Verse. 3438 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

بَلِ اتَّبَعَ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْۗا اَہْوَاۗءَہُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ۝۰ۚ فَمَنْ يَّہْدِيْ مَنْ اَضَلَّ اؙ۝۰ۭ وَمَا لَہُمْ مِّنْ نّٰصِرِيْنَ۝۲۹
Bali ittabaAAa allatheena thalamoo ahwaahum bighayri AAilmin faman yahdee man adalla Allahu wama lahum min nasireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«بل اتبع الذين ظلموا» بالإشراك «أهواءَهم بغير علمٍ فمن يهدي من أضل الله» أي: لا هادي له «وما لهم من ناصرين» مانعين من عذاب الله.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : أي لا يجوز أن يشرك بالمالك مملوكه ولكن الذين أشركوا اتبعوا أهواءهم من غير علم وأثبتوا شركاء من غير دليل، ثم بين أن ذلك بإرادة الله بقوله: {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } أي هؤلاء أضلهم الله فلا هادي لهم، فينبغي أن لا يحزنك قولهم، وههنا لطيفة وهي أن قوله: {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } مقو لما تقدم وذلك لأنه لما قال لأن الله لا شريك له بوجه ما ثم قال تعالى بل المشركون يشركون من غير علم، يقال فيه أنت أثبت لهم تصرفاً على خلاف رضاه والسيد العزيز هو الذي لا يقدر عبده على تصرف يخالف رضاه، فقال: إن ذلك ليس باستقلاله بل بإرادة الله وما لهم من ناصرين، لما تركوا الله تركهم الله ومن أخذوه لا يغني عنهم شيئاً فلا ناصر لهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك. {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} أي لا هادي لمن أضله الله تعالى. وفي هذا ردّ على القدرية. {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } بالإِشراك {أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } أي لا هادي له {وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ } مانعين من عذاب الله.

ابن عطية

تفسير : الإضراب بـ {بل} هو عما تضمنه معنى الآية المتقدمة، كأنه يقول: ليس لهم حجة ولا معذرة فيما فعلوا من تشريكهم مع الله تعالى، بل اتبعوا أهواءهم جهالة وشهوة وقصداً لأمر دنياهم، ثم قرر على جهة التوبيخ لهم على من يهدي إذا أضل الله، أي لا هادي لأهل هذه الحال، ثم أخبر أنه لا ناصر لهم، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بإقامة وجهه للدين المستقيم وهو دين الإسلام، وإقامة الوجه هي تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين، وذكر الوجه لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه، و {حنيفاً} ، معناه معتدلاً مائلاً عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة، وقوله {فطرةَ الله} نصب على المصدر، كقوله {أية : صبغة الله} تفسير : [البقرة: 138] وقيل هو نصب بفعل مضمر تقديره اتبع والتزم {فطرة الله}، واختلف الناس في "الفطرة" ها هنا، فذكر مكي وغيره في ذلك جميع ما يمكن أن تصرف هذه اللفظة عليه وفي بعض ذلك قلق، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل التي هي معدة مهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه قال {فأقم وجهك للدين} الذي هو الحنيف وهو {فطرة الله} الذي على الإعداد له فطر البشر لكن تعرضهم العوارض، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه" تفسير : الحديث، فذكر الأبوين: إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة وقوله تعالى: {لا تبديل لخلق الله} يحتمل تأويلين: أحدهما أن يريد بها هذه الفطرة المذكورة أي اعلم أن هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخلق، ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه، والآخران أن يكون قوله {لا تبديل لخلق الله} إنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول أقم وجهك للدين الذي من صفته كذا وكذا فإن هؤلاء الكفار قد خلق الله لهم الكفر ولا تبديل لخلق الله أي إنهم لا يفلحون، وقال مجاهد: المعنى لا تبديل لدين الله، وهو قول ابن جبير والضحاك وابن زيد والنخعي. قال القاضي أبو محمد: وهذا معناه لا تبديل للمعتقدات التي هي في الدين الحنيف فإن كل شريعة هي عقائدها، وذهب بعض المفسرين في هذه الآية إلى تأويلات منها قول عكرمة، وقد روي عن ابن عباس {لا تبديل لخلق الله} معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان، ومنها قول بعضهم في الفطرة الملة على أنه قد قيل في الفطرة الدين وتأول قوله {فطر الناس} على الخصوص أي المؤمنين، وقيل "الفطرة" هو العهد الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم حين أخرجهم نسماً من ظهره، ونحوه حديث معاذ بن جبل حين مر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال يا معاذ ما قوام هذه الأمة؟ قال: الإخلاص وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والصلاة وهي الدين والطاعة وهي العصمة فقال عمر: صدقت، و {القيم} بناء مبالغة من القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، وقوله {منيبين} يحتمل أن يكون حالاً من قوله {فطر الناس عليها} لا سيما على رأي من رأى أن ذلك خصوص في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالاً من قوله {أقم وجهك} وجمعه لأن الخطاب بإقامة الوجه للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته، نظيرها قوله {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} تفسير : [الطلاق: 1]، والمنيب الراجع المخلص المائل إلى جهة ما بوده ونفسه، و"المشركون" المشار إليهم في هذه الآية هم اليهود والنصارى، قاله قتادة وقال ابن زيد: هم اليهود، وقالت عائشة وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. قال الفقيه الإمام القاضي: فلفظة الإشراك على هذا فيها تجوز فإنهم صاروا في دينهم فرقاً، و"الشيع" الفرق واحدها "شيعة"، وقوله {كل حزب بما لديهم فرحون} معناه أنهم مفتونون بآرائهم معجبون بضلالهم، وذلك أضل لهم، وقرأت فرقة "فارقوا دينهم" بالألف.

