Verse. 3440 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

مُنِيْبِيْنَ اِلَيْہِ وَاتَّقُوْہُ وَاَقِيْمُوا الصَّلٰوۃَ وَلَا تَكُوْنُوْا مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ۝۳۱ۙ
Muneebeena ilayhi waittaqoohu waaqeemoo alssalata wala takoonoo mina almushrikeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«منيبين» راجعين «إليه» تعالى فيما أمر به ونهى عنه حال من فاعل أقم وما أريد به؛ أي أقيموا «واتقوه» خافوه «وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين».

31

Tafseer

الرازي

تفسير : لما قال حنيفاً أي مائلاً عن غيره قال: {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي مقبلين عليه، والخطاب في قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ } مع النبـي والمراد جميع المؤمنين، وقوله: {وَٱتَّقُوهُ } يعني إذا أقبلتم عليه وتركتم الدنيا فلا تأمنوا فتتركوا عبادته بل خافوه وداوموا على العبادة وأقيموا الصلاة أي كونوا عابدين عند حصول القربة كما قلتم قبل ذلك، ثم إنه تعالى قال: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } قال المفسرون يعني ولا تشركوا بعد الإيمان أي ولا تقصدوا بذلك غير الله، وههنا وجه آخر وهو أن الله بقوله: {مُّنِيبِينَ } أثبت التوحيد الذي هو مخرج عن الإشراك الظاهر وبقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } أراد إخراج العبد عن الشرك الخفي أي لا تقصدوا بعملكم إلا وجه الله ولا تطلبوا به إلا رضاء الله فإن الدنيا والآخرة تحصيل وإن لم تطلبوها إذا حصل رضا الله وعلى هذا فقوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً } يعني لم يجتمعوا على الإسلام، وذهب كل أحد إلى مذهب، ويحتمل أن يقال وكانوا شيعاً يعني بعضهم عبد الله للدنيا وبعضهم للجنة وبعضهم للخلاص من النار، وكل واحد بما في نظره فرح، وأما المخلص فلا يفرح بما يكون لديه، وإنما يكون فرحه بأن يحصل عند الله ويقف بين يديه وذلك لأن كل ما لدينا نافد لقوله تعالى: { أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ } تفسير : [النحل: 96] فلا مطلوب لكم فيما لديكم حتى تفرحوا به وإنما المطلوب ما لدى الله وبه الفرح كما قال تعالى: { أية : بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [آل عمران: 169- 170] جعلهم فرحين بكونهم عند ربهم ويكون ما أوتوا من فضله الذي لا نفاد له، ولذلك قال تعالى: { أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } تفسير : [يونس: 58] لا بما عندهم فإن كل ما عند العبد فهو نافد، أما في الدنيا فظاهر، وأما في الآخرة فلأن ما وصل إلى العبد من الالتذاذ بالمأكول والمشروب فهو يزول، ولكن الله يجدد له مثله إلى الأبد من فضله الذي لا نفاد له فالذي لا نفاد له هو فضله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} اختلف في معناه، فقيل: راجعين إليه بالتوبة والإخلاص. وقال يحيـى بن سلام والفرّاء: مقبلين إليه. وقال عبد الرحمن بن زيد: مطيعين له. وقيل: تائبين إليه من الذنوب؛ ومنه قول (أبي) قيس بن الأسْلَت:شعر : فإن تابوا فإن بني سليم وقومهم هوازن قد أنابوا تفسير : والمعنى واحد؛ فإن «ناب وتاب وثاب وآب» معناه الرجوع. قال الماوردِيّ: وفي أصل الإنابة قولان: أحدهما: أن أصله القطع؛ ومنه أخِذ اسم الناب لأنه قاطع؛ فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عزّ وجلّ بالطاعة. الثاني: أصله الرجوع؛ مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى؛ ومنه النَّوْبة لأنها الرجوع إلى عادة. الجوهري: وأناب إلى الله أقبل وتاب. والنَّوْبة واحدة النُّوَب، تقول: جاءت نَوْبتك ونيابتك، وهم يتناوبون النَّوْبة فيما بينهم في الماء وغيره. وانتصب على الحال. قال محمد بن يزيد: لأن معنى: «أَقِمْ وَجْهَكَ» فأقيموا وجوهكم منيبين. وقال الفرّاء: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين. وقيل: انتصب على القطع؛ أي فأقم وجهك أنت وأمتك المنيبين إليه؛ لأن الأمر له، أمرٌ لأمته؛ فحسن أن يقول منيبين إليه، وقد قال الله تعالى: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [الطلاق: 1]. {وَٱتَّقُوهُ} أي خافوه وامتثلوا ما أمركم به {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} بيّن أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص؛ فلذلك قال: «وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» وقد مضى هذا مبيناً «في النساء والكهف» وغيرهما. {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} تأوّله أبو هريرة وعائشة وأبو أمامة: أنه لأهل القبلة من أهل الأهواء والبِدع. وقد مضى «في الأنعام» بيانه. وقال الربيع بن أنس: الذين فرّقوا دينهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ وقاله قتادة ومَعْمَر. وقرأ حمزة والكسائي: «فَارقُوا دِينَهم»، وقد قرأ بذلك عليّ بن أبي طالب؛ أي فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد. {وَكَانُواْ شِيَعاً} أي فِرقاً؛ قاله الكَلْبيّ. وقيل أدياناً؛ قاله مقاتل. {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي مسرورون معجبون، لأنهم لم يتبيّنوا الحق وعليهم أن يتبيّنوه. وقيل: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض. وقول ثالث: أن العاصي لله عز وجل قد يكون فرحاً بمعصيته، فكذلك الشيطان وقُطّاع الطريق وغيرهم، والله أعلم. وزعم الفرّاء أنه يجوز أن يكون التمام «وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ويكون المعنى: من الذين فارقوا دينهم «وَكَانُوا شِيَعاً» على الاستئناف، وأنه يجوز أن يكون متصلاً بما قبله. النحاس: وإذا كان متصلاً بما قبله فهو عند البصريين على البدل بإعادة الحرف؛ كما قال جل وعز: {أية : قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} تفسير : [الأعراف: 75] ولو كان بلا حرف لجاز.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مُّنِيبِينَ } راجعين {إِلَيْهِ } تعالى بما أمر به ونهى عنه حال من فاعل (أقم) وما أريد به، أي أقيموا {وَٱتَّقُوهُ } خافوه {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُنِيبِينَ} مقبلين، أو داعين، أو مطيعين، أو تائبين من الذنوب والإنابة من القطع فهي الانقطاع إلى الله تعالى بالطاعة ومنه الناب لقطعه، أو من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد مرة ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة.

