Verse. 3439 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

فَاَقِـمْ وَجْہَكَ لِلدِّيْنِ حَنِيْفًا۝۰ۭ فِطْرَتَ اللہِ الَّتِيْ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْہَا۝۰ۭ لَا تَبْدِيْلَ لِخَلْقِ اؘ۝۰ۭ ذٰلِكَ الدِّيْنُ الْـقَيِّمُ۝۰ۤۙ وَلٰكِنَّ اَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۳۰ۤۙ
Faaqim wajhaka lilddeeni haneefan fitrata Allahi allatee fatara alnnasa AAalayha la tabdeela likhalqi Allahi thalika alddeenu alqayyimu walakinna akthara alnnasi la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأقم» يا محمد «وجهك للدين حنيفا» مائلا إليه: أي أخلص دينك لله أنت ومن تبعك «فطرتَ الله» خلقته «التي فطر الناس عليها» وهي دينه أي: الزموها «لا تبديل لخلق الله» لدينه أي: لا تبدلوه بأن تشركوا «ذلك الدين القيّم» المستقيم توحيد الله «ولكن أكثر الناس» أي كفار مكة «لا يعلمون» توحيد الله.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } أي إذا تبين الأمر وظهرت الوحدانية ولم يهتد المشرك فلا تلتفت أنت إليهم وأقم وجهك للدين، وقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ } أي أقبل بكلك على الدين عبر عن الذات بالوجه كما قال تعالى: { أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] أي ذاته بصفاته، وقوله: {حَنِيفاً } أي مائلاً عن كل ما عداه أي أقبل على الدين ومل عن كل شيء أي لا يكون في قلبك شيء آخر فتعود إليه، وهذا قريب من معنى قوله: { أية : وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [الروم: 31] ثم قال الله تعالى: {فطرت ٱللَّهِ } أي الزم فطرة الله وهي التوحيد فإن الله فطر الناس عليه حيث أخذهم من ظهر آدم وسألهم { أية : أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 172] فقالوا: بلى، وقوله تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } فيه وجوه، قال بعض المفسرين هذه تسلية للنبـي صلى الله عليه وسلم عن الحزن حيث لم يؤمن قومه فقال هم خلقوا للشقاوة ومن كتب شقياً لا يسعد، وقيل: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } أي الوحدانية مترسخة فيهم لا تغير لها حتى إن سألتهم من خلق السموات والأرض يقولون الله، لكن الإيمان الفطري غير كاف. ويحتمل أن يقال خلق الله الخلق لعبادته وهم كلهم عبيده لا تبديل لخلق الله أي ليس كونهم عبيداً مثل كون المملوك عبداً لإنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره ويخرج عن ملكه بالعتق بل لا خروج للخلق عن العبادة والعبودية، وهذا لبيان فساد قول من يقول العبادة لتحصيل الكمال والعبد يكمل بالعبادة فلا يبقى عليه تكليف، وقول المشركين: إن الناقص لا يصلح لعبادة الله، وإنما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وقول النصارى إن عيسى كان يحل الله فيه وصار إلهاً فقال: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } بل كلهم عبيد لا خروج لهم عن ذلك. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } الذي لا عوج فيه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أن ذلك هو الدين المستقيم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال الزجاج: «فِطْرَةَ» منصوب بمعنى اتبع فطرة الله. قال: لأن معنى «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ» اتبع الدّين الحنيف واتبع فطرة الله. وقال الطبري: «فِطْرَةَ اللَّهِ» مصدر من معنى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ» لأن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فِطرة. وقيل: معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناسَ له؛ وعلى هذا القول يكون الوقف على «حَنِيفاً» تاماً. وعلى القولين الأوّلين يكون متصلاً، فلا يوقف على «حَنِيفاً». وسميت الفِطْرة دِيناً لأن الناس يُخلقون له، قال جلّ وعز: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56]. ويقال: «عَلَيْهَا» بمعنى لها؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}تفسير : [الإسراء: 7]. والخطاب بـ«أَقِمْ وَجَهَكَ» للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أمره بإقامة وجهه للدِّين المستقيم؛ كما قال: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ} تفسير : [الروم: 43] وهو دين الإسلام. وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوّة على الجِدّ في أعمال الدين؛ وخصّ الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفُه. ودخل في هذا الخطاب أمّتُه باتفاق من أهل التأويل. و«حَنِيفاً» معناه معتدلاً مائلاً عن جميع الأديان المحرّفة المنسوخة. الثانية: في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «ما من مولود إلا يولد على الفِطرة ـ في رواية على هذه الملة ـ أبواه يُهَوّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسَانه كما تُنْتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تُحِسّون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم؛ {فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}، في رواية: «حتى تكونوا أنتم تجدعونها» قالوا: يا رسول الله؛ أفرأيتَ من يموت صغيراً؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»تفسير : . لفظ مسلم. الثالثة: واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعدّدة؛ منها الإسلام؛ قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما؛ قالوا: وهو المعروف عند عامّة السلف من أهل التأويل؛ واحتجوا بالآية وحديث أبي هريرة، وعَضَدوا ذلك بحديث عِياض بن حِمار المُجَاشِعيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوماً: «حديث : ألاَ أحدّثكم بما حدّثني الله في كتابه، أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالاً لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالاً وحراماً...»تفسير : الحديث. وبقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خمس من الفطرة...» تفسير : فذكر منها قصّ الشارب، وهو من سنن الإسلام؛ وعلى هذا التأويل فيكون معنى الحديث: أن الطفل خلق سليماً من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يُدرِكوا في الجنة؛ أولادَ مسلمين كانوا أو أولاد كفار. وقال آخرون: الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها؛ أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة. والفاطر: المبتدىء؛ واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي ابتدأتها. قال الْمَرْوَزِيّ: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه. قال أبو عمر في كتاب التمهيد له: ما رسمه مالك في موطّئه وذكر في باب القدر فيه من الآثار ـ يَدلّ على أن مذهبه في ذلك نحو هذا، والله أعلم. ومما احتجوا به ما روي عن كعب القُرَظي في قول الله تعالى: {حديث : فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} تفسير : [الأعراف: 30] قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيَّره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى، ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة، ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم ردّه الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال: وكان من الكافرين. قلت: قد مضى قول كعب هذا في «الأعراف» وجاء معناه مرفوعاً من حديث حديث : عائشة رضي الله عنها قالت: دُعِي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طُوبَى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه! قال: «أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم»» تفسير : خرجه ابن ماجه في السنن. وخرج أبو عيسى الترمذيّ حديث : عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» فقلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا؛ فقال للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً ـ ثم قال للذي في شماله ـ هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً...»تفسير : وذكر الحديث، وقال فيه: حديث حسن. وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى: {فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} ولا قوله عليه السلام: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة» تفسير : العمومَ، وإنما المراد بالناس المؤمنون؛ إذ لو فُطر الجميع على الإسلام لما كفر أحد، وقد ثبت أنه خلق أقواماً للنار؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} تفسير : [الأعراف: 179] وأخرج الذرّية من صلب آدم سوداء وبيضاء. وقال في الغلام الذي قتله الخَضِر؛ طبع يوم طبع كافراً. وروى أبو سعيد الخُدْرِي قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بنهار؛ وفيه: وكان فيما حفِظْنا أن قال: «حديث : ألا إن بني آدم خُلقوا طبقات شتّى فمنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً، ومنهم حَسَن القضاء حَسَن الطلب»تفسير : . ذكره حماد بن سلمة في مسند الطيالسي قال: حدّثنا عليّ بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد. قالوا: والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب؛ ألا ترى إلى قوله عز وجل: {أية : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [الأحقاف: 25] ولم تدمر السموات والأرض. وقوله: {أية : فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 44] ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة. وقال إسحاق بن رَاهْوَيه الحنظلي: تم الكلام عند قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} ثم قال: {فِطْرَةَ ٱللَّهِ} أي فطر الله الخلق فِطرة إمّا بجنة أو نار، وإليه أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة» تفسير : ولهذا قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} قال شيخُنا أبو العباس: من قال هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفِطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغيّر. وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخِلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه؛ فكأنه قال: كل مولود يولد على خِلْقة يعرِف بها ربّه إذا بلغ مبلغ المعرفة؛ يريد خِلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته. واحتجوا على أن الفطرة الخِلقة، والفاطر الخالق؛ لقول لله عز وجل: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 1] يعني خالقهن، وبقوله: {أية : وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} تفسير : [يۤس: 24] يعني خلقني، وبقوله: {أية : ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} تفسير : [الأنبياء: 56] يعني خلقهن. قالوا: فالفطرة الخِلقة، والفاطر الخالق؛ وأنكروا أن يكون المولود يُفْطَر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار. قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خِلْقةً وطبعاً وبِنية ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة؛ ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميّزوا. واحتجوا بقوله في الحديث: «حديث : كما تُنْتَج البَهِيمةُ بهيمةً جَمعاءً ـ يعني سالمة ـ هل تُحِسّون فيها من جَدْعاء»تفسير : يعني مقطوعة الأذن. فمثّل قلوبَ بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخَلْق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعدُ وأنوفها؛ فيقال: هذه بحائر وهذه سوائب. يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلّهم. قالوا: ولو كان الأطفال قد فطِروا على شيء من الكفر والإيمان في أوليّة أمورهم ما انتقلوا عنه أبداً، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون. قالوا: ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفراً أو إيماناً، لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئاً، قال الله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} تفسير : [النحل: 78] فمن لا يعلم شيئاً استحال منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا أصح ما قيل في معنى الفِطرة التي يولد الناس عليها. ومن الحجة أيضاً في هذا قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الطور: 16] و{أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} تفسير : [المدثر: 38] ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء. وقال: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15] ولما أجمعوا على دفع القَوَد والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك. والله أعلم. ويستحيل أن تكون الفِطرة المذكورةُ الإسلامَ، كما قال ابن شهاب؛ لأن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل. وأما قول الأوزاعي: سألت الزهرِيّ عن رجل عليه رَقَبة أيجزي عنه الصبيّ أن يعتقه وهو رضيع؟ قال: نعم؛ لأنه وُلد على الفِطرة يعني الإسلام؛ فإنما أجزَى عتقه عند من أجازه؛ لأن حكمه حكمُ أبويه. وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجزِي في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلّى، وليس في قوله تعالى: {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}تفسير : [الأعراف: 29] ولا في «أن يختم الله للعبد بما قضاه له وقدّره عليه» ـ دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمناً أو كافراً؛ لما شهدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيماناً ولا كفراً، والحديث الذي جاء فيه: «حديث : أن الناس خلقوا على طبقات»تفسير : ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها؛ لأنه انفرد به عليّ بن زيد بن جُدْعان، وقد كان شعبة يتكلّم فيه. على أنه يحتمل قوله: «يولد مؤمناً» أي يولد ليكون مؤمناً، ويولد ليكون كافراً على سابق علم الله فيه، وليس في قوله في الحديث: «حديث : خلقت هؤلاء للجنة وخلقت هؤلاء للنار»تفسير : أكثر من مراعاة ما يختم به لهم؛ لا أنهم في حين طفولتهم ممن يستحق جنة أو ناراً، أو يعقل كفراً أو إيماناً. قلت: وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له، ذهب غير واحد من المحققين منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة، وشيخنا أبو العباس. قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخِلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدّة ومهيّأة لأن يميّز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربّه ويعرف شرائعه ويؤمن به؛ فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدِّين الذي هو الحنيف، وهو فِطْرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تَعرِضهم العوارض؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو يُنَصِّرانه» تفسير : فذِكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. وقال شيخنا في عبارته: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودينَ الإسلام وهو الدِّين الحق. وقد دلّ على صحة هذا المعنى قوله: «حديث : كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمْعاء هل تُحسّون فيها من جَدْعاء»تفسير : يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليماً من الآفات، فلو تُرك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملاً بريئاً من العيوب، لكن يُتصرّف فيه فيُجدع أذنه ويُوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل؛ وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع ووجهه واضح. قلت: وهذا القول مع القول الأوّل موافق له في المعنى، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة: من خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل والنهار؛ فلما عملت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية فذهبت بأهوائهم يميناً وشمالاً، وأنهم إن ماتوا صغاراً فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال، لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذَّرّ أقرّوا له بالربوبية وهو قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} تفسير : [الأعراف: 172]. ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالرُّبوبية، وأنه الله لا إلٰه غيره، ثم يُكتب العبد في بطن أمّه شقِيّاً أو سعيداً على الكتاب الأوّل؛ فمن كان في الكتاب الأوّل شقيًّا عُمّر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأوّل سعيداً عُمّر حتى يجري عليه القلم فيصير سعيداً، ومن مات صغيراً من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأوّل الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقض الميثاق. ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى حديث : قوله عليه السلام لما سئل عن أولاد المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»تفسير : يعني لو بلغوا. ودلّ على هذا التأويل أيضاً حديث البخاريّ عن سَمُرة بن جُنْدُب حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ الحديثُ الطويل حديثُ الرؤيا، وفيه قوله عليه السلام: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام، وأما الوِلدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة». قال فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأولاد المشركين»تفسير : . وهذا نصّ يرفع الخلاف، وهو أصح شيء رُوي في هذا الباب، وغيره من الأحاديث فيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء؛ قاله أبو عمر بن عبد البر. وقد روي من حديث أنس قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: «لم تكن لهم حسنات فيجزَوْا بها فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار، فهم خدم لأهل الجنة»تفسير : ذكره يحيـى بن سلام في التفسير له. وقد زدنا هذه المسألة بياناً في كتاب التذكرة، وذكرنا في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس ما ذكره أبو عمر من ذلك، والحمد لله. وذكر إسحاق ابن راهْوَيه قال: حدّثنا يحيـى بن آدم قال: أخبرنا جرير بن حازم عن أبي رجاء العُطَارِديّ قال: سمعت ابن عباس يقول: لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً أو متقارباً ـ أو كلمة تشبه هاتين ـ حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقَدَر. قال يحيـى بن آدم: فذكرته لابن المبارك فقال: أيسكت الإنسان على الجهل؟ قلت: فتأمر بالكلام؟ قال فسكت. وقال أبو بكر الوراق: «فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» هي الفقر والفاقة؛ وهذا حسن؛ فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج، نعم! وفي الآخرة. قوله تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} أي هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق. ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه؛ أي لا يشقى من خَلَقه سعيداً. ولا يسعد من خلقه شقيًّا. وقال مجاهد: المعنى لا تبديل لدين الله؛ وقاله قتادة وابن جُبير والضحاك وابن زيد والنَّخَعِيّ، قالوا: هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة: وروي عن ابن عباس وعمر بن الخطاب أن المعنى: لا تغيير لخلق الله من البهائم أن تخصى فحولها؛ فيكون معناه النهي عن خِصاء الفحول من الحيوان. وقد مضى هذا في «النساء». {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي ذلك القضاء المستقيم؛ قاله ابن عباس. وقال مقاتل: ذلك الحساب البَيّن. وقيل: «ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» أي دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقاً معبوداً، وإلهاً قديماً سبق قضاؤه ونَفَذ حكمه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها؛ فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره؛ كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]. وفي الحديث: «حديث : إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» تفسير : وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة؛ كاليهودية والنصرانية والمجوسية. وقوله تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ} قال بعضهم: معناه: لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبراً بمعنى الطلب؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} تفسير : [آل عمران: 97] وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ} أي: لدين الله، وقال البخاري: قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ} لدين الله، خلق الأولين: دين الأولين، الدين والفطرة: الإسلام. حدثنا عبدان: أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» تفسير : ثم يقول: "فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم" ورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به، وأخرجاه أيضاً من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسود بن سريع التميمي. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه، فأصبت ظهراً، فقتل الناس يومئذ، حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله أما هم أبناء المشركين؟ فقال: «حديث : لا، إنما خياركم أبناء المشركين ــــ ثم قال ــــ لا تقتلوا ذرية، ولا تقتلوا ذرية ــــ وقال ــــ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها» تفسير : ورواه النسائي في كتاب السير عن زياد بن أيوب عن هشيم، عن يونس، وهو ابن عبيد بن الحسن البصري، به. ومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً».تفسير : ومنهم عبد الله بن عباس الهاشمي. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين، فقال: «حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين" من حديث أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً بذلك. وقد قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا حماد، يعني: ابن سلمة، أنبأنا عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال: أتى علي زمان وأنا أقول: أولاد المسلمين مع أولاد المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين، حتى حدثني فلان عن فلان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنهم، فقال: «حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين»تفسير : . قال: فلقيت الرجل فأخبرني، فأمسكت عن قولي. ومنهم عياض بن حمار المجاشعي. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم، فقال في خطبته: «حديث : إن ربي عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل ما نحلته عبادي حلال، وإِني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإِنهم أتتهم الشياطين، فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم؛ عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: رب إذاً يثلغ رأسي، فيدعه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم، فسننفق عليك، وابعث جيشاً، نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ــــ قال ــــ: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» تفسير : وذكر البخيل أو الكذاب والشنظير: الفحاش. انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن قتادة به. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] وقال تعالى: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 116] الآية. وقوله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} قال ابن زيد وابن جريج: أي راجعين إليه. {وَٱتَّقُوهُ} أي: خافوه وراقبوه، {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ} وهي الطاعة العظيمة، {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يوسف بن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر رضي الله عنه بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث، وهن المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة، وهي الملة، والطاعة، وهي العصمة، فقال عمر: صدقت. حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب عن أبي قلابة أن عمر رضي الله عنه قال لمعاذ: ما قوام هذا الأمر؟ فذكر نحوه. وقوله تعالى: {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم، أي: بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وقرأ بعضهم: (فارقوا دينهم)، أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 159] الآية، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومثل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضاً اختلفوا فيما بينهم على نحل، كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في "مستدركه": أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية منهم فقال: «حديث : ما أنا عليه اليوم وأصحابي».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَقِمْ } يا محمد {وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً } مائلاً إليه: أي أخلص دينك لله أنت ومن تبعك {فِطْرَتَ ٱللَّهِ } خِلقته {ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا } وهي دينه التي ألزموها {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } لدينه أي: لا تبدلوه بأن تشركوا {ذٰلِكَ ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } المستقيم توحيد الله {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } أي كفار مكة {لاَّ يَعْلَمُونَ } توحيد الله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قصدك. الثاني: دينك، قاله الضحاك. الثالث: عملك، قاله الكلبي. {لِلدِّينِ حَنِيفاً} فيه ستة تأويلات: أحدها: مسلماً، وهذا قول الضحاك. والثاني: مخلصاً، وهذا قول خصيف. الثالث: متبعاً، قاله مجاهد. الرابع: مستقيماً، قاله محمد بن كعب. الخامس: حاجّاً، قاله ابن عباس. السادس: مؤمناً بالرسل كلهم، قاله أبو قلابة. {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} فيها تأويلان: أحدهما: صنعة الله التي خلق الناس عليها، قاله الطبري. الثاني: دين الله الذي فطر خلقه عليه، قاله ابن عباس والضحاك والكلبي يريد به الإسلام وقد روى عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مِن فِطْرةِ إِبْرَاهِيمَ السُّوَاكُ" تفسير : ومن قول كعب بن مالك: شعر : إن تقتولنا فدين الله فطرتنا والقتل في الحق عند الله تفضيل تفسير : {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لا تبديل لدين الله، قاله مجاهد وقتادة. الثاني: لا تغيير لخلق الله من البهائم أن يخصي فحولها، قاله عمر بن الخطاب وابن عباس وعكرمة. الثالث: لا تبديل خالق غير الله فيخلق كخلق الله، لأنه خالق يخلق، وغيره مخلوق لا يخلق، وهو معنى قول ابن بحر. ويحتمل رابعاً، لا يشقى من خلقه سعيداً ولا يسعد من خلقه شقيّاً. {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} فيه تأويلان: أحدهما: ذلك الحساب البين، قاله مقاتل بن حيان. الثاني: ذلك القضاء المستقيم، قاله ابن عباس. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقاً معبوداً وإلهاً قديماً: قوله: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: مقبلين إليه، قاله يحيى بن سلام والفراء. الثاني: داعين إليه، قاله عبيد بن يعلى. الثالث: مطيعين له، قاله عبد الرحمن بن زيد. الرابع: تائبين إليه من الذنوب، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت: شعر : فإن تابوا فإن بني سليم وقومهم هوازن قد أنابوا تفسير : وفي أصل الإنابة قولان: أحدهما: أن أصله القطع ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عز وجل بالطاعة. الثاني: أن أصله الرجوع مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد مرة ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة. قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} أي أوقعوا فيه الاختلاف حتى صاروا فرقاً وقرىء {فَارَقُواْ دِينَهُم} أي تركوه وقد قرأ بذلك علي رضي الله عنه وهي قراءة حمزة والكسائي وفيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود، قاله قتادة. الثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله معمر. الثالث: أنهم الخوارج من هذه الأمة، وهذا قول أبي هريرة ورواه أبو أمامة مرفوعاً. الرابع: أنهم أصحاب الأهواء والبدع، روته عائشة مرفوعاً. {وَكَانُواْ شِيَعاً} فيه وجهان: أحدهما: فرقاً، قاله الكلبي. الثاني: أدياناً، قاله مقاتل. ويحتمل ثالثاً: أنهم أنصار الأنبياء وأتباعهم. {كُلُّ حِزْبٍ} أي فرقة. {بِمَا لَدَيْهِمْ فِرِحُونَ} أي بما عندهم من الضلالة. {فَرِحُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مسرورون، قاله الجمهور. الثاني: معجبون، قاله ابن زيد. الثالث: متمسكون، قاله مجاهد.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَجْهَكَ} قصدك، أو دينك، أو عملك. {حَنِيفاً} مسلماً، أو مخلصاً، أو متبعاً، أو مستقيماً، أو حاجاً "ع"، أو مؤمناً بجميع الرسل. {فِطْرَتَ اللَّهِ} صنعة الله، أو دينه الإسلام "ع" الذي خلق الناس عليه {لِخَلْقِ اللَّهِ} لدين الله، أو لا يُتَغير بخلقه من البهائم أن يخصى فحولها "ع" أو لا خالق غير الله يخلق كخلقه {الدِّينُ الْقَيِّمُ} الحساب البين، أو القضاء المستقيم "ع".