النسفي

تفسير : {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أنفسهم بما أشركوا كما قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] {أَهْوَاءهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي اتبعوا أهواءهم جاهلين {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } أي أضله الله تعالى {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } من العذاب. {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ } فقوم وجهك له وعد له غير ملتفت عنه يميناً ولا شمالاً، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه واهتمامه بأسبابه، فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوم له وجهه {حَنِيفاً } حال عن المأمور أو من الدين {فِطْرَةَ ٱللَّهِ } أي الزموا فطرة الله والفطرة الخلقة، ألا ترى إلى قوله {أية : لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ }تفسير : [الروم: 30] فالمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد والإسلام غير نائين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوباً للعقل مساوقاً للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما اختاروا عليه ديناً آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن والإنس ومنه قوله عليه السلام «حديث : كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري»تفسير : وقوله عليه السلام «حديث : كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه»تفسير : وقال الزجاج: معناه أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به على ما جاء في الحديث «حديث : إن الله عز وجل آخرج من صلب آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم»تفسير : فقال {وإذ أخذ ربك} إلى قوله {أية : قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] وكل مولود هو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى خالقها. فمعنى فطرة الله دين الله {ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا } أي خلق {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير. وقال الزجاج: معناه لا تبديل لدين الله ويدل عليه ما بعده وهو قوله {ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } أي المستقيم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } حقيقة ذلك.

