Verse. 3442 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَاِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّہُمْ مُّنِيْبِيْنَ اِلَيْہِ ثُمَّ اِذَاۗ اَذَاقَہُمْ مِّنْہُ رَحْمَۃً اِذَا فَرِيْقٌ مِّنْہُمْ بِرَبِّہِمْ يُشْرِكُوْنَ۝۳۳ۙ
Waitha massa alnnasa durrun daAAaw rabbahum muneebeena ilayhi thumma itha athaqahum minhu rahmatan itha fareequn minhum birabbihim yushrikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا مسَّ الناس» أي كفار مكة «ضرٌّ» شدة «دعوا ربهم منيبين» راجعين «إليه» دون غيره «ثم إذا أذاقهم منه رحمة» بالمطر «إذا فريقٌ منهم بربهم يشركون».

33

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين التوحيد بالدليل وبالمثل، بين أن لهم حالة يعرفون بها، وإن كانوا ينكرونها في وقت وهي حالة الشدة، فإن عند انقطاع رجائه عن الكل يرجع إلى الله، ويجد نفسه محتاجة إلى شيء ليس كهذه الأشياء طالبة به النجاة {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } يعني إذا خلصناه يشرك بربه ويقول تخلصت بسبب اتصال الكوكب الفلاني بفلان، وبسبب الصنم الفلاني، لا، بل ينبغي أن لا يعتقد أنه تخلص بسبب فلان إذا كان ظاهراً فإنه شرك خفي، مثاله رجل في بحر أدركه الغرق فيهيىء له لوحاً يسوقه إليه ريح فيتعلق به وينجو، فيقول تخلصت بلوح، أو رجل أقبل عليه سبع فيرسل الله إليه رجلاً فيعينه فيقول خلصني زيد، فهذا إذا كان عن اعتقاد فهو شرك خفي، وإن كان بمعنى أن الله خلصني على يد زيد فهو أخفى، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {أَذَاقَهُمْ } فيه لطيفة وذلك لأن الذوق يقال في القليل فإن العرف (أن) من أكل مأكولاً كثيراً لا يقول ذقت، ويقال في النفي ما ذقت في بيته طعاماً نفياً للقليل ليلزم نفي الكثير بالأولى، ثم إن تلك الرحمة لما كانت خالية منقطعة ولم تكن مستمرة في الآخرة إذ لهم في الآخرة عذاب قال أذاقهم ولهذا قال في العذاب: { أية : ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } تفسير : [القمر: 48] { أية : ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [العنكبوت: 55] { أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49] لأن عذاب الله الواصل إلى العبد بالنسبة إلى الرحمة الواصلة إلى عبيد آخرين في غاية القلة. المسألة الثانية: قوله تعالى: {مِنْهُ } أي من الضر في هذا التخصيص ما ذكرناه من الفائدة وهي أن الرحمة غير مطلقة لهم إنما هي عن ذلك الضر وحده، وأما الضر المؤخر فلا يذوقون منه رحمة. المسألة الثالثة: قال ههنا {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ } وقال في العنكبوت: { أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } تفسير : [العنكبوت: 65] ولم يقل فريق وذلك لأن المذكور هناك ضر معين، وهو ما يكون من هول البحر والمتخلص منه بالنسبة إلى الخلق قليل، والذي لا يشرك به بعد الخلاص فرقة منهم في غاية القلة فلم يجعل المشركين فريقاً لقلة من خرج من المشركين، وأما المذكور ههنا الضر مطلقاً فيتناول ضر البر والبحر والأمراض والأهون والمتخلص من أنواع الضر خلق كثير بل جميع الناس يكونون قد وقعوا في ضر ما وتخلصوا منه، والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركاً من جميع الأنواع إذا جمع فهو خلق عظيم، وهو جميع المسلمين فإنهم تخلصوا من ضر ولم يبقوا مشركين، وأما المسلمون فلم يتخلصوا من ضر البحر بأجمعهم، فلما كان الناجي من الضر من المؤمنين جمعاً كثيراً، جعل الباقي فريقاً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} أي قَحْط وشِدّة {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ} أن يرفع ذلك عنهم {مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} قال ابن عباس: مقبلين عليه بكل قلوبهم لا يشركون. ومعنى هذا الكلام التعجب، عجب نبيّه من المشركين في ترك الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم؛ أي إذا مسّ هؤلاء الكفارَ ضرٌّ من مرض وشدّة دعوْا ربّهم؛ أي استغاثوا به في كشف ما نزل بهم؛ مقبلين عليه وحده دون الأصنام، لعلمهم بأنه لا فرج عندها. {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً} أي عافية ونعمة. {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي يشركون به في العبادة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الناس أنهم في حال الاضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم، إذا فريق منهم في حالة الاختيار يشركون بالله، ويعبدون معه غيره. وقوله تعالى: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ} هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك، ثم توعدهم بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب، لخفت منه، فكيف والمتوعد ههنا هو الذي يقول للشيء: كن فيكون؟ ثم قال منكراً على المشركين فيما اختلقوا فيه من عبادة غيره بلا دليل ولا حجة ولا برهان {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً} أي: حجة {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} أي: ينطق {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} وهذا استفهام إنكار، أي: لم يكن لهم شيء من ذلك. ثم قال تعالى: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} هذا إنكار على الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله ووفقه، فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر، وقال: {أية : ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} تفسير : [هود: 10] أي: يفرح في نفسه، ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة، قنط وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية. قال الله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} تفسير : [هود: 11] أي: صبروا في الضراء، وعملوا الصالحات في الرخاء. كما ثبت في الصحيح: «عجباً للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له». وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي: هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله، فيوسع على قوم، ويضيق على آخرين {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ } أي كفار مكة {ضُرٌّ } شدّة {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ } راجعين {إِلَيْهِ } دون غيره {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً } بالمطر {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني كتاباً، قاله الضحاك. الثاني: عذراً، قاله قتادة. الثالث: برهاناً، وهو معنى قول السدي وعطاء. الرابع: رسولاً، حكاه ابن عيسى محتملاً. {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: معناه يخبر به. الثاني: يحتج له. قوله: {وَإِذَآ أَذَقْنا النَّاسَ رَحْمَةً} فيها وجهان: أحدهما: أنها العافية والسعة، قاله يحيى بن سلام. الثاني: النعمة والمطر، حكاه النقاش. ويحتمل أنها الأمن والدعة. {فَرِحُواْ بِهَا} أي بالرحمة. {وَإِن تُصِبْهُمْ سِيِّئَةً} فيها وجهان: أحدهما: بلاء وعقوبة، قاله مجاهد. الثاني: قحط المطر، قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: أنها الخوف والحذر. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي بذنوبهم. {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أن القنوط اليأس من الرحمة والفرج، قاله الجمهور. الثاني: أن القنوط ترك فرائض الله في اليسر، قاله الحسن.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء إنحاء على عبدة الأصنام المشركين بالله عز وجل غيره بين الله تعالى لهم أنهم كسائر البشر في أنهم إذا مسهم {ضر دعوا الله} وتركوا الأصنام مطرحة ولهم في ذلك الوقت إنابة وخضوع، فـ {إذا أذاقهم} رحمته أي باشرهم أمره بها، والذوق مستعار، إذا طائفة تشرك به أصناماً ونحو هذا، و {إذا} للمفاجأة فلذلك صلحت في جواب {إذا} الأولى بمنزلة الفاء وهذه الطائفة هي عبدة الأصنام. قال الفقيه الإمام القاضي: ويلحق من هذه الألفاظ شيء للمؤمنين إذا جاءهم فرج بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين أو بحذق آرائهم وغير ذلك لأن فيه قلة شكر لله تعالى، ويسمى تشريكاً مجازاً، وقوله تعالى {ليكفروا} اللام لام كي، وقالت فرقة هي لام الأمر على جهة الوعيد والتهديد، وأما قوله تعالى: {فتمتعوا} فأمر على جهة الوعيد، والتقدير قل لهم يا محمد {فتمتعوا} وقرأ أبو العالية "فيتمتعوا" بياء قبل التاء وذلك عطف على {ليكفروا} أي لتطول أعمارهم على الكفر، وفي حرف ابن مسعود "فليتمتعوا"، وروي عن أبي العالية "فيُمتعوا" بضم الياء دون تاء أولى، وفي مصحف ابن مسعود "تمتعوا" هكذا قال هارون، وقرأ عامة الناس "تعلمون" بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو العالية "يعلمون" بالياء على ذكر الغائب. وقوله {أم} بمعنى بل وألف الاستفهام كأن أضرب عن صدر الكلام ورجع إلى هذه الحجة، و"السلطان" هنا البرهان من رسول أو كتاب ونحوه، والسلطان في كلام العرب جمع سليط كرغيف ورغفان وغدير وغدران فهو مأخوذ من التسلط والتغلب، ولزم هذا الاسم في العرف الرئيس لأنه سليط بوجه الحق ولزمه اسم جمع من حيث أنواع الغلبة والملك عنده، وقال قوم: هو اسم مفرد وزنه فعلان، وقوله تعالى: {فهو يتكلم} معناه أن يظهر حجتهم وينطق بشركهم قاله قتادة، فيقوم ذلك مقام الكلام، كما قال تعالى {أية : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} تفسير : [الجاثية: 29].