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً...} الآية، إقامة الوجه: هي تقويم المقصد والقوةِ على الجِدِّ في أعمال الدين. وخص الوجه؛ لأنه جامع حواس الإنسان؛ ولشرفه. و {فِطْرَتَ ٱللَّهِ} نَصْبٌ على المصدر. وقيل: بفعل مضمر تقديره اتبع أو التزم فطرة اللّه، واختُلِفَ في الفطرة ها هنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظةِ أَنها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ التي في نفسِ الطفلِ التي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّئَةٌ لأَنْ يَمِيزَ بها مصنوعات اللّه، ويستدلَّ بها على ربِّهِ، ويعرف شرائعه؛ ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وَجْهَك للدِّينِ الذي هو الحنيفُ، وهو فطرة اللّه الذي على الإعداد له. فُطِرَ البشرِ؛ لكن تعرضهم العوارضُ؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «حديث : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ...»تفسير : الحديث ـــ، ثم يقول: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ} الآية، إلى {ٱلْقَيِّمُ} فذكرُ الأبوين إنما هما مثالٌ للعَوارِض التي هي كثيرةُ. وقال البخاريُّ: فِطْرَةُ اللّهِ: هِيَ الإسْلاَمُ، انتهى. وقوله تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} يحتمل أنْ يريدَ بها هذه الفطرةَ، ويحتمل أن يريدَ بها الإنحاء على الكفرة؛ اعترض به أثناء الكلام؛ كأنه يقول: أقم وجهَك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإنَّ هؤلاءِ الكفرةَ قد خَلَقَ اللّه لهم الكُفْرَ، و {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غيرُ هذا، وقال البخاري: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} أي: لدين اللّه، وخُلُق الأولين دينُهم. انتهى. و{القَيِّم} بناءُ مبَالَغَةٍ مِنَ القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، و {مُنِيبِينَ} يحتمل أنْ يكونَ حالاً من قوله {فَطَرَ ٱلنَّاسَ} لا سِيَّمَا عَلى رَأْي مَنْ رَأَى أَنَّ ذلكَ خصوصٌ في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالاً من قوله {أَقِم وَجْهَكَ} وجمعه: لأن الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته نظيرها قوله تعالى: {أية : يَٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَاء} تفسير : [الطـلاق:1]. والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهودُ والنصارى؛ قاله قتادة، وقيل غير هذا.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏فطرة الله التي فطر الناس عليها‏} ‏ قال‏:‏ الدين الإِسلام ‏ {‏لا تبديل لخلق الله‏} ‏ قال‏:‏ لدين الله‏. أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فطرة الله التي فطر الناس عليها‏} ‏ قال‏:‏ الإِسلام‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ‏{‏فطرة الله التي فطر الناس عليها‏} ‏ قال‏:‏ دين الله الذي فطر خلقه عليه‏.‏ وأخرج الحكيم في نوادر الأصول عن مكحول رضي الله عنه‏.‏ أن الفطرة معرفة الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏لا تبديل لخلق الله‏} ‏ قال‏:‏ دين الله ‏{‏ذلك الدين القيم‏} ‏ قال‏:‏ القضاء القيم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن حماد بن عمر الصفار قال‏:‏ سألت قتادة رضي الله عنه عن قوله ‏{‏فطرة الله التي فطر الناس عليها‏}‏ فقال‏:‏ حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏ ‏{‏فطرة الله التي فطر الناس عليها‏}‏ قال‏:‏ دين الله‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه‏؛ إن عمر رضي الله عنه قال له‏:‏ ما قوام هذه الأمة‏؟‏ قال‏:‏ ثلاث وهي المنجيات‏.‏ الاخلاص‏:‏ وهي الفطرة التي فطر الناس عليها‏.‏ والصلاة‏:‏ وهي الملة‏.‏ والطاعة‏:‏ وهي العصمة‏.‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ صدقت‏. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ‏ {‏لا تبديل لخلق الله‏} ‏قال‏:‏ لدين الله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة وقتادة والضحاك وإبراهيم وابن زيد‏،‏ مثله‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء‏؟"‏‏ ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ اقرأوا ان شئتم ‏ {‏فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم‏}‏ ‏ . تفسير : وأخرج مالك وأبو داود وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، كما تنتج الابل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء‏‏‏؟" قالوا‏:‏ يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير‏؟‏ قال‏: الله أعلم بما كانوا عاملين‏‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن الأسود بن سريع رضي الله عنه‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين، فانتهى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما حملكم على قتل الذرية‏‏؟ قالوا‏:‏ يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين‏!‏ قال‏:‏ وهل خياركم إلا أولاد المشركين‏؟‏ والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها‏ "‏‏.

ابو السعود

تفسير : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ} تمثيلٌ لإقباله على الدِّين واستقامتهِ وثباتِه عليه واهتمامِه بترتيبِ أسبابِه فإنَّ من اهتمَّ بشيءٍ محسوسٍ بالبصر عقدَ عليه طرفَه وسدَّد إليه نظرَهُ وقوَّم له وحهَه مُقبلاً به عليه أي فقوِّم وجهَك له وعُدْ له غيرَ ملتفتٍ يميناً وشمالاً. وقولُه تعالى {حَنِيفاً} حالٌ من المأمورِ أو من الدِّين {فِطْرَةَ ٱللَّهِ} الفطرةُ الخلِقةُ. وانتصابُها على الإغراءِ أي الزمُوا أو عليكم فطرةَ الله فإنَّ الخطابَ لكلِّ كما يُفصح عنه قولُه تعالى منيبـين، والإفراد في أقِم لما أنَّ الرَّسولَ عليه الصَّلاة والسَّلام إمامُ الأمَّةِ فأمره عليه السَّلامُ مستتبع لأمرِهم، والمرادُ بلزومِها الجريانُ على موجبِها وعدمُ الإخلالِ به باتباعِ الهَوَى وتسويلِ الشَّياطينِ، وقيل على المصدرِ أي فطرَ الله فطرةً. وقولُه تعالى: {ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} صفةٌ لفطرةَ الله مؤكدةٌ لوجوبِ الامتثالِ بالأمرِ فإنَّ خلقَ الله النَّاسَ على فطرتِه التي هي عبارةٌ عن قبولِهم للحقَّ وتمكُّنُهم من إدراكِه أو عن ملَّة الإسلامِ من موجباتِ لزومِها والتمسُّك بها قطعاً فإنَّهم لو خُلُّوا وما خُلقوا عليه أدَّى بهم إليها وما اختاروا عليها ديناً آخر ومن غَوى منهم فبإغواءِ شياطين الإنسِ والجنِّ ومنه قولُه عليها الصَّلاة والسَّلام حكايةٌ عن ربَّ العِزَّةِ: « حديث : كلَّ عبادِي خلقتُ حنفاءَ فاجتالتْهُم الشياطينُ عن ديِنهم وأمرُوهم أنْ يُشركوا بـي غيري » تفسير : وقولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرةِ حتَّى يكونَ أَبَواه هُما اللذانِ يهوِّدانه ويُنصِّرانِه » تفسير : وقولُه تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} تعليلٌ للأمرِ بلزومِ فطرتِه تعالى أو لوجوبِ الامتثالِ به أي لا صَّحةَ ولا استقامةَ لتبديلةِ بالإخلالِ بموجبِه وعدمِ ترتيبِ مقتضاهُ عليه باتِّباعِ الهَوَى وقبولِ وسوسةِ الشَّيطانِ وقيل لا يقدرُ أحدٌ على أنْ يُغيره فلا بدَّ حينئذٍ من حملِ التَّبديلِ على تبديلِ نفسِ الفطرةِ بإزالتِها رأساً ووضعِ فطرةٍ أُخرى مكانَها غيرِ مصححةٍ لقبولِ الحقِّ والتمكنِ من إدراكِه ضرورةَ أنَّ التبديل بالمعنى الأول مقدور بل واقع قطعاً فالتعليل حينئذ من جهة أنَّ سلامة الفطرةِ متحققةٌ في كلِّ أحدٍ فلا بدَّ من لزومِها بترتيبِ مُقتضاها عليها وعدمُ الإخلالِ به بما ذُكر من اتِّباعِ الهوى وخطواتِ الشَّيطانِ {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى الدِّين المأمورِ بإقامةِ الوجهِ له أو إلى لزومِ فطرةِ الله المستفادِ من الإغراءِ أو إلى الفطرةِ إنْ فسِّرت بالملَّة. والتَّذكيرُ بتأويلِ المذكورِ أو باعتبارِ الخبرِ {ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ} المُستوِي الذي لا عِوَجَ فيه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلكَ فيصدُّون عنه صُدوداً { أية : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} تفسير : حالٌ من الضَّميرِ في النَّاصبِ المقدَّرِ لفطره الله أو في أقِم لعمومِه للأمَّةِ حسبما أُشير إليه وما بـينَهما اعتراضٌ أي راجعين إليه من أنابَ إذَا رجعَ مرَّةً بعدَ أُخرى. وقولُه تعالى {وَٱتَّقُوهُ} أي من مخالفةِ أمرهِ. عطفٌ على المقدَّرِ المذكورِ. وكذا قولُه تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِين} المبدِّلين لفطرةِ الله تعالى تبديلاً {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} بدلٌ من المشركينَ بإعادةِ الجارِّ. وتفريقُهم لدينهم اختلافُهم فيما يعبدونَه على اختلافِ أهوائِهم. وفائدةُ الإبدالِ التَّحذيرُ عن الانتماءِ إلى حزبٍ من أحزابِ المشركينَ ببـيان أنَّ الكلَّ على الضَّلالِ المبـينِ وقُرىء فارقُوا أي تركُوا دينَهم الذي أُمروا به {وَكَانُواْ شِيَعاً} أي فِرقاً تشايعُ كلٌّ منها إمامَها الذي أضلَّها {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ} من الدينِ المعوجِ المؤسَّس على الرَّأيِ الزَّائغِ والزَّعمِ الباطلِ {فَرِحُونَ} مسرورون ظنَّاً منهم أنَّه حقٌّ وأَنَّى له ذلك. فالجملةُ اعتراضٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله من تفريقِ دينِهم وكونِهم شيعاً وقد جُوِّز أنْ أن يكونَ فرحون صفةً لكلُّ على أنَّ الخبرَ هو الظرفُ المقدَّمُ أعني من الذين فرَّقُوا ولا يخفى بعدُه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} [الآية: 30]. قال أبو على الجوزجانى: دعا الله عباده إلى الإخلاص من كل وجه وأخبر أن من كان فى ظاهره وباطنه شىء غير الحق لم يكن مخلصًا. قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً}. أى معرضًا عن الكل مقبلاً عليه حنيفًا: أى مطهرًا من الأكوان وما فيها. قوله تعالى: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} [الآية: 30]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: الفطرة ما فطرهم عليه وثبتها فى اللوح المحفوظ. وقال خلقة الله التى خلق الناس عليها، وما جلاهم به فى الأزل من السعادة والشقاوة فلا يبدل عنده القول فيهم ولا يغير {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} قال الطريق الواضح لأهل الحقائق فمن نظر إلى سابق القضاء علم أن أفعاله لا تؤثر فيه شيئًا، ومن نظر إلى نفسه وأحواله وأفعاله فهو رهين فعله وأسير نفسه. قال الجنيد رحمة الله عليه: خلق للإنسان عقولاً وركب عليه الرأس وجعله تاج الجسم وجعل فيه أربعة سمعه وبصره ولسانه وفمه فإذا سكت الإنسان عن فضول الكلام وتلا بلسانه القرآن كان شاكرًا بنعم الفم وإذا غض الإنسان بصره عن فضول النظر كان شاكرًا لنعمة العين كذلك فى جميع الأعضاء.

