Verse. 3437 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ اَنْفُسِكُمْ۝۰ۭ ہَلْ لَّكُمْ مِّنْ مَّا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ مِّنْ شُرَكَاۗءَ فِيْ مَا رَزَقْنٰكُمْ فَاَنْتُمْ فِيْہِ سَوَاۗءٌ تَخَافُوْنَہُمْ كَخِيْفَتِكُمْ اَنْفُسَكُمْ۝۰ۭ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّعْقِلُوْنَ۝۲۸
Daraba lakum mathalan min anfusikum hal lakum mi mma malakat aymanukum min shurakaa fee ma razaqnakum faantum feehi sawaon takhafoonahum kakheefatikum anfusakum kathalika nufassilu alayati liqawmin yaAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ضرب» جعل «لكم» أيها المشركون «مثلا» كائنا «من أنفسكم» وهو «هل لكم من ما ملكت أيمانكم» أي من مماليككم «من شركاء» لكم «فيما رزقناكم» من الأموال وغيرها «فأنتم» وهم «فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم» أي أمثالكم من الأحرار والاستفهام بمعنى النفي المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له «كذلك نفصِّل الآيات» نبنيها مثل ذلك التفصيل «لقومٍ يعقلون» يتدبرون.

28

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين الإعادة والقدرة عليها بالمثل بعد الدليلين بين الوحدانية أيضاً بالمثل بعد الدليل، ومعناه أن يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة مثل حرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله تعالى حتى يعبدوا، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ينبغي أن يكون بين المثل والممثل به مشابهة ما، ثم إن كان بينهما مخالفة فقد يكون مؤكداً لمعنى المثل وقد يكون موهناً له وههنا وجه المشابهة معلوم، وأما المخالفة فموجودة أيضاً وهي مؤكدة وذلك من وجوه أحدها: قوله: {مّنْ أَنفُسِكُمْ } يعني ضرب لكم مثلاً من أنفسكم مع حقارتها ونقصانها وعجزها، وقاس نفسه عليكم مع عظمها وكمالها وقدرتها وثانيها: قوله: {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } يعني عبدكم لكم عليهم ملك اليد وهو طار (ىء) قابل للنقل والزوال، أما النقل فبالبيع وغيره والزوال بالعتق ومملوك الله لا خروج له من ملك الله بوجه من الوجوه، فإذا لم يجز أن يكون مملوك يمينكم شريكاً لكم مع أنه يجوز أن يصير مثلكم من جميع الوجوه، بل هو في الحال مثلكم في الآدمية حتى أنكم ليس لكم تصرف في روحه وآدميته بقتل وقطع وليس لكم منعهم من العبادة وقضاء الحاجة، فكيف يجوز أن يكون مملوك الله الذي هو مملوكه من جميع الوجوه شريكاً له وثالثها: قوله: {مّن شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَـٰكُمْ } يعني الذي لكم هو في الحقيقة ليس لكم بل هو من الله ومن رزقه والذي من الله فهو في الحقيقة له فإذا لم يجز أن يكون لكم شريك في مالكم من حيث الاسم، فكيف يجوز أن يكون له شريك فيما له من حيث الحقيقة وقوله: {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء } أي هل أنتم ومماليككم في شيء مما تملكون سواء ليس كذلك فلا يكون لله شريك في شيء مما يملكه، لكن كل شيء فهو لله فما تدعون إلهيته لا يملك شيئاً أصلاً ولا مثقال ذرة من خردل فلا يعبد لعظمته ولا لمنفعة تصل إليكم منه، وأما قولكم هؤلاء شفعاؤنا فليس كذلك، لأن المملوك هل له عندكم حرمة كحرمة الأحرار وإذا لم يكن للملوك مع مساواته إياكم في الحقيقة والصفة عندكم حرمة، فكيف يكون حال المماليك الذين لا مساواة بينهم وبين المالك بوجه من الوجوه وإلى هذا أشار بقوله: {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ }. المسألة الثانية: بهذا نفى جميع وجوه حسن العبادة عن الغير لأن الأغيار إذا لم يصلحوا للشركة فليس لهم ملك ولا ملك، فلا عظمة لهم حتى يعبدوا لعظمتهم ولا يرتجى منهم منفعة لعدم ملكهم حتى يعبدوا لنفع وليس لهم قوة وقدرة لأنهم عبيد والعبد المملوك لا يقدر على شيء فلا تخافوهم كما تخافون أنفسكم، فكيف تخافونهم خوفاً أكثر من خوفكم بعضاً من بعض حتى تعبدوهم للخوف. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ نُفَصّلُ ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي نبينها بالدلائل والبراهين القطعية والأمثلة والمحاكيات الإقناعية لقوم يعقلون، يعني لا يخفى الأمر بعد ذلك إلا على من لا يكون له عقل.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ثم قال: {مِّن شُرَكَآءَ}؛ ثم قال: {مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فـ«ـمن» الأولى للابتداء؛ كأنه قال: أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم. والثانية للتبعيض، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام. والآية نزلت في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك؛ قاله سعيد بن جبير. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله للمشركين؛ والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء. الثانية: قال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه، وذلك أنه لما قال جل وعز: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الآية، فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا! فيقال لهم: فكيف يتصوّر أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي؛ فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعَمَى قلب! فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة والخلق كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن يكون شيء من العالَم شريكاً لله تعالى في شيء من أفعاله؛ فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك، إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضاً بالمال والعمل؛ والقديمُ الأزلِيّ منزّه عن ذلك جلّ وعز. وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه؛ لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك.

ابن كثير

تفسير : هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له؛ كما كانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. فقال تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} أي: يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكاً له في ماله، فهو وهو فيه على السواء، {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال. قال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك، كذلك الله لا شريك له، والمعنى: إن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟ وهذا كقوله تعالى: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} تفسير : [النحل: 62] أي: من البنات، حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بشر بالأنثى، ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون، أم يدسه في التراب؟ فهم يأنفون من البنات، وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر، وهكذا في هذا المقام، جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء، ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبده شريكه في ماله يساويه فيه، ولو شاء لقاسمه عليه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. قال الطبراني: حدثنا محمود بن الفرج الأصفهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا حماد بن شعيب عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. فأنزل الله تعالى: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ}؟ ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى، ونزاهته بطريق الأولى والأحرى، قال تعالى: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ثم قال تعالى مبيناً أن المشركين إنما عبدوا غيره سفهاً من أنفسهم وجهلاً، {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أي: المشركون {أَهْوَآءَهُم} أي: في عبادتهم الأنداد بغير علم، {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ}؟ أي: فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم، {وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} أي: ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير، ولا محيد لهم عنه؛ لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ضَرَبَ } جعل {لَكُمْ } أيها المشركون {مَثَلاً } كائناً {مّنْ أَنفُسِكُمْ } وهو {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ } أي من مماليككم {مِّن شُرَكَاء } لكم {فِى مَا رَزَقْنَٰكُمْ } من الأموال وغيرها {فَأَنتُمْ } وهم {فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } أي أمثالكم من الأحرار؟، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟ {كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلأَيَٰتِ } نبينها مثل ذلك التفصيل {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يتدبرون.

الشوكاني

تفسير : قوله: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً } قد تقدّم تحقيق معنى المثل، و"من" في: {مّنْ أَنفُسِكُمْ } لابتداء الغاية وهي ومجرورها في محلّ نصب صفة لمثلاً، أي مثلاً منتزعاً، ومأخوذاً من أنفسكم، فإنها أقرب شيء منكم، وأبين من غيرها عندكم، فإذا ضرب لكم المثل بها في بطلان الشرك كان أظهر دلالة وأعظم وضوحاً. ثم بين المثل المذكور فقال: {هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مّن شُرَكَاء فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ }. «من» في {مما ملكت} للتبعيض، وفي: {من شركاء} زائدة للتأكيد، والمعنى: هل لكم شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم؟ وهم: العبيد والإماء، والاستفهام للإنكار، وجملة: {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء } جواب للاستفهام الذي بمعنى النفي، ومحققه لمعنى الشركة بينهم وبين العبيد والإماء المملوكين لهم في أموالهم، أي هل ترضون لأنفسكم - والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم في البشرية - أن يساووكم في التصرّف بما رزقناكم من الأموال، ويشاركوكم فيها من غير فرق بينكم وبينهم؟ {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } الكاف نعت مصدر محذوف، أي تخافونهم خيفة كخيفتكم أنفسكم، أي كما تخافون الأحرار المشابهين لكم في الحرية وملك الأموال وجواز التصرف، والمقصود نفي الأشياء الثلاثة: الشركة بينهم وبين المملوكين، والاستواء معهم، وخوفهم إياهم. وليس المراد ثبوت الشركة ونفي الاستواء والخوف كما قيل في قولهم: ما تأتينا فتحدّثنا. والمراد: إقامة الحجة على المشركين فإنهم لا بدّ أن يقولوا: لا نرضى بذلك، فيقال لهم: فكيف تنزّهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم وهم أمثالكم في البشرية، وتجعلون عبيد الله شركاء له؟ فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة؛ بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد الله تعالى، ولم يبق إلاّ أنه الربّ وحده لا شريك له. قرأ الجمهور {أنفسكم} بالنصب على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على إضافة المصدر إلى مفعوله {كَذٰلِكَ نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } تفصيلاً واضحاً وبياناً جلياً {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } لأنهم الذين ينتفعون بالآيات التنزيلية والتكوينية باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها. ثم أضرب سبحانه عن مخاطبة المشركين وإرشادهم إلى الحق بما ضربه لهم من المثل، فقال: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي لم يعقلوا الآيات، بل اتبعوا أهواءهم الزائغة، وآراءهم الفاسدة الزائفة، ومحل {بغير علم} النصب على الحال، أي جاهلين بأنهم على ضلالة {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } أي لا أحد يقدر على هدايته؛ لأن الرشاد والهداية بتقدير الله وإرادته {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } أي ما لهؤلاء الذين أضلهم الله من ناصرين ينصرونهم، ويحولون بينهم وبين عذاب الله سبحانه. ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتوحيده وعبادته كما أمره فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً } شبه الإقبال على الدين بتقويم وجهه إليه، وإقباله عليه. وانتصاب {حنيفاً} على الحال من فاعل أقم أو من مفعوله، أي مائلاً إليه مستقيماً عليه غير ملتفت إلى غيره من الأديان الباطلة. {فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا } الفطرة في الأصل: الخلقة، والمراد بها هنا: الملة، وهي الإسلام والتوحيد. قال الواحدي: هذا قول المفسرين في فطرة الله، والمراد بالناس هنا: الذين فطرهم الله على الإسلام؛ لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، وهذا الخطاب وإن كان خاصاً برسول الله فأمته داخلة معه فيه. قال القرطبي باتفاق من أهل التأويل: والأولى حمل الناس على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم، وأنهم جميعاً مفطورون على ذلك لولا عوارض تعرض لهم فيبقون بسببها على الكفر كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة»تفسير : . وفي رواية: «حديث : على هذه الملة - ولكن أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» تفسير : ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ }. وفي رواية «حديث : حتى تكونوا أنتم تجدعونها»تفسير : . وسيأتي في آخر البحث ما ورد معاضداً لحديث أبي هريرة هذا، فكل فرد من أفراد الناس مفطور، أي مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان، وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وقول جماعة من المفسرين، وهو: الحق. والقول بأن المراد بالفطرة هنا: الإسلام هو مذهب جمهور السلف. وقال آخرون: هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها، فإنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة. والفاطر في كلام العرب هو المبتدىء، وهذا مصير من القائلين به إلى معنى الفطرة لغة، وإهمال معناها شرعاً. والمعنى الشرعيّ مقدّم على المعنى اللغوي باتفاق أهل الشرع، ولا ينافي ذلك ورود الفطرة في الكتاب أو السنة في بعض المواضع مراداً بها المعنى اللغوي كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [فاطر: 1] أي خالقهما، ومبتديهما، وكقوله: {أية : وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي } تفسير : [يسۤ: 22] إذ لا نزاع في أن المعنى اللغوي هو هذا، ولكن النزاع في المعنى الشرعي للفطرة، وهو ما ذكره الأوّلون كما بيناه، وانتصاب {فطرة} على أنها مصدر مؤكد للجملة التي قبلها. وقال الزجاج: فطرة منصوب بمعنى: اتبع فطرة الله، قال: لأن معنى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ }: اتبع الدين واتبع فطرة الله. وقال ابن جرير: هي مصدر من معنى {فأقم وجهك} لأن معنى ذلك: فطرة الله الناس على الدين. وقيل: هي منصوبة على الإغراء، أي الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله، وردّ هذا الوجه أبو حيان وقال: إن كلمة الإغراء لا تضمر إذ هي عوض عن الفعل، فلو حذفها لزم حذف العوض، والمعوّض عنه وهو إجحاف. وأجيب بأن هذا رأي البصريين، وأما الكسائي وأتباعه فيجيزون ذلك. وجملة {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } تعليل لما قبلها من الأمر بلزوم الفطرة، أي هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لها من جهة الخالق سبحانه. وقيل: هو نفي معناه النهي، أي لا تبدّلوا خلق الله. قال مجاهد وإبراهيم النخعي: معناه: لا تبديل لدين الله. قال قتادة وابن جبير والضحاك وابن زيد: هذا في المعتقدات. وقال عكرمة: إن المعنى: لا تغيير لخلق في البهائم بأن تخصى فحولها {ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } أي ذلك الدين المأمور بإقامة الوجه له هو الدين القيم، أو لزوم الفطرة هو الدين القيم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك حتى يفعلوه ويعملوا به. {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي راجعين إليه بالتوبة والإخلاص، ومطيعين له في أوامره ونواهيه. ومنه قول أبي قيس بن الأسلت:شعر : فإن تابوا فإن بني سليم وقومهم هوازن قد أنابوا تفسير : قال الجوهري: أناب إلى الله: أقبل وتاب، وانتصابه على الحال من فاعل أقم. قال المبرد: لأن معنى {أقم وجهك}: أقيموا وجوهكم. قال الفراء: المعنى: فأقم وجهك ومن معك منيبين، وكذا قال الزجاج، وقال: تقديره: فأقم وجهك وأمتك، فالحال من الجميع. وجاز حذف المعطوف لدلالة منيبين عليه. وقيل: هو منصوب على القطع، وقيل: على أنه خبر لكان، محذوفة، أي وكونوا منيبين إليه لدلالة {ولا تكونوا من المشركين} على ذلك، ثم أمرهم سبحانه بالتقوى بعد أمرهم بالإنابة فقال: {وَٱتَّقُوهُ } أي باجتناب معاصيه، وهو معطوف على الفعل المقدر ناصباً لمنيبين {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} التي أمرتم بها {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } بالله. وقوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً } هو بدل مما قبله بإعادة الجار، والشيع: الفرق، أي لا تكونوا من الذين تفرقوا فرقاً في الدين يشايع بعضهم بعضاً من أهل البدع والأهواء. وقيل: المراد بالذين فرّقوا دينهم شيعاً: اليهود والنصارى. وقرأ حمزة والكسائي: "فارقوا دينهم" ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب، أي فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد. وقد تقدّم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنعام {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } أي كل فريق بما لديهم من الدين المبني على غير الصواب مسرورون مبتهجون يظنون أنهم على الحق، وليس بأيديهم منه شيء. وقال الفراء: يجوز أن يكون قوله: {من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً} مستأنفاً كما يجوز أن يكون متصلاً بما قبله {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ } أي قحط وشدّة {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ } أن يرفع ذلك عنهم واستغاثوا به {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي راجعين إليه ملتجئين به لا يعوّلون على غيره. وقيل: مقبلين عليه بكل قلوبهم {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً } بإجابة دعائهم ورفع تلك الشدائد عنهم {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } "إذا" هي الفجائية وقعت جواب الشرط لأنها كالفاء في إفادة التعقيب، أي فاجأ فريق منهم الإشراك وهم الذين دعوه، فخلصهم مما كانوا فيه. وهذا الكلام مسوق للتعجيب من أحوالهم وما صاروا عليه من الاعتراف بوحدانية الله سبحانه عند نزول الشدائد والرجوع إلى الشرك عند رفع ذلك عنهم، واللام في {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ } هي لام كي. وقيل: لام الأمر لقصد الوعيد والتهديد، وقيل: هي لام العاقبة. ثم خاطب سبحانه هؤلاء الذين وقع منهم ما وقع فقال: {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ما يتعقب هذا التمتع الزائل من العذاب الأليم. قرأ الجمهور: {فتمتعوا} على الخطاب. وقرأ أبو العالية بالتحتية على البناء للمفعول، وفي مصحف ابن مسعود: «فليتمتعوا». {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً } أم هي المنقطعة، والاستفهام للإنكار والسلطان الحجة الظاهرة {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } أي يدل كما في قوله: {أية : هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ } تفسير : [الجاثية: 29] قال الفراء: إن العرب تؤنث السلطان، يقولون: قضت به عليك السلطان، فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة. وقيل: المراد بالسلطان هنا الملك {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } أي ينطق بإشراكهم بالله سبحانه، ويجوز أن تكون الباء سببية، أي بالأمر الذي بسببه يشركون {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً } أي خصباً ونعمة وسعة وعافية {فَرِحُواْ بِهَا } فرح بطر وأشر، لا فرح شكر بها وابتهاج بوصولها إليهم {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } تفسير : [يونس: 58]. ثم قال سبحانه: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } شدة على أي صفة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أي بسبب ذنوبهم {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } القنوط: الإياس من الرحمة، كذا قال الجمهور. وقال الحسن: القنوط: ترك فرائض الله سبحانه. قرأ الجمهور: "يقنطون" بضم النون. وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب بكسرها. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء } من عباده ويوسع له {وَيَقْدِرُ } أي يضيق على من يشاء لمصلحة في التوسيع لمن وسع له، وفي التضييق على من ضيق عليه {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فيستدلون على الحق لدلالتها على كمال القدرة وبديع الصنع، وغريب الخلق. وقد أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله: {هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مّن شُرَكَاء } الآية. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: هي في الآلهة، وفيه يقول: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } قال: دين الله {ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } قال: القضاء القيم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن الأسود ابن سريع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين، فانتهى القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما حملكم على قتل الذرية؟ » تفسير : قالوا: يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين، قال: حديث : وهل خياركم إلاّ أولاد المشركين؟ والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلاّ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها»تفسير : . وأخرج أحمد من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً» تفسير : رواه أحمد عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر. وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا يحيـى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حماد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوماً، فقال في خطبته حاكياً عن الله سبحانه: «حديث : وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» تفسير : الحديث.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} اختلف في سبب ضرب الله لهم المثل على ثلاثة أقاويل: أحدها: لأن المشركين أشركوا به في العبادة غيره، قاله قتادة. الثاني: لأنه كانت تلبية قريش في الجاهلية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً وهو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله هذه الآية، قاله ابن جبير. الثالث: لأنهم كانوا لا يورثون مواليهم فضرب الله هذا المثل، قاله السدي. وتأويله: أنه لم يشارككم عبيدكم في أموالكم لأنكم مالكون لهم، فالله أوْلى ألا يشاركه أحد من خلقه في العبادة لأنه مالكهم وخالقهم. {تَخَافُونَهُم كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تخافون أن يشاركوكم في أموالكم كما تخافون ذلك من شركائكم، قاله أبو مجلز. الثاني: تخافون أن يرثوكم كما تخافون ورثتكم، قاله السدي. الثالث: تخافون لائمتهم كما تخافون بعضكم بعضاً، قاله يحيى بن سلام.