النسفي

تفسير : {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } راجعين إليه وهو حال من الضمير في «الزموا»، وقوله {واتقوه} و{أقيموا} و{لا تكونوا} معطوف على هذا المضمر، أو من قوله {فأقم وجهك} لأن الأمر له عليه السلام أمر لأمته فكأنه قال: فأقيموا وجوهكم منيبين إليه، أو التقدير كونوا منبيين دليله قوله {ولا تكونوا} {وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ } أي أدوها في أوقاتها {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } ممن يشرك به غيره في العبادة {مِنَ ٱلَّذِينَ } بدل من {المشركين} بإعادة الجار {فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } جعلوه أدياناً مختلفة لاختلاف أهوائهم {فارقوا} حمزة وعلي وهي قراءة علي رضي الله عنه أي تركوا دين الإسلام {وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها {كُلُّ حِزْبٍ } منهم {بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } فرح بمذهبه مسرور يحسب باطله حقاً.

البقاعي

تفسير : ولما كان من الناس من منّ الله عليه بأن كان في هذا الميدان، وسمت همته إلى مسابقة الفرسان، فلما رأى أنه لم يلتفت إليه، ولم يعول أصلاً عليه، كادت نفسه تطير، وكانت عادة القوم أن يخاطبوا القوم لمخاطبة رئيسهم تعظيماً له وحثاً لهم على التحلي بما خص به، جُبرت قلوبهم وشرحت صدورهم فبينت لهم حال من ضمير "أقم" أو من العامل في "فطرت" إعلاماً بأنهم مرادون بالخطاب، مشار إليهم بالصواب، فقال: {منيبين} أي راجعين مرة بعد مرة بمجاذبة النفس والفطرة الأولى {إليه} تعالى بالنزوع عما اكتسبتموه من رديء الأخلاق إلى تلك الفطرة السليمة المنقادة للدليل، الميالة إلى سواء السبيل. ولما لم يكن بعد الرجوع إلى المحبة إلا الأمر بلزومها خوفاً من الزيغ عنها دأب المرة الأولى. قال عاطفاً على {فأقم}: {واتقوه} أي خافوا أن تزيغوا عن سبيله يسلمكم في أيدي أولئك المضلين، فإذا خفتموه فلزمتموها كنتم ممن تخلى عن الرذائل {وأقيموا الصلاة} تصيروا ممن تحلى بالفضائل - هكذا دأب الدين أبداً تخلية ثم تحلية: أول الدخول إلى الإسلام التنزيه، وأول الدخول في القرآن الاستعاذة، وهو أمر ظاهر معقول، مثاله من أراد أن يكتب في شيء إن مسح ما فيه من الكتابة انتفع بما كتب، وإلا أفسد الأول ولم يقرأ الثاني - والله الموفق. ولما كان الشرك من الشر بمكان ليس هو لغيره، أكد النهي عنه بقوله: {ولا تكونوا} أي كوناً ما {من المشركين} أي لا تكونوا ممن يدخل في عدادهم بمواددة أو معاشرة أو عمل تشابهونهم فيه فإنه "حديث : من تشبه بقوم فهو منهم"تفسير : وهو عام في كل شرك سواء كان بعبادة صنم أو نار أوغيرهما، أو بالتدين بما يخالف النصوص من أقوال الأحبار والرهبان وغير ذلك. ولما كانوا يظنون أنهم على صواب، نصب لهم دليلاً على بطلانه بما لا أوضح منه، ولا يمكن أحداً التوقف فيه، وذلك أنه لا يمكن أن يكون الشيء متصفاً بنفي شيء وإثباته في حالة واحدة فقال مبدلاً: {من الذين فرقوا} لما فارقوا {دينهم} الذي هو الفطرة الأولى، فعبد كل قوم منهم شيئاً ودانوا ديناً غير دين من سواهم، وهو معنى {وكانوا} أي بجهدهم وجدهم في تلك المفارقة المفرقة {شيعاً} أي فرقاً متحالفين، كل واحدة منهم تشايع من دان بدينها على من خالفهم حتى كفر بعضهم بعضاً واستباحوا الدماء والأموال، فعلم قطعاً أنهم كلهم ليسوا على الحق. ولما كان هذا أمراً يتعجب من وقوعه، زاده عجباً بقوله استئنافاً: {كل حزب} أي منهم {بما لديهم} أي خاصة من خاص ما عندهم من الضلال الذي انتحلوه {فرحون*} طناً منهم أنهم صادفوا الحق وفازوا به دون غيرهم. ولما حصل من هذا القطع من كل عاقل أن أكثر الخلق ضال، فكان الحال جديراً بالسؤال، عن وجه الخلاص من هذا الضلال، أشير إليه أنه لزوم الاجتماع، وبين ذلك في جملة حالية من فاعل "فرحون" فقال تعالى: {وإذا} وكان الأصل: مسهم، ولكنه قيل لأنه أنسب بمقصود السورة من قصر ذلك على الإنسان كما هي العادة في أكثر السور أو غير ذلك من أنواع العالم: {مس الناس} تقوية لإرادة العموم إشارة إلى كل من فيه أهلية النوس وهو التحرك، من الحيوانات العجم والجمادات لو نطقت ثم اضطربت لتوجهت إليه سبحانه ولم تعدل عنه كما أنها الآن كذلك بألسنة أحوالها، فهذا هو الإجماع الذي لا يتصور معه نزاع {ضر دعوا ربهم} أي الذي لم يشاركه في الإحسان إليهم أحد في جميع مدة مسهم بذلك الضر - بما أشار إليه الظرف حال كونهم {منيبين} أي راجعين من جميع ضلالاتهم التي فرقتهم عنه {إليه} علماً منهم بأنه لا فرج لهم عند شيء غيره، هذا ديدن الكل لا يخرم عنه أحد منهم في وقت من الأوقات، ولا في أزمة من الأزمات، قال الرازي في اللوامع في أواخر العنكبوت: وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان، وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء. ولما كان كل واقع في شدة مستبعداً كل استبعاد الخلاص منها قال: {ثم} بأداة العبد {إذا أذاقهم} مسنداً الرحمة إليه تعظيماً للأدب وإن كان الكل منه. ولما كان السياق كله للتوحيد، فكانت العناية باستحضار المعبود باسمه وضميره أتم قال: {منه} مقدماً ضميره دالاً بتقديم الجار على الاختصاص وأن ذلك لا يقدر عليه غيره، وقال: {رحمة} أي خلاصاً من ذلك الضر، إشارة إلى أنه لو أخذهم بذنوبهم أهلكهم، فلا سبب لإنعامه سوى كرمه، ودل على شدة إسراعهم في كفران الإحسان بقوله معبراً بأداة المفاجأة: {إذا فريق منهم} أي طائفة هي أهل لمفارقة الحق {بربهم} أي المحسن إليهم دائماً، المجدد لهم هذا الإحسان من هذا الضر {يشركون*} بدل ما لزمهم من أنهم يشكرون فعلم أن الحق الذي لا معدل عنه الإنابة في كل حال إليه كما أجمعوا في وقت الشدائد عليه، وأن غيره مما فرقهم ضلال، لا يعدله قبالاً ولا ما يعدله قبال. ولما كان هذا الفعل مما لا يفعله إلا شديد الغباوة أو العناد، وكانوا يدعون أنهم أعقل الناس، ربا بهم عن منزلة البله إلى ما الجنون خير منه تهكماً بهم فقال: {ليكفروا بما} ولفت الكلام إلى مظهر العظمة فقال: {آتيناهم} أي من الرحمة التي من عظمتها أنه لا يقدر عليها غيرنا أمناً من أن يقعوا في شدة اخرى فنهلكهم بما أغضبونا، أو توسلاً بذلك إلى أن نخلصهم متى وقعوا في أمثالها، فلما أضل عقولهم وأسفه آراءهم!. ولما كان فعلهم هذا سبباً لغاية الغضب، دل عليه بتهديده ملتفتاً إلى المخاطبة بقوله: {فتمتعوا} أي بما أردتم فيه بالشرك من اجتماعكم عند الأصنام وتواصلكم بها وتعاطفكم، وسبب عن هذا التمتع قوله: {فسوف تعلمون*} أي يكون لكم بوعد لا خلف فيه علم فتعرفون إذا حل بكم البلاء وأحاط بكم جميعاً المكروه هل ينفعكم شيء من الأصنام أو من اتخذتم عنده يداً بعبادتها ووافقتموه في التقرب إليها. ولما بكتهم بقوله: {هل لكم مما ملكت أيمانكم} ووصل به ما تقدم أنه في غاية التواصل، عاد له ملتفتاً إيذاناً بالتهاون بهم إلى مقام الغيبة إبعاداً لهم عن جنابه حيث جلى لهم هذه الأدلة واستمروا في خطر إغضابه بقوله: {أم أنزلنا} بما لنا من العظمة {عليهم سلطاناً} أي دليلاً واضحاً قاهراً {فهو} أي ذلك السلطان لظهور بيانه {يتكلم} كلاماً مجازياً بدلالته وإفهامه، ويشهد {بما} أي بصحة الذي {كانوا} أي كوناً راسخاً {به} أي خاصة {يشركون *} بحيث لم يجدوا بدّاً من متابعته لتزول عنهم الملامة، وهذه العبارة تدل على أنهم لازموا الشرك ملازمة صيرته لهم خلقاً لا ينفك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏منيبين إليه‏} ‏ قال‏:‏ تائبين إليه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏من الذين فرقوا دينهم‏} ‏ قال‏:‏ هم اليهود والنصارى‏.‏ وفي قوله ‏{‏أم أنزلنا عليهم سلطانا‏ً}‏ قال‏:‏ يأمرهم بذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون‏}‏ يقول‏:‏ أم أنزلنا عليهم كتاباً فهو ينطق بشركهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه‏، مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل‏} ‏ قال‏:‏ الضيف ‏ {‏ذلك خير للذين يريدون وجه الله أولئك هم المضعفون‏} ‏ قال‏:‏ هذا الذي يقبله الله، ويضاعفه لهم عشر أمثالها وأكثر من ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وما آتيتم من ربا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ الربا رباآن‏.‏ ربا لا بأس به‏.‏ وربا لا يصلح، فأما الربا الذي لا بأس به‏؛‏ فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها، أو اضعافها‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله‏} ‏ قال‏:‏ هي الهدايا‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏ {‏وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس} ‏ قال‏:‏ يعطي ما له يبتغي أفضل منه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ‏ {‏وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله‏} قال‏:‏ ما أعطيتم من عطية لتثابوا عليها في الدنيا، فليس فيها أجر‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وما آتيتم من رباً‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ هو الربا الحلال‏.‏ أن تهدي أكثر منه، وليس له أجر ولا وزر، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فقال ‏{‏ولا تمنن تستكثر‏}‏ ‏. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه ‏{‏وما آتيتم ربا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ الرجل يعطي الشيء ليكافئه به، ويزداد عليه {‏فلا يربوا عند الله‏} ‏ والآخر الذي يعطي الشيء لوجه الله، ولا يريد من صاحبه جزاء ولا مكافأة، فذلك الذي يضعف عند الله تعالى‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وما آتيتم من زكاة‏}‏ قال‏:‏ هي الصدقة‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ} [الآية: 31]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: راجعين إليه من الكل خصوصًا من ظلمات النفوس مقيمين معه على حد ذات العبودية لا يفارقون عرصته بحال ولا يرجون غيره ولا يخافون سواه هو أجر المنيبين إن شاء الله. وقال بعضهم: الإنابة الرجوع منه إليه لا من شىء غيره فمن رجع من غيره إليه ضيع إحدى طرفى إنابته على الحقيقة من لم يكن له رجع سواه فرجع إليه من رجوعه ثم رجع من رجوع رجوعه ثم فنى من رجوعه فبقى شبحًا لا وصف له قائمًا بين يدى الحق مستغفرًا فى عين الجمع قطع عنه سبل الفرقة والإخبار عن الأكوان وهذا ممن وصفه أبو سعيد الخراز فى مقام الصمدية.