النسفي

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} شدة من هزال أو مرض أو قحط أو غير ذلك {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً } أي خلاصاً من الشدة {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } في العبادة {لِيَكْفُرُواْ } هذه لام كي. وقيل: لام الأمر للوعيد {بِمَآ آتيناهم} من النعم {فَتَمَتَّعُواْ } بكفركم قليلاً أمر وعيد {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وبال تمتعكم {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً } حجة {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } وتكلمه مجاز كما تقول «كتابه ناطق بكذا» وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه الشهادة كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } «ما» مصدرية أي بكونهم بالله يشركون، أو موصولة ويرجع الضمير إليها أي فهو يتكلم بالأمر الذي بسببه يشركون، أو معنى الآية أم أنزلنا عليهم ذا سلطان أي ملكاً معه برهان فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً } أي نعمة من مطر أوسعة أوصحة {فَرِحُواْ بِهَا } بطروا بسببها {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } أي بلاء من جدب أو ضيق أو مرض {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بسبب شؤم معاصيهم {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } من الرحمة و {إذا} لمفاجأة جواب الشرط نابت عن الفاء لتآخيهما في التعقيب. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لايَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أنكر عليهم بأنهم قد علموا بأنه القابض الباسط فما لهم يقنطون من رحمته، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين عن المعاصي التي عوقبوا بالشدة من أجلها حتى يعيد إليهم رحمته! ولما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك فقال

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {آتيتم من رباً} مقصوراً: ابن كثير {لتربوا} بضم التاء وسكون الواو على الجمع: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب {لنذيقهم} بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل {يرسل الريح} على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف {كسفاً} بالسكون: يزيد وابن ذكوان {آثار} على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد {ضعف} وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل. الباقون: بالضم وهو اختيار خلف وحفص {لا ينفع} بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم. والآخرون: بتاء التأنيث {لا يستخفنك} بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب. الوقوف: {يشركون} ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر {آتيناهم} ط للعدول إلى الخطاب وابتداء أمر التهديد {فتمتعوا} قف لاستئناف التهديد {تعلمون} ه{يشركون} ه {بها} ج ط فصلاً بين النقيضين {يقنطون} ه {ويقدر} ج {يؤمنون} ه {وابن السبيل} ط {وجه الله} ز ط {المفلحون} ه {عند الله} ج ط لعطف جملتي الشرط {المضعفون} ه {يحييكم} ط {شيء} ط {يشركون} ه {يرجعون} ه {من قبل} ط {مشركين} ه {يصدّعون} ه {كفره} ج لما مر {يمهدون} ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد {من فضله} ه {الكافرين} ه {تشكرون} ه {أجرموا} ط وقيل: يوقف على {حقاً} أي وكان الانتقام حقاً. ثم ابتداً علينا أي واجب علينا {نصر المؤمنين} ه {خلاله} ط ج للشرط مع الفاء {يستبشرون} ه {لمبلسين} ه {موتها} ط {الموتى} ج لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة {قدير} ه {يكفرون} ه {مدبرين} ه {ضلالتهم} ط {مسلمون} ه {وشيبة} ط {ما يشاء} ج ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول {القدير} ه {المجرمون} ه لا لأن ما بعده جواب القسم {غير ساعة} ط {يؤفكون} ه {يوم البعث} ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول {لا تعلمون} 5 {يستعتبون} ه {مثل} ط {مبطلون} ه {لا يعلمون} ه {لا يوقنون} ه. التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإِنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء. وإنما قال {إذا فريق منهم} ولم يقل "إذا هم يشركون" كما قال في آخر "العنكبوت"، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك. ثم استفهم على سبيل الإِنكار قائلاً {أم أنزلنا} كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟ وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا. و"ما" في قوله {بما كانوا} مصدرية والضمير في {به} لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه {يشركون} وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك. وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله. والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم. والقنوط من رحمة الله أيضاً مذموم كما مر في قوله {أية : إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون}تفسير : [يوسف: 87] ثم اشار بقوله {أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء} إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله. ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال {إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون} ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال {أولم يروا} وقال في "الزمر" {أية : أولم يعلموا}تفسير : [الآية: 52] مناسبة لما قبله وهو {أية : أوتيته على علم}تفسير : [القصص: 78] وقوله {ولكن أكثرهم لا يعلمون} قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلاً {فآت ذا القربى حقه} الآية. وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلاً {فآت} أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله {أية : فأقم وجهك}تفسير : [الروم: 30] وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإِنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان. وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف. وإنما قال {ذا القربى} ولم يقل "القريب" ليكون نصاً في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل. وفي قوله {فآت ذا القربى حقه} دون أن يقول "فآت هذه الأصناف حقوقهم" تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعاً لهم على الإطلاق. فإنه إذا قال الملك: خل فلاناً يدخل وفلاناً أيضاً كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلاناً وفلاناً يدخلان {ذلك} الإيتاء {خير} في نفسه أو خير من المنع {للذين يريدون وجه الله} أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفاً رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفاً لوجه الله {وأولئك هم المفلحون} كقوله في أول "البقرة" لأن قوله {أية : فأقم وجهك} تفسير : [الروم: 30] إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله {وآت ذا القربى} أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة. وفي قوله {يريدون وجه الله} إشارة إلى الاعتراف بالمعاد. ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطراداً. فمن قرأ ممدوداً فظاهر، ومن قرأ مقصوراً فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم {فلا يربو} فلا يزكو ولا ينمو {عند الله} لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة {أية : يمحق الله الربا ويربى الصدقات} تفسير : [الآية: 276] قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون. وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله تعالى أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحاً. وفي الحديث "حديث : الجانب المستغزر يثاب عن هبته"تفسير : أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئاً فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه. قال جار الله: في قوله {فأولئك} التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول "فأنتم المضعفون" أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به. وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون. قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفاً فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصراً في الجنة فإن الله تعالى يعطيه عشرة قصور تفضلاً. ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظراً إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} قال جار الله: "من" الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم. قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضاً. ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء. وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحاراً {لنذيقهم} وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض براً وبحراً بكسب الناس. وعلى هذا فاللام في قوله {لنذيقهم} لام العاقبة. ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود {كان أكثرهم مشركين} فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظاً عليهم. أو هو كقوله {أية : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} تفسير : [الأنفال: 25] أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم. خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله {فأقم} كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل {فاقم وجهك للدين} البليغ الاستقامة {من قبل أن يأتي} من الله {يوم} لا يرده راد. ويجوز أن يتعلق قوله {من الله} بقوله {لا مردّ} أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلاً {يومئذ يصدّعون} أي يتصدعون والتصدع التفرق. ثم بين وجه تفرق الناس بقوله {من كفر فعليه كفره} اي وبال كفره عليه لا على غيره {ومن عمل صالحاً} أي آمن وعمل صالحاً لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإِيمان، على أن الإِيمان، أيضاً عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ومعنى {يمهدون} يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله أن يراد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت. وذلك ان الإشفاق يلزمه التمهيد عرفاً وعادة. ثم بين غاية التمهيد بقوله {ليجزي} وقوله {من فضله} عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب. وفي قوله {إنه لا يحب الكافرين} وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك. قال جار الله: تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح. وقوله {إنه لا يحب الكافرين} تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس. قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولاً ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولاً أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر. أو أراد أن قوله {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله {إنه لا يحب الكافرين} دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن. فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر. وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله {ومن آياته أن يرسل الرياح} ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سبباً ويذكر لأضراره سبباً. ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جداً لا تهب إلا حيناً، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحاً واحداً أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحاً اعتدلت ونفعت. قوله {مبشرات} أي بالمطر كقوله {أية : بشراً بين يدي رحمته} تفسير : [الأعراف: 57] وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان. وقوله {وليذيقكم} إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها. وفي قوله {بأمره} إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام. وفي قوله {ولتبتغوا من فضله} دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز. وفي قوله {ولعلكم تشكرون} إشارة إلى أن نعم الله تعالى يجب أن تقابل بالشكر. وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله {ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون} تشريفاً لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {ولقد ارسلنا} واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدِّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء. وفي قوله {حقاً علينا} تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء. ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفاً اي قطعاً. وقوله {فترى الودق} أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور. ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله {من قبله} مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم. وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس. ثم صرح بالمقصود قائلاً {إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء} من الإبداء والإعادة {قدير}. ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال {ولئن أرسلنا ريحاً} ضارة باردة أو حارة {فرأوه} اي رأوا أثر الرحمة وهو النبات. ومن قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار الرحمة النبات أيضاً واسم النبات يقع على القليل والكثير، وإنما قال {مصفراً} ولم يقل "أصفر" لأن تلك الصفرة حادثة. وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك لم يمطر. ثم زاد في تسلية رسوله بقوله {فإنك لا تسمع الموتى} إلى قوله {فهم مسلمون} وقد مر في آخر النمل. ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلاً آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ضعف الهرم. وفي قوله {خلقكم من ضعف} إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف كقوله {أية : خلق الإنسان من عجل} تفسير : [الأنبياء: 37] وقيل: من ضعف اي من نطفة. وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير. وقوله {يخلق ما يشاء} كقوله في دليل الآفاق {أية : فيبسطه في السماء كيف يشاء}تفسير : [الروم: 48] والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة. ثم عاد إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس. وذلك أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها. ومعنى {يؤفكون} يصرفون عن الصدق والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبيناً على الظن الكاذب وكانوا يصرون بمثله. ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين. ومعنى في كتاب الله في اللوح والمحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب. وفيه رد قول الكفار وإلاع لهم على مصدوقية الحال. قال جار الله: في الحديث "حديث : ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون" تفسير : قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون الف سنة. وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم. والفاء في قوله {فهذا يوم البعث} جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم {ولكنكم كنتم لا تعلمون} أنه حق. ثم بين أن ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل الشرك وسائر أنواع الظلم {ولا هم يستعتبون} أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في "النحل". ثم بين أن القرآن مشحون بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، والأغلب أن يتجرأ على أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين. ومعنى {لا يستخفنك} لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ...} الآية، ابتداءُ إنحاءٍ على عَبَدَةِ الأَصْنَام. قال * ع *: ويلحق من هذه الألفاظ شيءٌ للمؤمنين؛ إذا جاءهم فَرَجٌ بعد شدةٍ؛ فعلقوا ذلك بمخلوقين، أو بِحذْقِ آرائهم، وغير ذلك؛ لأن فيه قلة شكر للَّه تعالى؛ ويسمى تَشْرَيكاً مجَازاً. والسلطانُ هنا البرهانُ من رسولٍ أو كتابٍ، ونحوه. وقوله تعالى: {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} معناه فهو يُظْهِر حجتَهم، ويغلبُ مذهبَهم، وينطق بشركهم. ثم قال تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا}، وكل أحد يأخذ من هذه الخُلُقِ بقسطِ، فالمقل والمكثر، إلا من ربطتِ الشريعةُ جأشَه، ونَهَجَتِ السنة سبيلَه، وتأدَّب بآداب اللّه، فصبر عند الضراء؛ وشكر عند السراء، ولم يَبْطُرْ عند النِّعْمَةِ، ولا قنط عند الابتلاءِ، والقَنَطُ: اليأسُ الصريحُ. ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره؛ لم يَيْأْسْ من رَّوْح اللّهِ ـــ وهو أنه سبحانه يَخُصُّ من يشاء من عبادهِ بِبَسْطِ الرزق، ويقدر على من يشاء منهم. فينبغي لكلِ عَبْدٍ أنْ يكونَ راجياً ما عند ربه. ثم أمر تعالى نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ أمراً تَدْخُلُ فيه أمته ـــ على جهة الندب ـــ بإيتاء ذي القربى حقَّه من صلة المالِ، وحسنِ المعاشرة ولين القول، قال الحسن: حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ. قال * ع *: ومعظمُ ما قُصِدَ أمرُ المعونةِ بالمال. وقرأ الجمهور: {وَمَا ءَاتَيْتُمْ} بمعنى: أعطتيم، وقرأ ابن كثير بغير مد، وما فعلتم، وأجمعوا على المد في قوله {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مِّن زَكَوٰةٍ} والربا: الزيادة. قال ابن عباس وغيره: هذه الآية نزلتُ في هباتِ الثَّوابِ. قال * ع *: وما جَرَى مَجْرَاها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه؛ كالسِّلمِ وغيرِه، فهو وإن كانَ لاَ إثْمَ فيه؛ فَلا أجْرَ فيه ولاَ زيادة عند اللّه تعالى، وما أعْطَى الإنسانُ تَنْمِيَةً لِمالهِ وتطهيراً؛ يريدُ بذلك وَجْهَ اللَّه تعالى؛ فذلك هُو الذي يُجَازَى به أضعَافاً مضَاعَفَةً على ما شاء اللّه له. وقرأ جمهور السبعةِ «ليربوا» بإسناد الفِعل إلى الربا، وقرأ نافعٌ وحدَه «لِتُرْبُوا» وباقي الآية بيِّن. ثم ذكر تعالى ـــ على جهة العبرة ـــ ما ظهرَ من الفسَادِ بسبب المعَاصي، قال مجاهد: البَرُّ البلاد البعيدة من البحر، والبحرُ السواحلُ والمدنُ التي على ضِفَّة البحرِ، وظهورُ الفساد فيهما: هو بارتفاعِ البركاتِ، ووقوعِ الرزايا، وحدوثِ الفتنِ وتغلب العدوِّ، وهذه الثلاثةُ توجَد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفسادُ في البحر: انقطاع صَيْدِه بذَنَوب بني آدم، وقلما توجد أمة فاضلةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعمال؛ إلا يدفعُ اللّه عنها هذه الأمور، والأمرُ بالعكس في المعاصي، وبطر النعمة؛ ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير. و {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، أي: يتوبون ويراجعونَ بصائَرهم فِي طاعةِ ربهِم؛ ثم حذَّر ـــ تعالى ـــ من يومِ القيامةِ تحذيراً يَعُمُّ العالمَ وإياهُمُ المقصد بقوله {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} الآية {وَلاَ مَرد لَهُ}: معناه: لَيْسَ فِيه رُجُوعٌ لِعَمَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُريد لاَ يَردُّهُ رَادٌّ. وهذا ظاهر بحسبِ اللفظ و {يَصَّدَّعُونَ}: معناه: يَتَفَرَّقُونَ بعد جمعهم إلى الجنةِ وإلى النار. ثم ذكر تعالى من آياته أشياءَ وهي ما في الرِّيحِ من المنافِع وذلك أنها بشرى بالمطر ويُلَقَّحُ بها الشجر، وغير ذلك، وتجري بها السفن في البحر. ثم آنسَ سبحانه نبيه عليه السلام بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ...} الآية، ثم وعد تعالى محمداً عليه السلام وأمّته النصرَ بقوله: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} وحقاً خبرَ كانَ قدَّمه اهتماماً.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} قَحْطٌ وشدّة، {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} بالدعاء، لما بين التوحيد بالدليل وبالمثل بين أن لهم حالة يعترفون بها، وإن كانوا ينكرونه في وقت ما وهي حالة الشدة، {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً}، خصْبٌ أو نعمة، يعني إذا خلصناهم من تلك الشدة {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}، وقوله: "مِنْهُ" أي من الضر؛ لأن الرحمة غير مطلقة لهم إنما هي على ذلك الضر وحده، وأما الضر المؤخر فلا يذوقون منه رحمة ويحتمل أن يكون الضمير في "منه" عائد إلى الله تعالى، والتقدير ثم إذا أذاقهم اللَّهُ من فضله رحمةً خلصهم بها من ذلك الضر. قوله: "إذَا فَريقٌ" هذه "إذا" الفُجَائِيَّة، وَقَعَتْ جَوَابَ الشرطِ؛ لأنها كالفاء في أنها للتعقيب ولا يقع أول كلام، وقد تجامعها الفاء زائدةً. فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ}، وقال في موضع: {فَلَمَّا نَجَاهُمْ إِلَى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشرِكُونَ} ولم يقل: فَرِيقٌ. فالجواب: أن المذكور هناك غير معين، وهو ما يكون من هَوْل البحر، والتخلص منه بالنسبة إلى الخلق قليل، والذي لا يشرك منهم بعد الخلاص فرقة منهم فهم في غاية القلة، فلم يجعل المشركين فريقاً لقلة من خرج من الشرك وأما المذكور ههنا الضر مطلقاً فيتناول ضُرَّ البحر والأمراض والأهوال، والمتخلص من أنواع الضر خلقٌ كثير بل جميع الناس يكونون قد وقعوا في ضر ما فتخلصوا منه والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركاً من الناس يكونون قد وقعوا في ضر ما فتخلصوا منه والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركاً من جميع الأنواع إذا جمع فهو خلق عظيم وهو جميع المسلمين فإنهم تخلصوا من ضُرّ ولم يبقوا مشركين، وأما المسلمون فلم يتخلصوا من ضُرّ البحر بأجمعهم فلما كان الناجي من الضر المؤمن جمعاً كثيراً سمى الباقي فريقاً. قوله: "لِيَكْفُرُوا" يجوز أن تكون لام "كي" وأن تكون لام الأمر ومعناه التهديد كقوله: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ}تفسير : [فصلت: 40] ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تَهْديدٍ فقال: "فَتَمَتَّعُوا". قرأ العامة بالخطاب فيه، وفي "تَعْلَمُونَ"، وأبو العالية بالياء فيهما، والأول مبني للمَفْعُولِ. وعنه أيضاً "فَيَتَمَتَّعوا" بياء قبل التاء، وعن عبد الله "فلْيَتَمَتَّعُوا" بلام الأمر، والمعنى: فسوف تعلمون حالكم في الآخرة. قوله: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} أي بُرْهَاناً وحُجَّةً، فإن جعلناهُ حقيقة كان يتكلم مجازاً، وإن جعلناه على حذف مضاف أي ذا سلطان كان يتكلم حقيقة، وقال أبو البقاء هنا: وقيل: هو جمع سليط كرغيف ورغفان انتهى. قال شهاب الدين: وهذا لا يجوز لأنه كان ينبغي أن يقال فهم يتكلمون. و "فَهُوَ يَتَكَلَّمُ" جواب الاستفهام الذي تضمنته "أم" المنقطعة، وهذا استفهام بمعنى الإِنكار أي ما أنزلنا بما يقولون سلطاناً، قال ابن عباس: حجة وعُذْرا، وقال قتادة: كتاباً يتكلم بما كانوا به يشركون "أي ينطق بشركهم".