ابن عبد السلام

تفسير : {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً} سبب ضربه إشراكهم في عبادته، أو قولهم في التلبية إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، أو كانوا يورثون آلهتهم أي لما لم يشرككم عبيدكم في أموالكم لملككم إياهم فالله تعالى أولى أن لا يشاركه أحد في العبادة لأنه مالك كل شيء {تَخَافُونَهُمْ} أن يشاركوكم في أموالكم كما تخافون ذلك من شركائكم، أو تخافون أن يرثوكم كما تخافون ورثتكم، أو تخافون لأئمتهم كما يخاف بعضكم بعضاً.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ضرب لكم مثلاً} أي بين لكم شبهاً بحالكم ذلك المثل {من أنفسكم} ثم بين المثل فقال تعالى {هل لكم من ما ملكت أيمانكم} أي عبيدكم وإمائكم {من شركاء فيما رزقناكم} أي من المال {فأنتم فيه سواء} يعني هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي تخافون أن يشاركوكم في أموالكم ويقاسموكم كما يخاف الحر من شريكه الحر في المال يكون بينهما أن ينفرد فيه بأمره دون شريكه ويخاف الرجل شريكه في الميراث وهو يحب أن ينفرد به. قال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً فإذا لم تخافوا هذا من مماليككم ولا ترضوه لأنفسكم فكيف ترضون أن تكون آلهتكم التي تعبدونها شركائي وهم عبيدي {كذلك نفصل الآيات} أي الدلالات والبراهين والأمثال {لقوم يعقلون} أي ينظرون في هذه الدلائل والأمثال بعقولهم {بل اتبع الذين ظلموا} يعني أشركوا بالله {أهواءهم} أي في الشرك {بغير علم} جهلاً بما يجب عليهم {فمن يهدي من أضل الله} أي عن طريق الهدى {وما لهم من ناصرين} أي مانعين يمنعونهم عن عذاب الله. قوله تعالى {فأقم وجهك للدين} يعني أخلص دينك لله وقيل سدد عملك والوجه ما يتوجه إلى الله تعالى به الإنسان ودينه وعمله مما يتوجه إليه ليسدده قوله تعالى {حنيفاً} أي مائلاً إليه مستقيماً عليه {فطرة الله} أي دين الله والمعنى الزموا فطرة {الله التي فطر الناس عليها} قال ابن عباس خلق الناس عليها والمراد بالفطرة الدين وهو الإسلام (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مولود إلا يولد على الفطرة ثم قال اقرؤوا {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}"تفسير : . زاد البخاري "حديث : فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء"تفسير : ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا فطرة الله الآية ولهما في رواية "حديث : قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيراً قال الله أعلم بما كانوا عاملين"تفسير : . قوله: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة" يعني على العهد الذي أخذ الله عليهم بقوله {أية : ألست بربكم قالوا بلى}تفسير : [الأَعراف: 172] فكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الحنيفية التي وضعت الخلقة عليها وإن عبد غير الله قال الله تعالى {أية : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}تفسير : [الزمر: 38] ولكن لا اعتبار بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة والفعل ألا ترى إلى قوله: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه" فهو مع وجود الإيمان الفطري فإنه محكوم له بحكم أبويه الكافرين وهذا معنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث آخر "حديث : يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم"تفسير : وحكي عن عبدالله بن المبارك أنه قال: معنى الحديث أن كل مولود يولد على فطرته أي خلقته التي خلقه الله عليها في علم الله تعالى من السعادة والشقاوة فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين فيحملانه على اعتقاد دينهما. وقيل معناه أن كل مولود في مبدأ الخلقة على الفطرة أي على الجبلة السليمة والطبع المتهيىء لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمرت على لزومها لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول السليمة وإنما يعدل عنه من عدل إلى غيره لأنه من آفات التقليد ونحوه فمن سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره. ثم تمثل لأولاد اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك عن الفطرة السليمة والحجة المستقيمة بقوله "كما تنتج بهيمة جمعاء". أي كما تلد البهيمة بهيمة مستوية لم يذهب من بدنها شيء وقوله "هل تحسون فيها من جدعاء يعني هل تشعرون أو تعلمون فيها من جدعاء وهي المقطوعة الأذن والأنف. قوله عز وجل {لا تبديل لخلق الله} أي لا تبدلوا دين الله وقيل معنى الآية الزموا فطرة الله ولا تبدلوا التوحيد بالشرك. وقيل معنى لا تبديل لخلق الله هو جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاوة فلا يصير السعيد شقياً ولا الشقي سعيداً. وقيل الآية في تحريم إخصاء البهائم {ذلك الدين القيم} أي المستقيم {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} قوله عز وجل {منيبين إليه} أي فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يدخل فيه الأمة والمعنى راجعين إلى الله تعالى بالتوبة مقبلين إليه بالطاعة {واتقوه} أي ومع ذلك خافوه {وأقيموا الصلاة} أي داوموا على أدائها في أوقاتها {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} أي صاروا فرقاً مختلفة وهم اليهود والنصارى وقيل هم أهل البدع من هذه الأمة {كل حزب بما لديهم فرحون} أي راضون بما عندهم. وقوله تعالى {وإذا مس الناس ضر} أي قحط وشدة {دعوا ربهم منيبين إليه} أي مقبلين إليه بالدعاء {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} أي خصباً ونعمة {إذا فريق منهم بربهم يشركون}.

ابن عادل

تفسير : قوله: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي بين لكم شبهاً بحالكم ذلك المثل من أنفسكم، و "من" لابتداء الغاية في موضع الصفة "لِمَثَلاً"، أي أخذ مثلاً وانْتَزَعَهُ من أقْرَبِ شيء منكم وهو "أنفسكم" ثم بين المثل فقال: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} من المال، والمعنى أن من يكون مملوكاً لا يكون شريكاً له في ماله فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة الله تعالى حتى يعبدوا؟. قوله: "مِنْ شُرَكَاء" مبتدأ و "من" مزيدة فيه لوجود شرطي الزيادة، وفي خبره وجهان: أحدهما: الجار الأول وهو "لَكُمْ" و "مِمَّا مَلَكَتْ" يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "شركاء"؛ لأنه في الأصل نعت نكرة قدم عليها، والعامل فيه العامل في هذا الجار الواقع خيراً، أو الخبر مقدر بعد المبتدأ، و "فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ" متعلق "بشركاء" و "ما" في "مما" بمعنى النوع، تقدير ذلك كله: هل شركاءُ فيما رزقناكم كائنونَ من النَّوْعِ الذي مَلَكتْهُ أيْمَانُكُمْ مستقرون لكم؟ "فكائنون" هو الوصف المتعلق به "ممَّا مَلَكتْ" ولما تقدم صار حالاً و "مستقرون" هو الخبر الذي تعلق به "لكم". والثاني: أن الخبر "مِمَّا مَلَكَتْ" و "لَكُمْ" متعلق بما تعلق به الخبر، أو بمحذوف على أنه حال من "شركاء" أو بنفس "شركاء" كقولك: لَكَ في الدنيا محب "فلك" متعلق (بِمُحِبٍّ) وفي الدنيا هو الخبر. قوله: {وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} هذه الجملة جواب للاستفهام الذي بمعنى النفي "وَفِيهِ" متعلق "بسَوَاء". قوله: "تَخَافُونَهُمْ" فيه وجهان: أحدهما: أنها خبر ثان "لأنتم" تقديره "فأنتم" مُسْتَوُونَ معهم فيما رزقناكم خائفوهم كخوف بعضهم بعضاً أيها السادة، والمراد نفي الأشياء الثلاثة أعني الشركة والاستواء مع العَبِيد وخوفهم إياهم، وليس المراد ثبوت الشركة، ونفي الاستواء والخوف كما هو أحد الوجهين في قولك: مَا تَأْتِينَا فَتُحَدِّثَنَا بمعنى ما تأتينا محدِّثاً بل تأتينا ولا تحدثُنا بل المراد نفي الجميع كما تقدم. وقال أبو البقاء: {فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} الجملة في موضع نصب على جواب الاستفهام أي هل لكم فتستووا أنتم. وفيه نظر كيف يجعل جملة اسمية حالة محل جملة فعليه ويحكم على موضع الاسمية بالنصب بإضمار ناصب، هذا مما لا يجوز ولو أنه فسر المعنى وقال: إن الفعل لو حل بعد الفاء لكان منصوباً بإضمار "أَنْ" لكان صحيحاً، ولا بد أيضاً أن يبين أن النصب على المعنى الذي قدمته من نفي الأشياء الثلاثة. والوجه الثاني: أن "تَخافُونَهُمْ" في محل نصب على الحال من ضمير الفاعل في "سَوَاء". أي فَسَاوَوْا خائفاً بعضُكُمْ من بعض مشاركَتَهُ له في المال أي إذا لم تَرْضوا أنه يشارككم عبيدكُم في المال فكيف تشركون بالله من هو مصنوع له؟ قاله أبو البقاء. وقال ابن الخطيب معنى حَسَناً وهو أن بين المِثْلِ والمُمَثَّل به مشابهةٌ ومخالفةٌ، فالمشابهة معلومة والمخالفة من وجوه: أحدها: قوله: "مِنْ أَنْفُسِكُمْ" أي من نَسْلِكُمْ مع حقارة الأنفس ونقصِها وعجْزِهَا، وقاسَ نفسه عليكم مع جلالتها وعظمتها وقدرتها وكمالها. وثانيها: قوله: {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي عبيدكم لكم عليهم ملك اليمين والملك لها طَارِ (ىء) قابل للنقل والزوال، أما النقل فالبيع وغيره، وأما الزوال فبالعِتْقِ ومملوكه تعالى لا خروج له عن الملك فإذا لم يجز أن يكون مملوك يمينكم شريكاً لكم مع أنه يجوز أن يصير مثلكم من جميع الوجوه بل هو في الحال مثلكم في الآدميَّةِ حال الرق حتى أنكم ليس لكم تصرفٌ في روح وآدميته بقطع وقتل وليس لكم منعهم من العبادة وقضاء الحاجة فكيف يجوز أن يكون مملوك الله الذي هو مملوكه من جميع الوجوه وهو مباين له بالكلية شريكاً له؟! وثالثه: قوله: "مما رَزَقَنْاكُمْ" يعني: الذي لكم هو في الحقيقة ليس لكم بل هو لِلَّه ومن رزقه حقيقة فإذا لم يجز أن يكون لكم شريك فيما هو لكم من حيث الاسم فكيف يجوز أن يكون له شريك فيما هو له من حيث الحقيقة. ورابعها: قوله: {فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} أي هل أنتم ومماليككم في شيء مما تملكون أنتم سواء ليس كذلك فلا يكون لله شريك في شيء؛ لأن كل شيء فهو لله وما تدعون إِلهيَّتَهُ لا يملكون شيئاً أصلاً، ولا مِثْقَالَ ذرة خَرْدَلٍ فلا يُعْبَدُ لعظمته ولا لمنفعة تصل إليكم (منهم) منه، وأيضاً فأنتم ومماليككم سواء ليس كذلك لأن المملوكَ ليس له عندكم حُرْمَةُ الأحرار، وإذا لم يكن المملوك مع مساواته إياكم في الحقيقة والصفة عندكم حرمة فكيف يكون حال المماليك الذين لا مساواة بينهم وبين المالك بوجه من الوُجُوه، وإلى هذا إشار بقوله: {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} انتهى. وإنما ذكرت هذا المعنى مبسوطاً لأنه مبين لما ذكرته من وجوه الإعراب. "كخيفتكم" أي كَخِيفَةٍ مِثْل خِيفَتِكُمْ. والعامة على نصب "نفسكم"، لأن المصدر مضاف لفاعله. وقرأ ابْنُ أبي عبلةَ بالرفع على إِضافة المصدر لمفعول. اسْتَقْبَحَ بعضهم هذا إِذا وجد الفاعل. وقال بعضهم: ليس بقبيح بل يجوز إضافته إلى كل منهما إذا وجدا وأنشد: شعر : 4041 - أَفْنَى تِلاَدِي وَمَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبِ قَرْعُ القَوَارِير أَفْوَاهُ الأَبَارِيقِ تفسير : بنصب "الأفواه" و "رفعها". قوله: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي مثلُ ذلك التفصيل البين نفصل. وقرأ أبو عمرو - في رواية يُفَصِّل - بياء الغيبة رداً على قوله: "ضَرَبَ لَكُمْ"، والباقون بالتكلم رداً على قوله "رَزَقْنَاكُمْ" والمعنى يبين بالآيات والدلائل والبراهين القطعية والأمثلة: "لقوم يعقلون" ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم، والأمر لا يخفى بعد ذلك إلا على من لا يكون له عقل.