القشيري

تفسير : أي راجعين إلى الله بالكلية من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفاته، منحرفين بكل وجهٍ عن خلافه، مُتَّقين صغيرَ الإثم وكبيره، قليلَه وكثيره، مُؤثرين يسيرَ وفاقه وعسيره، مقيمين الصلاة بأركَانها وسننها وآدابها جهراً، متحققين بمراعاة فضائلها سِراً.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ} راجعين اليه من الحدوثية بعد الاتصاف بالربوبية والقوة اى لا تدعوا الانائية فانكم فى منازل التوحيد وحقيقة التوحيد ان لا تنسى صولة القدم على الحدث وان كان مستغرقا فى بحر القدم قال ابن عطا راجعين اليه من الكل خصوصا من ظلمت النفوس مقيمين معه على حد أداب العبودية لا يفارقون عرصة بحال ولا يخافون سواه هذا حد المتبينين.

اسماعيل حقي

تفسير : {منيبين اليه} حال من الضمير فى الناصب المقدر لفطرة الله اوفى اقم لعمومه للامة وما بينها اعتراض وهو من اناب اذا رجع مرة بعد اخرى. والمعنى الزموا على الفطرة او فاقيموا وجوهكم للدين حال كونكم راجعين اليه تعالى والى كل ما امر به مقبلين عليه بالطاعة [شيخ ابو سعيد خراز قدس سره فرموده كه انابت رجوع است از خلق بحق ومنيب اورا كويند كه جز حق سبحانه مرجعى نباشد] شعر : تومر جعى همه را من رجوع باكه كنم كرم تودرنبذ يرى كجا روم جه كنم تفسير : قال ابن عطاء قدس سره راجعين اليه من الكل خصوصا من ظلمات النفوس مقيمين معه على حد آداب العبودية لا يفارقون عرصته بحال ولا يخافون سواه. قال ابراهيم بن ادهم قدس سره اذا صدق العبد فى توبته صار منيبا لان الانابة ثانى درجة التوبة {واتقوه} اى من مخالفة امره وهو عطف على الزموا المقدر {واقيموا الصلوة} ادوها فى اوقاتها على شرائطها وحقوقها. قال الراغب اقامة الشئ توفية حقه ولم يأمر تعالى بالصلاة حيث امر ولا مدح بها حيث مدح الا بلفظ الاقامة تنبيها على ان المقصود منها توفية شرائطها لا الاتيان بهيآتها {ولا تكونوا من المشركين} المبدلين لفطرة الله تبديلا. وقال الكاشفى [ومباشيد از شرك آرندكان بترك نماز متعمدا خطاب با امت است. درتيسير ازشيخ محمد اسلم طوسى رحمه الله نقل ميكند كه حديثى بمن رسيده كه هرجه ازمن روايت كنند عرض كنيد بركتاب خداى تعالى اكر موافق بود قبول كنيد من اين حديث را كه (من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر) خواستم كه بآيتى از قرآن موافقت كنم سى سال تأمل كردم تااين آية يافتم كه] {أية : واقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين }

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي وابن عامر {فارقوا} بألف وتخفيف الراء. الباقون بغير الف وتشديد الراء. من قرأ بألف أراد: فارقوا دينهم الذي أمروا باتباعه. ومن شدد اراد: انهم اختلفوا في دينهم. قوله {منيبين إليه} نصب على الحال وتقديره فاقم وجهك للدين يا محمد أنت والمؤمنون منيبين إلى الله، ولا يجوز أن يكون حالا {من فطرة الله التي فطر الناس عليها} لانه ما فطرهم منيبين، والانابة الانقطاع إلى الله تعالى بالطاعة وأصله على هذا القطع. ومنه الناب، لانه قاطع، وأناب في الأمر إذا نشب فيه، كما ينشب الناب المقاطع، ويجوز أن يكون من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد مرة، فيكون على هذا الانابة التوبة التي يجددها مرة بعد مرة. ثم قال {واتقوه} أي اجتنبوا معاصيه، واتقوا عقابه {وأقيموا الصلاة} التي أمركم الله تعالى بها أي دوموا عليها، وقوموا بادائها، فالصلاة وإن كانت في حكم المجمل، ولم يبين شروطها - في الآية - فقد أحال على بيان النبي صلى الله عليه وآله هذا إذا اراد بالصلاة تعريف الجنس، وإن أراد العهد الذي استقر في الشرع، فهو على ما قد استقر في الشرع {ولا تكونوا من المشركين} نهي لهم عن أن يكونوا من جملة من أشرك بعبادة الله سواه، ثم قال {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} قال الفراء: يجوز ان يكون التقدير: ولا تكونوا من المشركين من جملة الدين فرقوا دينهم، ويجوز أن يكون من الذين فرقوا ابتداء، وتقديره الذين تفرقوا وكانوا شيعاً {كل حزب بما لديهم فرحون} فالتفريق جعل أحد الشيئين مفارقاً لصاحبه وضده الجمع، وهو جمع أحد الشيئين إلى صاحبه، فتفريق الدين جعل احدهما ليس مع الآخر في معنى ما يدعو اليه العقل، وهو منكر لمخالفته داعي العقل، والدين العمل الذي يستحق به الجزاء، ودين الاسلام العمل الذي عليه الثواب. ولو جمعوا دينهم في أمر الله ونهيه لكانوا مصيبين، ولكنهم فرقوا بأخراجه عن حد الأمر والنهي من الله وكانوا بذلك مبطلين خارجين عن الحق الذي أمر الله به. ومن قرأ {فارقوا} بألف أراد: فارقوا دينهم الذي أمرهم الله باتباعه. وقوله {وكانوا شيعاً} أي فرقاً، والشيع الفرق التي يجتمع كل فريق منها على مذهب، خلاف مذهب الفريق الآخر، وشيعة الحق هم الذين اجتمعوا على الحق. وكذلك شيعة أمير المؤمنين عليه السلام هم الذين اجتمعوا معه على الحق وقال قتادة: المعنى بقوله {من الذين فرقوا دينهم} اليهود والنصارى، وقال غيره: كل من خالف دين الحق الذي أمر الله به داخل فيه وهو أعم فائدة. ثم اخبر تعالى ان {كل حزب} أي كل فريق {بما لديهم فرحون} من الاعتقاد الذي يعتقدونه يسرون به لاعتقادهم أنه الحق دون غيره. وقوله {وإذا مس الناس ضرّ دعوا ربهم منيبين إليه} قال الحسن: إذا أصابهم مرض او فقر دعوا الله تعالى راجعين اليه مخلصين في الدعاء له {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} بأن يعافيهم من المرض أو يغنيهم من الفقر نعمة منه تعالى عليهم {إذا فريق منهم بربهم يشركون} أي يعودون إلى عبادة غير الله بخلاف ما يقتضي العقل في مقابلة النعمة بالشكر. ثم بين أنهم يفعلون ذلك {ليكفروا بما آتيناهم} أى بما آتاهم الله من نعمه. ثم قال تعالى مهدداً لهم {فتمتعوا} أي انتفعوا بهذه النعم الدنيوية كيف شئتم {فسوف تعلمون} ما فيه من كفركم ومعصيتكم أي تصيرون في العاقبة إلى عذاب الله وأليم عقابه. وقوله {أم أنزلنا عليهم سلطاناً} اي هل أنزلنا عليهم برهاناً وحجة يتسلطون به على ما ذهبوا اليه، ويحتمل أن يكون المراد هل ارسلنا اليهم رسولا فاذا حمل على البرهان، فهو بمنزلة الناطق بالأمر لاظهاره إياه. وقوله {فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} اي هل انزلنا عليهم سلطاناً اي رسولا يتكلم بأنا ارسلناه بما يدعونه من الاشراك مع الله في العبادة، فانهم لا يقدرون على ذلك ولا يمكنهم ادعاء حجة عليه ولا برهان، والكلام وإن خرج مخرج الاستفهام فالمراد به التبكيت.