القشيري

تفسير : أخْلِصْ قَصْدَك إلى الله، واحفَظْ عهدك مع الله، وأَفرِدْ عملَكَ في سكناتِك وحركاتِك وجميع تصرفاتِك لله. {حَنِيفاً}: أي مستقيماً في دينه، مائلاً إليه، مُغْرِضاً عن غيره، والزَمْ {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} أي أثْبَتَهُم عليها قبل أن يُوجَدَ منهم فِعْلٌ ولا كَسْب، ولا شِرْكٌ ولا كُفْر، وكما ليس منهم إيمان وإحسان فليس منهم كفران ولا عصيان. فاعرف بهذه الجملة، ثم افعل ما أُمِرْتَ به، واحذر ما نُهِيتَ عنه. فعلى هذا التأويل فإن معنى قوله: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} أي اعْرَفْ واعْلَمْ أن فطرة الله التي فطر الناس عليها: تَجَرُّدُهم عن أفعالهم، ثم اتصافهم بما يكسبون - وإن كان هذا أيضاً بتقدير الله. وعلى هذا تكون {فِطْرَتَ} الله منصوبة بإضمار اعْلَمْ - كما قلنا. سبحانه فَطَرَ كلَّ أحدٍ على ما عَلِمَ أنه يكون في السعادة أو الشقاوة، ولا تبديلَ لحُكْمه، ولا تحويلَ لما عليه فَطَرَه. فمَنْ عَلِمَ أنه يكون سعيداً أراد سعادته وأخبر عن سعادته، وخَلَقَه في حُكْمه سعيداً. ومَنْ عَلِمَ شقاوته أراد أن يكون شقياً وأخبر عن شقاوته وخَلَقَه في حكمه شقياً.. ولا تبديل لحُكمه، هذا هو الدين المستقيم والحقُّ الصحيح.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} الدين طريق القدم والحنفية النيرى من الكون واقامة الوجه الاعراض عن الكل والاقبال بعد فناء النفس والكل على الازل فهذه بمجموعها فطرة الحق التى فطر الخلق بتلك الفطرة ولا يتبدا هذه الفطرة من حالها فانها طرق القدم فى مكمن العدم واذا استقام فى السير من العدم الى القدم وكمل من الحقائق بحيث لا يعوج عن الاقبال على الحق بشئ من الحدوثية فحض ذلك الانفراد مع الوصول اصل الدين لذلك قال {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} خاطب الحق حبيبه فى بداية تخلصه من نفسه ومن ---- اقبال الحق عليه ان يستقيم بنعت التجريد فى توحيده ومسيره الى جلاله فى طريق محبته وعبوديته قال ابو على الجورجانى دعا الله عابده الى الاخلاص من كل وجه واخبر ان من كان فى ظاهره وباطنه شئ سوى الحق لم يكن خلصا فى قوله فاقم وجهك للدين حنيفا اى معرضا عن الكل مقبلا عليه اى مطر عن الاكوان وما فيها قال ابن عطا الفطرة ما فطرهم عليه وثبتها فى اللوح المحفوظ وقال الدين القيم الطريق الواضح لاهل الحقائق.

اسماعيل حقي

تفسير : {فأقم وجهك للدين} الاقامة [برياى كردن وراست كردن] كما فى تاج المصادر والوجه الجارحة المخصوصة وقد يعبر به عن الذات كما فى قوله {أية : ومن يسلم وجهه} تفسير : والدين فى الاصل الطاعة والجزاء واستعير للشريعة. والفرق بينه وبين الملة اعتبارى فان الشريعة من حيث انها يطاع لها وينقاد دين ومن حيث انها تملى وتكتب ملة. والاملال بمعنى الاملاء وهو ان يقول فيكتب آخر عنه واقامة الوجه للدين تمثيل لاقباله على الدين واستقامته واهتمامه بترتيب اسبابه فان من اهتم بشئ محسوس بالبصر عقد عليه طرفه ومد اليه نظره وقوّم له وجهه مقبلا عليه. والمعنى فاذا كان حال المشركين اتباع الهوى والاعراض عن الهدى فقوّم وجهك يا محمد للدين الحق الذي هو دين الاسلام وعدله غير ملتفت يمينا وشمالا: وبالفارسية [يس راست دار اى محمد روى خود دين را] {حنيفا} اى حال كونك مائلا اليه عن سائر الاديان مستقيما عليه لا ترجع له عنه الى غيره ويجوز ان يكون حالا من الدين. قال فى القاموس الحنيف الصحيح الميل الى الاسلام الثابت عليه. وفى المفردات الحنف ميل عن الضلال الى الاستقامة وتحنف فلان تحرى طريق الاستقامة وسمت العرب كل من اختتن او حج حنيفا تنبيها على انه على دين ابراهيم عليه السلام. ومن بلاغات الزمخشرى الجودو الحلم حاتمى واحنفى. والدين والعلم حنيفى وحنفى اى الجود منسوب الى حاتم الطائى والحلم الى احنف بن قيس كما ان الدين منسوب الى ابراهيم الحنيف والعلم الى ابى حنيفة رحمه الله. وقال بعضهم فى الآية الوجه ما يتوجه اليه وعمل الانسان ودينه مما يتوجه الانسان اليه لتسديده واقامته. فالمعنى اخلص دينك وسدد عملك مائلا اليه عن جميع الاديان المحرفة المنسوخة {فطرت الله} الفطرة الخلقة وزنا ومعنى وقولهم صدقة الفطرة اى صدقة انسان مفطور اى مخلوق فيؤول الى قولهم زكاة الرأس والمراد بالفطرة ههنا القابلية للتوحيد ودينّ الاسلام من غير اباء عنه وانكار له. قال الراغب فطرة الله ما فطر اى ابدع وركز فى الناس من قوتهم على معرفة الايمان وهو المشار اليه بقوله تعالى {أية : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} تفسير : وانتصابها على الاغراء اى الزموا فطرة الله والخطاب للكل كما يفصح عنه قوله منيبين اليه والافراد فى اقم لما ان الرسول امام الامة فامره مستتبع لامرهم والمراد بلزومها الجريان على موجبها وعدم الاخلال به باتباع الهوى وتسويل الشيطان {التى فطر الناس عليها} صفة لفطرة الله مؤكدة لوجوب الامتثال بالامر فان خلق الله الناس على فطرته التى هى عبارة عن قبولهم للحق وتمكنهم من ادراكه او عن ملة الاسلام من موجبات لزومها والتمسك بها قطعاً فانهم لو خلوا وما خلقوا عليه ادى بهم اليها وما اختاروا عليها دينا آخر ومن غوى منهم فباغواء شياطين الانس والجن ومنه قوله عليه السلام حكاية عن ب العزة (كل عبادى خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وامروهم ان يشركوا بى غيرى)والاجتيال بالجيم الجول اى استخفتهم فجالوا معها يقال اجتال الرجل الشئ ذهب به وساقه كذا فى تاج المصادر: قال ابن الكمال فى كتابه المسمى بنكارستان شعر : برسلامت زايد ازمادر بسر آن سقامت را بذيرد از بدر صدق محض است اين كه كفتم شاهدش درخبر وارد سد از خير البشر تفسير : وهو قوله عليه السلام "حديث : ما من مولود الا وقد يولد على فطرة الاسلام ثم ابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة هل تحسون فيها من جدعاء" تفسير : يعنى [بينى بريده] (حتى تكونوا انتم تجدعونها) اى تقطعون انفها معناه كل مولود انما يولد فى مبدأ الخلقة واصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهيئ لقبول الدين فلو ترك عليها استمر على لزومها ولم يفارقها الى غيرها لان هذا الدين حسنة موجود فى النفوس وانما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد شعر : بدبدان يا ركشت همسر لوط خاندان نبوتش كم شد سك اصحاب كهف روزى جند فى نيكان كرفت ومردم شد تفسير : فان قلت ما معنى قوله عليه السلام (ان الغلام الذى قتله الخضر طبع كافرا) وقد قال (كل مولود يولد على الفطرة). قلت المراد بالفطرة استعداده لقبول الاسلام كما مر وذلك لا ينافى كونه شقيا فى جبليته او يراد بالفطرة قولهم بلى حين قال الله ألست بربكم. قال النووى لما كان ابواه مؤمنين كان هو مؤمنا ايضا فيجب تأويله بان معناه والله اعلم ان ذلك الغلام لو بلغ لكان كافرا انتهى. ثم لا عبرة بالايمان الفطرى فى احكام الدنيا وانما يعتبر الايمان الشرعى المأمور به المكتسب بالارادة والفعل ألا يرى انه يقول فابواه يهودانه فهو مع وجود الايمان الفطرى فيه محكوم له بحكم ابويه الكافرين كما فى كشف الاسرار. قال بعض الكبار [هر آدمى كه باشد اورا البته سه مذهب باشد. يكى مذهب بدر ومادر وعوام شهر بود اينست "ما من مولود" الخ. دوم مذهب بادشاه ولايت بودكه اكر بادشاه عادل باشد بيشتر اهل ولايت عادل شوند واكر ظالم باشد واكر زاهد شوند واكر حكيم باشد حكيم شوند واكر حنفى مذهب باشد حنفى شوند واكر شافعى مذهب باشد شافعى شوند ازجهت آنكه همه كس را قرب بادشاه مطلوب باشد وهمه كس طالب ارادت ومحبت بادشاه باشند ابنست معنى "الناس على دين ملوكهم" سوم مذهب يا ربود باكه صحبت دوستى مى ورزد هر آينه مذهب او كيرد ومعنى شرط صحبت مشابهت بيرون وموافقت اندرون اينست معنى "المرء على دين خليله"] شعر : عن المرء لا تسأل وابصر قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدى تفسير : ونعم ما قيل شعر : نفس از همنفس بكيرد خوى بر حذر باش ازلقاى خبيث باد جون بر فضاى بد كذرد بوى بدكيرد ازهواى خبيث تفسير : {لا تبديل لخلق الله} تعليل للامر بلزوم فطرته تعالى لوجوب الامتثال به اى لا صحة ولا استقامة لتبديله بالاخلال بموجبه وعدم ترتيب مقتضاه عليه بقبول الهوى واتباع وسوسة الشيطان. وفى التأويلات النجمية لا تحويل لما له خلقهم فطر الناس كلهم على التوحيد فاقام قلب من خلقه للتوحيد والسعادة وازاغ قلب من خلقه للالحاد والشقاوة انتهى. يقول الفقير عالم الشهادة مرآة اللوح المحفوظ فلصورها تغير وتبدل واما رحم الام فمرآة عالم الغيب ولا تبدل لصورها فى الحقيقة ولذا (السعيد سعيد فى بطن امه والشقى شقى فى بطن امه) شعر : مشكل آيد خلق را تغيير خلق آنكه بالذات است كى زائل شود اصل طبعست وهمه اخلاق فرع فرع لا بد اصل را مائل شود تفسير : جعلنا الله واياكم من المداوين لمرض هذا القلب العليل لا ممن اذا صدمه الوعظ والتذكير قيل لا تبديل {ذلك} الدين المأمور باقامة الوجه له او لزوم فطرة الله المستفاد من الاغزاء او الفطرة ان فسرت بالملة والتذكير بتأويل المذكور او باعتبار الخبر {الدين القيم} المستوى الذى لا عوج فيه وهو وصف بمعنى المستقيم المستوى {ولكن اكثر الناس} كفار مكة {لا يعلمون} استقامته فينحرفون عنه انحرافا وذلك لعدم تدبرهم وتفكرهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (حنيفاً): حال من (الدين)، أو: من المأمور، وهو ضمير (أقم)، و(فطرة): منصوب على الإغراء. يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم، أو: لكل سامع: {فأَقِمْ وَجْهَكَ للدين} أي: قوّم وجهك له، غَيْرَ مُلْتَفِتٍ عنه؛ يميناً ولا شمالاً. وهو تمثيلٌ لإقباله على الدين بكُلِّيته، واستقامته عليه، واهتمامه بأسبابه؛ فإنَّ من اهتم بالشيء توجه إليه بوجهه، وسدّد إليه نظره، {حنيفاً}؛ أي: مائلاً عن كل ما سواه من الأديان، {فِطْرَتَ الله}؛ أي: الزموا فطرة الله. والفطرة: الخلقة: أَلاَ ترى إلى قوله: {لا تبديلَ لخلقِ الله}؟ فالأرواح، حين تركيبها في الأشباح، كانت قابلة للتوحيد، مُهَيَّأَةً له، بل عالمة به، بدليل إقرارها به في عالم الذر، حتى لو تُركوا لَما اخْتَارُوا عليه ديناً آخر، ومَن غوى فإنما غوى منهم بإغواء شياطين الإنس والجن. وفي حديث قدسي: "حديث : كُلٌّ عِبَادي خَلَقْتُ حنيفاً، فاجتالتَهُمْ الشّيَاطِينُ عنْ دِينهمْ، وأمَرُوهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بي غيري" تفسير : وفي الصحيح: "حديث : كُلُّ مولود يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنصِّرانِهِ أو يُمجِّسَانِهِ " تفسير : قال الزجّاج: معناه: أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به، على ما جاء في الحديث: "حديث : إن الله عز وجل أخرج من صلب آدم ذريته كالذرّ، وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم، فقالوا: بلى" تفسير : ،وكل مولود فهو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى رَبُّهَا وخالقها. هـ. قال ابن عطية: الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة: أنها الخِلقة والهيئة في نفس الطفل، التي هي مهيئة لمعرفة الله والإيمان به، الذي على الإعداد له فطرَ البشر، لكن تعرض لهم العوارض؛ على حسب ما جرى به القدر، ولا يلزم من الإعداد وجعله على حالة قابلة للتوحيد ألا يساعده القدر، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]، أي: خلقهم معَدين لذلك، فأمر من ساعده القدر، وصرف عن ذلك من لم يُوفق لما خلق له. هـ. فقوله في الحديث: "كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" أي: على القابلية والصلاحية للتوحيد، ثم منهم من يتمحض لذلك، كما سبق في القدر، ومنهم من لم يوفق لذلك، بل يخذل ويُصرف عنه؛ لما سبق عليه من الشقاء. وقال في المشارق: أي: يخلق سالماً من الكفر، متهيئاً لقبول الصلاح والهدى، ثم أبواه يحملانه، بَعْدُ، على ما سَبق له في الكتاب. هـ. قال ابن عطية: وذِكْرُ الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. ثم قال: وقد فطر الله الخلق على الاعتراف بربوبيته، ومن لازم ذلك توحيده، وإن لم يُوَفِّقُوا لذلك كُلُّهم، بل وَحِّدَه بعضُهم، وأشرك بعضهم، مع اتفاق الكل على ربوبيته؛ ضَرُورَة أن الكلَّ يشعر بقاهر له مدبر. قال في الحاشية: والحاصل: أنه تعالى فطر الكل في ابتداء النشأة، على الاعتراف بربوبيته، ولكن كتب منهم السعداء موحدين، وكتب الأشقياء مشركين، مع اعتراف الجميع بربوبيته، ولم يوفق الأشقياء لكون الربوبية تستلزم الوحدانية، فأشركوا، فناقضوا لازم قولهم. هـ. وهذا معنى قوله تعالى: {التي فَطَرَ الناسَ عليها}، أي: خلقهم في أصل نشأتم عليها، {لا تبديل لخلق الله} أي: ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تُغير. وقال الزجاج: معناه: لا تبديل لدين الله، ويدل على قوله: {ذلك الدين القيم} أي: المستقيم، {ولكن أكثر الناسِ لا يعلمون} حقيقة ذلك. حال كونكم. {مُنيبين إليه} أي: راجعين إليه، فهو حال من ضمير: الزموا. وقوله: {واتقوه وأقيموا الصلاة}: عطف على الزموا. أو: على (فأقم)؛ لأن الأمر له - عليه الصلاة والسلام - أمرٌ لأمته، فكأنه قال: فأقيموا وجوهكم، منيبين إليه، {واتقوه} أي: خافوا عقوبته، {وأقيموا الصلاة} أي: أَتْقِنُوهَا وأدّوها في وقتها، {ولا تكونوا من المشركين}؛ ممن يشرك به غيره في العبادة. {من الذين فرقوا دينهم}: بدل من "المشركين"؛ بإعادة الجار، أي: لا تكونوا من الذين جعلوا دينهم أدياناً مختلفة باختلاف ما يعبدونه؛ لاختلاف أهوائهم. وقرأ الأَخَوَان: (فارقوا) أي: تركوا دين الإسلام الذي أُمروا به، {وكانوا شِيَعاً} أي: فرقاً، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها، أي: تشيعه، وتقوي سواده، {كل حزب} منهم {بما لديهم فرحون}؛ مسرورون، ظناً بأنه الحق، ثُم يبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. والعياذ بالله. الإشارة: الفطرة التي فَطَر الله الأرواحَ عليها في معرفة العيان، لأنها كلها كانت عارفة بالله، لصفائها ولطافتها، فما عاقها عن تلك المعرفة إلا كَثَافَةُ الأبدان، والاشتغالُ بحظوظها وهواها، حتى نسيت تلك المعرفة. وفي ذلك يقول ابن البنا في مباحثه: شعر : وَلَـمْ تَـزَلْ كُـلُّ نُفُـوسٍ الأَحْيَـا لأمَــةً دَرَّاكَـةً لــلأَشْيَـا وَإِنَّمَــا تَعُــوقُهَـا الأَبْــدَانُ وَالأَنْـفُـسُ النُّــزَّعُ وَالشَّيْـطَــانُ فَكُـلُّ مَـنْ أذاقهــم جِهَــادَهْ أَظْـهَــرَ لِلْقَـاعِــدِ خَــرْقَ الْعَــادَهْ تفسير : قال بعضهم: إنما حجب الله عنها تلك العلوم؛ غيرة أن تكشف سر الربوبية، فيظهر لغير أهله، قال القشيري: {فأَقِمْ وجْهَك} أي: أَخِلْصْ قَصْدَك إلى الله، واحفَظْ عهدك معه، وأَفْرِدْ عملك، في سكناتِك وحركاتك وجميع تصرفاتِك، له. {حنيفاً} أي: مستقيماً في دينه، مائلاً عن غيره، مُعْرِضاً عن سواه. والزَمْ (فطرةَ الله التي فطر الناسَ عليها)، ثم ذكر ما تقدم لنا. ثم قال: {منيبين إليه}؛ راجعين إلى الله بالكلية، من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفائه، منحرفين بكل وجهٍ عن خلافه، مُتَّقينٍ صغير الإثم وكبيره، وقليله وكثيره، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها؛ جهراً، متحققين بمرعاة فضلها؛ سِراً. وقال في قوله تعالى: {من الذين فَرَّقوا دينهم}: أقاموا في دنياهم في دار الغفلة، وعناد الجهل والفترة، فركنوا إلى ظنونهم، واستوطنوا مركب أوهامهم، وثَمِلُوا بِسُكْرِ غَيِّهِمْ، وظنوا أنهم على شيء، فإذا انكشف ضبابُ وقتهم، وانقشع سحابُ هجرهم، انقلب فرحُهم تَرَحاً، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة، ولم يعرجوا إلا في أوطان الجهالة. هـ. ثم ذكر حال أهل الغفلة، فقال: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ...}