البقاعي

تفسير : ولما بان من هذا أنه المتفرد في الملك بشمول العلم وتمام القدرة وكمال الحكمة، اتصل بحسن أمثاله وإحكام مقاله وفعاله قوله: {ضرب لكم} أي بحكمته في أمر الأصنام وبيان إبطال من يشرك بها وفساد قوله بأجلى ما يكون من التقرير: {مثلاً} مبتدئاً {من أنفسكم} التي هي أقرب الأشياء إليكم، فأنتم لما تذكرون به أجدر بأن تفهموه. ولما كان حاصل المثل أنه لا يكون مملوك كمالك، وكان التقرير أقرب إلى التذكير وأبعد عن التنفير، قال منكراً موبخاً مقرراً: {هل لكم} أي يا من عبدوا مع الله بعض عبيده {من ما} أي من بعض ما {ملكت أيمانكم} أي من العبيد أو الإماء الذين هم بشر مثلكم، وعم في النفي الذي هو المراد بالاستفهام بزيادة الجار بقوله: {من شركاء} أي في حالة من الحالات يسوغ لكم بذلك أن تجعلوا لله شركاء، ونبه على ما في إيجاد الرزق ثم قسمته بين الخلق وغير ذلك من شؤونه بقوله: التفاتاً بعد طول التعبير بالغيبة التي قد يتوهم معها بعد - إلى التلكم بالنون الدال مع القرب على العظمة ولذة الإقبال بالمخاطبة: {فيما رزقناكم} أي لما لنا من العظمة من مال أو جاه مع ضعف ملككم فيه. ولما كانت الشركة سبباً لتساوي الشريكين في الأمر المشترك قال: {فأنتم} أي معاشر الأحرار والعبيد. ولما كان ربما توهم أن "من شركاء" صفة لأولاد من سراريهم، قدم الصلة دفعاً لذلك فقال: {فيه} أي الشيء الذي وقعت فيه الشركة من ذلك الرزق خاصة لا غيره من نسب أو حسب ونحوهما أو خفة في بدن أو قلب أو طول في عمر ونحوها، وأما أولادهم من السراري فربما ساووهم في ذلك وغيره من النسب ونحوه، والعبيد ربما ساووهم في قوة البدن وطول العمر أو زادوا {سواء} ثم بين المساواة التي هي أن يكون حكم أحد القبيلين في المشترك على السواء كحكم الآخر لا يستبد أحدهما عن الآخر بشيء بقوله: {تخافونهم} أي معاشر السادة في التصرف في ذلك الشيء المشترك. ولما كانت أداة التشبيه أدل، أثبتها فقال: {كخيفتكم أنفسكم} أي كما تخافون بعض من تشاركونه ممن يساويكم في الحرية والعظمة أن تتصرفوا في الأمر المشترك بشيء لا يرضيه وبدون إذنه، فظهر أن حالكم في عبيدكم مثل له فيمن أشركتموهم به موضح لبطلانه، فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم وهو أن يستوي عبيدكم معكم في الملك فكيف ترضونه بخالقكم في هذه الشركاء التي زعمتموها فتسوونها به وهي من أضعف خلقه أفلا تستحيون؟. ولما كان هذا المثال، في الذروة من الكمال، كان السامع جديراً بأن يقول: جل ألله! ما أعلى شأن هذا البيان! هل يبين كل شيء هكذا؟ فقال: {كذلك} أي مثل هذا البيان العالي {نفصل} أي نبين، لأن الفصل هو الميز وهو البيان، وذلك على وجه عظيم - بما أشار إليه التضعيف مع التجديد والاستمرار: {الآيات} أي الدلالات الواضحات. ولما كان البيان لا ينفع المسلوب قال: {لقوم يعقلون*} إشارة إلى أنهم إن لم يعملوا بمقتضى ذلك كانوا مجانين، لأن التمثيل يكشف المعاني بالتصوير والتشكيل كشفاً لا يدع لبساً، فمن خفي عليه لم يكن له تمييز. ولما كان جوابهم قطعاً: ليس لنا شركاء بهذا الوصف، كان التقدير، فلم تتبعوا في الإشراك بالله دليلاً، فنسق عليه: {بل} وكان الأصل: اتبعتم، ولكنه أعرض عنهم، إيذاناً بتناهي الغضب للعناد بعد البيان، وأظهر الوصف الحامل لهم على ذلك تعميماً وتعليقاً للحكم به فقال: {اتبع} أي بتكليف أنفسهم خلاف الفطرة الأولى {الذين ظلموا} أي وضعوا الشيء في غير موضعه فعل الماشي في الظلام {أهواءهم} وهو ما يميل إليه نفوسهم. ولما كان اتباع الهوى قد يصادف الدليل، وإذا لم يصادف وكان من عالم رده عنه علمه قال: {بغير علم} إشارة إلى بعدهم في الضلال لأن الجاهل يهيم على وجهه بلا مرجح غير الميل كالبهيمة لا يرده شيء، وأما العالم فربما رده علمه. ولما كان هذا ربما أوقع في بعض الأوهام أن هذا يغير إرادته سبحانه، دل بفاء السبب على أن التقدير: وهذا ضلال منهم بإرادة الله، فلما أساؤوا بإعراقهم فيه كانت عاقبتهم السوء والخذلان، لأنهم أبعدوا أنفسهم عن أسباب الهدى: {فمن يهدي} أي بغير إرادة الله، ولفت الكلام من مظهر العظمة إلى أعظم منه بذكر الاسم الأعظم لاقتضاء الحال له فقال: {من أضل الله} الذي له الأمر كله، ودل بواو العطف على أن التقدير: ليس أحد يهديهم لأنهم أبعدوا أنفسهم عن أسباب الهدى فبعدوا عن أسباب النصر لأنهم صاروا على جرف هار في كل أمورهم، فلذا حسن موضع تعقيبه بقوله: {وما لهم} وأعرق في النفي فقال: {من ناصرين*} أي من الأصنام ولا غيرها يخلصونهم مما هم فيه من الخذلان وأسر الشيطان، ومما يسببه من النيران، ونفى الجميع دون الواحد لأن العقل ناصر لهم بما هو مهيأ له من الفهم واتباع دليل السمع لو استعملوه، أو لأنه ورد جواباً لنحو {أية : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً لعلهم ينصرون} تفسير : [مريم: 81] أو للإشارة إلى أن تتبع الهوى لا ينفع في تلافي أمره إلا أعوان كثيرون ودل على نفي الواحد {أية : لا تجزي نفس عن نفس} تفسير : [البقرة: 123]، و {أية : أن الكافرين لا مولى لهم}تفسير : [محمد: 11] و {أية : فما له من قوة ولا ناصر} تفسير : [الطارق: 10] في أمثالها. ولما تحررت الأدلة، وانتصبت الأعلام، واتضحت الخفايا، وصرحت الإشارات، وأفصحت ألسن العبارات، أقبل على خلاصة الخلق، إيذاناً بأنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره، فقال مسبباً عن ذلك ممثلاً لإقباله واستقامته وثباته: {فأقم وجهك} أي قصدك كله {للدين} أي نصباً بحيث تغيب عما سواه، فلا تلتفت عنه أصلاً فلا تنفك عن المراقبة، فإن من اهتم بشيء سدد إليه نظره، وقوم له وجهه. ثم عرض بجلافة أهل الضلال وغشاوتهم، وكثافتهم وغباوتهم، وجمودهم وقساوتهم، بقوله: {حنيفاً} أي حال كونك ميالاً مع الدليل هيناً ليناً نافذ الصبر نير البصيرة ساري الفكر سريع الانتقال طائر الخاطر، ثم بين أن هذا الأمر في طبع كل أحد وإن كانوا فيه متفاوتين كما تراهم إذا كانوا صغاراً أسهل شيء انقياداً، ولكنه لما يكشف لهم الحال في كثير من الأشياء عن أن انقيادهم كان خطأ يصيرون يدربون أنفسهم على المخالفة دائماً حتى تصير لبعضهم طبعاً تجريبياً فيصير أقسى شيء وأجمده بعد أن كان أسهل شيء وأطوعه، وأكثر ما يكون هذا من قرناء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ولهذا نهى أن يوعد الطفل بما لا حقيقة له: روى أحمد وابن أبي الدنيا من طريق الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه - قال المنذري: ولم يسمع منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : من قال لصبي: تعال هاك! ثم لم يعطه فهي كذبة"تفسير : ، ولأبي داود والبيهقي وابن أبي الدنيا عن مولى عبد الله بن عامر - قال ابن أبي الدنيا: زياد عن عبد الله بن عامر - أن أمه رضي الله عنها قالت له: تعالَ أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أردت أن تعطيه؟ قالت: تمراً، فقال: أما إنك لو لم تعطيه شيئاً كتبت عليك كذبة" تفسير : ، فقال مبيناً لهم صحة دينه بأمر هو في أنفسهم، كما بين بطلان دينهم بأمر هو في أنفسهم: {فطرت الله} أي الزم فطرة الملك الذي لا رادَّ لأمره، وهي الخلقة الأولى التي خلق عليها البشر والطبع الأول، وقال الغزالي في آخر كتاب العلم من الإحياء في بيان العقل في هذه الآية: أي كل آدمي فطر على الإيمان بالله تعالى بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه، أعني أنها كالمتضمنة فيه لقرب استعداده للإدراك - انتهى، ثم أكد ذلك بقوله: {التي فطر الناس} أي كل من له أهلية التحرك {عليها} كلهم الأشقياء والسعداء، وهي سهولة الانقياد وكرم الخلق الذي هو في الصورة فطرة الإسلام، وتحقيق ذلك أن المشاهد من جميع الأطفال سلامة الطباع وسلاسة الانقياد لظاهر الدليل، ليس منهم في ذلك عسر كما في الكبار إن تفاوتوا في ذلك، فالمراد بالفطرة قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، كما تجد الأخرس يدرك أمر المعاد إدراكاً بيناً، وله فيه ملكة راسخة، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين وحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أحمد بن منيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة تفسير : - وفي رواية للبخاري:حديث : ما من مولود إلا يولد على الفطرة - فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها"تفسير : . فلذلك الجدع والوسم وشق الأذن ونحو ذلك مثالٌ للأخلاق التي يتعلمها الطفل ممن يعامله بها من الغش والكذب وغير ذلك، وكذا حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في مسلم في صفة النار والنسائي في فضائل القرآن وأبي داؤد الطالسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي "حنفاء كلهم" وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وآمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانه"تفسير : . ولكن الشيطان لا يتمكن إلا بإقدار الله له في الحال بما يخلق في باطن المخذول من الباعث وفي الماضي من الطبائع التي هيأه بها لمثل ذلك كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه في الصحيح عن علي رضي الله تعالى عنه:"حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له" تفسير : وآية سبحان{أية : كل يعمل على شاكلته}تفسير : [الإسراء: 84] وذلك أنه لما أخبرهم صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قد كتب أهل الجنة وأهل النار، فلا يزاد فيهم ولا ينقص، قالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فالكتاب حجة عليهم، لأن مبناه على أن فلاناً من أهل النار لكونه لم يعمل كذا وكذا، فأرادوا أن يجعلوه حجة لهم فاعلموا أن في ذلك أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن هو العلة الموجبة في حكم الربوبية وهو العلم، وظاهر هو السمة اللازمة في حق العبودية وهو العمل، وهو أمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم، عولموا بذلك ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم، ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم، والخوف والرجاء مدرجتا العبودية ليستكملوا بذلك صفة الإيمان، ونظير ذلك أمران: الرزق المقسوم مع الأمر بالمكسب، والأجل المحتوم مع المعالجة بالطب، فالمغيب فيهما علة موجبة والظاهر سبب مخيل، وقد اصطلح خواصهم وعوامهم على أن الظاهر منهما لا يترك بالباطن - ذكر معناه الرازي في اللوامع عن الخطابي. ولما كانت سلامة الفطرة الأولى أمراً مستمراً، قال: {لا تبديل} ولعظم المقام كرر الاسم الأعظم فقال: {لخلق الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، لا يقدر أحد أن يجعل طفلاً في أول أمره خبيث الفطرة لا ينقاد لما يقاد إليه ولا يستسلم لمن يريبه، وكلما كبر وطعن في السن رجع لما طبع عليه من كفر أو إيمان، أو طاعة أو عصيان، أو نكر أو عرفان، قليلاً قليلاً، حتى ينساق إلى ذلك عند البلوغ أو بعده، فإن مات قبل ذلك الجوزي بما كان الله يعلمه منه أنه يعمله طبعياً ويموت عليه كالغلام الذي قتله الخضر عليه السلام صح الخبر بأنه طبع على الكفر، ولا يعذب بما يكون عارضاً منه ويعلم أنه سيكون لو كان كأبوي الغلام لما وقع التصريح به من أنه لو عاش لأرهقهما ظغياناً وكفراً، فقد علم منهما الكفر حينئذ فلم يؤاخذا به لأنه عارض لا طبعي، فالعبرة بالموت، ومن طبع على شيء لم يمت على غيره، فحقق هذا تعلم أنه لا تنافي بين شيء من النصوص لا من الكتاب ولا من السنة - والله الهادي. ولما كان الميل مع الدليل كيفما مال أمراً لا يكتنه قدره ولا ينال إلا بتوفيق من الله، أشار إلى عظمته بقوله: {ذلك} أي الأمر العظيم وهو الاهتزاز للدليل واتباع ما يشير إليه ويحث عليه {الدين القيِّم} الذي لا عوج فيه {ولكن أكثر الناس} قد تدربوا في اتباع الأهوية لما تقدم من الشبه فصاروا بحيث {لا يعلمون} أي لا علم لهم أصلاً حتى يميزوا الحق من الباطل لما غلب عليهم من الجفاء.

