وبالتذكر الموضوع فيه يرجع الانسان الى ما هو بالرجوع لائق وبالشهود الذى فيه يرى الآيات ويدرك البينات ولولا هداية الملك المتعال لبقى الخلق فى ظلمات الضلال وسرادقات الجلال. قال بعض الكبار فى سبب توبته كنت مستلقيا على ظهر فسمعت طيورا يسبحن فاعرضت عن الدنيا واقبلت الى المولى وخرجت فى طلب المرشد فلقيت ابا العباس الخضر عليه السلام فقال لى اذهب الى الشيخ عبدالقادر قدس سره فانى كنت فى مجلسه فقال ان الله تعالى جذب عبدا الى جنابه فارسله الىّ اذا لقيته قال فلما جئت اليه قال مرحبا بمن جذبه الرب اليه بألسنة الطير وجمع له كثيرا من الخير فجميع ما فى العالم حجج واضحة وادلة ساطعة ترشدك الى المقصود فعليك بتوحيد الله تعالى فى الليل والنهار فانه خير اوراد واذكار قال تعالى {ولذكر الله اكبر} وذكر الله سبب الحضور وموصل الى مشاهدة المذكور ولكن الكل بعناية الله الملك الغفور ومن لم يجعل له نوار فما له من نور شعر : ياذا الذى انس الفؤاد بذكره انت الذى ما ان سواك اريد تفنى الليالى والزمان باسره وهواك غض فى الفؤاد جديد تفسير : قال ذو النون المصرى قدس سره رأيت فى جبل لكام فتى حسن الوجه حسن الصوت وقد احترق بالعشق والوله فسلمت عليه فرد علىّ السلام وبقى شاخصا يقول شعر : اعميت عينى عن الدنيا وزينتها فانت والروح شىء غير مفترق اذا ذكرتك وافى مقلتى ارق من اول الليل حتى مطلع الفلق وما تطابقت الاحداق عن سنة الا رأيتك بين الجفن والحدق تفسير : قلت اخبرنى ما الذى حبب اليك الانفراد وقطعك عن المؤانسين وهيمك فى الاودية والجبال فقال حبى له هيمنى وشوقى اليه هيجنى ووجدى به افردنى ثم قال ياذا النون اعجبك كلام المجانين قلت اى والله واشجانى ثم غاب عنى فلم ادر اين ذهب رضى الله عنه وجعل من حاله نصيبا لاهل الاعتقاد ومن طريقه سلوكا لاهل الرشاد انه العزيز الحكيم الجواد والرؤف بالعباد الرحيم يوم التناد الموصل فى الدارين الى المراد.
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} لا غيره كما يقول الثّنويَة والابليسيّة انّ اهريمن مبدأ الشّرور {ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} اى الاعادة اسهل على الله بالقياس الى قدركم واصولكم والاّ فليس شيءٌ عليه اصعب من شيءٍ، او الضّمير المجرور راجع الى الخلق، ومعنى كون الاعادة اسهل كونها غير محتاجةٍ الى مادّةٍ وآلةٍ وتربيةٍ لحصول مادّته واقتضاء فطرته الصّعود الى اصله بخلاف الابداء فانّه محتاج الى تهيّة مادّة وتربية العلويّات وحافظيّة الارضيّات وايتلاف المتخالفات ومزجها وكسر سورتها، وقيل: الاهون منسلخ عن معنى التّفضيل {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} اى الصّفات العليا {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عن الصّادق (ع): ولله المثل الاعلى الّذي لا يشبهه شيءٌ ولا يوصف ولا يتوهّم فذلك المثل الاعلى، او المقصود ولله المشابه الاعلى فى السّماوات من ارباب الانواع والعقول وفى الارض من الانبياء والاولياء (ع) روى عن الرّضا انّه قال، قال النّبىّ (ص) لعلىّ (ع): وانت المثل الاعلى، وفى خبرٍ: نحن كلمة التّقوى وسبيل الهدى والمثل الاعلى {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الّذى لا يغلب {ٱلْحَكِيمُ} الّذى لا يفعل ما يفعل الاّ لحكم ومصالح وغاياتٍ متقنةٍ.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد الموت. {وَهُوَ أَهْوَنُ} اسهل. {عَلَيْهِ} الضمير الأول عائد للاعادة وذكر لان الخبر مذكر او ابى الى ان يعيد فانك تقول اعجبني ان يقيم لا اعجبني ان يقيم ولو كان ان يقيم في تأويل الاقامة او عائد الى الرد والبعث او نحوه بدلالة قوله {يُعِيدُهُ} وهاء عليه عائدة لله ومن التفضيلية محذوفة اي اهون على الله من بدء على مقتضى الاصل عندكم ايها الخلق من ان اعادة الشيء اسهل من بدء والا فالكل في قدرة الله سواء وإلا لزم العجز تعالى الله عنه وقيل الهاء للخلق اي اهون عليهم من ان يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا الى ان يصيروا رجالا ونساء ولا شك ان البعث بحالهم التي كانوا عليها اقل تعبا من التنقل في احوال وهنا وجه آخر هو ان الانشاء من قبل التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين ان يفعله وان لا يفعله والاعادة من قبل الواجب الذي لا بد من فعله