ابن عادل

تفسير : قوله: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي لا يجوز أن يشرك مالك ممولكه ولكن الذين ظلموا أي أشركوا اتبعوا أهواءهم في الشرك {مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ} أي من غير دليل جهلاً بما يجب عليهم، ثم بين أن ذلك بإرادة الله بقوله: {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} أي هَؤلاء أَضَلَّهم الله فلا هاديَ لهم فلا يحزنْك قَوْلُهُمْ ثم قال: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} مانعين يمنعونهم من عذاب الله - عز وجل -. قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} أي أخلص دينك لله قال سعيد بن جبير: وإقامة الوجه إقامة الدين. وقال غيره: سَدِّدُ عملَكَ. والوجه ما يتوجه إليه، وقيل: أقبل بكُلِّكَ على الدين. عبر عن الذات بالوجه كقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88] أي ذاته بصفاته. قوله: "حَنِيفاً" حال من فاعل "أقم" أو من مفعوله، أو من "الدِّين" ومعنى حنيفاً مائلاً إليه مستقيماً عليه، ومِلْ عن كل شيء لا يكون في قلبك شيء آخر، وهذا قريب من معنى قوله: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [القصص: 87]. قوله: "فِطْرَةَ اللَّهِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كقوله: {أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 138] و {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ}تفسير : [النمل: 88]. والثاني: أنه منصوب بإضمار فعل. قال الزمخشري: وإنما أضمره على خطاب الجماعة لقوله: "مُنِيبِينَ إِلَيْهِ" وهو حال من الضمير في "الْزَمُوا". وقوله: {واتَّقُوهُ وأَقِيمُوا... وَلاَ تَكُونُوا} معطوف على هذا المضمر، ثم قال: "أو عليكم فطرةَ الله" ورد أبو حيان بأن كلمة الإغراء لا تضمر، إذ هي عِوَضٌ عن الفعل فلو حذفها لزم حذف العِوَضِ والمُعَوَّضِ عنه وهو إجحاف. قال شهاب الدين: هذا رأي البصريين وأما الكسائي وأتباعه فيجيزون ذلك. فصل ومعنى فطرة الله: دين الله وهو التوحيد فإن الله فطر الناس عليه حيث أخرجهم من ظهر آدم وسألهم: {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172] وقال عليه السلام "حديث : مَا مِنْ مَوْلُودِ إِلاَّ وَهُوَ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ وَإِنَّمَا أَبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانه ويمجّسانه"تفسير : فقوله: "على الفطرة"، يعني على العهد الذي أخذه عليهم بقوله: {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الفطرة التي وقع الخلق عليها وإن عبد غيره قال الله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزخرف: 87] {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر: 3] ولكن لا عبرة بالإيمان الفِطْريِّ في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعُ المأمور به، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين. وقيل: الآية مخصوصة بالمؤمنين وهم الذين فطرهم الله على الإسلام، روي عن عبد الله بن المبارك قال معنى الحديث: إن كل مولود يولد على فِطرته أي على خلقته التي جُبِلَ عليها في علم الله تعالى من السعادة والشقاوة فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها فمن أمارات الشقاء أن يُولَد بين يَهْودِيَّيْنِ أو نَصْرَانِيِّيْنِ فيحملانه لشقائه على اعتقاده دينهما، وقيل: معنى الحديث أن كل مولود في مَبْدأ الخلقة على الفطرة أي على الجبلّة السليمة والطبع المنهيّ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين موجود حُسْنُهُ في العقول، وإنما يَعْدِلُ عنه من يَعْدِلُ إلى غيره لآفة من النُّشوءِ والتقليد فمن يَسْلَمْ من تلك الآفات لم يعتقد غيره، ذكر هذه المعاني أبو سليمان الخَطَّابيُّ في كتابه. قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} فمن حمل الفِطرة على الدين قال معناه: لا تبديل لدين الله، فهو خبر بمعنى النهي، أي لا تُبَدِّلُوا التوحيد بالشرك. وقيل: هذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال عكرمة ومجاهد: معناه تحريم إخصاء البهائم، ثم قال: {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} المستقيم الذي لا عوج فيه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن ذلكَ هُوَ الدينُ المستقيمُ. قوله: "مُنِيبِينَ" حال من فاعل "الْزمُوا" المضمر كما تقدم، أو من فاعل "أَقِمْ" على المعنى لأنه ليس يراد به واحدُ بعينه، وإنما المراد الجميع، وقيل: حال من "النَّاسِ" إِذَا أريد بهم المؤمنون، وقال الزجاج بعد قوله: "وَجْهَكَ" معطوف تقديره "فَأَقِمْ وَجْهَكَ وأُمَّتَكَ" فالحال من الجميع، وَجَازَ حذف المعطوف لدلالة "مُنِيبِينَ" عليه، كما جاز حذفه في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} أي والناسُ لدلالة: "إِذَا طَلَّقْتُمْ" عليه، كذا زعم الزجاج، في {أية : يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}تفسير : [الطلاق: 1] وقيل: على خبر كان، أي كُونُوا مُنِيبِينَ، لدلالة قَوْلِهِ: "وَلاَ تَكُونُوا". فصل معنى منيبين إليه أي مُقْبِلِينَ عليه بالتوبة والطاعة، "وَاتَّقُوهُ" إي إِذَا أقبلتم عليه، وتركتم الدنيا، فلا تأمنوا فتتركوا عبادته بل خافوه وداوموا على العبادة "وأَقِيمُوا الصَّلاَةَ" ولا تَكُونُوا مِنَ المشركِينَ؛ بإِعادة العامل. وتقدم قراءتا "فَرَّقُوا، وَفَارَقُوا" وتفسير "الشِّيَعِ" أيضاً. قوله: "فَرِحُونَ" الظاهر أنه خبر عن "كل حزب"؛ وجوز الزمخشري أن يرتفع صفة "لكُلّ" قال: ويجوز أن يكون "من الذين" منقطعاً مما قبله ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب فَرِحينَ بما لديهم، ولكنه رفع "فَرِحِين" وصفاً لكل كقوله: شعر : 4042 - وَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاضِمِ نَفْسِهِ ............................. تفسير : قال أبو حيان: قدر أولاً "فَرِحِينَ" مجروراً صفة "لِرَجُلٍ" وهو الأكثر كقوله: شعر : 4043 - جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ تفسير : وجاز الرفع نعتاً "لكُلّ" كقوله: شعر : 4044 - وَلِهَتْ عَلَيْهِ كُلُّ مُعْصِفَةٍ هَوْجَاءُ لَيْسَ لِلُبِّهَا زَبْرُ تفسير : وهو تقدير حسن.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الآية: 29]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: الظالم من أتبع نفسه هواها ومن فعل ذلك أعرض عن الحق ومن أعرض عن الحق حرم عليه الرجوع الى الحق فإن الحق عزيز والطريق إليه عزيز.