السيوطي

تفسير : أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان يلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله ‏{‏هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏هل لكم مما ملكت أيمانكم‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هي في الآلهة، وفيه يقول‏:‏ تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ضرب لكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال هذا مثل ضربه الله لمن عدل به شيئاً من خلقه يقول‏:‏ أكان أحد منكم مشاركاً مملوكه في ماله ونفسه وفراشه وزوجته‏؟‏ فكذلك لا يرضى الله تعالى أن يعدل به أحد من خلقه‏.

ابو السعود

تفسير : {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً} يتبـيَّن به بطلانُ الشِّركِ {مّنْ أَنفُسِكُمْ} أي مُنتزعاً من أحوالِها التي هي أقربُ الأمورِ إليكم وأعرفُها عندكم وأظهرُها دلالةً على ما ذُكر من بطلان الشِّرك لكونها بطريقِ الأولوية. وقولُه تعالى {هَلْ لَّكُمْ} الخ تصوير للمثلِ أي هل لكم {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} من العبـيدِ والإماءِ {مّن شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَـٰكُمْ} من الأموالِ وما يجري مجراها مَّما تتصرَّفون فيها. فمِن الأُولى ابتدائيةٌ، والثَّانيةُ تبعيضيةٌ، والثَّالثةُ مزيدةٌ لتأكيدِ النَّفيِ المُستفادِ من الاستفهامِ. فقوله تعالى: {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء} تحقيقٌ لمعنى الشركة وبـيانٌ لكونِهم وشركانِهم متساوين في التَّصرف فيما ذُكر من غير مزيَّةِ لهم عليها على أنَّ هناك محذوفاً معطوفاً على أنتُم لا أنَّه عامٌّ للفريقين بطريق التَّغليب أي هل ترضَون لأنفسكم والحالُ أنَّ عبـيدَكم أمثالُكم في البشريةِ وأحكامِها أنْ يشاركوكم فيما رزقناكم وهو مستعارٌ لكم فأنتم وهم فيه سواءٌ يتصرَّفون فيه كتصرُّفكم من غير فرقٍ بـينكم وبـينهم. {تَخَافُونَهُمْ} خبرٌ آخرُ لأنتم أو حالٌ من ضميرِ الفاعل في سواءٌ أي تهابون أنْ تستبدُّوا بالتَّصرُّف فيه بدون رأيهم {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي خيفةً كائنةً مثلَ خيفتِكم من الأحرارِ المساهيمنَ لكم فيما ذُكر والمعنى نفيُ مضمونٍ ما فصَّل من الجملةِ الاستفهامَّيةِ أي لا ترضَون بأنْ يشاركَكم - فيما هو معارٌ لكم - مماليكُكم وهم أمثالُكم في البشريةِ غيرُ مخلوقين لكُم بل لله تعالى فكيف تُشركون به سبحانه في المعبوديةِ التي هي من خصائصِه الذاتيةِ مخلوقَه بل مصنوعَ مخلوقِه حيثُ تصنعونَه بأيديكم ثم تعبدونَه. {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك التَّفصيلِ الواضح {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي نبـيِّنها ونوضِّحها لا تفصيلاً أدنى منه فإنَّ التَّمثيل تصويرٌ للمعاني المعقولة بصورةِ المحسوس وإبراز لأوابدِ المُدركاتِ على هيئة المأنوسِ فيكون في غايةِ الإيضاحِ والبـيان {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي يستعملون عقولَهم في تدبُّرِ الأمور، وتخصيصُهم بالذِّكرِ مع عموم تفصيلِ الآياتِ للكلِّ لأنَّهم المتنفعون بها {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} إعراضٌ عن مخاطبتهم ومحاولةُ إرشادِهم إلى الحقِّ بضربِ المثلِ وتفصيلِ الآياتِ واستعمالِ المقدِّماتِ الحقَّةِ المعقولةِ وبـيانٌ لاستحالةِ تبعيتهم للحقِّ كأنَّه قيل لم يعقلوا شيئاً من الآياتِ المُفصَّلةِ با اتَّبعوا {أَهْوَاءهُمْ} الزائغةَ. ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم للتَّسجيلِ عليهم بأنَّهم في ذلك الاتباعِ ظالمون واضعون للشيءِ في غيرِ موضعهِ أو ظالمون لأنفسِهم بتعريضِها للعذابِ الخالدِ {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي جاهلين ببطلانِ ما أتَوَا مكبِّـين عليه لا يلويهم عنه صارفٌ حسبما يصرِّف العالم إذا اتبع الباطل علمه ببطلانه {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} أي خلقَ فيه الضَّلالَ بصرفِ اختيارِه إلى كسبِه أي لا يقدرُ على هدايتِه أحدٌ {وَمَا لَهُمْ} أي لمن أضلَّه الله تعالى والجمعُ باعتبارِ المعنى {مّن نَّـٰصِرِينَ} يُخلَّصونهم من الضَّلالِ ويحفظونهم من تبعاته وآفاتِه على معنى ليس لواحدٍ منهم ناصرٌ واحدٌ على ما هو قاعدةُ مقابلةِ الجمعِ بالجمعِ.

القشيري

تفسير : أي إذا كان لكم مماليك لا تَرْضَوْن بالمساواة بينكم وبينهم، وأنتم متشاكلون بكلِّ وجه - إلا أنكم بحكم الشرع مالكوهم - فَمَا تقولون في الذي لم يَزَلْ، ولا يزال كما لم يزل؟ هل يجوز أن يُقَدَّر َ في وصفه أن يُسَاوِيَه عبيدُه؟ وهل يجوز أن يكون مملوكُه شريكَه؟ تعالى اللَّهُ عن ذلك علواً كبيراً!

اسماعيل حقي

تفسير : {ضرب لكم} يا معشر من اشرك بالله {مثلا} بين به بطلان الشرك {من انفسكم} من ابتدائيه اى منتزعا من احوالها التى هى اقرب الامور اليكم واعرفها عندكم يقال ضرب الدرهم اعتبارا بضربه بالمطرقة وقيل له الطبع اعتبارا بتأثير السكة فيه وضرب المثل هو من ضرب الدرهم وهو ذكر شئ اثره يظهر فى غيره والمثل عبارة عن قول فى شئ يشبه قولا فى شئ آخر بينهما مشابهة لتبيين احدهما بالآخر وتصويره. قال ابو الليث نزلت فى كفار قريش كانوا يعبدون الآلهة ويقولون فى احرامهم لبيك لا شريك لك الاشريك هو لك تملكه وما ملك ثم صور المثل فقال {هل لكم} [آياشمارا هست اى ازاد كان] {من ما ملكت ايمانكم} من العبيد والاماء ومن تبعيضية {من شركاء} من مزيدة لتأكيد النفى المستفاد من الاستفهام {فيما زرقناكم} من الاموال والاسباب اى هل ترضون لانفسكم شركة فى ذلك ثم حقق معنى الشركة فقال {فانتم} وهم اى مما ليككم {فيه} اى فيما رزقناكم {سواء} متساوون يتصرفون فيه كتصرفكم من غير فرق بينكم وبينهم. قال فى الكواشى محل الجملة نصب جواب الاستفهام {تخافونهم} خبر آخر لانتم داخل تحت الاستفهام الانكارى كما فى الارشاد اى تخافون مما ليككم ان يستقلوا وينفردوا بالتصرف فيه {كخيفتكم انفسكم} معنى انفسكم ههنا امثالكم من الاحرار كقوله {أية : ولا تلمزوا انفسكم} تفسير : اى بعضكم بعضا. والمعنى خيفة كائنة مثل خيفتكم من امثالكم من الاحرار المشاركين لكم فيما ذكر والمراد نفى مضمون ما فصل من الجملة الاستفهامية اى لا ترضون بان يشارككم فيما بايديكم من الاموال المستعارة مما ليككم وهم عندكم امثالكم فى البشرية غير مخلوقين لكم بل لله تعالى فكيف تشركون به سبحانه فى المعبودية التى هى من خصائصه الذاتية مخلوقه بل مصنوع مخلوقه حيث تصنعونه بايديكم ثم تعبدونه قال الكاشفى نقلا عن بعض التفاسير [جون حضرت مصطفى عليه السلام اين آيت برصناديد قريش خواند كفتند "كلا والله لا يكون ذلك ابدا" آن حضرت فرمود كه شما بند كان خودرا درمال خود شركت نمى دهيد بس جكونه آفريد كانرا كه بند كان خدا اند درملك او شريك مى سازيد] شعر : خلق جون بند كان سردرييش مانده دربند حكم خالق خويش جملة همم بنده اند وهم بندى نرسد بنده را خداوندى تفسير : وفى الآية على ان العبد لا ملك له لانه اخبر ان لا مشاركة للعبيد فيما رزقنا الله من الاموال وفيه اشارة الى ان الانسان اذا تجلى الله له بانوار جماله وجلاله حيث اضمحل به آثار ظلمات اوصافه لا يكون شر يكاله تعالى فى كمالية ذاته وصفاته بل الكمال فى لحقيقة لله تعالى فلا يحسب احد من اهل التجلى ان الله صار حالا فيه اوصار هو بعضامنه تعالى اوصار العبد حقا او الحق عبدا فمن كبريائه ان لا يكون جزأ لاحد او مثلا ومن عظمته ان لا يكون احد جزأه ليس كمثله شئ وهو السميع البصر {كذلك} اى مثل ذلك التفصيل الواضح {نفصل الآيات} اى نبين ونوضح دلائل الوحدة لا تفصيلا ادنى منه فان التمثيل تصوير للمعانى المعقولة بصورة المحسوس فيكون فى غاية البيان والايضاح {لقوم يعقلون} يستعملون عقولهم فى تدبر الامور والامثال [اما جاهلان وستكماران از حقيقت اين سخنها بى خبرند]. ثم اعرض عن مخاطبتهم وبين استحالة تبعيتهم للحق.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ضَرَبَ لكم مثلاً} لقُبح الشرك وبشاعته، منتزعاً {من أنفسكم} التي هي أقرب شيء إليكم، وهو: {هل لكم}، معَاشرِ الأحْرَارِ، {مما ملكت أيمانُكُم} اي من عبيدكم {من شركاءَ فيما رزقناكم} من الأموال وغيرها. فَمِنْ، الأولى: للابتداء، والثانية: للتبعيض، والثالثة: مزيدة؛ لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. والمعنى: هل لكم، من بعض عبيدكم، شرك فيما رزقناكم، اي: هل ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم، فيما رزقناكم؟ {فأنتم فيه سواء}؛ فتكونون أنتم وهم، فيما رزقناكم من الأموال، سواء؛ يتصرفون فيه كتصرفكم، ويحكمون فيه كحكمكم، مع أنهم بشرٌ مثلكم، حال كونكم {تخافونهم} أي: يستبدوا بالتصرف فيه، {كخِيفَتِكُم أنفُسَكُم} أي: كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض - فيما هو مشترك بينهم - أن يستبد فيه بالتصرف دونه. أو: تخافونهم أن يقاسموكم تلك الأموال، أو: يرثونها بعدكم، كما تخافون ذلك من بعضكم، فإذا لم تَرْضَوْا ذلك لأنفسكم، فكيف ترضونه لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد، أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء في استحقاق العبادة؟! {كذلك}، أي: مثل هذا التفصيل البديع، {نُفصِّلُ الآياتِ}؛ بينهما؛ لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها {لقوم يعقلون}؛ يتدبرون في ضرب الأمثال، ويعرفون حكمها وأسرارها، فلما لم ينزجروا أضرب عنهم، فقال: {بل اتَّبعَ الذين ظلموا} أنفسهم بالشرك {أهواءَهم بغير علمٍ}، أي: تبعوا أهواءهم، جاهلين، ولو كان لهم عِلْمٌ؛ لَرُجِيَ أن يزجرهم، {فمن يهدي من أضل الله}؟ اي: لا هادي له قط، {وما لهم من ناصرين} يمنعونهم من العذاب، أو: يَحْفُظونهم من الضلالة، أو: من الإقامة فيها. الإشارة: ما قيل في الشرك الجلي يجري مثله في الشرك الخفي؛ فأن الحق تعالى غيور، لا يُحب العمل المشترك، ولا القلب المشترك. العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يُقبل عليه، وأنْشَدُوا: شعر : لِي محْبوبٌ إنما هُوَ غَيُورْ يُطِلُّ في الْقَلْبِ كَطَيْر حَذُورْ إذَا رَأَى شيئاً امتَنَعَ أَنْ يَزُورْ تفسير : فكما أنك لا ترضى من عبدك أن يُحب غيرك، ويخضع له، كذلك الحق تعالى، لا يرضى منكُ أن تميل لغيره. قال القشيري. قوله: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم}: أشدُّ الظلم متابعةُ الهوى؛ لأنه قريب من الشِّرْكِ. قال الله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [ الجاثية: 23]، ومن اتَّبع هواه؛ خالف رضا مولاه، فهو، بوضع الشيء في غير موضعه، صار ظالماً، كما أن العاصي، بوضع المعصية في موضع الطاعة، صار ظالماً، كذلك بمتابعة هواه، بَدَلاً عن موافقة ومتابعة رضا مولاه، صار في الظلم متمادياً. هـ. ثم أمر بالتوحيد الخالص المقصود من ضرب المثل، فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ...}