لانها لجزاء الاعمال وجزاؤها واجب والافعال اما محال والمحال ممتنع اصلا خارج عن المقدور واما ما يصرف الحكيم عن فعله صارف وهو القبيح فهو رديف المحال واما تفضل جائز الفعل والترك واما واجب لا بد من فعله فالواجب أبعد الافعال عن الامتناع فهو ادخل في التسهل فالاعادة لكونها لا بد منها اهون من الانشاء ويجوز ان يكون اهون خارجا عن معنى التفضيل ومعناه هين وهو رواية عن ابن عباس رضي الله عنه ويدل له ان في مصحف ابن مسعود (وهو هين) وفي بعض المصاحف (وكل هين عليه) وانما اوضعت الاعادة بالهينية مع تعظيمها في ثم {أية : إذا أنتم تخرجون }تفسير : على ان ثم لتعظيمها بالنسبة للانشاء ولم يقدم الجار كما قدم في {أية : هو عليّ هين }تفسير : لانه لم يرد هنا الحصر بل الامر مبني على ما يتوهمون ان الاعادة اسهل من الانشاء في احد الاوجه. {وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى} الصفة العظيمة العليا وهي الوحدانية لا اله الا الله او هي انه القادر الذي لا يعجز عن شيء من انشاء واعادة وغيرهما من المقدورات ويدل له قوله {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} والاول قول مجاهد ويناسبه {أية : ضرب لكم مثلا من أنفسكم }تفسير : الخ. وعن ابن عباس هي انه ليس كمثله شيء والحاصل ان له الصفة التي لا تساوي ولا تداني ولا تفاق. {فِي السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} متعلق بِلَهُ لنيابته عن ثبت او ثابت او محذوف هكذا يوصف بها في السماوات والارض ولما كان في ظاهر قوله (اهون) دلالة على ان بعض الاشياء عليه اهون من بعض تعالى عن ذلك اعقبه بما يزيله من كونه له المثل الاعلى. {وَهُوَ العَزِيزُ} القادر على ابداء الممكن واعادته. {الحَكِيمُ} لا تجري افعاله على خلقه الا على مقتضى الحكمة.
اطفيش
تفسير : {وهُوَ الَّذي يبدأ الخَلْق} بالانشاء للعبادة {ثم يُعيدُه} بالبعث للجزاء اعاده للتأكيد {وهُو} اى اعاده اى اعادته، حذف التاء للاضافة كما هو القاعدة الجائزة فى مصدر افعل المعل العين كقوله: وإقام الصلاة بعده، وإيتاء الزكاة، ولو لم يشهر الاعاد بمعنى الاعادة او ذكره لتذكير الخبر، قيل او تأويل الاعادة بالبعث، او باعتبار ان والفعل، فان الخبر لهما لا يؤنث ولو اولا بمصدر مؤنث نحو: إن تقيم حسن لا تقول حسنة، ولو كان مصدر تقيم الاقامة، واعجبنى ان يستعاذ بالله لا يجوز اعجبتنى ولو كان المقدر الاستعاذة. {أهْوَن عليه} اى على الله، واهون اسم تفضيل بمعنى اسهل، خارج عن التفضيل بمعنى الصفة المشبه، اى هين او باق على التفضيل باعتبار بادى الراى للجاهل، فان البعث اسهل من البدء فى بادى الرأى، والعقل ولا سيما عقل المشرك لا فى الحقيقة فانهما عند الله سواء فمن ظن ان الاعادة اسهل البدء اشرك، لانه نسب الله الى العجز، فان ثقل الفعل عجز من الفاعل ولو فعله، او هاء عليه للخلق بمعنى ان الانسان مثلا يسهل عليه، فعل الشئ بعد ما فعله اولا، اذ اعتاده وتعلمه، او عليه معنى على اعتقاده يعتقد ان بدء الخلق اصعب على الله حاشاه، او سهل له وإعادته اسهل، او سهل مع صعوبة البدء. {ولَهُ} وحده تعالى {المَثَل} الوصف العجيب من القدرة والحكمة وسائر صفات الكمال {الأعْلَى} لا يدانى ولا يساوى، ولو كان يدانى او يساوى لكان نقصا وتنزه عن ان يكون شئ اسهل عنده من شئ، بل كل سهل عنده على حد سواء، وقيل: المثل الاعلى ما ذكره من ان الاعادة اهون، وقيل: لا له الا الله بمعنى الوصف بالوحدانية {في السماوات والأرض} متعلق بله او بمتعلقة، وعلقه بعض بالاعلى او بمحذوف حال من المستتر فيه او حال من الاعلى {وهُو العَزيزُ} القادر الذى لا يعجزه شئ من البدء والاعادة {الحَكيمُ} الجارى افعاله على الحكمة.