الجنابذي

تفسير : {فَأَقِمْ} اى اذا لم تكن تهدى من اضلّ الله ولم تكن تنصرهم فلا تحزن عليهم وانصرف عن الاهتمام بالخلق واقم عن الانحراف لهم {وَجْهَكَ لِلدِّينِ} اى الطّريق الى الله {حَنِيفاً} ظاهراً او خالصاً وهو حال عن الوجه، او عن المضاف اليه الوجه، او عن الدّين والمراد بالدّين هو الطّريق الى الله التّكوينىّ وهو الولاية التّكوينيّة او الطّريق الى الله التّكليفىّ وهو الولاية التّكليفيّة وقد فسّر اقامة الوجه للدّين باقامته فى الصّلٰوة جانب القبلة من غير التفاتٍ الى اليمين والشّمال وبالولاية {فِطْرَتَ ٱللَّهِ} منصوب على الاغراء او على المدح او بتقدير خذ، او مصدر لفعلٍ محذوفٍ دلّ عليه المذكور بعده، والفطرة هى الخلقة الّتى خلق النّاس بل جميع الموجودات عليها وهى الولاية السّارية فى كلّ الموجودات تكويناً المطابق لها الولاية التّكليفيّة الّتى كلّف بها جميع الاناسىّ {ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} والتّفاسير المختلفة الّتى وردت عن المعصومين (ع) فى الآية راجعة الى ما ذكرنا {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} فلا تحزن على ما قالوا فى وصيّك ومنعه عن مقامه فانّه لا يقدر احدٌ على تبديل الولاية التّكوينيّة والتّكليفيّة {ذَلِكَ} المذكور من اقامة الوجه للدّين او ذلك الدّين الحنيف او الولاية التّكليفيّة هو {ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} لا غير {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} انّ الدّين القيّم هو الولاية الّتى هى الطّريق الى الله فلذلك تمسّكوا بصورة الاسلام وتوقّفوا عليها واهتمّوا بها واعرضوا عن الولاية الّتى هى الدّين حقيقة، وصورة الاسلام ليست الاّ هداية اليها.

فرات الكوفي

تفسير : {فطْرَتَ الله التي فطر الناس عليها30} فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله [عليه السلام. أ، ب] في قوله [تعالى. ر] {فطرة الله التي فطر الناس عليها} قال: على التوحيد ومحمد رسول الله [أ: الرسول صلى الله عليه وآله وسلم] وعلي أمير المؤمنين [عليه السلام. أ].

الأعقم

تفسير : {فأقم وجهك}، قيل: أدم على الاستفتاء في الدين، وقيل: أطع الله في أمره {حنيفاً} مائل من جميع الأديان إلا دين الإِسلام {فطرة الله} التقوى {التي فطر الناس عليها} يعني ولأجلها خلق، وفيه إضمار، أي اتبع فطرته وهو ابتداء خلقه للأشياء لأنه خلقهم وركبهم وصورهم على وجه دل على أن لها صانعاً قادراً عالماً حيَّاً سمعياً بصيراً واحداً لا يشبه شيء {لا تبديل لخلق الله} أي لدين الله {ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنه خلقهم للعبادة، وقيل: لا يعلمون أن الدين القيم الاسلام {منيبين إليه واتقوه} أي راجعين إليه بالتوبة مقبلين عليه بالطاعة {واتقوه} أي واتقوا عذابه {ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا دينهم} تركوا دين الاسلام أو فرقوا، أي كل واحد منهم كان على دين ما تهواه فهم جعلوه إيماناً والحق واحدٌ {وكانوا شيعاً} أي فرقاً لكل واحد منهم مذهب ودين، وقيل: هم اليهود والنصارى، وقيل: جميع الكفار، وقيل: هم أهل البدع {كل حزب} جماعة {بما لديهم فرحون} يعني بما يعبدونه من المذاهب والدين {وإذا مس الناس ضر} مرض أو فقر أو ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم {دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة} قيل: استجاب دعاءهم ورحمهم، وقيل: أعطاهم نعمة، وقيل: الرحمة الخصب والنعم {إذا فريق منهم بربهم يشركون}، قوله تعالى: {ليكفروا بما آتيناهم} بإضافة النعم إلى غيره {فتمتعوا} بهذه الدنيا {فسوف تعلمون} عاقبة أمرهم إذا بعثوا للجزاء {أم أنزلنا عليهم سلطاناً} قيل: برهاناً إلى ما ذهبوا إليه، وقيل: رسولاً، وقيل: حجة، وقيل: كتاب {فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} أي يتكلم بحجة وعذر لهم في شركهم {وإذا أذقنا الناس رحمةً} أي نعمة من مطر وسعة أو صحة {فرحوا بها وإن تصبهم سيئة} أي بلاء من جدب أو ضيق بحسب المصلحة، فلا ينبغي أن يقنطوا عند الشدة {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} وخصّهم لأنهم انتفعوا بالآيات {فآت ذا القربى حقه}، قيل: خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: الخطاب لغيره، حق ذي القربى صلة الرحم، وحق {المسكين وابن السبيل} نصيبهما من الصدقة، والمسكين الذي لا شيء له، وابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله {ذلك خير} فعل ما أمر الله به {للذين يريدون وجه الله} أي ابتغاء مرضاته وثوابه {وأولئك هم المفلحون} الفائز بالبقاء الدائم {وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس} أراد الربا المحظور {فلا يربوا عند الله} ولا يبارك فيه {وما آتيتم من زكاة} أي أعطيتم من الزكاة على ما فرض الله وشرعه {تريدون وجه الله} أي طلب ثوابه ومرضاته {فأولئك هم المضعفون} أي يضاعف لهم الثواب على ذلك.

اطفيش

تفسير : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} يا محمد. {لِلدِّينِ حَنِيفاً} مائلا اليه اي اخلص دينك لله انت ومن تبعك وقيل سدد عملك وحنيفا حال من ضمير اقم او كاف وجهك او من الدين وعلى الأولين فكأنه قيل غير ملتفت عن الدين بكسر الفاء وعلى الثالث فكأنه قيل غير ملتفت عنه بفتح الفاء واقامة الوجه تمثيل للاقبال على الدين والاستقامة عليه والاهتمام بأسبابه فان من اهتم بشيء أدام اليه النظر واقبل عليه بوجهه وكان التمثيل بإقامة الوجه لانه اشرف فانه جامع الحواس. {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الفطرة الخلقة وهو مصدر مسوغ للهيئة كالخيفة وهو مفعول لمحذوف اي الزم او الزموا وقدر بعضهم عليك بناء على جواز اعمال اسم الفعل محذوفا واجيز ان يكون مفعولا مطلقا لمحذوف دل عليه فطر الناس عليها والاصل فطر الله فطرة ولما حذف العامل واضيف المصدر للفاعل صح ان يوصف بالتي لكونه معرفة بالاضافة وتلك الفطرة التي فطر الناس عليها هي قبول الحق والتمكن من ادراكه او ملة الاسلام وقيل العهد المأخوذ عنهم اذ كانوا في ظهر ادم {أية : الست بربكم قالوا بلى }تفسير : فلو خلّوا وما فطرهم الله عليه لكانوا على الحق والاسلام وممن قال ان الفطرة ملة الاسلام ابن عباس قال الكلبي هو العهد المأخوذ عنهم قال: اول ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن الى يوم القيامة فأعمال العباد تعرض في الخميس والاثنين فيجدونها على ما في اللوح ثم خرجت الذرية من ظهر ادم كالذر فأخذ عليها الميثاق ورجعت فمنهم الوافي ومنهم الناقص وهو الشقي وولد المؤمن من ملوك الجنة ولا يأتي والده من باب من ابواب الجنة الا وجده فيه وقد كفى مؤنته في الدنيا بالموت ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل مات ابنه فقعد في البيت ففقده وذكره وبلغ الى الرجل انه ذكره فأتاه. وولد المشرك والمنافق في الوقوف وقيل في الولاية ويكون خادما لاهل الجنة لانه لم يعمل ولم يكفر وسئل صلى الله عليه وسلم من في الجنة فقال "حديث : النبيون عليهم السلام والمولود والشهيد والموءودة "تفسير : وكذا المجنون من الطفولية والمولود الذي لا يسمع اصلا وزعم الحسن ان اهل الفترة ومن ادرك الاسلام هرما ومن ولن لا يسمع ومن يتخبطه الشيطان قيل واطفال المشركين والمنافقين توقد لهم نارا فينجوا مقتحمها ويهلك من ابى وذلك يوم القيامة وهو باطل وفي الحديث "حديث : كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون ابواه ينصرانه او يهودانه او يمجسانه "تفسير : فلو تركوا لما اختاروا غير الاسلام لكونه مجاوبا للعقل مساويا للنظر الصحيح قال صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه "حديث : كل عبادي خلقت حنفاء فاختالتهم الشياطين عن دينهم وامروهم ان يشركوا بي غيري "تفسير : وعن ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مولود الا يولد على الفطرة "تفسير : وتلا {فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا} وحكي عن عبدالله بن المبارك ان معنى الحديث ان كل مولود يولد على خلقته التي خلق عليها في علم الله من السعادة والشقاوة ومن امارات شقاوة الطفل ان يولد بين يهوديين او نصرانيين يحملانه لشقائه على معتقدهما. {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} وهو دينه اي لا تبدلوه بالاشراك فاللفظ اخبار والمعنى طلب او لا يقدر احد ان يغيره او لا يحسن ان يغيره وقيل لا يرد السعيد شقيا ولا الشقي سعيدا او لا يصرف الكافر من كفره ولا المؤمن عن ايمانه اذا سبق علم الله انه يموت كذلك وقيل نزل ذلك في اخصاء البهائم. {ذَلِكَ} الدين المأمور بإقامة الوجه له او المذكور من الفطرة التي هي ملة الاسلام. {الدِّينُ القَيِّمُ} المستقيم وفيه مبالغة لم تكن في قائم. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} المراد اكثر الناس مطلقا او كفار مكة لا يعلمون توحيد الله او لا يعلمون استقامة دين الله جل وعلا او ليسوا من اهل العلم والتدبر.