الجنابذي

تفسير : {ضَرَبَ} الله {لَكُمْ} لانتفاعكم واتّعاظكم او لاحوالكم فى اشراككم بالله مماليكه حتّى تتنبّهوا وتعلموا انّ هذا الاشراك خطاء محض {مَّثَلاً} لحاله وحال شركائه بزعمكم {مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ} بيان للمثل كأنّه قال: المثل كون المماليك مع انّهم ليسوا مملوكين لكم حقيقه شركاء لكم {فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} مع كون الرّزق منّا ونسبته اليكم محض اعتبارٍ ولا ترضون به فكيف ترضون او كيف يرضى الله تعالى بجعل مماليكه الحقيقيّة الّتى لا وجود لهم من انفسهم فكيف بسائر الصّفات شركاء له فى مملوكاته الحقيقيّة لكنّه عدل الى هذا تأكيداً لنفى رضاهم بشراكة مماليكم حتّى يكون تأكيداً لنفى الشّريك لله تعالى {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} عطف على مدخول الاستفهام يعنى لستم ترضون بمساواتهم لكم فكيف ترضون او يرضى الله بمساواة مماليكه له، او عطف على حزب الله والفاء للتّعقيب فى الاخبار وبعض اجزاء المعطوف يكون محذوفاً والتّقدير فانتم ايّها الاحرار فيما رزقناكم مساوون للمماليك او انتم ايّها الاحرار والمماليك فيه مساوون ولا ترضون بشراكة المماليك لكم مع مساواتهم لكم فى كلّ الجهات فكيف ترضون او يرضى الله بشراكة المماليك له {تَخَافُونَهُمْ} جملة حاليّة او مستأنفة والمعنى هل تخافونهم {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} فتجعلونهم شركاء لخوفكم، او المعنى فانتم ومماليككم فى الرّزق سواء من كلّ الجهات سوى اعتبار نسبة المالكيّة اليكم وتخافونهم كخيفتكم من الاحرار، وينبغى لكم ان ترضوا بشراكتكم ولا ترضون فكيف يرضى الله بشراكة مماليكه له مع انّهم ليسوا مساوين له بجهةٍ من الجهات ولا يخافهم بشيءٍ من الخوف {كَذَلِكَ} التّفصيل والتّمثيل لاشراكهم {نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} فى كلّ شيءٍ {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يحقّقون فى العلم والادراك بعدما خرجوا من مقام التّقليد ولقومٍ يدركون ادراك الانسان لا ادراك الحيوان سواء كان ذلك الادراك تقليداً او تحقيقاً، فانّ التّعقّل يستعمل فى الادراك الانسانىّ المطلق كما يستعمل فى الادراك العقلانىّ الّذى لا يكون الاّ بالتّحقيق دون التّقليد، قيل: كان سبب نزولها انّ قريشاً والعرب كانوا اذا حجّوا يلبّون وكانت تلبيتهم لبّيك لبيّك لا شريك لك لبّيك انّ الحمد والنّعمة لك والملك لا شريك لك؛ وهى تلبية ابراهيم والانبياء (ع) فجاءهم ابليس فى صورة شيخٍ فقال لهم: ليست هذه تلبية اسلافكم قالوا: وما كانت تلبيتهم؟- قال: كانوا يقولون: لبّيك اللّهمّ لبّيك لا شريك الاّ شريكاً هو لك، فتفرّق قريش من هذا القول فقال لهم ابليس: على رسلكم حتّى آتى على آخر كلامى، فقالوا: ما هو؟ فقال: ألاّ شريك هو لك تملكه وما يملكك، الا ترون انّه يملك الشّريك وما ملكه، فرضوا بذلك وكانوا يلبّون بهذا قريش خاصّةً فلمّا بعث الله عزّ وجلّ رسوله (ص) انكر ذلك عليهم وقال: هذا شرك فأنزل الله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} اى ترضون انتم فيما تملكون ان يكون لكم فيه شريك واذا لم ترضوا انتم ان يكون لكم فيما تملكون شريكٌ فكيف ترضون ان تجعلوا لي شريكاً فيما املك.

الهواري

تفسير : قوله: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ثم ذكر ذلك المثل فقال: {هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي: هل يشارك أحدكم مملوكه في زوجته وماله؟ {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ} أي: تخافون لائمتهم {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: كخيفة بعضكم بعضاً، أي: إنه ليس أحد منكم هكذا، فأنا أحق ألا يُشرَك بعبادتي غيري، فكيف تعبدون غيري دوني، تشركونه في ألوهيتي وربوبيتي؟ وهو مثل قوله: (أية : وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) تفسير : [النحل: 71] قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ} يعني نبيّن الآيات {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم المؤمنون. قال: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} أتاهم من الله بعبادة الأوثان {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ} أي: لا أحد يهديه {وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}. قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} أي: مخلصاً، في تفسير الحسن. وقال الكلبي: مسلماً {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} أي: خلق الله الذي خلق الناس عليه، وهو قوله: (أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) تفسير : [الأعراف: 172]. قال بعضهم: إن أوَّل ما خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: ربّ، وما أكتب؟ قال: ما هو كائن. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ قال: فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس فيجدونه على ما في الكتاب الأول. ثم أخرج الله من ظهر آدم كل نسمة هو خالقها، فأخرجهم مثل الذر، فقال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى}تفسير : ثم أعادهم في صلب آدم، ثم يكتب بعد ذلك العبد في بطن أمه شقياً أو سعيداً على الكتاب الأول. فمن كان في الكتاب الأول شقياً عُمِّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أُخذ عليه في صلب آدم فيكون شقياً. ومن كان في الكتاب الأول سعيداً عُمِّر حتى يجري عليه القلم فيؤمن فيصير سعيداً. ومن مات صغيراً من أولاد المؤمنين قبل أن يجري عليه القلم فهو مع آبائه في الجنة من ملوك أهل الجنة، لأن الله يقول: (أية : وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)تفسير : [الطور: 21]. ذكروا عن الحسن قال: حديث : توفي ابن رجل من الأنصار فقعد في بيته. فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه، فقال سعد: يا رسول الله، توفي ابنه فقعد في بيته. ثم لقي الرجلَ سعدٌ فقال: إن رسول الله، قد ذكرك اليومَ. فأتى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تُوفّي ابني فقعدت في بيتي. فقال رسول الله: أما ترضى أن تكفى مؤونته في الدنيا وألا تأتي على باب من أبواب الجنة إلا وجدته بإزائه ينتظرك؟ . تفسير : قال بعضهم: ومن كان من أولاد المشركين ثم مات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم في النار، لأنهم ماتوا على الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقضوا الميثاق، قال: وهم خدم أهل الجنة. ذكروا عن أنس بن مالك قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: لم تكن لهم حسنات [فيجزوا بها] فيكونوا من ملوك أهل الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيكونوا من أهل النار؛ فهم خدم أهل الجنة . تفسير : ذكروا عن سلمان الفارسي أنه قال: أطفال المشركين خدم لأهل الجنة. وذكر ذلك قوم للحسن فقال: وما تنكرون؟ قوم أكرمهم الله، وأكرَمَ بهم، يعني أهلَ الجنة. ذكروا عن أبي هريرة قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال لم تكن لهم حسنات فيكونوا من ملوك أهل الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيكونوا من أهل النار . تفسير : ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه. فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه. قيل: يا رسول الله، فالذي يموت صغيراً؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من في الجنة؟ فقال: النبيّون في الجنة، والمولود في الجنة، والشهيد في الجنة، والموءودة في الجنة . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: أربعة يرجون العذر يوم القيامة: من مات قبل الإِسلام، ومن أدركه الإِسلام وهو هرم قد ذهب عقله، ومن ولدته أمه لا يسمع الصوت، والذي يتخبّطه الشيطان من المس. فكل هؤلاء يرجون العذر يوم القيامة. قال: فيرسل الله إليهم رسولاً، فيوقد لهم ناراً، فيأمرهم أن يقعوا فيها، فمن بين واقع ومن بين هارب. قال بعضهم: وبلغنا أن من واقعها نجا، ومن لم يواقعها دخل النار. وقال بعضهم: نرى أن الذين ينجون من ولدته أمه لا يسمع الصوت، والذي يتخبّطه الشيطان من المسّ لهما عذر، والاثنان الآخران ليس لهما عذر: الذي مات قبل الإِسلام، ومن أدرك الإِسلام وقد ذهب عقله لأنهما قد لقيا الحجّة من الأنبياء؛ من عيسى أو من غيره من قبله. قال الله: (أية : إِنَّهُمْ أَلْفَوْا ءَابَاءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَى ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ) تفسير : [الصافات: 69-70]. وقول الحسن في هذا متروك لا يؤخذ به ولا يذهب إليه المسلمون. قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} أي: لدين الله، كقوله: {إِنَّ عِبَادِي} أي: المؤمنين (أية : لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) تفسير : [الإِسراء: 65]، وكقوله: (أية : مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ) تفسير : [الكهف: 17] أي: لا يستطيع أحد أن يضلَّه. وكقوله: (أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا) تفسير : [النحل: 99]. قال: {ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم المشركون.

اطفيش

تفسير : {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} معشر المشركين اي منتزعا من احوال انفسكم وهي اقرب الامور اليكم ومن للابتداء وبين ذلك المثل بقوله. {هَل لَّكُم مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} من عبيدكم وامائكم ومن للتبعيض متعلق بمحذوف حال من ضمير الاستقرار. {مِّن شُرَكَاءَ} من صلة في المبتدأ او في فاعل الجار والمجرور للتأكيد. {فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ} متعلق بشركاء او بالاستقرار او بلكم. {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} فتكونوا أنتم وهم فيه سواء يتصرفون فيه كتصرفكم. {تَخَافُونَهُمْ} ان تستبدوا فيه بتصرف وتدبير دونهم. {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} الخيفة مصدر للهيئة وفيه دليل على جواز اعمال المصدر الذي بالتاء ومصدر الهيئة في المفعول به الصريح الا ان قيل انفسكم مفعول لفعل محذوف دل عليه خيفتكم والمراد كما يخاف بعضكم بعضا ايها الاحرار في الشركة والارث والاستفهام انكار ونفي منسحب الى قوله {أَنفُسِكُمْ} اي اذا لم ترضوا ان يكون بعض مماليككم شركاء لكم فيما رزقناكم من الاموال مع انهم بشر مثلكم ومخلوقون مثلكم ومع ان الاموال في ايديكم معارة فكيف ترضون لرب الارباب ومالك الاحرار والعبيد ان تجعلوا بعض عبيده شركاء له وهم مخلوقون له والملك له بالتحقيق وقال الزجاج: المثل هو قوله {أية : وهو أهون }تفسير : اي ضرب لكم مثلا فيما يسهل ويصعب. {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ} نبينها بالتمثيل لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها ويجعلها بمثابة ماله صورة محسوسة. {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يتدبرون بعقولهم في الامثال.

اطفيش

تفسير : {ضَربَ لكُم مثلاً} فى بطلان الشرك {من أنفُسِكُم} منتزعا من أنفسكم التى هى اقرب الامور اليكم، واظهرها للدلالة، ومن للابتداء، وفسر المثل بقوله: {هَل لكُم} استفهام انكار بمعنى النفى، ولكم خبر للمبتدأ المجرور بمن الصلة لتأكيد هذا النفى، وهو شركاء {ممَّا مَلكت أيمانكم} من للابتداء ايضا متعلق بلكم، او بمتعلقة الاستقرارى لا تبعيضية متعلقة بمحذوف حال من شركاء، لان الصحيح ان الحال لا تجئ من المبتدأ لانها لا تكون قيدا لعامله، وهو الابتداء ولا تاكيدا، وان جعلنا شركاء فاعلا للكم صح أنها تبعيضية، وجاز الابتدائية. {من شركاء فيما رزقناكم} متعلق بشركاء يتصرفون فيه كتصرفكم {فأنتُم} أيها المالكون والمملوكون على تغلب الخطاب على الغيبة، او الخطاب للمالكين فيقدر للغائبين ضمير الغيبة، اى فأنتم وهم {فيه سَواءٌ} فيه متعلق بسواء، والفاء عاطفة للجملة بعد على جملة الاستفهام قبلها {تخَافُونَهُم} خبر ثان لانتم، او حال من الضمير فى سواء، اى مستوون {كخيفَتكُم أنْفُسكم} نعت لمفعول مطلق محذوف، اى تخافونهم ان تنصرفوا بلا اذن منهم، فيما رزقناكم خيفة كائنة كخيفتكم الاحرار المشاركين لكم فى ذلك الرزق، فالمراد مثل انفسكم من الاحرار، فاذا لم ترضوا بذلك فأولى ان لا ترضوا الشركة لله عز وجل، وهو خالق الكل ومالكه، والرازق وفى الآية اعمال المصدر النوعى المقرون بالتاء فى المفعول به، فهو جائز. {كذَلك} مثل هذا التفصيل {نُفصل الآيات} نوضحها تصوير للمعقول بصورة المحسوس، لتدرك فلا يبقى للكافر الا العناد {لَقوم يَعْقلون} يستعملون عقولهم فى الامور، فيستعملونها فى الامثال الاتية من الله.

الالوسي

تفسير : {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً } يتبين به بطلان الشرك {مّنْ أَنفُسِكُمْ } أي منتزعاً من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم وأعرفها عندكم وأظهرها دلالة على ما ذكر من بطلان الشرك لكونها بطريق الأولوية، و {مِنْ } لابتداء الغاية وقوله تعالى: {هَلْ لَّكُمْ } إلى آخره تصوير للمثل، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي و {لَكُمْ } خبر مقدم وقوله تعالى: {مّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } في موضع الحال من {شُرَكَاء } بعد لأنه نعت نكرة تقدم عليها؛ والعامل فيها كما في «البحر» هو العامل في الجار والمجرور الواقع خبراً و {مِنْ } للتبعيض و {مَا } واقعة على النوع، وقوله تعالى: {مّن شُرَكَاء } مبتدأ و {مِنْ } مزيدة لتأكيد النفي المستفادة من الاستفهام، وقوله تعالى: {فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } متعلق بشركاء أي هل شركاء فيما رزقناكم من الأموال وما يجري مجراها مما تتصرفون فيه كائنون من النوع الذي ملكته أيمانكم من نوع العبيد والإماء كائنون لكم. وجوز أن يكون {لَكُمْ } متعلقاً بشركاء ويكون {فِيمَا رَزَقْنَـٰكُمْ } في موضع الخبر كما تقول لزيد في المدينة / مبغض فلزيد متعلق بمبغض الذي هو مبتدأ وفي المدينة الخبر أي هل شركاء لكم كائنون مما ملكته أيمانكم كائنون فيما رزقناكم. وقوله تعالى: {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء } جملة في موضع الجواب للاستفهام الإنكاري {وَفِيهِ } متعلق بسواء، وفي الكلام محذوف معطوف على {أَنتُمْ } أي فانتم وهم أي المماليك مستوون فيه لا فرق بينكم وبينهم في التصرف فيه، وقيل: لا حذف {وَأَنتُمْ } شامل للمماليك بطريق التغليب، وقوله تعالى: {تَخَافُونَهُمْ } خبر آخر لأنتم، وقال أبو البقاء: حال من ضمير {أَنتُمْ } الفاعل في {سَوَآء } وقوله تعالى: {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } في موضع الصفة لمصدر محذوف أي تخافونهم أن تستبدوا بالتصرف فيه بدون رأيهم خيفة كائنة مثل خيفتكم من هو من نوعكم يعني الأحرار المساهمين لكم، والمقصود نفي مضمون ما فصل من الجملة الاستفهامية أي لا ترضون بأن يشارككم فيما رزقناكم من الأموال ونحوها مماليككم وهم أمثالكم في البشرية غير مخلوقين لكم بل لله تعالى فكيف تشركون به سبحانه في المعبودية التي هي من خصائصه تعالى الذاتية مخلوقه سبحانه بل مصنوع مخلوقه جل وعلا حيث تصنعونه بأيدكم ثم تعبدونه. وقرأ ابن أبـي عبلة {أَنفُسَكُـمْ } بالرفع على أن المصدر مضاف للمفعول {وأَنفُسَكُمْ } فاعله، قال أبو حيان: وهو وجه حسن ولا قبح في إضافة المصدر إلى المفعول مع وجود الفاعل. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك التفصيل الواضح {نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } أي نبينها ونوضحها لا تفصيلاً أدنى منه فإن التمثيل تصوير للمعاني المعقولة بصورة المحصوص وإبراز لأوابد المدركات على هيئة المأنوس فيكون في غاية الإيضاح والبيان. {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي يستعملون عقولهم في تدبير الأمثال، وقيل: في تدبير الأمور مطلقاً ويدخل في ذلك الأمثال دخولاً أولياً، وخصهم بالذكر مع عموم تفصيل الآيات للكل لأنهم المنتفعون بها، وذكر العلامة الطيبـي أنه لما كان ضرب الأمثال لأدناء المتوهم إلى المعقول وإراءة المتخيل في صورة المحقق ناسب أن تكون الفاصلة {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وهذه النكتة هنا أظهر منها فيما تقدم فتذكر. وقرأ عباس عن أبـي عمرو {يُفَصّلُ } بياء الغيبة رعياً لضرب إذ هو مسند لما يعود للغائب. وقراءة الجمهور بالنون للحمل على {رَزَقْنَـٰكُمْ }. وذكر بعض العلماء أن في هذه الآية دليلاً على صحة أصل الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض كأنه قيل: الممتنع والمستقبح شركة العبيد لساداتهم أما شركة السادات بعضهم لبعض فلا تمتنع ولا تستقبح.