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} أي شدَّةٌ {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجعينَ إليه من دعاءِ غيرِه {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً} خلاصاً من تلك الشدَّة {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ} الذي كانُوا دَعَوه منيبـين إليه {يُشْرِكُونَ} أي فاجأ فريقٌ منهم الإشراكَ وتخصيصُ هذا الفعلِ ببعضِهم لما أنَّ بعضَهم ليسُوا كذلك كما في قولِه تعالى: {أية : فَلَمَّا نَجَّـٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} تفسير : [سورة لقمان: الآية 32] أي مقيمٌ على الطَّريقِ القصدِ أو متوسطٌ في الكفرِ لانزجارهِ في الجُملة {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ} اللامُ فيه للعاقبةِ وقيل للأمرِ التَّهديديِّ كقولِه تعالى: {فَتَمَتَّعُواْ} غيرَ أنَّه التفتَ فيه للمبالغةِ وقرىء وليتمتَّعوا {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبةَ تمتُّعِكم. وقُرىء بالياءِ، على أنَّ تمتَّعوا ماضٍ والالتفاتُ إلى الغَيبةِ في قوله تعالى: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ} للإيذان بالإعراضِ عنهم وتعديدِ جناياتِهم لغيرِهم بطريقِ المُباثّةِ {سُلْطَـٰناً} أي حجَّةً واضحةً وقيل: ذا سلطانٍ أي مَلَكاً معه برهانٌ {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} تكلُّمَ دلالةٍ كما في قولِه تعالى: { أية : هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ} تفسير : [سورة الجاثية: الآية 29] أو تكلُّمَ نطقٍ {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} بإشراكهم به تعالى أو بالأمر الذي بسببه يُشركون. {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} أي نعمة من صَّحةٍ وسَعَةٍ {فَرِحُواْ بِهَا} بَطَراً وأشَراً لا حَمْداً وشُكْراً {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} شدَّةٌ {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بشؤمِ معاصِيهم {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} فاجؤوا القُنوطَ من رحمتهِ تعالى وقُرىء بكسرِ النُّونِ. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أي ألم ينظرُوا ولم يشاهدُوا {أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} فما لهم لم يشكرُوا ولم يحتسبُوا في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ كالمؤمنينَ {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فيستدلُّون بها على كمالِ القدرةِ والحكمةِ.

القشيري

تفسير : إذا أظلتهم المحنةُ ونَالتهم الفتنةُ؛ وَمَسَّتْهُم البليَّةُ رجعوا إلى الله بأجْمعهم مستعينين، وبلطفه مستجيرين، وعن محنتهم مستكشفين. فإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم، ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} لا كلُّهم - بل فريقٌ منهم بربهم يشركون؛ يعودون إلى عاداتهم المذمومة في الكفران، ويقابلون إحسانه بالنسيان، هؤلاء ليس لهم عهدٌ ولا وفاء. ولا في مودتهم صفاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا مس الناس} [وجون برسد آدميان يعنى مشر كان مكة را] {ضر} سوء حال من الجوع والقحط واحتباس المطر والمرض والفقر وغير ذلك من انواع البلاء. قال فى المفردات المس يقال فى كل ما ينال الانسان من اذى {دعوا ربهم} حال كونهم {منيبين اليه} راجعين اليه من دعاء غيره لعلمهم انه لا فرج عند الاصنام ولا يقدر على كشف ذلك عنهم غير الله {ثم اذا اذاقهم} [بس جون بجشاند ايشانرا] {منه} من عنده {رحمة} خلاصا وعافية من الضر النازل بهم وذلك بالسعة والغنى والصحة ونحوها {اذا فريق منهم بربهم يشركون} اى فاجأ فريق منهم بالعود الى الاشراك بربهم الذى عافاهم: وبالفارسية [آنكاه كروهى ازيشان بيروردكار خود شرك آرند يعنى در مقابلة نجات ازبلا جنين عمل كنند] وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما ان بعضهم ليسوا كذلك كما فى قوله تعالى {أية : فلما نجاهم الى البر فمنهم مقتصد} تفسير : اى مقيم على الطريق القصد او متوسط فى الكفر لا نزجاره فى الجملة {ليكفروا بما آتيناهم} اللام فيه للعاقبة والمراد بالموصول نعمة الخلاص والعافية {فتمتعوا} اى بكفركم قليلا الى وقت آجالكم وهو التفات من الغيبة الى الخطاب. وفى كشف الاسرار [كوى برخوريد وروزكار فراسر بريد] وقال الكاشفى: يعنى [اى كافران برخوريد دوسه روز از نعمتهاى دينوى] {فسوف تعلمون} عاقبة تمتعكم فى الآخرة وهى العقوبة. وفي التأويلات النجمية يشير الى طبيعة الانسان انها ممزوجة من هداية الروح واطاعته ومن ضلالة النفس وعصيانها وتمردها فالناس اذا اظلتهم المحنة ونالتهم الفتنة ومستهم البلية انكسرت نفوسهم وسكنت دواعيها وتخلصت ارواحهم من اسر ظلمة شهواتها ورجعت على