الجنابذي

تفسير : {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} الىهذا الدّين الّذى هو الطّريق من القلب الىالله فانّهم على الاستمرار فى الانابة من الكثرات اليه بصنع الله الّذى اتقن كلّ شيءٍ فانّهم على الدّوام فى الزّكٰوة الّتى هى تصرّم الفعليّات النّاقصة وبذلها تكويناً والصّلٰوة الّتى هى التّلبّس بالفعليّات الكاملة الّتى هى الانابة الى القلب وطريقه، او منيبين الى الله فانّ الانابة الى طريق القلب والانابة الى الله والانابة الى القلب شيءٍ واحد والتّفاوت اعتبارىّ وهو حال من فاعل اقم بضميمة الامّة الى الرّسول (ص) او من النّاس {وَٱتَّقُوهُ} اى الدّين او الله {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} قد مضى معنى الصّلٰوة واقامتها فى اوّل البقرة {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} بالله فى الوجوب او فى العبادة او فى الطّاعة او فى الدّين او فى اقامة الصّلٰوة.

الهواري

تفسير : قال: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي: مقبلين إليه بالإِخلاص، أي: مخلصين له. وهذا تبع للكلام الأول: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} قال: {وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} أي: المفروضة {وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} أي: فرقاً، يعني أهل الكتاب {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ} أي: بما عليهم {فَرِحُونَ} [أي: راضون]. قوله: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي: مخلصين في الدعاء {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً} أي: كشف ذلك عنهم {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم} يعني المشركين {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}. قوله: {لِيَكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ} أي: فكفروا بما آتيناهم من النعم حيث أشركوا {فَتَمَتَّعُوا} أي: إلى موتكم {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهذا وعيد هوله شديد. وهي تقرأ أيضاً على الياء: {فَيَتَمَتَّعُوا}، يخبر عنهم {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وعيداً لهم.

اطفيش

تفسير : {مُنِيبِينَ} راجعين حال من الناس ولا سيما على رأي من فسر الناس بالمؤمنين او حال من ضمير اقم فانه ولو كان خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكن المراد به خطاب امته او خطابه وخطابها كقوله {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء }تفسير : وخطاب الرسول خطاب لامته مع ما فيه من التعظيم له وهكذا يخاطب الكبير والمراد امته معه او امته وحدها فجمع بعد ذلك للبيان والتلخيص في قوله {مُنِيبِينَ} وقوله {اتَّقُوهُ} الخ او حال من ضمير الزم او الزموا المقدر قبل فطرة الله وقوله {اتَّقُوهُ} الخ عطف على هذا المقدر او على اقم والانابة الرجوع مرة بعد اخرى وقيل منقطعين اليه من الملات ومنه الناب لانقطاعه عن الأسنان ببروزه عليهن. {إِلَيْهِ} الى الله بالتوبة والطاعة او الى الدين القيم المأمور باقامة الوجه له. {وَاتَّقُوهُ} خافوا الله واحذروا معاصيه او خافوا الدين اي احذروا الزيغ عنه. {وَأَقِيمُوا الصَّلٰوةَ} المفروضة ائتوا بها مستقيمة او داوموا عليها في اوقاتها. {وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ} عبدة الاوثان وقال قتادة: اليهود والنصارى.

اطفيش

تفسير : {مُنيبين إليه} مر انه حال من واو الزموا فطرة الله، او اتبعوا فطرة الله، واجيز ان يكون حالا من الناس، اى راجعين ايله بالتوبة والاخلاص، كما سمى النحل نوبا لرجوعه الى مقاره {واتَّقوه} احذروا عصيانه او عقابه {وأقيموا الصَّلاة ولا تُكونوا من المُشركين} بمخالفة الفطرة بشئ، ودخلت الصلاة بالاولى لانها تلى التوحيد، وتتصل به فيكون تركها يلى الشرك.