ابن عاشور

تفسير : أُتبع ضرب المثل لإمكان إعادة الخلق عَقِبَ دليل بدئه بضربِ مثل لإبطال الشرك عقب دليليه المتقدمين في قوله تعالى {أية : يُخرج الحي من الميت}تفسير : [الروم: 19] وقوله {أية : ويحيي الأرض بعد موتها}تفسير : [الروم: 19] لينتظم الدليل على هذين الأصلين المهمين: أصل الوحدانية، وأصل البعث، وينكشف بالتمثيل والتقريب بعد نهوضه بدليل العقل. والخطاب للمشركين. وضرب المثل: إيقاعه ووضعه، وعليه فانتصاب {مثلاً}على المفعول به، أو يراد بضربه جعله ضرباً، أي مِثْلاً ونظيراً، وعليه فانتصاب {مثلاً}على المفعولية المطلقة لأن {مَثَلاً}حينئذ يرادف ضرباً مصدر ضربَ بهذا المعنى. وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما} تفسير : في سورة البقرة (26). واللام في {لكم} لام التعليل، أي ضرب مثلاً لأجلكم، أي لأجل إفهامكم. و{مِن}في قوله {مِن أنفسكم}ابتدائية متعلقة بــــ {ضرَب}أي جعل لكم مثلاً منتزعاً من أنفسكم. والأنفس هنا جنس الناس كقوله {أية : فسلِّموا على أنفسكم}تفسير : [النور: 61] أي مثَلاً من أحوال جماعتكم إذ لا تخلو الجماعة عن ناس لهم عبيد وهم يعرفون أحوال العبيد مع سادتهم سواء منهم من يملك عبيداً ومن لا عبيد له. فالخطاب لجميع الأمة باعتبار وجود فريق فيهم ينطبق عليهم هذا المثَل. والاستفهام مستعمل في الإنكار ومناط الإنكار قوله {فيما رزقناكم} إلى آخره، أي من شركاء لهم هذا الشأن. و{مِن} في قوله {من ما ملكت أيمانكم} تبعيضية، و{مِن} في قوله {مِن شركاء} زائدة مؤكدة لمعنى النفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري. فالجمع بين هذه الحروف في كلام واحد من قبيل الجناس التام. والشركاء: جمع شريك، وهو المشارك في المال لقوله {فيما رزقناكم،} والفاء للتفريع على الشركة، أي فتكونوا متساوين فيما أنتم فيه شركاء. وجملة {تخافونهم} في موضع الحال من ضمير الفاعل في {سواء.} والخوف: انفعال نفساني ينشأ من توقع إصابة مكروه يبقى، وهو هنا التوقي من التفريط في حظوظهم من الأرزاق وليس هو الرعب بقرينة قوله {كخيفتكم أنفسكم،}أي كما تتوقون أنفسكم من إضاعة حقوقكم عندهم. والأنفس الثاني بمعنى: أنفس الذين لهم شركاء مما ملكت أيمانهم من المخاطبين لأنهم بعض المخاطبين. وهذا المثل تشبيه هيئة مركبة بهيئة مركبة؛ شبهت الهيئة المنتزعة من زعم المشركين أن الأصنام شركاء لله في التصرف ودافعون عن أوليائهم ما يريده الله من تسلط عقاب أو نحوه إذ زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله وهم مع ذلك يعترفون بأنها مخلوقة لله فإنهم يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك. هذه الهيئة شبهت بهيئة ناس لهم عبيد صاروا شركاء في أرزاق سادتهم شركة على السواء فصار سادتهم يحذرون إذا أرادوا أن يتصرفوا في تلك الأرزاق أن يكون تصرفهم غير مرضي لعبيدهم، وهذا التشبيه وإن كان منصرفاً لمجموع المركب من الهيئتين قد بلغ غاية كمال نظائره إذ هو قابل للتفريق في أجزاء ذلك المركب بتشبيه مالك الخلق كلهم بالذين يملكون عبيداً، وتشبيه الأصنام التي هي مخلوقة لله تعالى بمماليك الناس، وتشبيه تشريك الأصنام في التصرف مع الخالق في ملكه بتشريك العبيد في التصرف في أرزاق سادتهم، وتشبيه زعمهم عدول الله عن بعض ما يريده في الخلق لأجل تلك الأصنام، وشفاعتها بحذر أصحاب الأرزاق من التصرف في حظوظ عبيدهم الشركاء تصرفاً يأبَوْنه. فهذه الهيئة المشبه بها هيئة قبيحة مشوهة في العادة لا وجود لأمثالها في عرفهم فكانت الهيئة المشبهةُ منفيةً منكَرة، ولذلك أدخل عليها استفهام الإنكار والجحود ليُنتج أن الصورة المزعومة للأصنام صورة باطلة بطريق التصوير والتشكيل إبرازاً لذلك المعنى الاعتقادي الباطل في الصورة المحسوسة المشوهة الباطلة. ولذلك عقب بجملة {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون،}أي نفصل الدلائل على الاعتقاد الصحيح تفصيلاً كهذا التفصيل وضوحاً بيناً، وجملة {أية : إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}تفسير : [الروم: 24] استئناف ابتدائي. والقوم الذين يعقلون هم المتنزهون عن المكابرة والإعراض، والطالبون للحق والحقائق لوفرة عقولهم، فيزدادَ المؤمنون يقيناً ويؤمنَ الغافلون والذين تروج عليهم ضلالات المشركين ثم تنكشف عنهم بمثل هذه الدلائل البينة. وفي ذكر لفظ {قوم}وإجراء الصفة عليه إيماء إلى أن هذه الآيات لا ينتفع بها إلا من كان العقل من مقومات قوميته كما تقدم في قوله تعالى {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : في سورة البقرة (164)، وتقدمت له نظائر كثيرة. والقول في إيثار وصف العقل هنا دون غيره من أوصاف النظر والفكر كالقول فيما تقدم عند قوله {أية : ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً} تفسير : [الروم: 24] إلى قوله {أية : يعقلون}تفسير : [الروم: 24]. وفي هذا تعريض بالمتصلبين في شركهم بأنهم ليسوا من أهل العقول، وليسوا ممن ينتفعون كقوله تعالى {أية : وما يَعْقِلها إلا العالمون}تفسير : [العنكبوت: 43] وقوله {أية : ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنْعِق بما لا يَسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون}تفسير : [البقرة: 171]. وقوله {كذلك} تقدم نظيره في قوله تعالى {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} الآية. قد قدمنا إيضاحه بالقرآن في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} تفسير : [النحل: 71] الاية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 28- بيَّن الله لكم مثلا مُنْتزعاً من أنفسكم وقد ضربه الله - عز وجل - لمن جعل له شريكاً من خلقه: هل لكم من عبيدكم شركاء فيما ملّكناكم من الأموال وغيرها؟ فأنتم وهم مستوون فيها، تخافون هؤلاء العبيد فلا تتصرفون فى شئ مما تملكون دون إذنهم كما يخاف الأحرار بعضهم بعضاً، فإذا كنتم لا تعقلون هذا ولا تفعلونه، فكيف تجعلون بعض مملوكات الله شركاء له؟ مثل هذا التفصيل نبين الآيات لقوم يتدبرون فى ضرب الأمثال. 29- بل اتبع الذين كفروا أهواءهم دون علم بعاقبة كفرهم، فلا أحد يهدى من أضل الله، وليس لهم من يشفع أو يدفع عنهم عذابه. 30- فسدد وجهك واتجه إلى الدين بعيداً عن ضلالتهم، والزم خلقة الله التى خلق الناس عليها، وهى أنهم قابلون للتوحيد غير منكرين له، وما ينبغى أن تغير هذه الخلقة. ذلك الخلق على التوحيد هو الدين المستقيم، ولكن المشركين لا يعلمون حقيقة ذلك. 31- كونوا راجعين إليه، وافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه، وحافظوا على الصلاة، ولا تكونوا من الذين عبدوا مع الله غيره. 32- من الذين فرَّقوا دينهم فاختلفوا فيه، وصاروا فرقاً كل فرقة تشايع من تتبعه، كل فريق منهم بما عندهم مسرورون، يظنون أنهم على الحق.

د. أسعد حومد

تفسير : {مِمَّا} {أَيْمَانُكُمْ} {فِي مَا} {رَزَقْنَاكُمْ} {ٱلآيَاتِ} (28) - وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكين الذينَ يَجْعَلُونَ للهِ شُرَكَاءَ، فَيَعْبُدُونَ مَعَ اللهِ آلهةً غَيْرَهُ، وَهُمْ مَعَ ذَلك مُعْتَرِفُونَ أَنْ شُرَكَاءَهُمْ مِنَ الأَصْنَامِ عبيدٌ للهِ، وَمُلْكٌ لَهُ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ في طَوَافِهِمْ حَوْلَ الكَعْبَةِ: (لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلا شَرِيكاً هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ)، فَقَالَ تَعَالى لَهَمْ: إِنَّ اللهَ يَضْرِبُ لَكُم مَثَلاً مُنْتَزَعاً مِنْ أَحوالِ أَنْفُسِكُمْ وَأَوْطَارِها، وَهِيَ أقربُ الأَشياءِ إِليكُم، وَبِهِ يَسْتِبينُ مِقْدَارُ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ بِعِبَادَتِكُمُ الأَصْنَامَ والأَوثَانَ. وَهذا المَثَلُ هُوَ: هَلْ يَرْضَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكاً لَهُ فِي مَالِهِ فَيَكُونَ مَعَهُ عَلَى السَّواءِ في التَّصَرّفِ فِي المَالِ، فيَحْسبُ حِسَابَهُ مَعَهُ، فَلا يَتَصَرَّفُ في شَيءٍ مِمَّا يَملِكُ مِنْ دُونِ إِذْنِهِ، كَمَا يَحْسبَ حِسَابَ الشَّريكِ الحُرِّ المُمَاثِلِ، ويَخْشَى أَنْ يَجُورَ عليهِ شَرِيكُهُ، كَمَا يَتَحَرَّجُ هُوَ مِنَ الجَوْرِ عَلَى شَرِيكِهِ لأنَّهُ كُفْءٌ لَهُ وَنِدٌّ {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، فَهلُ يَقَعُ شَيءٌ مِنْ ذَلكَ فِي مُحِيطِكُمُ القَرِيبِ وشَأْنِكُمُ الخَاصِّ؟ فَإِذا كَانَ شَيءٌ مِنْ ذَلكَ لاَ يَقَعُ، فَكَيفَ تَرْضَونَهُ في حَقِّ اللهِ تَعَالى ولَهُ المَثَلُ الأَعلَى؟ ثُمَّ قَالَ تَعَالى إِنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ مثلَ هذا التَّفْصِيلِ البَديعِ بِضَربِ الأَمثَالِ الكَاشِفَةِ للمَعَاني، ليُقَرِّبَها مِنْ أفهَامِ مَنْ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ في تَدَبٌّرِ الأَمثالِ، واستِخراجِ المَعَاني لِلوُصُولِ إِلى الأَغْراضِ التي تَرْمي إِليها.