اطفيش

تفسير : {فأقِم وجْهَك للدَّين حنَيفاً} والفاءان عاطفتان، والايتان تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإياس له من إيمانهم "حديث : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"تفسير : فاشتغل بنفسك ومن تبعك، ومعنى: (أقم وجهك) اقبل على دين الاسلام، واثبت عليه، ورتب اسبابه، ولا تلتفت الى غيره، كمن اهتم بشئ، فلا يصرف وجهه ونظره عنه، واللام للتعدية، والملك او التعليل او بمعنى الى، وحنيفا حال من ضمير اقم، او من وجهك او الدين او للدين، متعلق بحنيفا اى مائلا اليه، معرضا عن غيره. {فِطْرة الله التَّى فَطَر النَّاسَ عَليْها} منصوب على الاغراء، اى الزموا فطرة الله او مفعول لاتبعوا محذوفا، ومنيبين حال من واو الزموا، او واو اتبعوا، او فطرة بدل من وجهك على معنى طريقتك، او بيان له ولا يصح ان يكون بدلاً من حنيفا، لان الحنيف وصف وقع حالا، وفطرة مصدر، والمعنى متغاير، وهو فعلة من الفطر بمعنى الخلق، وهو الابتداء والاختراع، وفسره كثير بقابلية الحق والتهيؤ لإدراكه، وفسروا لزومها او اتباعها بالجريان على مقتضاها، وفسرها عبدالله بن المبارك بما خلق الله من السعادة والشقاوة، فى حديث: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة"تفسير : والذي اقول به انها دين الاسلام التوحيد وتوابعه، فعن انس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هى دين الإسلام"تفسير : ومعنى فطرهم عليها خلق عقولهم قابلة لها، لائقة ولو يعلم الناس الصبيان الكفر لم يكفروا بعد البلوغ، بل يبلغون على الاسلام. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" تفسير : روى البخارى ومسلم، عن ابى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مولود يولد إلاَّ على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"تفسير : كما تنتج البهيمة بهيمة جماء، هل تحسون فيها، جدعاء اى مقطوعة الاذن او الانف، وذلك شامل للجن والانس، ولا يشكل بالغلام الذي قتله الخضر عيله السلام، وان فى كتفه مكتوبا هو كافر لاق معناه انه يكفر لو بلغ، وقيل: هى اسلام يوم الست بربكم، والمراد بالناس العموم، ولا سيما على القول الاخير، لا كما قيل المراد المؤمنون فى غير هذا الاخير. {لا تَبْديل الخَلْق الله} هو فطرة الله، عبر عنها بخلق الله وضعا للظاهر موضع المضمر، والمعنى ذلك بسنة الله عز وجل، لا يبدلها بخلقهم، او خلق بعضهم على الكفر، لانه خلاف الحكمة، والحكمة الاسلام، او المعنى لا قدرة لاحد على ان تكون فطرتهم على الشرك، وقيل: لا قدرة لمخلوق ان يجعل الناس غير مملوكين لله، بل احرار لا يعبدونه مستقلون عنه، كما زعم بعض الكاذبين ان العبد اذا بلغ الكمال فى العبادة سقطت عنه، وقد أخطا فى بلوغ الكمال الكلى، اذ لا يتصور، بل كلما ازداد كما لا ازداد عبودية لازدياد نعم الله. {ذلك} الدين المذكور فى قوله سبحانه، فأقم وجهك للدين او اللزوم او الاتباع المقدرين على فطرة، اوالفطرة، وعليه فاشارة المذكر لتذكير الخبر او التأويل بالاسلام {الدِّين القَيِّم} المستقيم الذى لا يخالطه سفه ولا مكروه، ولا لهو او لعب وما لا فائدة فيه، ولا معصية او كفر {ولكنَّ أكْثر النَّاس} من لدن آدم الى قيام الساعة، وهكذا قلت حيث يصح فى القرآن، ولم اذكره فان اكثر الناس كفرة، وأهل التوحيد قليل مع ان منهم موفيا وغير موف، والموفى قليل {لا يعْلمُون} ذلك فهم يصدون اولا علم لهم بشئ تحقيقا من الدين، ولو علموه لجرهم الى الحق.

الالوسي

تفسير : والكلام مسوق لتسلية رسوله صلى الله عليه وسلم وتوطئة لأمره عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً } قال العلامة الطيبـي: إنه تعالى عقيب ما عدد الآيات البينات والشواهد الدالة على الوحدانية ونفي الشرك وإثبات القول بالمعاد وضرب سبحانه المثل وقال سبحانه: {أية : كَذَلِكَ نُفَصّلُ ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }تفسير : [الروم: 28] أراد جل شأنه أن يسلي حبيبه صلوات الله تعالى وسلامه عليه ويوطنه على اليأس من إيمانهم فأضرب تعالى عن ذلك وقال سبحانه: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ } وجعل السبب في ذلك أنه عز وجل ما أراد هدايتهم وأنه مختوم على قلوبهم ولذلك رتب عليه قوله تعالى: {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } على التقريع والإنكار ثم ذيل سبحانه الكل بقوله تعالى: {أية : وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ }تفسير : [الروم: 29] يعني إذا أراد الله تعالى منهم ذلك فلا مخلص لهم منه ولا أحد ينقذهم لا أنت ولا غيرك فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فاهتم بخاصة نفسك ومن تبعك وأقم وجهك الخ اهـ، ومنه يعلم حال الفاء في قوله تعالى: {فَمَنْ } وكذا في قوله سبحانه: {فَأَقِمْ } وقدر النيسابوري للثانية إذا تبين الحق وظهرت الوحدانية فأقم الخ، ولعل ما أشار إليه الطيبـي أولى، ثم إنه يلوح من كلامه احتمال أن يكون الموصول قائماً مقام ضمير {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } فتدبر. {وَأَقِمِ } من أقام العدو ويقال قوم العود أيضاً إذا عدله، والمراد الأمر بالإقبال على دين الإسلام والاستقامة والثبات عليه والاهتمام بترتيب أسبابه على أن الكلام تمثيل لذلك فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر عقد إليه طرفه وسدد إليه نظره وأقبل عليه بوجه غير ملتفت عنه فكأنه قيل: فعدل وجهك للدين وأقبل عليه إقبالاً كاملاً غير ملتفت يميناً وشمالاً، وقال بعض الأجلة: إن إقامة الوجه للشيء كناية عن كمال الاهتمام به ولعله أراد بالكناية المجاز المتفرع على الكناية فإنه لا يشترط فيه إمكان إرادة المعنى الحقيقي، ونصب {حَنِيفاً } على الحال من الضمير في {أَقِمِ } أو من الدين، وجوز أبو حيان كونه حالاً من الوجه، وأصل الحنف الميل من الضلال إلى الاستقامة وضده الجنف بالجيم. {فِطْرَتَ ٱللَّهِ } نصب على الإغراء أي الزموا فطرة الله تعالى، ومن أجاز إضمار أسماء الأفعال جوز أن يقدر هنا عليكم اسم فعل، وقال مكي: هو نصب باضمار فعل أي اتبع فطرة الله ودل عليه قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ } لأن معناه اتبع الدين، واختاره الطيبـي وقال: إنه أقرب في تأليف النظم لأنه موافق لقوله تعالى: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ } ولترتب قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ } عليه بالفاء. وجوز أن يكون نصباً بإضمار أعني وأن يكون مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف دل عليه ما بعد أي فطركم فطرة الله، ولا يصح عمل فطر المذكر بعد فيه لأنه من صفته، وأن يكون منصوباً بما دل عليه الجملة السابقة على أنه مصدر مؤكد لنفسه. وأن يكون بدلاً من {حَنِيفاً } والمتبادر إلى الذهن النصب على الإغراء، وإضمار الفعل على خطاب الجماعة مع أن المتقدم {فَأَقِمْ } هو ما اختاره الزمخشري ليطابق قوله تعالى: {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } وجعله حالاً من ضمير الجماعة المسند إليه الفعل، وجعل قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ.... وَلاَ تَكُونُواْ }تفسير : [الروم: 31] معطوفاً على ذلك الفعل. وقال الطيبـي بعدما اختار تقدير اتبع ورجحه بما سمعت: وأما قوله تعالى: {أية : مُّنِيبِينَ} تفسير : [الروم: 31] فهو حال من الضمير في {أَقِمِ } وإنما جمع لأنه مردد على المعنى لأن الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم وهو خطاب لأمته / فكأنه قيل: أقيموا وجوهكم منيبين. وقال الفراء: أي أقم وجهك ومن تبعك كقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ }تفسير : [هود: 112] فلذلك قال سبحانه: {مُّنِيبِينَ } وفي «المرشد» أن {مُّنِيبِينَ } متعلق بمضمر أي كونوا منيبين لقوله تعالى بعد: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }تفسير : [الروم: 31] اهـ. ولا يخفى على المنصف حسن كلام الزمخشري، وما ذكر من أن خطابه صلى الله عليه وسلم خطاب الأمة يؤكد الدلالة وعلى ذلك المضمر لا أنه يجوز أن يكون {مُّنِيبِينَ } حالاً من الضمير في {أَقِمِ } وظاهر كلام الفراء يقتضي كون الحال من مذكور ومحذوف وهو قليل في الكلام، وإضمار كونوا مع إضمار فعل ناصب لفطرة الله موجب لكثرة الإضمار، وإضماره دون إضمار فيما قبل موجب لارتكاب خلاف المتبادر هناك. والفطرة على ما قال ابن الأثير للحالة كالجلسة والركبة من الفطرة بمعنى الابتداء والاختراع، وفسرها الكثير هنا بقابلية الحق والتهيىء لإدراكه، وقالوا: معنى لزومها الجريان على موجبها وعدم الإخلال به باتباع الهوى وتسويل شياطين الإنس والجن، ووصفها بقوله تعالى: {ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا } لتأكيد وجوب امتثال الأمر، وعن عكرمة تفسيرها بدين الإسلام. وفي الخبر ما يدل عليه، أخرج ابن مردويه عن حماد بن عمر الصفار قال: سألت قتادة عن قوله تعالى: {فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا } فقال: حدثني أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فطرة الله التي فطر الناس عليها دين الله تعالى» تفسير : والمراد بفطرهم على دين الإسلام خلقهم قابلين له غير نابين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوباً للعقل مساوقاً للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما اختاروا عليه ديناً آخر، ففي «الصحيحين» عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء»تفسير : والمراد بالناس على التفسيرين جميعهم. وزعم بعضهم أن المراد بهم على التفسير الثاني المؤمنون وليس بشيء. واستشكل الاستغراق بأنه ورد في الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام أنه طبع على الكفر. وأجيب بأن معنى ذلك أنه قدر أنه لو عاش يصير كافراً بإضلال غيره له أو بآفة من الآفات البشرية، وهذا على ما قيل هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الشقي شقي في بطن أمه»تفسير : وذلك لا ينافي الفطر على دين الإسلام بمعنى خلقه متهيأ له مستعداً لقبوله فتأمل فالمقام محتاج بعد إلى تحقيق، وقيل: فطرة الله العهد المأخوذ على بني آدم، ومعنى فطرهم على ذلك على ما قيل خلقهم مركوزاً فيهم معرفته تعالى كما أشير إليه بقوله سبحانه: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }تفسير : [لقمان: 25]. وقوله سبحانه: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} تعليل للأمر بلزوم فطرته تعالى أو لوجوب الامتثال به فالمراد بخلق الله فطرته المذكورة أولاً ففيه إقامة المظهر مقام المضمر من غير لفظه السابق، والمعنى لا صحة ولا استقامة لتبديل فطرة الله تعالى بالإخلال بموجبها وعدم ترتيب مقتضاها عليها باتباع الهوى وقبول وسوسة الشياطين، وقيل: المعنى لا يقدر أحد على أن يغير خلق الله سبحانه وفطرته عز وجل فلا بد من حمل التبديل على تبديل نفس الفطرة بإزالتها رأساً ووضع فطرة أخرى مكانها غير مصححة لقبول الحق والتمكن من إدراكه ضرورة، فإن التبديل بالمعنى الأول مقدور بل واقع قطعاً فالتعليل حينتذ من جهة أن سلامة الفطرة متحققة / في كل أحد فلا بد من لزومها بترتيب مقتضاها عليها وعدم الإحلال به بما ذكر من اتباع الهوى ووسوسة الشياطين. وقال الإمام: يحتمل أن يقال: إن الله تعالى خلق خلقه للعبادة وهم كلهم عبيده لا تبديل لخلق الله أي ليس كونهم عبيداً مثل كون المملوك عبداً للإنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره ويخرج عن ملكه بالعتق بل لا خروج للخلق عن العبادة والعبودية، وهذا لبيان فساد قول من يقول: العبادة لتحصيل الكمال وإذا كمل للعبد بها لا يبقى عليه تكليف. وقول المشركين: إن الناقض لا يصلح لعبادة الله تعالى وإنما يعبد نحو الكواكب وهي عبيد الله تعالى، وقول النصارى: إن عيسى عليه السلام كمل بحلول الله تعالى فيه وصار إلهاً اهـ وفيه ما فيه، ومما يستغرب ما روي عن ابن عباس من أن معنى {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } النهي عن خصاء الفحول من الحيوان، وقيل: إن الكلام متعلق بالكفرة كأنه قيل: فأقم وجهك للدين حنيفاً والزم فطرة الله التي فطر الناس عليها فإن هؤلاء الكفرة خلق الله تعالى لهم الكفر ولا تبديل لخلق الله أي أنهم لا يفلحون. وأنت تعلم أنه لا ينبغي حمل كلام الله تعالى على نحو هذا. {ذٰلِكَ } إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو إلى لزوم فطرة الله تعالى المستفاد من الإغراء أو إلى الفطرة والتذكير باعتبار الخبر أو بتأويل المشار إليه بمذكر {ٱلدّينُ ٱلْقَيّمُ } المستوي الذي لا عوج فيه ولا انحراف عن الحق بوجه من الوجوه كما ينبىء عنه صيغة المبالغة، وأصله قيوم على وزن فيعل اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فيها {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك فيصدون عنه صدوداً. وقيل: أي لا علم لهم أصلاً ولو علموا لعلموا ذلك على أن الفعل منزل منزلة اللازم.