الالوسي

تفسير : {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي راجعين إليه تعالى بالتوبة وإخلاص العمل من ناب نوبة ونوباً إذا رجع مرة بعد أخرى، ومنه النوب أي النحل سميت بذلك لرجوعها إلى مقرها، وقيل: أي منقطعين إليه تعالى من الناب السن خلف الرباعية لما يكون بها من الانقطاع ما لا يكون بغيرها. وتعقب بأنه بعيد لأن الناب يائي وهذا واوي، وقد تقدم غير بعيد عدة أقوال في وجه نصبه، وزاد عليها في «البحر» القول بكونه نصباً على الحال من {ٱلنَّاسِ } في قوله تعالى: {أية : فَطَرَ ٱلنَّاسَ }تفسير : [الروم:30] وقدمه على سائر الأقوال وهو كما ترى، وتقدم أيضاً ما قيل في عطف قوله تعالى: {وَٱتَّقُوهُ } أي من مخالفة أمره تعالى {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } المبدلين لفطرة الله سبحانه تبديلا، والظاهر أن المراد بهم كل من أشرك بالله عز وجل، والنهي متصل بالأوامر قبله، وقيل: بأقيموا الصلاة، والمعنى ولا تكونوا من المشركين بتركها وإليه ذهب محمد بن أسلم الطوسي وهو كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : {مُنِيبِينَ} حال من ضمير {أية : فَأقِمْ}تفسير : [الروم: 30] للإشارة إلى أن الخطاب الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مراد منه نفسه والمؤمنون معه كما تقدم. والمنيب: الملازم للطاعة. ويظهر أن معنى أناب صار ذا نوبة، أي ذا رجوع متكرر وأن الهمزة فيه للصيرورة، والنوبة: حصة من عمل يتوزعه عدد من الناس وأصلها: فَعْلَة بصيغة المرة لأنها مرة من النَّوْب وهو قيام أحد مقام غيره، ومنه النيابة، ويقال: تناوبوا عمل كذا. وفي حديث عمر: «كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل يوماً وأنزل يوماً» الحديث، فإطلاق المنيب على المطيع استعارة لتعهد الطاعة تعهداً متكرراً، وجعلت تلك الاستعارة كناية عن مواصلة الطاعة وملازمتها قال تعالى: {أية : إن إبراهيم لحليم أوّاه مُنيب} تفسير : في سورة هود (75). وفسّرت الإنابة أيضاً بالتوبة. وقد قيل: إن ناب مرادف تاب، وهو المناسب لقوله في الآية الموالية {أية : دعوا ربهم منيبين إليه}تفسير : [الروم: 33]. والأمر الذي في قوله {واتقوه وأقيموا الصلاة}مستعمل في طلب الدوام. و{الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} هم المشركون لأنهم اتخذوا عدة آلهة. وإنما كررت {مِن} التبعيضية لاعتبار الذين فرقوا دينهم بدلاً من المشركين بدلاً مطابقاً أو بياناً، فإظهار حرف الجر ثانية مع الاستغناء عنه بالبدلية تأكيد بإظهار العامل كما تقدم في قوله تعالى:{أية : تكون لنا عيداً لأولنا وءاخرنا}تفسير : [المائدة: 114] وشأن البدل والبيان أن يجوز معهما إظهار العامل المقدر فيخرجان عن إعراب التوابع إلى الإعراب المستقل ويكونان في المعنى بدلاً أو بياناً ولهذا قال النحاة: إن البدل على نية تكرار العامل. وقال المحققون: إن البدل معرب بالعامل المقدر، ومثله البيان وهما سيان. وتقدم الكلام على معنى {أية : الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} تفسير : في آخر سورة الأنعام (159). وقرأ الجمهور {فرَّقوا} بتشديد الرّاء. وقرأه حمزة والكسائي {فارقوا دينهم}بألف بعد الفاء فالمراد بالدين دين الإسلام. ومعنى مفارقتهم إياه ابتعادُهم منه، فاستعيرت المفارقة للنبذ إذ كان الإسلام هو الدين الذي فطر الله عليه الناس فلما لم يتبعوه جعل إعراضهم عنه كالمفارقة لشيء كان مجتمعاً معه، وليس المراد الارتداد عن الإسلام. والشيع: جمع شيعة وهي الجماعة التي تشايع، أي توافق رأياً، وتقدم قوله تعالى {أية : ثم لَنَنْزِعَنَّ من كل شِيعة} تفسير : في سورة مريم (69). والحزب: الجماعة الذين رأيهم ونزعتهم واحدة. {وما لديهم} هو ما اتفقوا عليه. والفرح: الرضا والابتهاج. وهذه حالة ذميمة من أحوال أهل الشرك يراد تحذير المسلمين من الوقوع في مثلها، فإذا اختلفوا في أمور الدين الاختلاف الذي يقتضيه اختلاف الاجتهاد أو اختلفوا في الآراء والسياسات لاختلاف العوائد فليحذروا أن يجرهم ذلك الاختلاف إلى أن يكونوا شيعاً متعادين متفرقين يلعن بعضهم بعضاً ويذيق بعضهم بأس بعض. وتقدم {أية : كل حزب بما لديهم فرحون} تفسير : في سورة المؤمنين (53).