القشيري

تفسير : أشدُّ الظلمِ متابعةُ الهوى، لأنه قريبٌ من الشِّرْكِ، قال تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23]. فَمَنْ اتَّبَعَ هواه خالف رضا مولاه؛ فهو بوضعه الشيءَ غيرَ موضعه صار ظالماً، كما أَنَّ العاصيَ بوضعه المعصيةَ موضعَ الطاعةِ ظالمٌ.. كذلك هذا بمتابعة هواه بَدَلاً عن موافقة ومتابعة رضا مولاه صار في الظلم متمادياً.

اسماعيل حقي

تفسير : فقال {بل اتبع الذين ظلموا} اى لم يعقلوا شيئا بل اتبعوا {اهواءهم} [آرزهاى خودرا]. والهوى ميل النفس الى الشهوة ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بانهم فى ذلك الاتباع ظالمون {بغير علم} اى حال كونهم جاهلين مااتوا لا يكفهم عنه شئ فان العالم اذا اتبع هواه ربما ردعه علمه {فمن يهدى من اضل الله} اى خلق فيه الضلالة بصرف اختياره الى كسبها: وبالفارسية [يس كيست كه راه نمايد بسوى توحيد كمكردة الله را] اى لا يقدر على هدايته احد {ومالهم} اى لمن اضله الله تعالى والجمع باعتبار المعنى والمراد المشركون {من ناصرين} يخلصونهم من الضلال ويحفظونهم من آفاته اى ليس لاحد منهم ناصر واحد على ما هو قاعدة مقابلة الجمع بالجمع. قال فى كشف الاسرار [درين آيت اثبات اضلال ازخداو نداست وبعض آيات اثبات ضلال ازبنده است وذلك فى قوله تعالى {أية : قد ضلوا من قبل} تفسير : قدريان منكراند مر اضلال ازخداوند جل جلاله وكويند همه ازبنده است وجبريان منكراند مر ضلال را ازبنده كه ايشان بنده را اختيار نكويند وكويند همه ازالله است واهل سنت هردو اثبات كنند اضلال ازخداوند تعالى واختيار ضلال ازبنده وهرجه درقر آن ذكر اضلال وضلا لست هم برين قاعده است كه ياد كرديم وفى المثنوى] شعر : درهر آن كارى كه ميلستت بدان قدرت خودرا همى بينى عيان درهر أن كارى كه ميلت نيست خواست اندران جبرى شدى كين ازخداست انبيا دركار دنيا جبريند كافران دركار عقبى جبريند انبيارا كار عقبا اختبار جاهلانرا كار دنيا اختيار تفسير : وفى الآية اشارة الى ان العمل بمقتضى العقل السليم هدى والميل الى التقليد للجهلة هوى فكما ان اهل الهدى منصورون ابدا فكذا اهل الهوى مخذولون سرمدا والى ان الخذلان واتباع الهوى من عقوبات الله المعنوية فى الدنيا فلا بد من قرع باب العفو بالتوبة والسلوك الى طريق التحقيق والاعراض عن الهوى والبدعة فانهما شر رفيق: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : غبار هوى جشم عقلت بدوخت سموم هوس كشت عمرت بسوخت وجود توشهر يست برنيك وبد توسلطان دستور دانا خرد هوا وهوس را نماند ستيز جوبينند سربنجة عقل تيز تفسير : واعلم ان من الهوى ما هو مذموم وهو الميل الى الدنيا وشهواتها والى ما سوى الله ومنه ما هو ممدوح وهو الميل الى العقبى ودرجاتها بل الى الله تعالى بتجريد القلب عما سواه. قال بعضهم ناولت بعض الشبان من ارباب الاحوال دريهمات فابى ان يأخذ فالححت عليه فالقى كفا من الرمل فى ركوته فاستقى من ماء البحر وقال كل فنظرت فاذا هو سويق سكره كثير فقال من كان حاله معه هذا يحتاج الى دراهمك ثم انشأ يقول شعر : بحق الهوى يا اهل ودى تفهموا لسان وجود بالوجود غريب حرام على قلب تعرض للهوى يكون لغير الحق فيه نصيب تفسير : فعلى السالك ان يسأل الله الهداية الى طريق الهوى العشق والوصول الى منزل الذوق فى مقعد صدق فان كل ما سوى الله تعالى هو وبال وصورة وخيال فمن اراد المعنى فلينتقل اليه من المبنى