الثعلبي

تفسير : قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} مِنْ عبيدكم وإمائكم {مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} من المال {فَأَنتُمْ} وهم {فِيهِ} شرع {سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} قال ابن عبّاس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً، وقيل: تخافون هؤلاء الشركاء أن يقاسموكم أموالكم كما يقاسم بعضكم بعضاً، وهذا معنى قول أبي محلز، فإذ لم تخافوا هذا من مماليككم ولم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء؟ وأنتم وهم عبيدي وأنا مالككم جميعاً، فكما لا يجوز استواء المملوك مع سيّده فكذلك لا يجوز استواء المخلوق مع خالقه. ثمّ قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ}. دين الله وهو نصب على المصدر أي فطر فطرة. ومعنى الآية: إنّ الدّين الحنيفية، فطرة الله {ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} وقيل: نصب على الإغراء. {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} لدين الله، أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل، ظاهره نفي ومعناه نهي، هذا قول أكثر العلماء والمفسِّرين. وقال عكرمة ومجاهد: لا تغيير لخلق الله من البهائم بالخصاء ونحوه. أخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة هل تحسون فيها من جدعاء؟"تفسير : قال: ثمّ يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} الآية. وأخبرني عبدالله بن حامد قال: أخبرني أبو بكر محمد بن جعفر المطيري، عن أحمد بن عبدالله بن يزيد المؤدّب عن عبد الرزاق، وأخبرنا أبو سعيد التاجر قال: أخبرني أبو حامد الشرقي، وحدّثنا محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر والسلمي، قالوا: قال عبد الرزّاق عن معمر عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه قال: حديث : ما من مولود إلاّ يولد على هذه الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه كما تنتجون البهيمة فهل تجدون فيها من جدعاء حتّى تكونوا أنتم تجدعونها؟ قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين . تفسير : وقال الأسود بن سريع: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات وأنّ قوماً تناولوا الذرّية بالقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بال أقوام قتلوا المقاتلة ثمّ تناولوا الذرّية؟"، فقال رجل: يا رسول الله إنّما هم أولاد المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنّ خياركم أولاد المشركين، والذي نفسي بيده ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة فما يزال عليها حتّى يبيّن عنه لسانه فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ". تفسير : وروى قتادة عن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: "حديث : إنّ الله أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني في يومي هذا وأنّه قال: إن كلّ مال نحلته عبادي فهو لهم حلال وإنّي خلقت عبادي كلّهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأَمَرتُهُم أنْ يشركوا بي ما لم أُنزّلْ به سلطاناً"تفسير : . وذكر الحديث. قال أبو بكر الورّاق: فطرة الله التي فطر النّاس عليها هي الفقر والفاقة. {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} المستقيم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. قوله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} فرقاً كاليهود والنصارى. أخبرني الحسين بن محمد بن عبدالله الدينوري، عن محمد بن عمر بن إسحاق بن حبيش الكلواذي، عن عبدالله بن سليمان بن الأشعث، عن محمد بن مصفى، عن بقية بن الوليد عن شعبة أو غيره، عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "حديث : يا عائشة إنّ الّذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً هم أهل البدع والضّلالة من هذه الأمّة، يا عائشة إنَّ لكلّ صاحب ذنب توبة إلاّ صاحب البدع والأهواء ليست لهم توبة، أنا منهم بريء وهم منّي براء ". تفسير : {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} قوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً} خصباً ونعمة {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وفي مصحف عبدالله وليتمتّعوا {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً}. قال ابن عبّاس والضحّاك: حجّةً وعذراً. قتادة والربيع: كتاباً. {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} ينطق {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} يعذرهم على شركهم ويأمرهم به.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ضَرْب المثل أسلوب من أساليب القرآن للبيان وللتوضيح وتقريب المسائل إلى الأفهام، ففي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26]. وقال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ..} تفسير : [الحج: 73] فهذا كثير من كتاب الله، والمثَل يُضرب ليُجلِّي حقيقة. والضَّرْب هنا لا يعني إحداث أثر ضار بالمضروب، إنما إحداث أثر نافع إيجابي كما في قوله تعالى: {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [المزمل: 20]. وقولنا في مسألة سكِّ العملة: ضُرِبَ في كذا، فكأن الضرب يُحدث في المضروب أثراً باقياً، ففي الأرض بإثارة دفائنها واستخراج كنوزها، وفي العملة بتَرْكِ أثر بارز لا تمحوه الأيدي في حركة التداول، وكأن ضَرْب المثَلَ يوضح الشيء الغامض توضيحاً بيِّناً كما تُسَكّ العملة، ويجعل الفكرة في الذهن قائمة واضحة المعالم. وللضرب عناصر ثلاثة: الضارب، والمضروب، والمضروب به. ويُروى في مجال الأمثال أن رجلاً خرج للصيد معه آلاته: الكنانة وهي جُعْبة السهام، والسهام، والقوس، فلما رأى ظبياً أخذ يُعدّ كنانته وقَوْسه للرمي لكن لم يمهله الظبي وفَرَّ هارباً، فقال له آخر وقد رأى ما كان منه: قبل الرِّماء تُملأ الكنائن، فصارت مثلاً وإن قيل في مناسبة بعينها إلا أنه يُضرَب في كل مناسبة مشابهة، ويقال في أيِّ موضع كما هو وبنفس ألفاظه دون أن نُغيِّر فيه شيئاً. فمثلاً، حين ترى التلميذ المهمل يذاكر قبيل الامتحان، وحين ترى مَنْ يُقدِم على أمر دون أنْ يُعدّ له عُدَّته لك أنْ تقول: قبل الرِّماء تُملأ الكنائن. إذن: هذه العبارة صار لها مدلولها الواضح، وترسَّخَتْ في الذِّهْن حتى صارتْ مثَلاً يُضرب. وتقول لمن تسلَّط عليك وادَّعى أنه أقْوى منك: إنْ كنتَ ريحاً فقد لاقيتَ إعصاراً. والحق سبحانه يضرب لنا المثل للتوضيح ولتقريب المعاني للأفهام؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26] يقف هنا بعض المتمحكين الذين يحبون أنْ يستدركوا على كلام الله، يقولون: ما دام الله تعالى لا يستحي أنْ يضرب مثلاً بالبعوضة فما فوقها من باب أَوْلى، فلماذا يقول {أية : فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26]. وهذا يدل على عدم فهمهم للمعنى المراد لله عز وجل، فالمعنى: فما فوقها أي: في الغرابة وفي القلة والصِّغر، لا ما فوقها في الكِبَر. ومن الأمثلة التي ضربها الله لنا ليوضح لنا قضية التوحيد قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 29]. فالذي يتخذ مع الله إلهاً آخر كالذي يخدم سيدين وليتهما متفقان، إنما متشاكسان مختلفان، فإنْ أرضى أحدهما أسخط الآخر، فهو متعب بينهما، فهل يستوي هذا العبد وعبد آخر يخدم سيداً واحداً؟ كذلك في عبادة الله وحده لا شريك له. فبالمثال اتضحت القضية، ورسختْ في الأذهان؛ لذلك يقول سبحانه: أنا لا أستحي أنْ أضرب الأمثال؛ لأنني أريد أن أوضح لعبادي الحقائق، وأُبيِّن لهم المعاني. {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} [الروم: 28]. في هذه الآية وبهذا المثَل يؤكد الحق - سبحانه وتعالى - في قمة تربية العقيدة الإيمانية، يؤكد على واحدية الله وعلى أحديته، فالواحدية شيء والأحدية شيء آخر: الواحدية أنه سبحانه واحد لا فرد آخر معه، لكن هذا الفرد الواحد قد يكون في ذاته مُركّباً من أجزاء، فوصف نفسه سبحانه بأنه أحدٌ أي: ليس مُركَّباً من أجزاء. أكَّد الله هذه الحقيقة في قرآنه بالحجج وبالبراهين، وضرب لها المثل. وهنا يضرب لنا مثلاً من أنفسنا ليؤكد على هذه الوحدانية. وقوله تعالى: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} [الروم: 28] يعني: ليس بعيداً عنكم، وأقرب شيء للإنسان نفسه، إذن: فأوضح مثَل لما غاب عنك أنْ يكون من نفسك، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128] أي: من جنسكم تعرفون نشأته، وتعرفون خُلُقه وسيرته. لكن، ما المثَل المراد؟ المثل: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ..} [الروم: 28]. يقول سبحانه: أريد أنْ أضرب لكم مثلاً على أن الإله الواحد يجب عقلاً ألاَّ تشركوا به أشياء أخرى، والمثل أنِّي أرزقكم، ومن رزقي لكم مَوَالٍ وعبيد، فهل جئتم للرزق الذي رزقكم الله وللعبيد وقلتم لهم: أنتم شركاء لنا في أموالنا تتصرفون فيها كما نتصرف نحن، ثم جعلتم لهم مطلق الحرية والتصرف، ليكونوا أحراراً أمثالكم تخافونهم في أنْ تتصرفوا دونهم في شيء كخيفتكم أنفسكم؟ هل فعلتم ذلك؟ بل هل تقبلونه على أنفسكم؟ إذن: لماذا تقبلونه في حق الله تعالى وترضَوْن أنْ يشاركه عبيده في ملكه؟ إنكم لم تقبلوا ذلك مع مواليكم وهم بشر أمثالكم ملكتموهم بشرع الله فائتمروا بأمركم. هذا معنى {مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} [الروم: 28] أي: من البشر، فهم مثلكم في الآدمية، وملكيتكم لهم ليست مُطْلقة، فأنتم تملكون رقابهم، وتملكون حركة حياتهم، لكن لا تملكون مثلاً قتلهم، ولا تملكون منعهم من فضاء الحاجة، لا تملكون قلوبهم وإرادتهم، ثم هو مُلْك قد يفوتك، كأن تبيعه أو تعتقه أو حتى بالموت. ومع ذلك ما اتخذتموهم شركاء، فعَيْب أنْ تجعلوا لله ما تستنكفون منه لأنفسكم. ونلحظ هنا أن الله تعالى لم يناقشهم في مسألة الشركاء بأسلوب الخبر منه سبحانه، إنما اختار أسلوب الاستفهام وهو أبلغ في تقرير الحقيقة: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ..} [الروم: 28]. وأنت لا تعدل عن الخبر إلى الاستفهام عنه إلا وأنت تعلم وتثق بأن الإجابة ستكون في صالحك، فمثلاً حين ينكر شخصٌ جميلَك فتقول مُخبراً: فعلتُ معك كذا وكذا، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، وقد ينكر فيقول: لا لم تفعل معي شيئاً. أمّا حين تقول مستفهماً: ألم أفعل فعل كذا وكذا؟ فإنك تُلجئه إلى واقع لا يملك إنكاره، ولا يستطيع أنْ يفرّ منه، ولا يملك إلا أنْ يعترف لك بجميلك ولا أقلَّ من أنْ يسكت، والسكوت يعني أن الواقع كما قلت. لذلك يستفهم الحق سبحانه وهو أعلم بخَلْقه {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ ..} [الروم: 28] لا بدّ أنْ يقولوا: لا ليس لنا شركاء في أموالنا، إذن: لماذا جعلتم لله شركاء؟ وقوله تعالى: {فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ..} [الروم: 28] سبق أنْ تحدثنا في مسألة الرزق وقلنا: إن الله تعالى هو الرازق، ومع ذلك احترم ملكية خَلْقه، واحترم سعيهم: لأنه سبحانه واهب هذا الملك، ولا يعود سبحانه في هبته لخَلْقه؛ لذلك لما أراد أنْ يُحنن قلوب خَلْقه على خَلْقه قال: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..} تفسير : [البقرة: 245] فاعتبر صدقتك على أخيك الفقير قرضاً يردّه إليك مُضَاعفاً. والرزق لا يقتصر على المال - كما يظن البعض - إنما رزقك كلّ ما انتفعتَ به فهو رزق ينبغي عليك أن تفيض منه على مَنْ يحتاجه، وأن تُعدِّيه إلى مَنْ يفتقده، فالقويُّ رزقه القوة يُعدِّيها للضعيف، والعالم رزقه العلم يُعدّيه للجاهل، والحليم رزقه حلْم يُعدِّيه للغضوب وهكذا، وإلا فالمال أهون ألوان الرزق؛ لأن الفقير الذي لا يملك مالاً ولم يتصدق أحد عليه قصارى ما يحدث له أن يجوع ويُباح له في هذه الحالة أنْ يسأل الناس، وما رأينا أحداً مات جوعاً. لكن ينبغي على الفقير إنْ ألجأتْه الحاجة للسؤال أنْ يسأل بتلطُّف ولين، فإنْ كان جائعاً لا يسأل الناس مالاً إنما لقمة عيش وقطعة جبن أو ما تيسَّر من الطعام ليسُدّ جَوْعته، وسائل الطعام لا يكذبه أحد لأنه ما سأل إلا عن جوع، حتى لو سألك وهو شبعان فأعطيتَه ما استطاع أنْ يأكل، أما سائل المال فقد نظن فيه الطمع وقصد الادخار. إذن: أفضح سؤال سؤال القوت. لذلك في قصة الخضر وموسى عليهما السلام: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا ..} تفسير : [الكهف: 77] فلما منعوهم حتى لقمة العيش استحقُّوا أنْ يُوصفوا بأَلأَم الناسِ، وقد أباح الشرع للجائع أن يسأل الطعام من اللئيم فإن منعه فللجائع أن يأخذه ولو بالقوة، وإذا رفع أمره إلى القاضي أيَّده القاضي، لذلك يقولون فيه: طالب قُوتٍ ما تعدَّى. والحق سبحانه تكفَّل لك برزقك، إنما جعل للرزق أسباباً وكل ما عليك أنْ تأخذ بهذه الأسباب ثم لا تشغل بالك هماً في موضوعه، وإياك أن تظن أن السَّعْي هو مصدر الرزق، فالسعي سبب، والرزق من الله، وما عليك إلا أنْ تتحرى الأسباب، فإنْ أبطأ رزقك فأرحْ نفسك؛ لأنك لا تعرف عنوانه، أمّا هو فيعرف عنوانك وسوف يَأتيك يطرق عليك الباب. والذي يُتعب الناس أنْ يظل الواحد منهم مهموماً لأمر الرزق مُفكِّراً فيه، ولو علم أن الذي خلقه واستدعاه للوجود قد تكفَّل برزقه لاستراح، فإنْ أخطأت أسباب الرزق في ناحية اطمئن فسوف يأتيك من ناحية أخرى. ونذكر هنا قصة عروة بن أذينة وكان صديقاً لهشام بن عبد الملك بالمدينة قبل أنْ يتولى هشامٌ الخلافة، فلما أصبح هشام أميراً للمؤمنين انتقل إلى دمشق بالشام، أما عروة فقد أصابته فاقة، فلما ضاق به الحال تذكّر صداقته القديمة لهشام، وما كان بينهما من وُدٍّ، فقصده في دمشق علَّه يُفرِّج ضائقته. جاء عروة إلى دمشق واستأذن على الخليفة فأذن له، فدخل وعرض على صاحبه حاجته وكله أمل في أنْ ينصفه ويجبر خاطره، لكن هشاماً لم يكن مُوفّقاً في الردِّ على صديقه حيث قال: أتيتَ من المدينة تسألني حاجتك وأنت القائل: شعر : لَقد عَلمْتِ ومَا الإِسْرافُ مِنْ خُلُقي أنَّ الذي هُو رِزْقي سوفَ يَأْتِيني تفسير : فقال عروة بعد أن كسر صديقه بخاطره: جزاك الله عني خيراً يا أمير المؤمنين، لقد نبَّهتَ مني غافلاً، وذكَّرتَ مني ناسياً، ثم استدار وخرج. وعندها أدار هشام الأمر في نفسه وتذكّر ما كان لعروة من وُدٍّ وصداقة، وشعر بأنه أساء إليه فأنَّبه ضميره، فاستدعى صاحب الخزانة، وأمر لعروة بعطية كبيرة، وأرسل بها مَنْ يلحق به. لكن كلما وصل الرسول إلى (محطة) وجد عروة قد فارقها حتى وصل إلى المدينة، ودقَّ على عروة بابه، وكان الرسول لَبِقاً، فلما فتح عروة الباب قال: ما بكم؟ قال: رسل هشام، وتلك صِلَة هشام لك لم يَرْضَ أنْ تحملها أنت خوفاً عليك من قُطاع الطريق، أو تحمل مؤونة حَمْلها، فأرسلنا بها إليك. فقال عروة: جزى الله أمير المؤمنين خيراً، قولوا له لقد ذكرتَ البيت الأول، ولو ذكرت الثاني لأرحتَ واسترحتَ، لقد قلت: شعر : لَقد عَلمْتِ ومَا الإِسْرافُ مِنْ خُلُقي أنَّ الذي هُو رِزْقي سوفَ يَأْتِيني أَسْعى إِليْهِ فَيُعْييني تطلبّه ولَوْ قَعَدْتُ أتَاني لا يُعنِّيني تفسير : ثم يقول سبحانه بعد هذا المثل: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] أي: نُبيِّنها ونُوضِّحها، بحيث لو عُرضتْ على العقل مجرداً عن الهوى لا ينتهي إلا إليها، ومعنى {يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] من العقل، وسُمِّي عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه ويقيده عما لا يليق. والبعض يظن أن العقل إنما جُعل لترتع به في خواطرك، إنما هو جاء ليقيد هذه الخواطر، ويضبط السلوك، يقول لك: اعقل خواطرك وادرسها لا تنطلق فيها على هواك تفعل ما تحب، بل تفعل ما يصح وتقول ما ينبغي. إذن: ما قصَّرنا في البيان ولا في التوضيح. ويتجلَّى دور العقل المجرد وموافقته حتى للوحي في سيرة الفاروق عمر رضي الله عنه، وفي وجود رسول الله، وهو ينزل عليه الوحي يأتي عمر ويشير على رسول الله بأمور، فينزل الوحي موافقاً لرأي عمر، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يلفت أنظارنا إلى أن العقل الفطري إذا فكَّر في أمر بعيداً عن الهوى لا بُدَّ أنْ يصل إلى الصواب وأنْ يوافق حقائق الدين، أمّا إنْ تدخَّل الهوى فسد الفكر. وقوله تعالى {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] العقل وسيلة من وسائل الإدراك في الإنسان؛ لأن الله تعالى قال: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. لكن، كيف تُربَّى الأمور العقلية في الناس؟ تُربَّى عن طريق الحواس والإدراك، فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتذوق، واليد تلمس، والأنف يشمُّ، إلى آخر الحواس التي توصلنا إليها كحاسة البين، وحاسة العضل وغيرها. لذلك احتاط العلماء في تسمية الحواس فقالوا "الحواس الخمس الظاهرة" ليدعوا المجال مفتوحاً لحواس أخرى، فهذه الوسائل تدرك المعلومات وتنقلها إلى العقل ليراجعها وينتهي فيها إلى قضايا يجعلها دستوراً لحياته، فأنت تأكل مثلاً العسل فتدرك حلاوته، وتأكل الجبن فتدرك ملوحته، فتتكون لديك قضية عقلية أن هذا حلو، وهذا مالح .. إلخ. وحين تستقر هذه القضايا في القلب تصير عقيدة لا تخرج للتفكير مرة أخرى، ولا تمر على العقل بعد ذلك، فقد انعقد عليها الفؤاد، وترسختْ في الذهن. ودَوْر العقل أن يعقل هذه القضايا، وأنْ يختار بين البدائل، والأمر الذي لا بديلَ له لا عملَ للعقل فيه، فلو أنك مثلاً ستذهب إلى مكان ليس له إلا طريق واحد فلا مجال للتكفير فيه، لكن إنْ كان لهذا المكان أكثر من طريق فللعقل أنْ يفاضل بينها ويختار الأنسب منها فيسلكه. وما دام العقل هو الذي يختار فهو الميزان الذي تَزِن به الأشياء، وتحكم به القضايا؛ لذلك لا بُدَّ له أنْ يكون سليماً لتأتي نتائجه كذلك سليمة وموضوعية، ومعلوم أن الميزان يختلف باختلاف الموزون وأهميته. والحق سبحانه يعطينا مثالاً لدقة الميزان في الشمس والقمر، فيقول {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5] أي: بحساب دقيق، ولولا الدقة فيهما ما أخذناهما ميزاناً للوقت، فبالشمس نعرف الليل والنهار، وبالقمر نعرف الشهور. فحين يقول سبحانه {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] يعني: أننا عملنا ما علينا من التفصيل والبيان، وتوضيح الحجج والبراهين، ولكن أنتم الذين لا تعقلون. ولما كان العقل هو آلة الاختيار بين البدائل وآلة التمييز أعفى الحق سبحانه مَنْ لا عقل له من التكاليف، أعفى الطفل الصغير الذي لم يبلغ؛ لأن عقله لم ينضج بعد، ولأن حواسّه لم تكتمل. وتتجلى حكمة الشارع في قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر" تفسير : فجعل من ضمن تكليف الآباء أنْ يُكلِّفوا هم الأبناء في هذه السنِّ، لتكون لهم دُرْبة على طاعة الأمر والنهي في وقت ليس عليهم تكليف مباشر من الله تعالى. فإذا كبر الصغير يستقبل تكليفي كما استقبل تكليفك أولاً، وربُّك ما افتات عليك في هذه المسألة، فأعطاك حق التكليف بالصلاة، وأعطاك حق أنْ تعاقبه إنْ قصَّر، فأنت الذي تُكلِّف، وأنت الذي تعاقب. وأعفى المجنون لأن آلة الاختيار عنده غير سليمة وغير صالحة، وقلنا: إن علامة النضج في الإنسان أن يصير قادراً على إنجاب مثله، ومثَّلْنا لذلك بالثمرة التي لا تحلو إلا بعد نضجها، بحيث إذا أُكِلت زرعتَ بذرتها، فأنبتت ثمرة جديدة، وهكذا يحدث بقاء النوع وتستمر الدورة. فربك لا يريد أن تأكل أكلة واحدة، ثم تُحرم أو يُحرم مَنْ يأتي بعدك، إنما يريد أنْ تأكل ويأكل كل مَنْ يأتي بعدك، فلا تأخذ الثمرةُ حلاوتها إلا بعد نُضْج بذرتها، وصلاحيتها للإنبات. وقوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] يدل على أن الذين يتخذون مع الله شركاء غير عاقلين، وإلا فما معنى عبادة الأصنام أو الأشجار أو الشمس أو القمر؟ وقد قالوا بألسنتهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..} تفسير : [الزمر: 3]. فما هي العبادة؟ العبادة طاعة العابد لأمر المعبود ونَهْيه، إذن: بماذا أمرَتْكُم هذه الآلهة؟ وعَمَّ نهتْكُم؟ ما المنهج الذي وضعتْه لكم؟ ماذا أعدتْ لمن أطاعها من النعيم؟ وماذا أعدتْ لمن عصاها من العذاب؟ لا شيء إلا أنها آلهة بدون تكاليف، وما أيسرَ أنْ يعبد الإنسانُ إلهاً لا تكاليف له، لا يُقيدك فيما تحب من شهوات، ولا يُحمِّلك مشقة العبادة، وهنا يتضح عدم العقل. وأيضاً عدم العقل في ماذا؟ الله خلقك في كون فيه أجناس، والأجناس تحكمها سلسلة الارتقاء، فجنس أعلى من جنس، والجنس الأعلى في خدمة الجنس الأقل. ولو استقرأتَ أجناس الوجود تجد أن معك أيها الإنسان جنساً آخر يشاركك الحسَّ والحركة، لكن ليس له عقل واختيار بين البدائل؛ لأنه محكوم بالغريزة منضبط بها، وهذا هو الحيوان الذي لا ينفكُّ عن الغريزة أبداً. وسبق أنْ ضربنا مثلاً لذلك بالغريزة الجنسية عند الإنسان وعند الحيوان، وأن الله تعالى إنما جعلها للتكاثر وحِفْظ النوع، فالحيوان المحكوم بالغريزة يؤدي هذه المهمة للتكاثر ويقف بها عند حدِّها، فإذا لقَّح الذكر الأنثى يستحيل أنْ تمكِّنه من نفسها بعد ذلك، وهو أيضاً يشمُّ رائحة الأنثى، فإنْ كانت حاملاً ينصرف عنها. أما الإنسان فغير ذلك؛ لأن له شهوة تتحكم فيه، فالمرأة تتحمل مشقة الحمل وألم الولادة، ثم تربية المولود إلى أنْ يكبر، ولولا أن الله تعالى ربط حِفْظ النوع في الإنسان بشهوة هي أعنف شهوات النفس ما أقدمتْ المرأة على الحمل مرة أخرى. وما قُلْناه في غريزة الجنس نقوله في الطعام والشراب، الحيوان محكوم فيها بالغريزة المطلقة التي لا دَخْلَ للهوى فيها، فإذا شبع لا يأكل مهما حاولتَ معه، بل ونرى الحمار الذي نقول عنه إنه حمار لا يأكل عوداً واحداً بعد شِبَعه، ويمر على النعناع الأخضر مثلاً أو على الملوخية فلا يأكلها، ويذهب إلى الحشائش اليابسة، فهو يعرف طعامه بالغريزة التي جعلها الله فيه. أما الإنسان فيأكل حتى التُّخْمة، ثم لا ينسى بعد ذلك الحلو والبارد والمهضم .. الخ ذلك؛ لأنه أسير لشهوة بطنه، حتى إن من الناس مَنْ يغضب؛ لأنه شبع فهو يريد ألاَّ يفارق المائدة. وقد حدثنا رجال حديقة الحيوان بعد زلزال 1992 أنهم شاهدوا هياجاً في الحيوانات المحبوسة في الأقفاص قبل حدوث الزلزال، كان أولها الوطواط، ثم الزرافة، ثم التمساح، ثم القرود، ثم الحمير، وكأنهم يريدون تحطيم الأقفاص والخروج منها، بعدها حدث الزلزال. وكذلك ما شاهده أهل أغادير بالدار البيضاء قبل الزلزال الذي وقع بها، حيث شاهدوا الحمير تفك قيودها، وتفرّ هاربة إلى الخلاء، وبعدها وقع الزلزال. إذن: لدى هذه الحيوانات استشعار بالزلزال قبل أن يقع. وقد أعطانا الحق - سبحانه وتعالى - مثالاً لهذه الغريزة في قصة الغراب الذي علَّم الإنسان كيف يُواري الميت، فقال تعالى في قصة وَلَدَيْ آدم: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ..} تفسير : [المائدة: 31]. نعود إلى حديثنا عن أجناس الكون لبيان عدم عَقْل هؤلاء الذين جعلوا لله شركاء، فأجناس الوجود: الإنسان، ثم الحيوان، ثم النبات، ففيه حياة ونمو، ثم الجماد أقل الموجودات درجةً، وهو خادم للنبات وللحيوان وللإنسان، فكل جنس من هذه يخدم الجنس الأعلى منه. فماذا فعل الكفار حينما عبدوا الأصنام؟ جعلوا الجماد الذي هو أدنى المخلوقات أرقاها وأعظمها، جعلوه إلهاً يُعْبد، وهل هناك أقلّ عقلاً من هؤلاء؟ لذلك يقول الحق سبحانه: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن ضرب الأمثال بالفضل والأفضال بقوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ} [الروم: 28] يشير إلى الروح والقلب والسر والعقل {مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} معكم {هَلْ لَّكُمْ} [الروم: 28] يا روح وأتباعه. {مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [الروم: 28] أي: الأعضاء والجوارح والحواس والقوى التي نسبتها إليكم نسبة العبد مع المولى إلى {مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الروم: 28] كم من العلوم والكشوف والشواهد والمواهب الربانية يشاركونكم فيها، {فَأَنتُمْ فِيهِ} [الروم: 28] وهم في المواهب. {سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ} [الروم: 28] ألا تضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة فيها {كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} [الروم: 28] يعني: تصفية الروح عن القلب ألا يضيع شيئاً مما أفاض إليه من الفيض الإلهي والمواهب الربانية بأن يصرفها في غير موضعها رياءً وسمعة، وطلب مراد هواه عند إظهار شيء منها وتصفية القلب عن السر والعقل بأن تصرفها فيها بنوع من التصرفات الفاسدة التي تفسد العقائد، وتوقع في الشكوك والظنون الفاسدة والشبهات العقلية وغيرها من الآفات فكما لا يصلح هؤلاء لشركهم؛ لأنكم معهم بمثابة الملوك مع العبد، كذلك هم مع حسن استعدادكم في قبول الفيض الإلهي يا روح وأتباعه لا تصلحون أن تكونوا شركاء في كمالية ذاتي وصفاتي إذا تجليت عليكم، فبسطوات أنوار جمالي وجلالي تنمحي آثار ظلمات أوصافكم وبأنوار صفاتي تشاهدون صفاتي فتسبحوني أن أكون صرت حالاً فيكم، أو صرتم بعضاً مني أو تصيرون أنا، أو أصير أنتم، فإن "حديث : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّار"تفسير : ومن كبريائي ألا أكون جزءاً لأحد أو مثلاً ومن عظمتي أن لا يكون أحد جزئي ولا مثلي، وأنا الذي {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11]. ثم قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} [الروم: 28] نبينها ونشرحها {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28] يفهمون رموزنا وإشاراتنا في تنزيه ذاتنا وصفاتنا عن مشابهته في دعاوى الخلق ومشاكلهم، {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} [الروم: 29] بوضع الشبهات والحسابات من الدعاوى بالاتصال والاتحاد والحلول في غير موضعها، {أَهْوَآءَهُمْ} حتى قالوا ما قالوا بالهوى، {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الروم: 29] حقيقي فضلوا بمتابعة الهوى، {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} بالخذلان واتباع الهوى. {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [الروم: 29] في خلاصهم من خذلان الحق وبقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} [الروم: 30] يشير إلى أهل الطلب من المحب الصادق أي: أخلص قصدك إلى الله واحفظ عهدك مع الله، أقم عملك في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك لله حنيفاً مستقيماً في دينه ثابتاً في التوجه إليه، معرضاً عما سواه والزم {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] إذ كنت مع الله بلا غفلة مع غيره مستمعاً لخطابه مصيباً لجوابه، مشاهداً لوحدانية مخلصاً في توحيده، مفرداً لفردانيته، مفتخراً بعبوديته مستسلماً لأحكام ربوبيته، مستأنساً بشهود جماله، مستنيراً بأنوار جلاله. {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} [الروم: 30] أي: لا تحويل لما خلقهم، فطر الناس كلهم على التوحيد فأقام قلب من خلقه للتوحيد والسعادة وأزاغ قلب من خلقه للإلحاد والشقاوة {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} [الروم: 30] القائم بالحق لا يغيره البلاء ولا تعتريه الأهواء. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} [الروم: 30] أي: الناسين الله غير الذاكرين الله {لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] قدر التوجه إلى الله بالإعراض عما سواه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا مثل ضربه اللّه تعالى لقبح الشرك وتهجينه مثلا من أنفسكم لا يحتاج إلى حل وترحال وإعمال الجمال. { هَلْ لَكُمْ ممَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ } أي: هل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم وترون أنكم وهم فيه على حد سواء. { تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ } أي: كالأحرار الشركاء في الحقيقة الذين يخاف من قسمه واختصاص كل شيء بحاله؟ ليس الأمر كذلك فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم شريكا لكم فيما رزقكم اللّه تعالى. هذا، ولستم الذين خلقتموهم ورزقتموهم وهم أيضا مماليك مثلكم، فكيف ترضون أن تجعلوا للّه شريكا من خلقه وتجعلونه بمنزلته، وعديلا له في العبادة وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم؟ هذا من أعجب الأشياء ومن أدل شيء على [سفه] من اتخذ شريكا مع اللّه وأن ما اتخذه باطل مضمحل ليس مساويا للّه ولا له من العبادة شيء. { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } بتوضيحها بأمثلتها { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الحقائق ويعرفون، وأما من لا يعقل فلو فُصِّلَت له الآيات وبينت له البينات لم يكن له عقل يبصر به ما تبين ولا لُبٌّ يعقل به ما توضح، فأهل العقول والألباب هم الذين يساق إليهم الكلام ويوجه الخطاب. وإذا علم من هذا المثال أن من اتخذ من دون اللّه شريكا يعبده ويتوكل عليه في أموره، فإنه ليس معه من الحق شيء فما الذي أوجب له الإقدام على أمر باطل توضح له بطلانه وظهر برهانه؟ [لقد] أوجب لهم ذلك اتباع الهوى فلهذا قال: { بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } هويت أنفسهم الناقصة التي ظهر من نقصانها ما تعلق به هواها، أمرا يجزم العقل بفساده والفطر برده بغير علم دلهم عليه ولا برهان قادهم إليه. { فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ } أي: لا تعجبوا من عدم هدايتهم فإن اللّه تعالى أضلهم بظلمهم ولا طريق لهداية من أضل اللّه لأنه ليس أحد معارضا للّه أو منازعا له في ملكه. { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } ينصرونهم حين تحق عليهم كلمة العذاب، وتنقطع بهم الوصل والأسباب.

همام الصنعاني

تفسير : 2275- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ}: [الآية: 28]، قال: هذا مَثَلٌ ضُرِبَ للمشركين يقول: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} يقول: ليس من أحَدٍ يرضى لنفسِهِ أن يشاركه غيره في ماله ونفسه وزوجه حتى يكون مثله، يقول: فقد رضِيَ بذلك ناسٌ لله، فجعلوا معه إلهاً شريكاً.