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } بعد الموت؛ والتكرير لزيادة التقرير لشدة إنكارهم البعث والتمهيد لما بعده من قوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } الضمير المرفوع للإعادة وتذكيره لرعاية الخبر أو لأنها مؤولة بأن والفعل وهو في حكم المصدر المذكر أو لتأويلها بالبعث ونحوه، وكونه راجعاً إلى مصدر مفهوم من {يُعِيدُ } وهو لم يذكر بلفظ الإعادة لا يفيد على ما قيل لأنه اشتهر به فكأنه إذا فهم منه يلاحظ فيه خصوص لفظه والضمير المجرور لله تعالى شأنه، و {أَهْوَنُ } للتفضيل أي والإعادة أسهل على الله تعالى من المبدأ، والأسهلية على طريقة التمثيل بالنسبة لما يفعله البشر مما يقدرون عليه، فإن إعادة شيء من مادته الأولى أهون عليهم من إيجاده ابتداء، والمراد التقريب لعقول الجهلة المنكرين للبعث وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرته تعالى عز وجل سواء فكأنه قيل: وهو أهون عليه بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم. وذكر الزمخشري وجهاً آخر للتفضيل وهو أن الإنشاء من قبيل التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله والإعادة من قبيل الواجب الذي لا بد من فعله لأنها لجزاء الأعمال وجزاؤها واجب والإفعال إما محال والمحال ممتنع أصلاً خارج عن المقدور، وإما ما يصرف الحكيم عن فعله صارف وهو القبيح وهو رديف المحال لأن الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه الإحالة، وأما تفضل والتفضل حاله بين بين للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله، وإما واجب لا بد من فعله ولا سبيل إلى الإخلال به فكان الواجب أبعد الأفعال من الامتناع وأقربها من الحصول فلما كانت الإعادة من قبيل الواجب كانت أبعد الأفعال من الامتناع وإذا كانت أبعدها منه كانت أدخلها في التأتي والتسهل فكانت أهون منها وإذا كانت كذلك كانت أهون من الإنشاء اهـ. قال في «التقريب»: وفيه نظر لأنه مبني على الوجوب العقلي ولأن الوجوب إذا كان بالذات نافي القدرة كالامتناع وإلا كان ممكناً فتساوى الفعلان لاشتراكهما في مصحح المقدورية وهو الإمكان. وتعقبه في «الكشف» بقوله أقول: إنه غير واجب بالذات ولا يلزم منه المساواة مع التفضل في سهولة التأتي وأما المساواة في مصحح المقدورية فلا مدخل لها فيما نحن فيه، والحاصل منه أنه لو سلم منه أن الداعي إلى فعله أقوى فلا شك أنه أقرب إلى الوجود مما لا يكون الداعي كذلك. نعم إذا خلص الداعي إلى القسمين صارا سواء، وليس البحث على ذلك التقدير اهـ. والحق ما قاله أبو السعود من أنه ليس المراد بأهونية الفعل أقربيته إلى الوجود باعتبار كثرة الأمور الداعية للفاعل إلى إيجاده وقوة اقتضائها لتعلق قدرته به بل أسهلية تأتيه وصدوره عنه عند تعلق قدرته بوجوده وكونه واجباً بالغير، ولا تفاوت في ذلك بين أن يكون ذلك التعلق بطريق الإيجاب أو بطريق الاختيار. وروى الزجاج عن أبـي عبيدة وكثير من أهل اللغة أن {أَهْوَنُ } هٰهنا بمعنى هين، وروي ذلك عن ابن عباس والربيع، وكذا هو في مصحف عبد الله، وهذا كما يقال: الله تعالى أكبر أي كبير وأنت أوحد الناس أي واحدهم وإني لأوجل أي وجل. وفي «الكشف» التحقيق أنه من باب الزيادة المطلقة، وإنما قيل بمعنى إلهين لأنه يؤدي مؤداه، وقيل: أفعل على ظاهره وضمير {عليه} عائد على الخلق على معنى أن الإعادة أيسر على المخلوق لأن البداءة فيها تدريج من طور إلى طور إلى أن يصير إنساناً والإعادة لا تحتاج إلى التدريجات في الأطوار إنما يدعوه الله تعالى فيخرج. / وأما على معنى أن الإعادة أسهل على المخلوق أي أن يعيدوا شيئاً ويفعلوه ثانياً بعدما زاولوا فعله وعرفوه أولاً أسهل من أن يفعلوه أولاً قبل المزاولة وإذا كان هذا حال المخلوق فما بالك بالخالق، ولا يخفى أن الظاهر رجوع الضمير إليه تعالى، ثم إن الجار والمجرور صلة {أَهْوَنُ } وقدمت الصلة في قوله تعالى: {أية : وَهُوَ عَلَىٰ هَيّنٌ }تفسير : [مريم:9، 21] وأخرت هنا لأنه قصد هنالك الاختصاص وهو محزة فقيل {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } وإن كان صعباً عندكم أن يولد بين هم وعاقر وأما هٰهنا فلا معنى للاختصاص كيف والأمر مبني على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من الابتداء فلو قدمت الصلة لتغير المعنى. ولما أخبر سبحانه بأن الإعادة أهون عليه على طريق التمثيل عقب ذلك بقوله تعالى: {وَلَهُ } تعالى شأنه خاصة {ٱلْمَثَلُ } أي الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال {ٱلأَعْلَىٰ } الذي ليس لغيره ما يدانيه فضلاً عما يساويه فكأنه قيل هذا لتفهيم العقول القاصرة إذ صفاته تعالى عجيبة وقدرته جل شأنه عامة وحكمته سبحانه تامة فكل شيء بدأ وإعادة وإيجاداً وإعداماً على حد سواء ولا مثل له تعالى ولا ند. وعن قتادة ومجاهد أن {ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } لا إله إلا الله، ولعلهما أرادا