الجنابذي

تفسير : {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} وهذا اضراب عن مقدّرٍ كأنّه قيل: هل لهم برهان مع وضوح بطلان الاشراك؟- فقال: ليس لهم برهان بل اتّبع الّذين ظلموا انفسهم بالاشراك بالله ما لم يأذن به الله، ووضع الظّاهر موضع المضمر ذمّاً لهم بذلك {أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} يعنى فأضلّهم الله بالخذلان ولا يهدى احد من اضلّه الله {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} ينصرونهم من عذاب الله.

اطفيش

تفسير : {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} اشركوا ان الشرك لظلم عظيم وشركهم ظلم لانفسهم. {أَهْوَاءَهُم} في الاشراك. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} جهلاء يهيمون لا يكفهم شيء بخلاف العالم فانه اذا ركب هواه ربما ردعه علمه. {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ} لا هادي له. {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} مانعين من عذاب الله وقيل من الضلالة وآفاتها قيل وهو دليل على ان الاضلال الخذلان واقول: الاضلال الخذلان قطعا ووجه كون ذلك دليلا غير واضح.

اطفيش

تفسير : {بل اتَّبع الَّذين ظلَمُوا} الاصل بل اتبعوا، ولكن ذكرهم باسم الظلم والغيبة ذما لهم به، ووصفا لهم بوضع الشئ فى غير موضعه، وتصريحا بموجب عذابهم، واعراضا عن خطابهم لدخولهم فى الكفر دخولا لا يعقبه خروج منه {أهْواءهم بغيْر علمٍ} فهم لا ينصرفون عن الكفر لو كان لهم علم بشئ من الدين محقق لأمكن رجوعهم الى الحق، فان الفاسق الجاهل المنهمك، قد يرجع عن السوء بعلمه، فاعترافهم بالله غير محقق، {فَمنْ يَهْدي مَن أضلَّ الله} لا هادى له {وما لَهُم من ناصرين} عائد الى من باعتبار معناها ويترجح بها تقدير رابط الموصول جمعا، اى فمن يهدى من أضلهم الله، وناصرين مبتدأ لقوله: {لهم} او فاعله، ومن صلة، والمراد ناصرين من الضلال وعقابه، وهذا عموم او اظهار مقام ضمير الذين ظلموا وصفا بضلال لا هداية له، فالاصل فمن يهديهم.

الالوسي

تفسير : {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } إعراض عن مخاطبتهم ومحاولة إرشادهم إلى الحق بضرب المثل وتفصيل الآيات واستعمال المقدمات الحقة المعقولة وبيان لاستحالة تبعيتهم للحق كأنه قيل: لم يعقلوا شيئاً من الآيات المفصلة بل اتبعوا {أَهْوَاءهُمْ } الزائغة، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بأنهم في ذلك الاتباع ظالمون واضعون للشيء في غير موضعه أو ظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد {بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي جاهلين يبطلان ما أتوا منكبين عليه لا يصرفهم عنه صارف حسبما يصرف العالم إذا اتبع الباطل علمه ببطلانه {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } أي خلق فيه الضلال وجعله كاسباً له باختياره {وَمَا لَهُمْ } أي لمن أضله الله تعالى، والجمع باعتبار المعنى {مّن نَّـٰصِرِينَ } يخلصونهم من الضلال / ويحفظونهم من تبعاته وآفاته على معنى ليس لواحد منهم ناصر واحد على ما هو المشهور في مقابلة الجمع بالجمع، {وَمِنْ } مزيدة لتأكيد النفي.