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} (31) - فَأَقِمْ وَجْهَكَ أَيُّها الرَّسُولُ أَنْتَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ لِلدِّينِ الصَّحِيحِ، حُنَفَاءَ مُنِيبِينَ إلى اللهِ تَعالَى، وَخَافُوهُ، وحَاذِرُوا أَن تُفَرِّطُوا فِي طَاعَتهِ، وتَرْتَكِبُوا مَعْصِيَتَهُ، ودَاوِمُوا عَلى إِقَامَةِ الصَّلاةِ في أَوقَاتِها، وأَتِمُّوهَا بِخُشُوعِها وسُجُودِهَا وَرُكُوعِهَا وَبِحُضُورِ القَلْبِ، فَهِي عَمُودُ الدِّينِ، وهِيَ تُذكِّرُ المُؤمِنَ بِرَبِّهِ في كُلِّ حِينٍ، وتَحُولُ بينَهُ وبَينَ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ، وأَخْلِصُوا العِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ. مُنِيبِينَ - رَاجِعِينَ إِليهِ بالتَّوبَةِ والإِخْلاَصِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أناب: يعني رجع وقطع صلته بغير الحق {إِلَيْهِ ..} [الروم: 31] إلى الله، فلا علاقة له بالخَلْق في مسألة العقائد، فجعل كل علاقته بالله. ومنه يسمون الناب؛ لأنه يقطع الأشياء، ويقولون: ناب إلى الرشد، وثاب إلى رشده، كلها بمعنى: رجع، وما دام هناك رجوع فهناك أصل يُرجع إليه، وهو أصل الفطرة. وقوله تعالى {وَٱتَّقُوهُ ..} [الروم: 31] لأنه لا يجوز أنْ تنيب إلى الله، وأن ترجع إليه، وأن تجعله في بالك ثم تنصرف عن منهجه الذي شرَّعه لينظم حركة حياتك، فالإنابة وحدها والإيمان بالله لا يكفيان؛ بل لا بُدَّ من تطبيق المنهج بتقوى الله، لذلك كثيراً ما يجمع القرآن بين الإيمان والعمل الصالح: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} تفسير : [الشعراء: 227]. لأن فائدة الإيمان وثمرته بعد أن تؤمن بالإله الحق، وأن منهجه هو الصدق، وفيه نفعك وسلامتك في حركة حياتك، وأنه الذي يُوصِّلك إلى سعادة الدارين، ولا معنى لهذا كله إلا بالعمل والتطبيق. {وَٱتَّقُوهُ ..} [الروم: 31] أي: اتقوا غضبه، واجعلوا بينكم وبين غضب الله وقاية، وهذه الوقاية تتحقق باتباع المنهج في افعل ولا تفعل. وسبق أن تكلمنا في معنى التقوى وقلنا: إنها تحمل معنيين يظن البعض أنهما متضاربان حين نقول: اتقوا الله. واتقوا النار. لكن المعنى واحد في النهاية؛ لأن معنى اتق الله: اجعل بينك وبين عذاب الله وغضبه وقاية، وهذا نفسه معنى: اتق النار. يعني: ابتعد عن أسبابها حتى لا تمسَّك. وقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ..} [الروم: 31] أقيموا الصلاة أدُّوها على الوجه الأكمل، وأدُّوها على ما أُحبُّ منكم في أدائها، فساعة أناديك: الله أكبر يجب أن تقبل عليَّ، وأنت حين تُلبِّي النداء لا تأتي لتعينني على شيء، ولا أنتفع بك في شيء، إنما تنتفع أنت بهذا اللقاء، وتستمد مني العون والقوة، وتأخذ شحنة إيمان ويقين من ربك. وقلنا: ما تصورك لآلة تُعرَض على صانعها كل يوم خمس مرات أيبقى بها عَطَب؟ لذلك يُعلِّمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه إذا حزبنا أمر أن نهرع إلى الصلاة، وكذلك كان يفعل صلى الله عليه وسلم إذا عزَّ عليه شيء، أو ضاقت به الأسباب، وإلا فما معنى الإيمان بالله إنْ لم تلجأ إليه. وما دام ربك غيباً، فهو سبحانه يُصلحك بالغيب أيضاً، ومن حيث لا تدري؛ لذلك أمرنا ربنا بإقامة الصلاة، وجعلها عماد الدين والركْن الذي لا يسقط عنك بحال، فالزكاة والحج مثلاً يسقطان عن الفقير وعن غير القادر، والصوم يسقط عن المريض أو المسافر، في حين مرضه أو سفره، ثم يقضيه بعد انقضاء سبب الإفطار. أما الصلاة فهي الركْن الدائم، ليس مرة واحدة في العمر، ولا مرة واحدة في العام، إنما خمس مرات في اليوم والليلة، فبها يكون إعلان الولاء لله تعالى إعلاناً دائماً، وهذا إنْ دلَّ فإنما يدل على عظمة الإنسان ومكانته عند ربه وخالقه. وسبق أن قلنا: إنك إنْ أردتَ مقابلة أحد المسئولين أو أصحاب المنزلة كم تعاني ليُؤذَن لك، ولا بُدَّ أن يُحدِّد لك الموعد والمكان، بل وموضوع المقابلة وما ستقوله فيها، ثم لصاحب المقابلة أنْ يُنهيها متى يشاء. إذن: لا تملك من عناصر هذا اللقاء شيئاً؟ أما في لقائك بربك - عز وجل - فالأمر على خلاف ذلك، فربُّك هو الذي يطلبك ويناديك لتُقبل عليه، لا مرة واحدة بل خمس مرات كل يوم، ويسمح لك أنْ تناجيه بما تحب، وتطلب منه ما تريد. ولك أن تنهي أنت المقابلة بقولك: السلام عليكم، فإنْ أحببتَ أن تطيل اللقاء، أو أنْ تعتكف في بيت ربك فإنه سبحانه لا يملُّ حتى تملُّوا، فهذه - إذن - ليست عبودية، بل عزٌّ وسيادة. وما أجملَ ما قاله الشاعر في هذا المعنى: شعر : حَسْبُ نَفْسِي عِزّاً بأنِّي عَبْدٌ يحتَفِي بي بلاَ مَواعِيدَ رَبُّ هُوَ في قُدْسِهِ الأعَزِّ ولكِنْ أنَا أَلْقى متَى وأيْنَ أُحِبّ تفسير : ولأن للصلاة هذه المنزلة بين أركان الإسلام لم تُفرض بالوحي كباقي الأركان، إنما فُرِضَتْ مباشرة من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، حين استدعاه ربه للقائه في السماء في رحلة المعراج. وسبق أنْ مثَّلنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - برئيس العمل الذي يُلقي أوامره بالتليفون، أو بتأشيرة على ورقة، فإنْ تعرَّض لأمر هام استدعى الموظف المختص إلى مكتبه، وأعطاه الأمر مباشرة لأهميته، كذلك كانت الصلاة، وكذلك فُرِضَتْ على سيدنا رسول الله بالتكليف المباشر. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الروم: 31] وهنا وقفة: فكيف بعد الإنابة إلى الله والتقوى، وبعد الأمر بإقامة الصلاة يقول {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الروم: 31]؟ وأين الشرك ممَّنْ يُؤدِّي التعاليم على هذا الوجه؟ قالوا: الشرك المنهيّ عنه هنا ليس الإشراك مع الله إلهاً آخر، إنما أشركوا مع الله نية أخرى، فالإشراك هنا بمعنى الرياء، والنظر إلى الناس لا إلى الله. لذلك يقولون: العمل من أجل الناس رياء، وترْك العمل من أجل الناس شرك، فالذي يصلي أو يبني لله مسجداً للشهرة، وليحمده الناس فهو مُراءٍ، وهو خائب خاسر؛ لأن الناس انتفعوا بعمله ولم يُحصِّل هو من عمله شيئاً. أما مَنْ يترك العمل خوفاً من الوقوع في الرياء، فيمتنع عن الزكاة مثلاً، خَوْفَ أن يُتَّهم بالرياء، فهو والعياذ بالله مشرك، لأن الناس ينتفعون بالعمل حتى وإنْ كان رياءً، لكن إنِ امتنعتَ عن العمل فلا ينتفع الناس منك بشيء. فالمعنى: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الروم: 31] أي: الشرك الخفي وهو الرياء؛ لذلك رأينا سيدنا رسول الله وهو الأسوة للأمة الإيمانية يدعو ربه ويقول "حديث : اللهم إنِّي أستغفرك من كل عمل أردتُ به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". تفسير : فالعمل الإيماني ما كان لله خالصاً، وعلى قَدْر الإخلاص يكون الجزاء، فمن الناس مَنْ يفعل الصلاح فيوافق شيئاً في نفسه، كأن يساعده على استقامة الحياة أو على التوفير في النفقات أو غير ذلك؛ فيستمر عليه، لا لله إنما لمصلحته هو. وفي هؤلاء يقول تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [الحج: 11]. وكالتاجر الذي يلتزم الصدق في تجارته، لا حباً في الصدق ذاته، إنما طمعاً في الشهرة والصِّيت وكَسْب المزيد من الزبائن، ومثل هؤلاء ينالون من الدنيا على قَدْر سعيهم لها، ولا يحرمهم اللهُ ثمرةَ مجهوداتهم، كما قال سبحانه: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. فما أشبه الناس في نياتهم من الأعمال بركْب يقصدون وجهة واحدة، لكن لكل منهم غاية يسعى إليها، فهذا يسعى للطعام أو أكلة شهية، وهذا يسعى لامرأة جميلة، وهذا يسعى لدرْس علم ينتفع به، وآخر يسعى لرؤية مَنْ يحب، وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: شعر : قَصَدْتُ بالركْبِ مَنْ أَهْوى وقُلْتُ لَهُم هَيّا كُلوا وخُذُوا ما حَظكم فِيهِ لكِنْ دَعُوني أُلاَقِي مَنْ أؤملُهُ عَيْني تَرَاهُ وَوُجْدَانِي يُنَاجِيهِ تفسير : كذلك الحق - تبارك وتعالى - يريد من عبده أنْ يقصده لذَاته، لا خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، وفَرْق بين أن تنعم بنعمة الله، وأن تنعم بالنظر إلى الله، فأنت في الجنة تأكل، لا عن جوع ولا عن حاجة، إنما لمجرد التنعُّم. لذلك يقول سبحانه عن الشهداء: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169] فتكفيهم هذه العندية، وأنْ ينظروا إلى الله سبحانه وتعالى. لذلك تقول رابعة العدوية: اللهم إنْ كنتَ تعلم أنِّي أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، وإنْ كنتَ تعلم أني أعبدك خوفاً من نارك فأدخِلني فيها، لكني أعبدك لأنك أحقُّ أنْ تُعبدَ. ولا شكَّ أن القليل من الناس يخلصون النية لله، وأن الغالبية يعملون العمل كما اتفق على أية نية، لا تعنيهم هذه المسألة، ولا يهتمون بها، كما قال سبحانه: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} تفسير : [يوسف: 106].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي تَائبينَ إليهِ رَاجعينَ عن ذِنُوبِهِمْ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم: 31] راجعين إلى إلهيته بالخروج عن حبس أنانيته {وَٱتَّقُوهُ} أي: واتقوا به من غيره {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} [الروم: 31] أي: أديموها بالحضور مع الله. {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الروم: 31] الملتفتين إلى غير الله، {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} [الروم: 32] الذين كانوا عليها في الفطرة التي فطر الناس عليها من التجريد والتفريد والتوحيد والمراقبة في مجلس الأنس والملازمة للمكالمة مع الحق، {وَكَانُواْ شِيَعاً} [الروم: 32] أي: وصاروا فرقاً: فريقاً: منهم مالوا إلى نعيم الجنان، وفريقاً: منهم رغبوا في نعيم الدنيا بالخذلان، وفريقاً: منهم وقعوا في شبكة الشيطان فساقهم إلى حب الشهوات وإلى درك النيران. {كُلُّ حِزْبٍ} [الروم: 32] من هؤلاء الفرق {بِمَا لَدَيْهِمْ} [الروم: 32] من مشتهى نفوسهم ومقتضى طباعهم، {فَرِحُونَ} [الروم: 32] فجالوا في ميدان الغفلات واستغرقوا في بحار الشهوات وظنوا بالظنون الكاذبة أن جذبتهم إلى ما هم فيه السعادة الحادثة، فإذا انكشف ضباب فهمهم، وانقشع سحاب جهدهم، انقلب فرحهم ترحاً واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة ولم يفرحوا إلا في أوطان الجهالة، وسوف ترى إذا تجلى الغبار أفرسٌ تحتك أم حِمار. ثم أخبر عن خصائص الإنسان الغالب عليه نسيان الإحسان بقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم: 33] يشير إلى طبيعة الإنسان أنها ممزوجة من هداية الروح وطاعته، ومن ضلالة النفس وعصيانها وتمردها، فإن الناس إذا أظلتهم المحنة ونالتهم الفتنة ومستهم البلية انكسرت نفوسهم وسكنت دواعيها وتخلصت أرواحهم عن أسر ظلمة شهواتها ورجعت على وفق طبعها المجبولة عليه إلى الحضرة، ورجعت النفوس أيضاً بموافقة الأرواح على خلاف طباعها مفطورة في دفع البلية إلى الله مستغيثين بلطفه مستجيرين عن محنتهم، مستكشفين الضر، فإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم. {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33] وهم النفوس المتمردة يعودون إلى عادتهم المذمومة وطبيعتهم الدنيئة في كفران النعمة {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} [الروم: 34] من النعمة والرحمة، ثم هددهم بقوله: {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 34] ما جزاء ما تعملون على وفق طباعكم واتباع لهواكم. وبقوله: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} [الروم: 35] يشير إلى أن أعمال العباد إذا كانت مقرونة بالحجة المنزلة تكون حجة لهم، وإذا كانت من نتائج طباع نفوسهم الخبيثة يكون عليهم.