بذلك الوحدانية في ذاته تعالى وصفاته سبحانه، والكلام عليه مرتبط بما قبله أيضاً كأنه قيل: ما ذكر لتفهيم العقول القاصرة لأنه تعالى لا يشاركه أحد في ذاته تعالى وصفاته عز وجل، وقيل: مرتبط بما بعده من قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ }تفسير : [الروم: 28] وقال الزجاج: المثل قوله تعالى: {هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } قد ضربه الله تعالى مثلاً فيما يسهل ويصعب عندكم وينقاس على أصولكم فاللام في المثل للعهد وهو محمول على ظاهره غير مستعار للوصف العجيب الشأن. {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وٱلأَرْضِ } متعلق بمضمون الجملة المتقدمة على معنى أنه سبحانه قد وصف بذلك وعرف به فيهما على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وقيل: بالأعلى، وقيل: بمحذوف هو حال منه أو من {ٱلْمَثَلُ } أو من ضميره في {ٱلأَعْلَىٰ } وقيل: متعلق بما تعلق به {لَهُ } أي له في السماوات والأرض المثل الأعلى، والمراد أن دلالة خلقهما على عظيم القدرة أتم من دلالة الإنشاء فهو أدل على جواز الإعادة ولهذا جعل أعلى من الإنشاء فتأمل {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } القادر الذي لا يعجز عن بدء ممكن وإعادته {ٱلْحَكِيمُ } الذي يجري الأفعال على سنن الحكمة والمصلحة.
ابن عاشور
تفسير : تقدم نظير صدر هذه الآية في هذه السورة وأعيد هنا ليبنَى عليه قوله {وهو أهون عليه} تكملة للدليل إذ لم تذكر هذه التكملة هناك. فهذا ابتداء بتوجيه الكلام إلى المشركين لرجوعه إلى نظيره المسوق إليهم. وهذا أشبه بالتسليم الجدلي في المناظرة، ذلك لأنهم لما اعترفوا بأن الله هو بادىءُ خلق الإنسان، وأنكروا إعادته بعد الموت، واستُدل عليهم هنالك بقياس المساواة، ولما كان إنكارهم الإعادة بعد الموت متضمناً تحديد مفعول القدرة الإلهية جاء التنازل في الاستدلال إلى أن تحديد مفعول القدرة لو سلم لهم لكان يقتضي إمكان البعث بقياس الأحرى فإن إعادة المصنوع مرة ثانية أهون على الصانع من صنعته الأولى وأدخل تحت تأثير قدرته فيما تعارفه الناس في مقدوراتهم. فقوله {أهون}اسم تفضيل، وموقعه موقع الكلام الموجَّه، فظاهره أن {أهون}مستعمل في معنى المفاضلة على طريقة إرخاء العنان والتسليم الجدلي، أي الخلق الثاني أسهل من الخلق الأول، وهذا في معنى قوله تعالى {أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد}تفسير : [ق: 15]. ومراده: أن إعادة الخلق مرة ثانية مُساوية لبدْء الخلق في تعلق القدرة الإلهية، فتحمل صيغة التفضيل على معنى قوة الفعل المصوغة له كقوله {أية : قال ربّ السجنُ أحبُّ إليَّ مما يَدْعُونَني إليه}تفسير : [يوسف: 33]. وللإشارة إلى أن قوله {وهو أهون عليه}مجرد تقريب لأفهامهم عقب بقوله {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض،}أي ثبت له واستحق الشأن الأتم الذي لا يقاس بشؤون الناس المتعارفة وإنما لقصد التقريب لأفهامكم. و{الأعلى}: معناه الأعظم البالغ نهاية حقيقة العظمة والقوة. قال حجة الإسلام في الإحياء}: «لا طاقة للبشر أن ينفُذوا غَوْر الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضَوءَ الشمس ولكنهم ينالون منها ما تحيا به أبصارهم وقد تأنق بعضهم في التعبير عن وجه اللطف في إيصال معاني الكلام المجيد إلى فهم الإنسان لعلو درجة الكلام المجيد وقصور رتبة الأفهام البشرية فإن الناس إذا أرادوا أن يفهموا الدواب ما يريدون من تقديمها وتأخيرها ونحوه ورأوها تقصر عن فهم الكلام الصادر عن العقول مع حسنه وترتيبه نَزلوا إلى درجة تمييز البهائم وأوصلوا مقاصدهم إليها بأصواتٍ يضعونها لائقة بها من الصفير ونحوه من الأصوات القريبة من أصواتها» اهــــ. وقوله {في السموات والأرض} صفة للمثل أو حال منه، أي كان استحقاقه المثل الأعلى مستقراً في السماوات والأرض، أي في كائنات السماوات والأرض، فالمراد: أهلها، على حدّ {أية : واسأل القرية}تفسير : [يوسف: 82]، أي هو موصوف بأشرف الصفات وأعظم الشؤون على ألسنة العقلاء وهي الملائكة والبشر المعتد بعقولهم ولا اعتداد بالمعطِّلين منهم لسخافة عقولهم وفي دلائل الأدلة الكائنة في السماوات وفي الأرض، فكل تلك الأدلة شاهدة بأن لله المثل الأعلى. ومن جملة المثَل الأعلى عزته وحكمته تعالى؛ فخُصّا بالذكر هنا لأنهما الصفتان اللتان تظهر آثارهما في الغرض المتحدث عنه وهو بدء الخلق وإعادته؛ فالعزة تقتضي الغِنى المطلق فهي تقتضي تمام القدرة. والحكمة تقتضي عموم العلم. ومن آثار القدرة والحكمة أنه يعيد الخلق بقدرته وأن الغاية من ذلك الجزاء وهو من حكمته.