ابن عاشور

تفسير : الفاء فصيحة. والتقدير: إذا علمت أحوال المعرضين عن دلائل الحق فأقم وجهك للدين. والأمر مستعمل في طلب الدوام. والمقصود: أن لا تهتم بإعراضهم، كقوله تعالى {أية : فإن حاجّوك فقل أسلمتُ وجهي لله ومن اتبعنى}تفسير : [آل عمران: 20] وقوله {أية : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك}تفسير : [هود: 112] (أي من آمن) وقوله {أية : أدْعوا إلى الله على بصيرة أنا ومَن اتّبعن}تفسير : [يوسف: 108]. فالمعنى: فأقم وجهك للدين والمؤمنون معك، كما يؤذن به قوله بعده {أية : منيبين إليه واتقوه}تفسير : [الروم: 31] بصيغة الجمع. وإقامة الوجه: تقويمه وتعديله باتجاهه قبالة نظره غير ملتفت يميناً ولا شمالاً. وهو تمثيل لحالة الإقبال على الشيء والتمحض للشغل به بحال قصر النظر إلى صوب قبالته غير ملتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، وهذا كقوله تعالى {أية : وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادْعُوه مخلصين}تفسير : [الأعراف: 29] وقوله حكاية عن إبراهيم {أية : إني وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض}تفسير : [الأنعام: 79] وقوله تعالى {أية : فقل أسلمتُ وجهي لله}تفسير : [آل عمران: 20]، أي أعطيته لله، وذلك معنى التمحيض لعبادة الله وأن لا يلتفت إلى معبود غيره. والتعريف في {الدين}للعهد وهو دينهم الذي هم عليه وهو دين الإسلام. و{حنيفاً}يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستتر في فعل {أقم}فيكون حالاً للنبي صلى الله عليه وسلم كما كان وصفاً لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى {أية : إن إبراهيم كان أمةً قانتاً لله حنيفاً}تفسير : [النحل: 120]، وهذا هو الأظهر في تفسيره. ويجوز كونه حالاً من الدين على ما فسر به الزجاج فيكون استعارة بتشبيه الدين برجل حنيف في خلوّه من شوائب الشرك، فيكون الحنيف تمثيلية وفي إثباته للدين استعارة تصريحية. وحنيف: صيغة مبالغة في الاتصاف بالحَنَف وهو الميْل، وغلب استعمال هذا الوصف في الميل عن الباطل، أي العدول عنه بالتوجه إلى الحق، أي عادلاً ومنقطعاً عن الشرك كقوله تعالى {أية : قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} تفسير : وقد مضى في سورة البقرة (135). و{فطرة الله} بدل من {حنيفاً} بدل اشتمال فهو في معنى الحال من {الدين} أيضاً وهو حال ثانية فإن الحال كالخبر تتعدد بدون عطف على التحقيق عند النحاة. وهذا أحسن لأنه أصرح في إفادة أن هذا الدين مختص بوصفين هما: التبرؤ من الإشراك، وموافقتُه الفطرة، فيفيد أنه دين سمح سهل لا عنت فيه. ونظيره قوله تعالى {أية : ولم يجعل له عِوجاً قيّماً}تفسير : [الكهف: 1،2] أي الدين الذي هو فطرة الله لأن التوحيد هو الفطرة، والإشراك تبديلٌ للفطرة. والفطرة أصله اسم هيئة من الفَطْر وهو الخَلْق مثل الخِلقة كما بيّنه قوله {التي فَطَرَ الناس عليها}أي جَبَلَ الناسَ وخلقهم عليها، أي متمكنين منها. فحرف الاستعلاء مستعار لتمكن ملابسة الصفة بالموصوف تمكناً يشبه تمكن المعتلي على شيء، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى {أية : أولئك على هدى من ربهم} تفسير : في سورة البقرة (5)، وحقيقة المعنى: التي فطر الناس بها. ومعنى فطر الناس على الدين الحنيف أن الله خلق الناس قابلين لأحكام هذا الدين وجعل تعاليمه مناسبة لخلقتهم غير مجافية لها، غير نائين عنه ولا منكرين له مثل إثبات الوحدانية لله لأن التوحيد هو الذي يساوق العقل والنظر الصحيح حتى لو ترك الإنسان وتفكيره ولم يلقَّن اعتقاداً ضالاً لاهتدى إلى التوحيد بفطرته. قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أي الفطرة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان التي هي مُعِدَّة ومُهَيِّئَة لأن يميز بها مصنوعات الله، ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه. اه. وإن لم أر من أتقن الإفصاح عن معنى كون الإسلام هو الفطرة فأبينه: بأن الفطرة هي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، والفطرة التي تخص نوع الإنسان هي ما خلقه الله عليه جسداً وعقلاً، فمشي الإنسان برجليه فطرة جسدية، ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية، ومحاولة استنتاج أمر من غير سببه خلاف الفطرة العقلية وهو المسمى في علم الاستدلال بفساد الوضع، وجزمنا بأن ما نبصره من الأشياء هو حقائق ثابتة في الوجود ونفس الأمر فطرة عقلية، وإنكار السوفسطائية ثبوت المحسوسات في نفس الأمر خلاف الفطرة العقلية. وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة في كتابه {النجاة} فقال: «ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل لكنه لم يسمع رأياً ولم يعتقد مذهباً ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهَدَ المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يَعرضَ على ذهنه شيئاً ويتشكك فيه فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة، وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق إنما الصادق فطرة القوة التي تسمى عقلاً، وأما فطرة الذهن بالجملة فربما كانت كاذبة، وإنما يكون هذا الكذب في الأمور التي ليست محسوسة بالذات بل هي مبادىء للمحسوسات. فالفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديقَ بها: إما شهادة الكل مثل: أنَّ العدل جميل، وإما شهادة الأكثر؛ وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم. وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديق بها في الفطرة فما كان من الذائعات ليس بأوَّلي عقلي ولا وهَمِيّ فإنها غير فطرية، ولكنها متقررة عند الأنفس لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس أو الاستقراءُ الكثير، أو كون القول في نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقاً صِرفاً فلا يُفْطَن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق، اهــــ. فوصف الإسلام بأنه فطرة الله معناه أن أصل الاعتقاد فيه جار على مقتضى الفطرة العقلية، وأما تشريعاته وتفاريعه فهي: إما أمور فطرية أيضاً، أي جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به، وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته. وقوانين المعاملات فيه هي راجعة إلى ما تشهد به الفطرة لأن طلب المصالح من الفطرة. وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه وقد بينته في كتابي المسمى «مقاصد الشريعة الإسلامية». واعلم أن شواهد الفطرة قد تكون واضحة بينة وقد تكون خفية، كما يقتضيه كلام الشيخ ابن سينا، فإذا خفيت المعاني الفطرية أو التبست بغيرها فالمضطلعون بتمييزها وكشفها هم العلماء الحكماء الذين تمرسوا بحقائق الأشياء والتفريق بين متشابهاتها، وسبروا أحوال البشر، وتعرضت أفهامهم زماناً لتصاريف الشريعة، وتوسموا مراميها، وغاياتها وعصموا أنفسهم بوازع الحق عن أن يميلوا مع الأهواء. إن المجتَمع الإنساني قد مُني عصوراً طويلة بأوهام وعوائد ومألوفات أدخلها عليه أهل التضليل، فاختلطت عنده بالعلوم الحق فتقاول الناس عليها وارتاضوا على قبولها، فالتصقت بعقولهم التصاق العنكبوت ببيته، فتلك يخاف منها أن تُتلقى بالتسليم على مرور العصور فيعسر إقلاعهم عنها وإدراكهم ما فيها من تحريف عن الحَق، فليس لتمييزها إلا أهل الرسوخ أصحاب العلوم الصحيحة الذين ضربوا في الوصول إلى الحقائق كلَّ سبيل، واستوضحوا خطيرها وسليمها فكانوا للسابلة خيرَ دليل. وكونُ الإسلام هو الفطرة، وملازمة أحكامه لمقتضيَات الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه، أما أصوله فاشتركت فيها الأديان الإلهية، وهذا ما أفاده قوله {ذلك الدين القيّم}. فالإسلام عام خالد مناسب لجميع العصور وصالح بجميع الأمم، ولا يستتب ذلك إلا إذا بنيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية ليكون صالحاً للناس كافة وللعصور عامة وقد اقتضى وصف الفطرة أن يكون الإسلام سمحاً يُسْراً لأن السماحة واليسر مبتغى الفطرة. وفي قوله {التي فطر الناس عليها} بيان لمعنى الإضافة في قوله {فطرة الله}وتصريح بأن الله خلق الناس سالمةٌ عقولهم مما ينافي الفطرة من الأديان الباطلة والعادات الذميمة، وأن ما يدخل عليهم من الضلالات ما هو إلا من جرَّاء التلقي والتعود، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يولد الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصِّرانه أو يُمجسانه كما تُنتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تُحِسُّون فيها من جَدعاء»، تفسير : أي كما تولد البهيمة من إبل أو بقر أو غنم كاملة جمعاء أي بذيلها، أي تُولد كاملة ويعمد بعض الناس إلى قطع ذيلها وجدعه وهي الجدعاء، و(تُحسون) تدركون بالحس، أي حاسّة البصر. فجعل اليهودية والنصرانية مخالفة الفطرة، أي في تفاريعهما. وفي «صحيح مسلم» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: «حديث : وإني خلقت عبادي حُنفاء كلهم ــــ أي غير مشركين ــــ وأنهم أتتهم الشياطين فأجالتهم عن دينهم وحرَّمت عليهم ما أحلَلْتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» تفسير : الحديث. وجملة {لا تبديل لخلق الله} مبيِّنة لمعنى {فطرة الله التي فطر الناس عليها}فهي جارية مجرى حال ثالثة من {الدّين}على تقدير رابط محذوف. والتقدير: لا تبديل لخلق الله فيه، أي في هذا الدين، فهو كقوله في حديث أم زرع في قول الرابعة: زوجي كلَيْل تهامة لا حرَّ ولا قُرَّ ولا مخافة ولا سآمة أي في ذلك الليل. فمعنى {لا تبديل لخلق الله} أنه الدين الحنيف الذي ليس فيه تبديل لخلق الله خلاف دين أهل الشرك، قال تعالى عن الشيطان: {أية : ولآمرنهم فَلُيغيِّرُنَّ خلقَ الله}تفسير : [النساء: 119]. ويجوز أن تكون جملة {لا تبديل لخلق الله} معترضة لإفادة النهي عن تغيير خلق الله فيما أودعه الفطرة. فتكون {لا تبديل لخلق الله} خبراً مستعملاً في معنى النهي على وجه المبالغة كقوله {أية : ولا تَقْتُلوا أنفسكم}تفسير : [النساء: 29]. فنفي الجنس مراد به جنس من التبديل خاص بالوصف لا نفي وقوع جنس التبديل فهو من العام المراد به الخصوص بالقرينة. واسم الإشارة لزيادة تمييز هذا الدين مع تعظيمه. و{القيِّم}: وصف بوزن فَيْعِل مثل هيِّن وليِّن يفيد قوة الاتصاف بمصدره، أي البالغ قوة القيام مثل استقام الذي هو مبالغة في قام كاستجاب. والقيام: حقيقته الانتصابُ ضد القعود والاضطجاع، ويطلق مجازاً على انتفاء الاعوجاج يقال: عود مستقيم وقيم، فإطلاق القيم على الدين تشبيه انتفاء الخطإ عنه باستقامة العود وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس، كما في قوله تعالى: {أية : ولم يجعل له عِوجاً قيماً} تفسير : [الكهف: 1،2] وقال تعالى: {ذلك الدين القيم} تفسير : في سورة براءة (36). ويطلق أيضاً على الرعاية والمراقبة والكفالة بالشيء لأنها تستلزم القيام والتعهد قال تعالى {أية : أفَمَنْ هو قائم على كل نفس بما كسبت}تفسير : [الرعد: 33]، ومنه قلنا لراعي التلامذة ومراقب أحوالهم: قَيِّم. ويطلق القيم على المهيمن والحافظ. والمعاني كلها صالحة للحمل عليها هنا، فإن هذا الكتاب معصوم عن الخطأ ومتكفل بمصالح الناس، وشاهد على الكتب السالفة تصحيحاً ونسخاً قال تعالى: {أية : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} تفسير : وتقدم في طالع سورة المائدة (48). فهذا الدين به قوام أمر الأمة. قال عمر بن الخطاب لمعاذ بن جبل: يا معاذ ما قِوام هذه الأمة؟ قال: الإخلاص وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والصلاة وهي الدين، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت. يريد معاذٌ بالإخلاص التوحيد كقوله تعالى {أية : مخلصين له الدين حنفاء}تفسير : [البينة: 5]. والاستدراك في قوله {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} لدفع توهم واهِمٍ يقول إذا كان هو دين الفطرة وهو القيِّم فكيف أعرض كثير من الناس عنه بعد تبليغه، فاستدرك ذلك بأنهم جهال لا علم عندهم فإن كان قد بلغهم فإنهم جهلوا معانيه لإعراضهم عن التأمل ولا يعلمون منه إلا ما لا يفيدهم مُهمهم لأنهم لم يسعوا في أن يَبلغهم على الوجه الصحيح؛ ففعل {لا يعلمون}غير متطلب مفعولاً بل هو منزل منزلة اللازم لأن المعنى لا علم عندهم على نحو ما قرر في نظيره في أول هذه السورة. والمراد بــــ {أكثر الناس}المشركون إذ أعرضوا عن دعوة الإسلام، وأهلُ الكتاب إذ أبوا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة أديانهم بعد إبطالها لانتهاء صلاحية تفاريعها بانقضاء الأحوال التي شرعت لها انقضاء لا مطمع بعده لأن تعود. ومقابل {أكثر الناس}هم المؤمنون، وشرذمة من علماء أهل الكتاب علموا أحقية الإسلام وبقُوا على أديانهم عناداً: فهم يعلمون ويكابرون، أو تحيُّراً: فهم في شك بين علم وجهل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فأقم وجهك للدين حنيفا: أي سدد وجهك يا رسولنا للدين الإِسلامي بحيث لا تنظر إلا إِليه. حنيفا: أي مائلا عن سائر الأديان إليه، وهو بمعنى مقبلاً عليه. فطرة الله: أي صنعة الله التي صنع عليها الإِنسان وهي قابليته للإِيمان بالله تعالى. لا تبديل لخلق الله: أي لا تعملوا على تغيير تلك القابلية للإِيمان والتوحيد فالجملة خبرية لفظاً انشائية معنى. الدين القيم: أي المستقيم الذي لا يضل الآخذ به. منيبين إليه: أي راجعين إليه تعالى بفعل محابه وترك مكارهه. وكانوا شيعا: أي طوائف وأحزاباً كل فرقة فرحة بما هي عليه من حق وباطل. معنى الآيات: لما قرر تعالى عقيدة التوحيد والبعث والجزاء بالأدلة وضمن ذلك عقيدة النبوة وإثباتها للنبيّ صلى الله عليه وسلم أمر رسوله والمؤمنون تبع له فقال {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} أي أنصبوا وجوهكم أيها الرسول والمؤمنون للدين الحق دين الإِسلام القائم على مبدأ التوحيد والعمل الصالح، فلا تلتفتوا إلى غيره من الأديان المنحرفة الباطلة. وقوله {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} أي أقيموا وجوهكم للدّين الحق الذي فطر الله الإِنسان عليه تلك الفطرة التي هي خلق الإِنسان قابلا للإِيمان والتوحيد. وقوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} أي لا تبدلوا تلك الخلقة ولا تغيروها بل نموها وأبرزوها بالتربية حتى ينشأ الطفل على الإِيمان والتوحيد. فالجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى نحو فهل أنتم منتهون فهي بمعنى انتهوا وهي أبلغ من انتهوا فكذا: لا تبديل أبلغ من لا تبدلوا. وقوله: {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} أي لزوم ما فطر عليه المرء من الإِيمان بالله وتوحيده.. وابراز ذلك في الواقع بالإِيمان بالله وبما أمر بالإِيمان به من أركان الإِيمان وبعبادة الله تعالى وهي طاعته بفعل ما يأمر به وينهى عنه مخلصاً له ذلك لا يشاركه فيه غيره من سائر مخلوقاته هو الدين القيم الذي يجب أن يكون عليه الإِنسان وقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} يخبر تعالى بأن ما قرره من الدين القيم كما بيَّنه في الآيات أكثر الناس لا يعلمونه ولا يعرفونه وهو كما أخبر سبحانه وتعالى: وقوله {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي أقيموا وجوهكم للدين القيم حال كونكم راجعين إليه تعالى تائبين إليه من كل دين غير هذا الدين، ومن كل طاعة غير طاعته تعالى بفعل الأوامر واجتناب النواهي. وقوله: {وَٱتَّقُوهُ} أي خافوه تعالى إذ عذابه شديد فلا تتركوا دينه لأي دين ولا طاعته لأي مطاع غير الله تعالى ورسوله وقوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي حافظوا عليها في أوقاتها وأدوها كما شرعها كميّة وكيفيّة فإِنها سقيا الإِيمان ومُنمية الخشية والمحبة لله تعالى. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} ينهى تعالى المؤمنين أهل الدين القيم الذي هو الإِسلام أن يكونوا من المشركين في شيء من ضروب الشرك عقيدة أو قولا أو عملا. فكل ملة غير الإِسلام أهلها مشركون كافرون سواء كانوا مجوساً أو يهوداً أو نصارى أو بوذة أو هندوكاً أو بلاشفة شيوعيين إذ جميعهم فرقوا دينهم الذي يجب أن يكونوا عليه وهو دين الفطرة وهو الإِسلام وكانوا شيعاً أي فرقاً وأحزاباً كل فرقة تنتصر لما هي عليه وتتحزب له. فأصبح كل حزب منهم بما لديهم من دين فرحين به ظناً منهم أنه الدين الحق وهو الباطل قطعاً، لأنه ليس دين الفطرة التي فطر الله عليها الإِنسان وهو الإِسلام القائم على توحيد الله تعالى وعبادته بما شرع لعباده أن يعبدوه به ليَكْمُلُوا على ذلك ويسعدوا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) وجوب الإِقبال على الله تعالى بعبادته والاخلاص له فيها. 2) الإِسلام دين الله الذي خلق الإِنسان متأهلا له ولا يقبل منه دين غيره. 3) وجوب الإِنابة إلى الله تعالى والرجوع إِليه في كل حال. 4) وجوب تقوى الله عز وجل وإقام الصلاة. 5) البراءة من الشرك والمشركين. 6) حرمة الافتراق في الدين الإِسلامي ووجوب الاتحاد فيه عقيدة وعبادة وقضاء.