ابن عاشور

تفسير : إضراب إبطالي لما تضمنه التعريض الذي في قوله {أية : كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون}تفسير : [الروم: 28] إذ اقتضى أن الشأن أن ينتفع الناس بمثل هذا المثل فيُقلع المشركون منهم عن إشراكهم ويَلِجُوا حظيرة الإيمان، ولكنهم اتبعوا أهواءهم وما تسوله لهم نفوسهم ولم يطلبوا الحق ويتفهموا دلائله فهم عن العلم بمنأى. فالتقدير: فما نفعتهم الآيات المفصلة بل اتبعوا أهواءهم. و{أية : الذين ظلموا} تفسير : [لقمان: 13]: المشركون {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13] وتقييد اتباع الهوى بأنه بغير علم تشنيع لهذا الاتباع فإنه اتباع شهوة مع جهالة، فإن العالم إذا اتبع الهوى كان متحرزاً من التوغل في هواه لعلمه بفساده، وليس ما هنا مماثلاً لقوله تعالى {أية : ومن أضل مِمنّ اتبع هواه بغير هدىً من الله}تفسير : [القصص: 50] في أنه قيد كاشف من حيث إن الهوى لا يكون إلا ملتبساً بمغايرة هدى الله. والفاء في {فَمَن يهدي} للتفريع، أي يترتب على اتباعهم أهواءهم بغير علم انتفاء الهدى عنهم أبداً. و{مَن} اسم استفهام إنكاري بمعنى النفي فيفيد عموم نفي الهادي لهم، إذ التقدير: لا أحد يهدي من أضل الله لا غيرُهم ولا أنفسُهم، فإنهم من عموم ما صدق {مَن يَهدي}. ومعنى {من أضل الله}: مَن قَدَّر له الضلال وطبع على قلبه، فإسناد الإضلال إلى الله إسناد لتكوينه على ذلك لا للأمر به وذلك بيّن. ومعنى انتفاء هاديهم: أن من يحاوله لا يجد له في نفوسهم مسلكاً. ثم عطف على جملة نفي هداهم خبرٌ آخر عن حالهم وهو {ما لهم من ناصرين} ردّاً على المشركين الزاعمين أنهم إذا أصابوا خطيئة عند الله أن الأصنام تشفع لهم عند الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {نَّاصِرِينَ} (29) - وَلكِنَّ الذِينَ ظَلمُوا أَنْفُسَهُمْ بكُفْرِهِمْ باللهِ، قَدِ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ جَهْلاً مِنهُمْ بحَقِّ اللهِ عَلَيهِمْ، وَعَظَمَتهِ، فَأَشْرَكُوا الأَصْنَامَ والأَوْثَانَ مَعَهُ في العِبَادَةِ، وَلا حُجَّةَ وَلا دَليلَ لَهُم في عَبَادَتِها، فَمَنْ ذَا الذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدِيَ بَشَراً قَدْ خَلَقَ اللهُ فيهِ الاسْتِعْدَادَ لِلضَّلاَلَةِ؟ وَهؤلاءِ الظَّالِمُونَ لأنفُسِهِمْ ليسَ لًَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنْ قَضَاءِ اللهِ وقدَرِهِ، وَلا مَنْ يُجِيرُهُمْ مِنْ بَأْسِهِ وَعِقَابِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : اتبعوا أهواءهم؛ لأنهم اختاروا عبادة مَنْ لا منهجَ له ولا تكليف، عبدوا إلهاً لا أمر له ولا نهي، لا يرتب على التقصير عقوبة، ولا على العمل ثواباً، وهذا كله من وحي الهوى الذي اتبعوه. إياك أن تُقدِّم الهوى على العقل؛ لأنك حين تُقدِّم الهوى يصير العقل عقلاً تبريرياً، يحاول أنْ يعطيك ما تريد بصرف النظر عن عاقبته، لكن بالعقل أولاً حدِّد الهوى، ثم اجعل حركة حياتك تبعاً له. والبعض يظن أن الهوى شيء مذموم على إطلاقه، لكن الهوى الواحد غير مذموم، أما المذموم فهي الأهواء المتعددة المتضاربة؛ لأن الهوى الواحد في القلب يُجنِّد القالب كله لخدمة هذا الهوى، فحين يكون هواى أنْ أذهب إلى مكان كذا، فإن القالب يسعى ويخطط لهذه الغاية، فيحدد الطريق، ويُعد الزاد، ويأخذ بأسباب الوصول. وهذا الهوى الواحد هو المعنىّ في الحديث الشريف: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" تفسير : فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع أن يكون للإنسان هوى تميل إليه نفسه وتحبه؛ لأن ذلك الهوى يُعينه على الجهاد والكفاح في حركة الحياة. أما حين تتعدد الأهواء فَلَك محبوب، ولي محبوب آخر، فإنها لا شكَّ تتعارض وتتعاند، والله تعالى يريد من المجتمع الإيماني أن تتساند كل أهوائه، وأن تتعاضد لا تتعارض، وأن تتضافر لا تتضارب؛ لأن تضارب الأهواء يُبدِّد حركة الحياة ويضيع ثمرتها. أمّا إنْ كان هواي هو هواك، وهو هوى ليس بشرياً، إنما هوى رسمه لنا الخالق - عز وجل - فسوف نتفق فيه، وتثمر حركة حياتنا من خلاله {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14]. وسبق أنْ قُلْنا: إن صاحب الصَّنْعة في الدنيا يجعل معها كتالوجاً يُبيِّن طريقة صيانتها، والحق - سبحانه وتعالى - هو الذي خلقك، وهو الذي يُحدِّد لك هواك، وأول فشل في الكون أن الناس المخلوقين لله يريدون أنْ يضعوا للبشر قانون صيانتهم من عند أنفسهم. ونقول: هذا لا يصح؛ لأن الذي يُقنِّن ويضع للناس ما يصونهم ينبغي أن تتوفر فيه شروط: أولها: أن يكون على علم محيط لا يستدرك عليه، وأنت أيها الإنسان عِلْمك محدود كثيراً ما تستدرك أنت عليه بعد حين، ويتبين لك عدم مناسبته وعدم صلاحيته. بل وتتبين أنت بنفسك فساد رأيك فترجع عنه إلى غيره، كما يجب على مَنْ يشرِّع للناس الهوى الواحد أن يكونوا جميعاً بالنسبة له سواء، وألا ينتفع هو بما يشرِّع، وإلا لو كانت له منفعة فإنه سوف يميل إلى ما ينفعه، فلا يكون موضوعياً كما رأينا في الشيوعية وفي الرأسمالية وغيرها من المذاهب البشرية. والحق - سبحانه وتعالى - هو وحده الذي لا يُستْدرك عليه؛ لأن علمه محيط بكل شيء لا تخْفى عليه خافية، والخَلْق جميعاً الذين يشرع لهم أمامه سواء، وكلهم عباده، لا يحابي منهم أحداً، ولا يميز أحداً على أحد، وليس له سبحانه من خَلْقه صاحبة ولا ولد. لذلك يطمئننا سبحانه بقوله: {أية : وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} تفسير : [الجن: 3]. وكأن الله تعالى يقول: اطمئنوا، فربّكم ليس له صاحبة تُؤثِّر عليه، ولا ولد يُحابيه، فالصاحبة والولد نقطة الضعف، وسبب الميْل في مسألة التشريع. وكذلك هو سبحانه لا ينتفع بما يُشرِّعه لنا، لأنه سبحانه خلقنا بقدرته، وهو الغني عنَّا لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، إذن: فهو سبحانه وحده المستكمل لشروط التشريع، والمستحق لها سبحانه، وبيان الهوى الواحد الذي يجتمع عليه كل الخَلْق. وسبق أن ذكرنا في مسألة التشريع أنه لا ينبغي أن تنظر إلى ما أُخِذ منك، بل قارن بين ما أخذتَ وما أعطيتَ، فالذي منعك أنْ تعتدي على الآخرين وأنت فرد واحد منع الخَلْق جميعاً أنْ يعتدوا عليك، فالتشريع إذن في صالحك أنت. إذن: لو عقلنا لأخذنا هوانا الواحد من إله واحد هو الله - عز وجل - لكن الخيبة أنهم ما استمعوا هذا الكلام وما عقلوه. {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ..} [الروم: 29] ظلموا لأنهم عزلوا الهوى الواحد، ونَحَّوْه جانباً، وأخذوا أهواءً شتى تعارضتْ وتضاربت، فلم يصلوا منها إلى نتيجة. وما ظلموا بالشرك إلا أنفسهم، والله تعالى يقول: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] ظلموا أنفسهم حينما أعطوها شهوة عاجلة ولذة فانية، وغفلوا عن عاقبة ذلك، فهم إما كارهون لأنفسهم، أو يحبونها حباً أحمق، وهذه آفة الهوى حينما يسبق العقل ويتحكم فيه. وقوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ ..} [الروم: 29] أولاً: ما هو العلم؟ في الكون قضايا نجزم بها، فإنْ كان ما نجزم به مطابقاً للواقع ونستطيع أن ندلل عليه - كما نُعلِّم مثلاً الولد الصغير: الله أحد، فإن استطاع أن يدلل عليها فهي عِلْم، وإنْ لم يستطع فهي تقليد. وكمن يقول مثلاً: الأرض كروية وهي فعلاً كذلك، أما مَنْ يكابر حتى الآن ويقول ليست كروية، والواقع أنها كروية، فهذا جهل. إذن: نقول ليس الجهل ألاَّ تعلم، إنما الجهل أنْ تعلم قضية على خلاف الواقع؛ لذلك نُفرِّق بين الجاهل والأمي: الأمي خالي الذِّهْن ليست لديه قضية من أساسه، فإنْ أخبرته بقضية أخذها منك دون عناد، ودون مكابرة أمّا الجاهل فعنده قضية خاطئة معاندة، فيحتاج منك أولاً لأنْ تُخرِج القضية الفاسدة لتُلِقي إليه بالقضية الصحيحة. فإنْ كانت القضية لا تصل إلى مرتبة أنْ نجزم بها، فتنظر: إنْ تساوى الإثبات فيها مع النفي فهي الشك، إذن: فالشكُّ قضية غير مجزوم بها يستوي فيها الإثبات والنفي، فإنْ غلَّبْتَ جانب الإثبات ورجَّحته فهو ظن، أما إنْ غلَّبت جانب النفي فهو وهم. فعندنا - إذن - من أنواع القضايا: علم، وجهل وتقليد، وظن، ووَهْم. فالحق سبحانه يريد الهوى الذي تخدمه حركة حياتنا هوى عن علم وعن قضية مجزوم بها، مطابقة للواقع، وعليها دليل، لكن ما دام هؤلاء قد اتبعوا أهواءهم المتفرقة، وأخذوها بدون أصولها من العلم، فسوف أكمل لهم ما أرادوا وأعينهم على ما أحبُّوا {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ..} [الروم: 29] فقد ألغواْ عقولهم وعطَّلوها وعشقوا الكفر بعد ما سُقْنا لهم الأدلة والبراهين. إذن: لم يَبْقَ إلا أنْ أعينكم على ما تعتقدون، وأنْ أساعدكم عليه، فأختم على قلوبكم، فلا يدخلها إيمان ولا يفارقها كفر، لأنني رب أعين عبدي على ما يريد. وهكذا يُضِل الله هؤلاء، بمعنى: يعينهم على ما هم عليه من الضلال بعد أنْ عَشِقَوه، كما قال سبحانه: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} تفسير : [البقرة: 7]. لذلك نحذر الذين يصابون بمصيبة، ثم لا يَسْلُون، ولا ينسون، ويلازمون الحزن، نحذرهم ونقول لهم: لا تدعوا باب الحزن مفتوحاً، وأغلقوه بمسامير الرضا، وإلا تتابعتْ عليكم الأحزان؛ لأن الله تعالى رب يُعين عبده على ما يحب، حتى الساخط على قدره تعالى. فالمعنى {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ..} [الروم: 29] يعني: مَنْ ينقذه؟ ومَنْ يضع له قانون صيانته إنْ تخلَّى عنه ربه وتركه يفعل ما بدا له؟ لا أحد. وأنت إذا نصحتَ صاحبك وكررتَ له النصْح فلم يُطعْك تتخلى عنه، بل إن أحد الحكماء يقول: انصح صاحبك من الصبح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فإنْ لم يطاوعك ضلّله - أو أكمل له بقية النهار غِشّاً. وسبق أن تحدثنا عن الطريقة الصحيحة في بحث القضايا لتصل إلى الحكم الصائب فيها، فلا تدخل إلى العلم بهوى سابق، بل أخرج كل ما في قلبك يؤيد هذه القضية أو يعارضها، ثم ابحث القضية بموضوعية، فما تقتنع به الموازين العقلية وتُرجِّحه أدخله إلى قلبك. والذي يُتعب الناس الآن أن نناقش قضية الإسلام مثلاً وفي القلب مَيْل للشيوعية مثلاً، فننتهي إلى نتيجة غير سليمة. ثم يقول سبحانه: {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [الروم: 29] يعني: يا ليت لهم مَنْ ينقذهم إنْ أضلَّهم الله فختم على قلوبهم، فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، فليس لهم من الله نصير ينصرهم، ولا مجير يجيرهم من الله، وهو سبحانه يجير ولا يُجَار عليه. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ...}.