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَبْدَأُ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (27) - وَهُوَ تَعَالى الذي بَدَأَ خَلْقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ، سَبَقَ، ثُم يقضِي بِفَنَائِها وَزَوالِها، ثُمّ يُعيدُ خَلْقَها، وَكُلُّ ذَلِكَ هَيِّنٌ عَليه. ثُمَّ لَفَتَ اللهُ تَعَالى نَظَرَ البَشَرِ إِلى أَنَّ إِعَادَةَ الخَلْقِ والصُّنْعِ أهوَنُ عَلَيهِ مِنِ ابتِدَائِهِ، فإِذَا كَانَ اللهُ هُوَ الذي بَدَأ الخَلْقِ بعدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيئاً، فَمِنَ المَفْرُوضِ في البَشَرِ أَنْ يُدْرِكُوا أَنَّ إِعَادَةَ خَلْقِ الكَائِنَاتِ أهوَنُ مِنْ خَلْقِهَا ابْتِدَاءً، وَأَنَّ ذَلكَ لَنْ يُعْجِزَ اللهَ تَعَالى، فَبَعْثُ البَشَرِ يومَ القيامةِ أَسْهَلُ عَلى اللهِ مِنْ خَلْقِهِمْ، وللهِ الوَصْفُ البَدِيعُ في السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَهُوَ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ ليسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهُوَ العَزيزُ الذي لا يُغَالَبُ ولا يُضَامُ، وهُوَ الحَكِيمُ في خَلْقِهِ وَتدبِيرِهِ، فَلاَ يَخْلُقُ شَيئاً عَبَثاً لا فَائِدةَ مِنْهُ. لهُ المَثَلُ الأعلَى - لَهُ الوَصْفُ الأَعلَى في الجَلاَلِ والكَمَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كثيراً ما يُحدِّثنا القرآن الكريم عن هذه المسألة ويُذكِّرنا بالبدء والإعادة، لماذا؟ يهتم القرآن بهذه المسألة ويؤكد عليها لأنها كانت الأساس في دعوته؛ لأنهم إنْ كانوا يؤمنون بأنهم يرجعون إلى الله لخافوا من عقابه؛ لذلك يؤكد لهم في مواضع كثيرة حتمية الإعادة وأنها حَقٌّ. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ..} [الروم: 27] استُهلَّت الآية بقوله تعالى (وَهُوَ) وفي آية أخرى {أية : ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ..} تفسير : [الروم: 11] فكأن (هُوَ) مدلولها (الله) وهو كما نعلم ضمير غيبة، والحق سبحانه غَيْب عن الأنظار، ومن عظمته سبحانه أنه غيب، فلو كان مُدْركاً مُحسَّاً ما استحق أنْ يكون إلهاً، وكيف نطمع في إدراكه سبحانه ونحن لا نستطيع أن ندرك بعض مخلوقاته؟ فالمعاني التي خلقها الله لتسوس حركة الحياة: كلمة الحق، العدل، الحق الذي يقف القضاء كله ليؤيده ويُعلنه، والعدل الذي يحكم موازين الحياة؛ ليوازن بين الشهوات وبين الحقائق، هذه المعاني لا تُدرَك بالحواس، فهل رأيتم العدل؟ هل سمعتم العدل؟ هل شممتم العدل؟ ... الخ. إذن: فالمعاني العالية لا يمكن أنْ تُدرك لأنها أرفع من الإدراك؛ لأن بها يكون الإدراك، أيكون المخلوق للحق أسمى من أنْ يُدرك، ويكون الحق سبحانه موضعاً للإدراك. فإذا سمعت (هُوَ) فاعلم أنها لا تنصرف إلا إلى الإله الواحد الذي من عظمته أنه لا يُدرَك {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ ..} تفسير : [الأنعام: 103]. لذلك نقرأ في سورة الإخلاص {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] فترى أن (الله) لفظ الجلالة، وهو عَلَم على واجب الوجود يأتي بعد (هُوَ) فكأن (هُوَ) أدلُّ على وجود الحق سبحانه من لفظ الجلالة (الله)، فكأنه لا يصح حين يُطلَق ضمير الغيبة (هُوَ) على شيء إلا الله؛ لأنه لا شيء في الكون إلا الله. وقوله تعالى هنا {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ...} [الروم: 27] بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرارية، مع أنه سبحانه بدأ الخَلْق بالفعل {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} تفسير : [الأعراف: 29] فإنْ ذكرت الأولى فقد بدأ الخَلْق، وإن ذكرت الاستمرارية في الإيجاد فهو يبدأ دائماً، وفي كل وقت ترى في خَلْق الله شيئاً جديداً، فالخَلْق لم يأتِ مرة واحدة، ثم توقف، بل بدأ ثم استمر. ونلحظ أن القرآن يذكر هذه المسألة مرة بالماضي (بَدَأ) ومرة بالمضارع (يَبْدأ)؛ لأن الخالق سبحانه بدأ الخلق فعلاً بخَلْق آدم عليه السلام الإنسان الأول: {أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ} تفسير : [السجدة: 7] ولا يزال سبحانه بقيوميته خالقاً، يبدأ كل يوم وكل لحظة خَلْقاً جديداً نشاهده في الإنسان، وفي الحيوان، وفي النبات .. الخ. وبالخَلْق المتجدِّد للإنسان، حيث يُولَد كل لحظة مولود جديد نردُّ على الذين يقولون بتناسخ الأرواح - يعني: أن الروح تخرج من جسد فتحلُّ في جسد آخر - وهذا يعني أن تكون المواليد على قدر الوَفيَات، ويعني أن يظل العالم على تعداد واحد دون زيادة، ونحن نرى الآن مدى الكثافة السكانية التي يشكو العالم منها الآن، وهذه تكفي لهدم هذه النظرية. والحق سبحانه يُحذِّرنا أن نأخذ قصة بَدْء الخلق من غير الخالق سبحانه، فمن الناس مضلون سيضلونكم في هذه المسألة، فلا تُصغْون إليهم؛ لأن الله يقول: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. وقد رأينا من هؤلاء المضلين مَنْ يقول بأن الإنسان أصله قرد متطور إلى إنسان، والردُّ على هذه الضلالات يسير، فإذا كان القرد تطور إلى إنسان، فلماذا لم تتطور باقي القرود؟ ولماذا لم يتطور الإنسان منذ أنْ خُلِق آدم وحتى الآن إلى شيء آخر؟ وكيف نصدق هذه الضلالات، وربنا سبحانه يقول: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49]. ويقول سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36] فإياك أنْ تقول: إن شيئاً تطور عن شيء، فكل جنس قائم بذاته منذ خلقه الله. إذن: احذروا مثل هذه الأقوال، ولا تأخذوا قصة بَدْء الخَلْق إلا من الله وحده. كلمة {يُعِيدُهُ ..} [الروم: 27] أي: إلى الخَلْق فهي بمعنى يخلقه، فالمعنى: يبدأ الخلق ثم يميته ثم يُعيده، البعض يظن أن يعيده يعني يبعثه في الآخرة، لكن الله تعالى يقول: {أية : ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [الروم: 11] فيعيده غير تُرجعون، ترجعون أي: في القيامة. وقوله {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..} [الروم: 27] أي: على حَسْب فهمكم أنتم للأشياء، وإلا فالله تعالى لا يقال في حقه هذا سهل وهذا أسهل، ولا هيِّن وأهون؛ لأنه سبحانه لا يزاول الأشياء كما نزاولها نحن، ولا يعالج الأفعال، إنما يفعل سبحانه بكُنْ فيكون. ومن ذلك قوله تعالى لزكريا عليه السلام لما تعجب أن يكون له ولد، وقد بلغ من الكِبَر عتياً وامرأته عاقر: {أية : هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ..} تفسير : [مريم: 9] ذلك لأن طلاقَة القدرة لا تقف عند أسبابكم. وكذلك قال لمريم: {أية : كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ..} تفسير : [مريم: 21]. فالأمر عجيب في نظر مريم، أن تأتي بولد بدون زوج؛ لكنه ليس عجيباً في قدرة الله، فإنْ كانت العادة أنْ يأتي الولد بالأسباب فالله سبحانه هو خالق الأسباب، يفعل ما يشاء بدونها. وسبق أن تحدثنا عن طلاقة قدرة الله في قصة إبراهيم عليه السلام حينما أراد القوم أنْ يحرقوه، فلو كانت المسألة مسألة نجاة إبراهيم من النار ما مكّنهم الله من الإمساك به، أو: حتى إنْ أمسكوه وألقَوْه في النار كان بالإمكان أنْ يُنزِل الله على النار مطراً فتنطفىء. لكن الحق سبحانه يريد أن يسدَّ على الكافرين منافذ الحِجَاج، ويبطل كفرهم، فهاهم قد ظفروا به وألقَوْه في قَعْر النار، وهي على حال الاشتعال والإحراق، لكنهم غفلوا عن شيء هام، هو أن الله تعالى ربُّ هذه النار وخالقها وخالق قوة الإحراق فيها، وهو وحده القادر على أنْ يسلبها هذه الخاصية، فيلقى فيها نبيه إبراهيم دون أن يحترق. وهنا تكمن العظمة وتظهر الحجة {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]. ونلحظ فصاحة الأداء في {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ..} [الروم: 27] فهو أسلوب قَصْر، حيث قدّم المتعلق الذي حقُّه أن يكون مؤخراً، كما في {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ..} تفسير : [الفاتحة: 5] فقدّم المفعول، ومن حق المفعول أن يُؤخّر عن الفعل والفاعل، وقدَّمه هنا، لنقصر العبادة على الله وحده دون سواه، وحتى لا نعطف على الله تعالى شيئاً، فلو قلت نعبدك لجاز أن تقول: ونعبد غيرك، كذلك هنا {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ..} [الروم: 27] أفادت تخصيص الخلق لله وحده دون أن نعطف عليه أحداً. وقوله تعالى {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..} [الروم: 27] الحقيقة ليس في الأمور بالنسبة لله تعالى هَيِّن وأهون، إنما في عُرْفنا نحن، وليُقرِّب لنا الحق سبحانه فَهْم المسائل، وإلا فالحق سبحانه لا يعالج الأمور ولا يزاولها كما نعالجها نحن، وإنما يفعل سبحانه بكُنْ فيكون. لذلك لما نتأمل قَوْل مريم عليها السلام لما بشَّرتها الملائكة بالمسيح قالت: {أية : رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ...} تفسير : [آل عمران: 47] فكيف فهمتْ مريم هذه المسألة، ومَنْ أخبرها بأن الولد سيكون دون أن يمسَّها بشر؟ لقد فهمت مريم هذا من قول الملائكة {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ..} تفسير : [آل عمران: 45]. فلو كان له أبٌ لذكرته الملائكة، وما داموا قد نسبوه إلى أمه فلا أب له. ثم يقول سبحانه: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الروم: 27] له المثل الأعلى يعني: أن الله تعالى لا مثيلَ له، فإنْ شابهه سبحانه شيء من خَلْقه في صفة من الصفات فخُذْها في إطار التقريب للمعنى، وفي إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11] فلك وجود ولله تعالى وجود، لكن وجودك ليس كوجود الله، أنت حَيٌّ والله حَيٌّ، لكن حياتك ليست كحياته عز وجل .. وهكذا. وقوله {ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ..} [الروم: 27] نقول: عَالٍ وأعلى، فهي أفعل تفضيل بمعنى: الذي لا يُشابه ولا يُضَاهي؛ لذلك يقول سبحانه {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 1] فينفي أن يوجد شبيه لمثل الله لا شبيه لله؛ لأن الكاف هنا بمعنى: مثل. فكأنك قلت: ليس مِثْل مِثْله شيء. وطريقة العرب في الأداء في مسألة المشابهة يقولون: زيد مثل الأسد في الشجاعة، فأنت تريد أن تعطيني صورة لشجاعة زيد، فذكرت أوضح شيء لهذه الصفة وهو الأسد، فهو مُشبَّه به. إذن: فالأسد أقوى من زيد في هذه الصفة، وإلا لما جعلتَ المشبّه به توضيحاً لما لا تعلم. فحين تقول: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 1] تعني: إنْ وُجد مِثْل لله لا يوجد مثل لهذا المثْل، فنفيتَ المثل من باب أَوْلَى؛ لأن الأضعف وهو المثل المشبه أضعف من المشبه به، فإذا كان المثل أضعف من الممثَّل ولا يوجد مثل للأضعف، فكيف يوجد مثل للأقوى؟ وانظر إلى جمال الحق سبحانه حين يُجلِّي للخَلْق مثَلاً في دنياهم، ويجعل من ذاته - سبحانه وتعالى - المماثلة، يقول تعالى ليُقرِّب لأفهامنا كيفية نوره: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ..} تفسير : [النور: 35] . فالله - سبحانه وتعالى - يضرب المثَل لنوره بالمشكاة، السطحيون يظنون أن المشكاة هي المصباح، لكن الله يقول {أية : كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ..} تفسير : [النور: 35] والمشكاة تجويف في الحائط، مثل الطاقة غير نافذة، فإنْ كانت نافذة نسميها شباكاً، وكانوا في الماضي يضعون المصباح في هذه الفجوة ليضيء الحجرة، والفجوة هذه أو المشكاة تجمع الضوء وتُقوِّيه؛ لذلك يكون الضوء فيها أقوى من ضوء الحجرة، أو: أن المصباح يستوعب المشكاة أكثر من استيعابه للحجرة كلها. وبتأمل هذا المعنى نرى أن الحق سبحانه لا يضرب لنا مثَلاً لنوره إنما لتنويره، فتنوير الله تعالى مِثْل المشكاة التي فيها المصباح، والمصباح يدلُّ على الرقي في وسائل الإضاءة، فدونه مثلاً الشعلة، وهو فتيل يُوقَد في الهواء ويكون له دخان أسود، أما المصباح فله زجاجة تحجز عنه الهواء إلا بقدر ما يكفي لاحتراق الفتيل، فيأتي الضوء منه صافياً. ثم هو فضلاً عن ذلك في زجاجة ليست عادية، إنما {أية : كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ..} تفسير : [النور: 35] أي: مثل الدرة التي تضيء بذاتها، هذا المصباح يُوقَد من شجرة زيتونة معتدلة المزاج {أية : لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ..} تفسير : [النور: 35] فتصوُّر هذا المصباح في مكان ضيق لا في الحجرة كلها، إنما في المشكاة كيف يكون ضوؤه؟ كذلك تنوير الله - سبحانه وتعالى - للسماوات والأرض على سعتهما، فنوره تعالى يستوعبهما، لا يترك منهما مكاناً مظلماً كالطاقة بالنسبة لهذا المصباح الذي وصفنا. ولهذا المثل قصة شهيرة في الأدب العربي، فقد فطن إليها أبو تمام في مدحه أحد الخلفاء، وحين أراد أنْ يجمع له مَلَكات العرب ومواهبهم من الجود والشجاعة والحِلْم والذكاء، قال مادحاً: شعر : إقْدَامُ عَمْروٍ في سَمَاحَةِ حَاتمٍ وفي حِلْم أحْنفَ في ذَكاءِ إيَاسِ تفسير : وقد اشتهر عمرو بن معدي كرب بالشجاعة والإقدام، واشتهر حاتم الطائي بالكرم، وأحنف بن قيس بالحلم حتى قيل "أحلم العرب" فلا يُغضِبه شيء أبداً، ولا يُخرجه عن حِلْمه، حتى أن جماعة قصدوا أنْ يخرجوه عن حِلْمه، فتكون سابقة لهم فتبعوه في الطريق، وأخذوا يهزءُون به وهو يضحك، حتى قارب من الحي، فنظر إلى هؤلاء الفتية وقال: أيها الفتية، لقد قربنا من الحيِّ، فإنْ كان في جوفكم استهزاء بي فافرغوا منه؛ لأنهم لو ظفروا بكم لقتلوكم. أما إياس بن معاوية فكان مَضْرب المثَل في الذكاء، وهكذا جمع أبو تمام لممدوحه خلاصة ما تعرفه العرب من مواهب. وهنا قام له واحد من خصومه وقال: أتُشبِّه الخليفة بأجلاف العرب، فمَنْ يكون هؤلاء إذا ما قُورِنوا بأمير المؤمنين؟ وهذا الاعتراض مأخوذ من قول الشاعر: شعر : وشَبَّهه المدَّاحُ في البَأْسِ والنَّدَى بمَنْ لَوْ رآهُ كانَ أصْغر خَادمِ فَفِي جيشه خَمسُونَ ألفاً كَعنترٍ وأَمْضَى وفي خُدَّامهِ ألفُ حاتمِ تفسير : فلما قيل لأبي تمام: كيف تشبه الخليفة بأجلاف العرب أحجم هنيهة ثم رفع رأسه، وقال: شعر : لاَ تُنكِروا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ مثَلاً شَرُوداً في النَّدَى والبَاس فالله قد ضَربَ الأقلَّ لِنُورِه مَثَلاً من المشْكَاةِ والنِّبراسِ تفسير : ومع دِقَّة الاستشهاد وطرافته إلا أن خصومه اتهموه بأن ذلك ليس ارتجالاً لوقته، إنما هو مُعدٌّ لهذا الموقف سلفاً، وبعض الدارسين للأدب يقول بذلك وقاله لنا مدرس الأدب، لكن يُروَى أنهم لما أخذوا الورقة التي مع أبي تمام لم يجدوا فيها هذه الأبيات، ثم على فرض أن الرجل أعدَّها قبل هذا الموقف فإنها تُحسَب له لا عليه، وتضيف إليه ذكاءً آخر؛ لأنه استدرك على ما يمكن أنْ يُقال فاستعد له. وكما أن الحق سبحانه وتعالى له المثَل الأعلى في الأرض، فلا مثيلَ له، كذلك له المثل الأعلى في السماء فلا مثيلَ له، مع أن ما في السماء غيب، وهم الملائكة من صفاتهم كذا وكذا، فلله المثَل الأعلى في السماوات. ثم يقول سبحانه: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الروم: 27] أي: أنه سبحانه وتعالى بذاته عزيز لا يُغلب، ومع عزته سبحانه حكيم لا يظلم. ثم يقول الحق سبحانه: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثناء ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الآية: 27]. قال: الاعادة والبداءَة عليه هين. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {أية : يُحْبَرُونَ}تفسير : [الآية: 15]: ينعمون. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في /59 ظ/ قول: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} [الآية: 30]. قال: الفطرة،، الدين الإِسلام. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة: عن ابن عباس في قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} [الآية: 30]. قال: هو الإِخصاءُ. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد يعني: لدين الله [الآية: 30]. أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن المغيرة عن إِبراهيم مثله قال: لا تبديل لدين الله [الآية: 30]. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} [الآية: 39]. يعني: من أَعطى هدية يبتغي أَفضل منها فلا أَجر فيها. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الآية: 41]. قال: أَما في البر، فقتل ابن آدم أَخاه. وأَما في البحر، فأَخذ الملك السفينة غصباً. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الآية: 44]. يعني: يسوون المضاجع.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} معناه ذلك هينٌ عليهِ. وقال: وهو أهونُ عندكم لأن الإعادةَ أهونُ عِندكُم مِن الابتداءِ.
همام الصنعاني
تفسير : 2274- قال عبد الربزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة: أَنّ في حرف ابن مسعود {يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ هيِّن}: [الآية: 27].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):