القطان

تفسير : أقمْ وجهك للدين: أَقبل عليه وأخلص له. حنيفا: مائلا من الشر الى الخير، بعيدا عن الضلال. فطرةَ الله: خلقة الله. القيم: المستقيم. منيبين: راجعين اليه بالتوبة، واخلاص العمل. فرّقوا دينهم: اختلفوا فيما يعبدونه. شيعا: فرقا مختلفة. وتوجّه يا محمد الى هذا الدين المستقيم، بعيداً عن العقائد الزائفة، فهو دينُ الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وهي الاسلام. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لذا يحسبون ان الدِين أمرٌ معقّد يحتاج الى وسطاء بين الله وعباده ليفسروه لهم ويهدوهم اليه. أما هذا الدين فهو يصل الانسان بالله دون واسطة. ولما كان الخطاب للرسول الكريم وأصحابه رجع الى صيغة الجمع فقال: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي: أقيموا وجوهكم للدّين تائبين الى الله، واتقوه، واقيموا الصلاة، ولا تكونوا من المشركين الذي اختلفوا في دينِهم وكانوا فِرقاً واحزابا {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابن عامر: من الذين فارقوا، بالالف. والباقون: فرّقوا بتشديد الراء.

د. أسعد حومد

تفسير : {فِطْرَتَ} (30) - فَوَجِّهْ وَجْهَكَ إِلى الدِّينِ الذي شَرَعَهُ اللهُ لَكَ، وَهُوَ الحَنِيفِيّةُ مِلَّةُ إِبراهيمَ التي هَدَاكَ اللهُ إِليها، وَفَطَرَكَ عَليها، كَمَا فَطَر الخَلْقَ عَلَيهَا، وبهذهِ الفِطرةِ السَّلِيمةِ يَهتَدِي البَشَرُ إِلى مَعرِفَةِ رَبِّهِمْ وخَالِقِهِمْ تَعَالى وَتَقَدَّسَ، وأنَّهُ وَاحدٌ لا شَريكَ لهُ. وَقَدْ سَاوَى اللهُ تَعَالى بينَ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ في الفِطْرَةِ، لا تَفَاوُتَ بينَ النَّاسِ في ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ في مَعْنَى (لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ): إِن ذَلكَ يَعنِي لاَ تَبدِيلَ لِدِينِ اللهِ. وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَينِ: (حديث : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ هُمَا اللذانِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنْصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ. هَلْ تُحِسّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَتفسير : ) (البُخَارِي وَمُسْلِمٌ). ثُمَّ قَالَ تَعالى: إِنَّ التّمَسُّكَ بالشَّرِيعَةِ، وبِالفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، هُوَ الدِّينُ القَيِّمُ المُستَقِيمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَهُمْ عَنْهُ نَاكِبُونَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ - قَوِّمْهُ وَعَدِّلْهُ. لِلدِّينِ - دِينِ التَّوحِيدِ. حَنِيفاً - مَائِلاً إِليهِ مُسْتَقيماً عَلَيهِ. فِطْرَةَ اللهِ - الزَمُوهَا وَهِيَ دِينُ الإِسْلاَمِ. فَطَرَ النَّاسَ عَلَيها - جَبَلَهُمْ وَطَبَعَهُمْ عَليها. لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ - لدِينِهِ الذِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهِ. الدِّينُ القَيِّمُ - المُسْتَقِيمُ الذِي لاَ عِوَجَ فِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ما دام الأمر كذلك، وما داموا قد اتبعوا أهواءهم وضلوا، وأصروا على ضلالهم، فدَعْك منهم ولا تتأثر بإعراضهم. كما قال له ربه: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. وقال له: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. فما عليك يا محمد إلا البلاغ، واتركهم لي، وإياك أن يؤثر فيك عنادهم، أو يحزنك أنْ يأتمروا بك، أو يكيدوا لك، فقد سبق القول مني أنهم لن ينتصروا عليك، بل ستنتصر عليهم. وهذه قضية قرآنية أقولها، وتُسجَّل عليّ: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ..} تفسير : [الحج: 40]. {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ..} تفسير : [محمد: 7]. هذه قضية قرآنية مُسلَّم بها ومفروغ منها، وهي على ألسنتنا وفي قلوبنا، فإنْ جاء واقعنا مخالفاً لهذه القضية، فقد سبق أنْ أكدها واقع الأمم السابقة، وسيحدث معك مثل ذلك؛ لذلك يُطمئن الحق نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. فهنا {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ..} [الروم: 30] أي: دعْكَ من هؤلاء الضالين، وتفرَّغ لمهمتك في الدعوة إلى الله، وإياك أنْ يشغلوك عن دعوتك. ومعنى إقامة الوجه للدين يعني: اجعل وجهْتك لربك وحده، ولا تلتفت عنه يميناً ولا شمالاً، وذكر الوجه خاصة وهو يعني الذات كلها؛ لأن الوجه سِمة الإقبال. ومنه قوله سبحانه: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..} تفسير : [القصص: 88] يعني: ذاته تعالى. ومعنى {حَنِيفاً ..} [الروم: 30] هذه الكلمة من الكلمات التي أثارت تذبذباً عند الذين يحاولون أنْ يستدركوا على كلام الله؛ لأن معنى الحنيف: مائل الساقين فترى في رِجلْه انحناء للداخل، يقال: في قدمه حنف أي ميل، فالمعنى: فأقم وجهك للدين مائلاً، نعم هكذا المعنى، لكن مائلاً عن أيِّ شيء؟ لا بُدَّ أن تفهم المعنى هنا، حتى لا تتهم أسلوب القرآن، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليصلح مجتمعاً فاسداً منحرفاً يدين بالشرك والوثنية، فالمعنى: مائلاً عن هذا الفساد، ومائلاً عن هذا الشرك، وهذه الوثنية التي جئت لهدمها والقضاء عليها، ومعنى: مال عن الباطل. يعني: ذهب إلى الحق. و (أَقِمْ) هنا بمعنى: أقيموا، لأن خطاب الرسول خطاب لأمته، بدليل أنه سبحانه سيقول في الآية بعدها: {أية : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ..} تفسير : [الروم: 31] ولو كان الأمر له وحده لَقالَ منيباً إليه، ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ..} تفسير : [الطلاق: 1]. فالخطاب للأمة كلها في شخص رسول الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو المبلِّغ، والمبلِّغ هو الذي يتلقى الأمر، ويقتنع به أولاً ليستطيع أنْ يُبلِّغه؛ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ..} تفسير : [الأحزاب: 21]. وقال {حَنِيفاً ..} [الروم: 30] لأن الرسل لا تأتي إلا على فساد شمل الناس جميعاً؛ لأن الحق سبحانه كما خلق في الجسم مناعة مادية خلق فيه مناعة قيمية، فالإنسان تُحدِّثه نفسه بشهوة وتغلبه عليها، فيقع فيها، لكن ساعة ينتهي منها يندم عليها ويُؤنِّبه ضميره، فيبكي على ما كان منه، وربما يكره مَنْ أعانه على المعصية. وهذه هي النفس اللوامة، وهي علامة وجود الخير في الإنسان، وهذه هي المناعة الذاتية التي تصدر من الذات. وفَرْق بين مَنْ تنزل عليه المعصية وتعترض طريقه، ومَنْ يُرتِّب لها ويسعى إليها، وهذا بيِّن في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ..} تفسير : [النساء: 17]. فَرْق بين مَنْ يذهب إلى باريس لطلب العلم، فتعترض طريقه إحدى الفتيات، ومَنْ يذهب إلى باريس لأنه سمع عما فيها من إغراء، فهذا وقع في المعصية رغماً عنه، ودون ترتيب لها، وهذا قصدها وسعى إليها، الأول غالباً ما يُؤنِّب نفسه وتتحرك بداخله النفس اللوامة والمناعة الذاتية، أما الآخر فقد ألِفَتْ نفسه المعصية واستشرتْ فيها، فلا بُدَّ أن تكون له مناعة، ليست من ذاته، بل من المجتمع المحيط به، على المجتمع أن يمنعه، وأن يضرب على يديه. والمناعة في المجتمع لا تعني أن يكون مجتمعاً مثالياً لا يعرف المعصية، بل تحدث منه المعاصي، لكنها مُفرّقة على أهواء الناس، فهذا يميل إلى السرقة، وهذا يميل إلى النظر إلى المحرمات، وهذا يحب كذا .. الخ. إذن: ففي الناس مواطن قوة، ومواطن ضعف، وعلى القوي في شيء أن يمنع الضعيف فيه، وأنْ يزجره ويُقوِّمه؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 1-3]. فإذا عَمَّ الفساد وطَمَّ كما قال تعالى عن اليهود: {أية : كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ..} تفسير : [المائدة: 79] وفقد المجتمع أيضاً مناعته. فلا بُدَّ أنْ تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة، لينقذ هؤلاء. ثم يقول تعالى: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ..} [الروم: 30] فنحن نرى البشر يتخذون الطعوم والأمصال للتحصين من الأمراض، كذلك الحق سبحانه - وله المثل الأعلى - جعل هذا المصل التطعيمي في كل نفس بشرية، حتى في التكوين المادي. ألا ترى قوله تعالى في تكوين الإنسان: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ..} تفسير : [الحج: 5]. فالمخلَّقة هي التي تكوّن الأعضاء، وغير المُخلَّقة هي الرصيد المختزن في الجسم، وبه يعوِّض أيَّ خلل في الأعضاء المخلَّقة، فهي التي تمده بما يصلحه، كذلك في القيم جاء دين الله فطرت الله التي فطر الناس عليها، فإذا تدخلتْ الأهواء وحدثتْ الغفلة جاءتْ المناعة، إما من ذات النفس، وإما من المجتمع، وإما برسول ومنهج جديد. وقد كرَّم الله أمة محمد بأن يكون رسولُها خاتَم الرسل، فهذه بُشْرى لنا بأن الخير باقٍ فينا، ولا يزال في يوم القيامة، ولن يفسد مجتمع المسلمين أبداً بحيث يفقد كله هذه المناعة، فإذا فسدتْ فيه طائفة وجدت أخرى تُقوِّمها، وهذا واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم. "حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ". تفسير : وإلا لو عَمَّ الفساد هذه الأمة لاقتضى الأمر شيئاً آخر. وحين نقرأ الآية نجد أن كلمة {فِطْرَتَ ..} [الروم: 30] منصوبة، ولم يتقدم عليها ما ينصبها، فلماذا نُصِِبَتْ؟ الأسلوب هنا يريد أن يلفتك لسبب النصب، وللفعل المحذوف هنا، لتبحث عنه بنفسك، فكأنه قال: فأقم وجهك للدين حنيفاً والزم فطرت الله التي فطر الناس عليها. لذلك يسمي علماء النحو هذا الأسلوب أسلوب الإغراء، وهو أن أغريك بأمر محبوب وأحثَّك على فِعْله، كذلك الحق سبحانه يغري رسوله صلى الله عليه وسلم بأنْ يُقيم وجهه نحو الدين الخالص، وأنْ يلزم فطرت الله، وألا يلتفت إلى هؤلاء المفسدين، أو المعوِّقين له. والفطرة: يعني الخلقة كما قال سبحانه: {أية : فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [يوسف: 101] يعني: خالقهما، والفطرة المرادة هنا قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. فالزم هذه الفطرة، واعلم أنك مخلوق للعبادة. أو: أن فطرت الله تعني: الطبيعة التي أودعها الله في تكوينك منذ خلق اللهُ آدم، وخلق منه ذريته، وأشهدهم على أنفسهم {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. وسبق أنْ بيَّنا كيف أن في كل منا ذرة حية من أبينا آدم باقية في كل واحد منا، فالإنسان لا ينشأ إلا من الميكروب الذكري الحي الذي يُخصِّب البويضة، وحين تسلسل هذه العملية لا بُدَّ أن تصل بها إلى آدم عليه السلام. وهذه الذرة الباقية في كل منا هي التي شهدتْ العهد الأول الذي أخذه الله علينا، وإلا فالكفار في الجاهلية الذين جاء رسول الله لهدايتهم، كيف اعترفوا لله تعالى بالخلق: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الزمر: 38]. من أين عرفوا هذه الحقيقة؟ نُقِلت إليهم من هذا العهد الأول، فمنذ هذا العهد لم يجرؤ أحد من خَلْق الله أنْ يدَّعي هذا الخَلْق لنفسه، فظلت هذه القضية سليمة في الأذهان مع ما حدث من فساد في معتقدات البشر. وتظل هذه القضية قائمة بالبقية الباقية من هذا العهد الأول، حتى عند الكفار والملاحدة، فحين تكتنفهم الأحداث وتضيق بهم أسبابهم، تراهم يقولون وبلا شعور: يا رب، لا يدْعون صنماً ولا شجراً، ولا يذهبون إلى آلهتهم التي اصطنعوها، فهم يعلمون أنها كذب في كذب، ونصب في نصب. والآن لا يخدعون أنفسهم ولا يكذبون عليها، الآن وفي وقت الشدة وحلول الكرب ليس إلا الله يلجئون إليه، ليس إلا الحق والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. وما دام الله قد فطرنا على هذه الفطرة، فلا تبديل لما أراده سبحانه {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ..} [الروم: 30] يعني: ما استطاع أحد أنْ يقول: أنا خلقتُ السماوات والأرض، ولا أنْ يقول: أنا خلقتكم أو خلقتُ نفسي. {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ..} [الروم: 30] أي: الدين الحق {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] أي: لا يعلمون العلم على حقيقته والتي بيَّناها أنها الجزم بقضية مطابقة للواقع، ويمكن إقامة الدليل عليها. ثم يقول الحق سبحانه: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} معناه خِلقَتُهُمْ التي خَلَقَهم عَليها. وقال: الإِسلامُ. تفسير : وقوله تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} معناه لدينِ الله. ويقال: لا إخصاء.