وفق طبعها المجبولة عليه الى الحضرة ورجعت النفوس ايضا بموافقة الارواح على خلاف طباعها مضطرين فى دفع البلية الى الله مستغيثين بلطفه مستجيرين من محنهم مستكشفين للضر فاذا جاد عليهم بكشف ما نالهم ونظر اليهم باللطف فيما اصابهم {اذا فريق منهم} وهم النفوس المتمردة يعودون الى عادتهم المذمومة وطبيعتهم الدنيئة وكفران النعمة {ليكفروا بما آتيناهم} من النعمة والرحمة ثم هدّدهم بقوله {فتمتعوا فسوت تعلمون} جزاء ما تعملون على وفق طباعكم اتباعا لهواكم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (إِذَا هُمْ): جواب (إن). و(إذا)؛ الفجائية، تَخْلُفُ الفاء، لتآخيهما في التعقيب. يقول الحق جل جلاله: {وإِِذا مَسَّ الناسَ ضُرُّ}؛ كمرض، وفقر، وشدة، أو غير ذلك، {دَعَوا ربهم منيبين}؛ راجعين {إليه} من دعاء غيره. {ثم إذا أذاقهم منه رحمةً}؛ خلاصاً من الشدة {إذا فريق منهم بربهم يُشركون} شركاً جلياً أو خفياً،أي فاجأ بعضهم الإشراك بربهم الذي عافاهم، {ليكفروا}؛ إما: لام كي، أو: لام الأمر؛ للوعيد والتهديد، أي: أشركوا كي يكفروا {بما آتيناهم} من النعم، التي من جملتها: نجاتهم وخلاصهم من كل شدة، {فتمتعوا} بكفركم قليلاً؛ أمر تهديد، {فسوف تعلمون} وبال تمتعكم. {أم أنزلنا عليهم سلطاناً}؛ حجّة على عبادة أصنامهم، {فهو يتكلمُ}، وتكلمه مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه: الشهادة، كأنه قال: يشهد بصحة ما {كانوا به يشركون}، فما: مصدرية، أي: بصحة كونهم بالله يشركون، أو: موصولة، أي: بالأمر الذي بسببه يشركون. {وإِذا أذقنا الناسَ رحمةً} أي: نعمة؛ من مطر، أو: سعة رزق، أو: صحة، {فَرِحُوا بها} فرح بَطَرَ وافتخار وغفلة. {وإن تُصبهم سيئة}؛ بلاء؛ من جدب، أو ضيق، أو مرض، {بما}؛ بسبب ما {قدمتْ أيديهم} من المعاصي، أي: بشؤمها، {إِذا هم يَقْنَطُون}؛ ييأسون من رحمة الله، وفرجِهِ بعد عسره. يقال: قَنِطَ يَقْنَطُ، كفرح يفرح، وكعلم. الإشارة: الواجب على المؤمنين أن يختلفوا بضد ما تخلق به الكافرون، فإذا مسهم ضر أو شدة، توجهوا إلى الله، إما بالتضرع والابتهال؛ عبودية، منتظرين ما يفعل الله، وإما بالصبر، والرضا، والسكون تحت مجاري الأقدار. فإذا جاء الفرج والنعمة؛ شكروا الله وحمدوه، ونسبوا الفرج إليه وحده، فإن كان وقع منهم سبب شرعي؛ لم يلتفتوا إليه قط؛ إذ لا تأثير له أصلاً، وإنما الفرج عنده لا به، فلا يقولوا: فلان ولا فلانة، وإنما الفاعل هو الله الواحد القهار. وهذا الشرك الخفي مما ابتلى به كثير من الناس، علماء وصالحين، وخصوصاً منهم من يتعاطى كتب الفلسفة، كالأطباء وغيرهم، إذا أصابهم شيء فزعوا، فإذا فَرَّجَ عنهم؛ قالوا: فلان داوانا، وفلان فرَّج عنا، والدواء الفلاني هو شفاني، فتعالى الله عما يشكرون. فليشدّ العبدُ يده على التوحيد، ولا يرى في الوجود إلا الفرد الصمد، الفعّال لما يريد. ومن أوصاف أهل الغفلة: أنهم، إذا أصابتهم نعمة، فرحوا وافتخروا بها، وإذا أصابتهم شدة قنطوا وأيسوا من روح الله، والواجب: ألا يفرح بما هو عارض فانٍ، ولا ييأس من روح الله عند الشدة، بل ينتظر من الله الفرج، فإنَّ مع العسر يسراً، إن مع العسر يسرا. قال تعالى: {أية : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} تفسير : [الحديد: 22 -23] الآية. وبالله التوفيق. ثم برهن على توالي النعم والمحن على العبد، ما دام في دار الدنيا، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ...}

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} لما يرتفع حينئذٍ حجاب النّفس ومانع الرّجوع والسّلوك الى الله {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً} نعمةً بعد الخلاص من ذلك الضّرّ {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} لا كلّهم لانّ بعضهم لا يغلب عليهم الواهمة ولا تمنعهم من شكر النّعمة كما كانوا حال الضّرّ لا يمنعهم الواهمة عن الالتجاء ودعاء كشف الضّرّ {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} بربّهم المطلق يسوّون الاصنام والكواكب والاهوية، او بربّهم المضاف يسوّون غير ولىّ امرهم.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} اذا اصاب المشركين او مشركي مكة شدة من هزال او مرض او قحط او غير ذلك. {دَعَوا رَبَّهُم} ان يزيله عنهم. {مُّنِيبِينَ} راجعين. {إِلَيْهِ} وحده من دعاء غيره. {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً} كسمن وصحة ومطر وخصب وغير ذلك وتخلصوا من ذلك الضر ومنه متعلق بمحذوف حال من رحمة لا باذاق لئلا يلزم عمل عامل في ضميرين لواحد الا ان اجيز ذلك اذا كان احد الضميرين توصل اليه العامل بالحرف. {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم} اذا للمفاجأة. {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} مع انه الذي كشف عنهم لا غيره.