الأندلسي

تفسير : {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} أي لخلق الله والقيم بناء مبالغة من القيام بمعنى الاستقامة. و{مُنِيبِينَ} حال من الناس والظاهر أن المشركين كل من أشرك فيدخل فيهم أهل الكتاب وغيرهم ومن الذين بدل من المشركين فارقوا دينهم أي دين الإِسلام وجعلوه أدياناً مختلفة لاختلاف أهوائهم. {وَكَانُواْ شِيَعاً} كل فرقة تشائع امامها الذي كان سبب ضلالها. {كُلُّ حِزْبٍ} أي منهم فرح بمذهبه مفتون به وكل حزب مبتدأ وقد حذف الخبر. {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} الآية الضر الشدة من مرض أو فقر أو قحط أو غير ذلك والرحمة الخلاص من ذلك الضر. {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ} أفردوه بالدعاء والتضرع لينجوا من ذلك الضر وتركوا أصنامهم لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا هو تعالى فلهم في ذلك الوقت إنابة وخضوع فإِذا أخلصهم من ذلك الضر أشرك فريق ممن خلص وهذا الفريق هم عبدة الأصنام. و{إِذَا فَرِيقٌ} جواب إذا ادامتهم الأولى شرطية والثانية للمفاجأة وتقدم نظيره وجاء هنا فريق لأنه قوله وإذا مس الناس عام للمؤمن والكافر فلا يشرك إلا الكافر وضر هنا مطلق. {أَمْ أَنزَلْنَا} بمعنى بل والهمزة بل للإِضراب عن الكلام السابق والهمزة للإِستفهام عن الحجة إستفهام إنكار وتوبيخ والسلطان البرهان من كتاب أو نحوه. {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} أي يظهر مذهبهم وينطق بشركهم والتكلم مجاز وإذا أذقنا الناس في إصابة الرحمة فرحوا بها وذهلوا عن شكر من أسداها إليهم وفي إصابة البلاء قنطوا ويئسوا وذهلوا عن الصبر ونسوا ما أنعم به عليهم قبل إصابة البلاء وإذا هم جواب وان تصبهم يقوم مقام الفاء في الجملة الإِسمية الواقعة جواباً للشرط ونظيره وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ولا نعلم جاءت إذا الفجائية جواباً لأن الشرطية إلا في هذين الموضعين وقرىء: يقنطون مضارع قنط ويقنطون مضارع قنط وحين ذكر إذاقة الرحمة لم يذكر سببها وهو زيادة الإِحسان والتفضل وحين ذكر إصابة السيئة ذكر سبباً وهو العصيان ليتحقق عدله ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم يأس من روح الله وهو أنه تعالى هو الباسط والقابض فينبغي أن لا يقنط وأن يتلقى ما يرد من قبل الله تعالى بالصبر في البلاء والشكر في النعماء وأن يقلع عن المعصية التي أصابته السيئة بسببها حتى تعود إليه رحمة ربه * ووجه مناسبة فآت ذا القربى لما قبله لما ذكر أنه تعالى هو الباسط القابض وجعل في ذلك آية للمؤمن أمره نبيه صلى الله عليه وسلم بالإِحسان لمن به فاقة واحتياج لأن من الإِيمان الشفقة على خلق الله تعالى فخاطب من بسط له الرزق بأداء حق الله تعالى من المال وصرفه إلى من يصرف إليه في رحم أو غيره من مسكين. {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً} قال السدي: نزلت في ربا ثقيف كانوا يعملون ويعمله قريش فيهم. {فَلاَ يَرْبُواْ} أي لا يزكو في المال ولا يبارك الله فيه كقوله: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ}تفسير : [البقرة: 276] وقرىء: أتيتم بالقصر وآتيتم بالمد فأولئك التفات من الخطاب في آتيتم إلى الغيبة في قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ}. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} كرر تعالى خطاب الكفار في أمر أوثانهم فذكر أفعاله التي لا يمكن أن يدعى له فيها شريك وهي الخلق والرزق والإِماتة والإِحياء ثم استفهم على جهة التقرير لهم والتوبيخ ثم نزه نفسه تعالى عن مقالاتهم. و{ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} مبتدأ وخبر ومن مبتدأ موصولة ومن شركائكم الخبر ومن شىء مفعول ومن زائدة تقديره شيئاً قال الزمخشري: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} الذين اتخذتموهم أندادا من الأصنام وغيرها. {مَّن يَفْعَلُ} شيئاً قط من تلك الأفعال حتى يصح ما ذهبتم إليه "انتهى" * استعمل قط في غير موضعها لأنها ظرف للماضي وهنا جعلها معمولة ليفعل. و{ذَٰلِكُمْ} إشارة إلى ما تقدم من الخلق والرزق والإِماتة والإِحياء. {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ} ظهوره بارتفاع البركات ونزول رزايا وحدوث فتن وتقلب عدو كافر وهذه الثلاثة توجد. {فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} أي من المعاصي وقرىء لنذيقهم بالنون وبالياء وسيروا تقدم الكلام عليه من قبل أن يأتي يوم هو يوم القيامة وفيه تحذير يعم الناس. {لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} والمرد مصدر. {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ يأتي ذلك اليوم. {يَصَّدَّعُونَ} يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير يقال تصدع القوم إذا تفرقوا ومنه الصداع لأنه يفرق شعب الرأس. {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} وعبر عن حالة الكافر بعليه وهي تدل على الثقل والمشقة وعن حال المؤمن بقوله: فلأنفسهم باللام التي هي كلام الملك ويمهدون يوطئون وهي استعارة من الفرش. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} منصوب على الحال. {وَلِيُذِيقَكُمْ} معطوف عليه على التوهم كأنه قيل ليبشر وليذيق وتبشيرها إذاقة الرحمة وهي نزول المطر ويتبعه حصول الخصب والروح الذي معه الهبوب وإزالة العفونة من الهواء وتذرية الحبوب وغير ذلك وبأمره يعني أن جريانها لما كان مسنداً إليها أخبر أنه بأمره تعالى من فضله بما ينشىء لكم من الريح من التجارات في البحر ومن غنائم أهل الشرك ثم أنس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ضرب له مثل من أرسل من الأنبياء وتوعد قريشاً بأن ضرب لهم مثل من أهلك من الأمم الذين أجرموا وكذبوا الأنبياء ولما كان تعالى بين الأصلين المبدأ والمعاد ببراهين ذكر الأصل الثالث وهو النبوة وفي الكلام حذف تقديره فآمن به بعض وكذب بعض. {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} وفي قوله: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا} تبشير للرسول صلى الله عليه وسلم وأمته بالنصر والظفر إذ أخبر أن المؤمنين بأولئك الأنبياء نصروا وفي لفظة حقاً مبالغة في التحتم وتكريم للمؤمنين وإظهار لفضيلة سابقة الإِيمان حيث جعلهم مستحقين النصر والظفر والظاهر أن حقاً خبر كان ونصر المؤمنين الإِسم وآخر لكون ما تعلق به فاصلة وللإِهتمام بالخبر إذ هو محط الفائدة. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} هذا متعلق بقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ} والجملة التي بينها اعتراض جاءت تأنيساً للرسول عليه السلام وتسلية ووعداً بالنصر ووعيداً لأهل الكفر وفي إرسالها قدرة وحكمة أما القدرة فإِن الهواء اللطيف الذي يسبقه البرق يصبر بحيث يقلع الشجر ويهدم البناء وهو ليس بذاته يفعل ذلك بل بفاعل مختار وأما الحكمة ففيما يفضي إليه نفس الهبوب من إثارة السحب وإخراج الماء منه وانبات الزرع ودر الضرع واختصاصه بناس دون ناس وهذه حكمة بالغة مقرونة بالمشيئة والإِثارة تحريكها وتسييرها والبسط نشرها في الآفاق الكسف القطع. {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} تقدم الكلام عليه والضمير في: {مِنْ خِلاَلِهِ} الظاهر أنه عائد على السحاب إذ هو المحدث عنه وذكر الضمير لأن السحاب إسم جنس يجوز تذكيره وتأنيثه.

الجيلاني

تفسير : وبعدما سمعت يا أكمل الرسل أن الهداية والضلال إنما هو مفوض إلى الكبير المتعال {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} فاستقم واعتدل بوجه قلبك الذي فاض عليك من ربك تتميماً لتكميلك، وتخليصاً لك عن قيود بشريتك وأغلال طبيعتك؛ لتصل به إلى مقرك من التوحيد الذي جُلبت لأجله {لِلدِّينِ} النازل لك من عند ربك تأديباً لك يا أكمل الرسل ولمن تبعك، وإصلاحاً لشأنك وشأن متابعيك {حَنِيفاً} أي: حال كونك مائلاً عن الأديان الباطلة، والآراء الفاسدة مطلقاً، واعلم يا أكمل الرسل أن {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} وصيغته التي صبغهم بها أصلية جبلية لا تزول عنهم أصلاً، إذ {لاَ تَبْدِيلَ} ولا تغيير وتحويل {لِخَلْقِ ٱللَّهِ} الحكيم العليم، وتقديره الذي قدره بمقتضى علمه وحكمته كما قال عز شأنه: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ}تفسير : [ق: 29]. {ذَلِكَ ٱلدِّينُ} المنزل عليك من ربك يا أكمل الرسل؛ لوقاية الفطرية الأصلية المذكورة هو الدين {ٱلْقَيِّمُ} الطريق الأعدل الأقوم، الموصل إلى توحيده سبحانه على الاستقامة بلا عوج وانحراف {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على الغفلة والنسيان {لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] حقيقته، ولا يفهمون استقامته وإيصاله إلى التوحيد، فعليكم أيها المحمديون أن تتدينوا بدين الإسلام، وتطيعوا بجمع ما فيه من أوامر الله ونواهيه. {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجين نحوه بالإخلاص التام {وَٱتَّقُوهُ} واحذروا عن محارمه خوفاً من انتقامه بالخروج عن مقتضى حدوده، ومع ذلك لا تقطنوا من فضله وسعة ورحمته وجوده {وَ} بالجملة: {أَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} وأديموا الميل نحوه في جميع أوقاتكم وحالاتكم، سيما في الأوقات المكتوبة والساعات المحفوظة {وَلاَ تَكُونُواْ} أيها المنيبون المتوجهون نحو الحق، المتدينون بدين الإسلام {مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الروم: 31] المشركين معه سبحانه غيره في حال من الأحوال، ولا تنسبوا الحوادث الكائنة في ملكه وملكوته إلى غيره من الأضلال والأسباب الهالكة، المستهلكة في شمس ذاته مع كمال توحده واستقلاقه في الوجود والتصرفات الواقعة في مظاهره ملطقاً. وبالجملة: لا تكونوا أيها المحمديون المتدينون بالدين النازل من عند الله؛ لحفظ فطرتكم التي هي التوحيد الذاتي {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} الوحداني الذي هو وقاية توحيدهم فرقاً مختلفة، وابتدعوا فيه مذاهب متفاوتة متخالفة فتشعبوا شعباً كثيرة {وَكَانُواْ شِيَعاً} وأحزاباً يشايع ويروج {كُلُّ حِزْبٍ} منهم {بِمَا لَدَيْهِمْ} وعندهم من المذهب المبتدع المستحدث من تلقاء نفوسهم {فَرِحُونَ} [الروم: 32] مسرورون، مدعون كل منهم حقية ما هم عليه من الباطل الزائغ. ثمَّ أشار سبحانه إلى ما حداهم وأغراهم على هذا الزيغ والضلال من الخصلة الذميمة المركوزة في جبلتهم فقال: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ} المجبولين على الكفران والنسيان {ضُرٌّ} أي: شدة وبلاء، ومصيبة وعناء يزعجهم إلى الدعوة والتوجه نحو الحق؛ لكشفه وتفريجه {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} مائلين عن الأسباب العادية مطلقاً، مسترجعين نحوه عن محض الندم والإخلاص {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ} الحق، وأنجاهم {مِّنْهُ} أي: من الضرر ومن آثاره ولوازمه المستتبعة {رَحْمَةً} لهم، وعطفاً إياهم على مقتضى اللطف والجمال {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} أي: فجاء فريق منهم {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33] أي: يشركون بربهم، وينسبون الكشف والتفريج إلى الأسباب الوسائل العادية، بل إلى ما اتخذوها من دون الله من الآلهة الباطلة التي اعتقدوها شفعاء ينقذونهم عن أمثاله. وإنما فعلوا ذلك ونسبوا ما نسبوا إلى الأظلال البالطة {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} وأعطيانهم من النعم العظام والفواضل الجسام؛ وما ذلك إلا من خبث طينتهم، وتركب جهلهم في جبلتهم، قل لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: {فَتَمَتَّعُواْ} أيها لاكافرون لنعمنا، ولفواضل لطفنا ولكرمنا، ولتعيشوا بها بطرين مسرورين {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 34] عاقبة تمتعكم وكفرانكم، وما يترتب عليها من أنواع العذاب والنكال؛ إذ يأتي عليهم زمان يعترف كلٌّ منهم بما جرى عليه من الكفران والعصيان وقت رؤيتهم أحوال الكافرين وأهوالهم في النار.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ } أي: انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها. وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة بأن تعبد اللّه فيها كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وخص اللّه إقامة الوجه لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب ويترتب على الأمرين سَعْيُ البدن ولهذا قال: { حَنِيفًا } أي: مقبلا على اللّه في ذلك معرضا عما سواه. وهذا الأمر الذي أمرناك به هو { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع اللّه في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة. ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ". تفسير : { لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } أي: لا أحد يبدل خلق اللّه فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه اللّه، { ذَلِكَ } الذي أمرنا به { الدِّينُ الْقَيِّمُ } أي: الطريق المستقيم الموصل إلى اللّه وإلى كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } فلا يتعرفون الدين القيم وإن عرفوه لم يسلكوه. { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ } وهذا تفسير لإقامة الوجه للدين، فإن الإنابة إنابة القلب وانجذاب دواعيه لمراضي اللّه تعالى. ويلزم من ذلك حمل البدن بمقتضى ما في القلب فشمل ذلك العبادات الظاهرة والباطنة، ولا يتم ذلك إلا بترك المعاصي الظاهرة والباطنة فلذلك قال: { وَاتَّقُوهُ } فهذا يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات. وخص من المأمورات الصلاة لكونها تدعو إلى الإنابة والتقوى لقوله تعالى: {أية : وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } تفسير : فهذا إعانتها على التقوى. ثم قال: {أية : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : فهذا حثها على الإنابة. وخص من المنهيات أصلها والذي لا يقبل معه عمل وهو الشرك فقال: { وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } لكون الشرك مضادا للإنابة التي روحها الإخلاص من كل وجه. ثم ذكر حالة المشركين مهجنا لها ومقبحا فقال: { مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ } مع أن الدين واحد وهو إخلاص العبادة للّه وحده وهؤلاء المشركون فرقوه، منهم من يعبد الأوثان والأصنام. ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين ومنهم يهود ومنهم نصارى. ولهذا قال: { وَكَانُوا شِيَعًا } أي: كل فرقة من فرق الشرك تألفت وتعصبت على نصر ما معها من الباطل ومنابذة غيرهم ومحاربتهم. { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ } من العلوم المخالفة لعلوم الرسل { فَرِحُونَ } به يحكمون لأنفسهم بأنه الحق وأن غيرهم على باطل، وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقا كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق بل الدين واحد والرسول واحد والإله واحد. وأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها اللّه وربطها أتم ربط، فما بال ذلك كله يُلْغَى ويُبْنَى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية أو فروع خلافية يضلل بها بعضهم بعضا، ويتميز بها بعضهم عن بعض؟ فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان وأعظم مقاصده التي كاد بها للمسلمين؟ وهل السعي في جمع كلمتهم وإزالة ما بينهم من الشقاق المبني على ذلك الأصل الباطل، إلا من أفضل الجهاد في سبيل اللّه وأفضل الأعمال المقربة إلى اللّه؟ ولما أمر تعالى بالإنابة إليه -وكان المأمور بها هي الإنابة الاختيارية، التي تكون في حَالَي العسر واليسر والسعة والضيق- ذكر الإنابة الاضطرارية التي لا تكون مع الإنسان إلا عند ضيقه وكربه، فإذا زال عنه الضيق نبذها وراء ظهره وهذه غير نافعة فقال: { وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 2276- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيّب، أنَّ أبا هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مَوْلُود يُولَدُ على الفطرة فأبواه يُهَوِّدانهُ، ويُنْصِّران، ويُمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة، هل تحسون فيها من جدعاء"تفسير : ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتمْ: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}: [الآية: 30]. 2277- قال معمر، وقال قتادة: لا تبديل لدين الله. 2278- قال عبد الرزاق، وقال معمر، وكان الحسن يقول: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ}: الإِسلام.