اطفيش

تفسير : {وإذا مسَّ النَّاس} المؤمنين والكافرين {ضُر} شدة ما {دَعوا ربَّهُم} فى ازالتها {مَنِبيين إليه} راجعين، المؤمن يرجع عن زلته، والمشرك عن شركه {ثمَّ إذا أذاقَهُم منْهُ رحمةً} تخليصا من ذلك الضر او رحمة ما، لان الانسان يطغى بالنعمة، ومنه متعلق بأذاق، وفيه إعمال العامل فى ضميرين لواحد لجوازه مطلقا اذا كان احدهما بحرف جر، وذلك كثير فى القرآن فلا تهم، او بمحذوف حال من رحمة {إذا فريقٌ منْهُم} وهو المشركون {بربَّهم يُشركون} يرجعون الى الشرك، والفريق الاخر مؤمن باق على ايمانه، وان رجع الى زلته اشبه مشركا رجع الى شركه، وثم للتراخى رتبة او زمانا على حد ما مر.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ} أي شدة {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } راجعين إليه تعالى من دعاء غيره عز وجل من الأصنام وغيرها {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً } خلاصاً من تلك الشدة {إِذَا فَرِيقٌ بِرَبّهِمْ} الذي كانوا دعوه منيبين إليه {يُشْرِكُونَ} أي فاجأ فريق منهم الإشراك وذلك بنسبة خلاصهم إلى غيره تعالى من صنم أو كوكب أو نحو ذلك من المخلوقات؛ وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما أن بعضهم ليسوا كذلك، وتنكير (ضُرٌّ. وَرَحْمَةً) للتعليل إشارة إلى أنهم لعدم صبرهم يجزعون لأدنى مصيبة ويطغون لأدنى نعمة، و «ثم» للتراخي الرتبى أو الزماني.

سيد قطب

تفسير : يمضي هذا الشوط من السورة في مجالها الأصيل. المجال الكوني العام الذي ترتبط به أقدار الناس وأقدار الأحداث؛ والذي تتناسق فيه سنن الكون وسنن الدين القيم بلا تعارض ولا اصطدام. وفي هذا الشوط يرسم صورة لتقلب الأهواء البشرية أمام ثبات السنن؛ ووهن عقائد الشرك أمام قوة الدين القيم. ويصور نفوس البشر في السراء والضراء وعند قبض الرزق وبسطه، وهي تضطرب في تقديراتها وتصوراتها ما لم تستند إلى ميزان الله الذي لا يضطرب أبداً، وما لم ترجع إلى قدر الله الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وبمناسبة الرزق يوجههم إلى الطريقة التي تنمي المال وتزكيه. الطريقة المتفقة مع النهج القيم والطريق الواصل. ويردهم بهذا إلى معرفة الخالق الرازق الذي يميت ويحيي. أما الشركاء الذين يتخذونهم من دون الله فماذا يفعلون؟ وينبههم إلى الفساد الذي تنشئه عقيدة الشرك في كل مكان. كما يوجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين إلى الاستقامة على منهجهم القيم. قبل أن يأتي اليوم الذي لا عمل فيه ولا كسب، ولكن حساب وجزاء عما كانوا يعملون. وفي معرض الحديث عن رزق الله يوجه قلوبهم إلى أنماط من هذا الرزق. منها ما يتعلق بحياتهم المادية كالماء النازل من السماء الذي يحيي الأرض بعد موتها. وتجري الفلك فيه بأمره. ومنها تلك الآيات البينات التي تنزل على الرسول لإحياء موات القلوب والنفوس، ولكنهم لا يهتدون ولا يسمعون. ويطوف بهم في جولة مع أطوار نشأتهم وحياتهم حتى ينتهوا إلى خالقهم، فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون.. ويختم هذا الشوط بتثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتوجيهه إلى الصبر حتى يتحقق وعد الله الحق اليقين. {وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه، ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم، فتمتعوا فسوف تعلمون. أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون؟ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها، وإن تصيبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون. أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؟ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}... إنها صورة للنفس البشرية التي لا تستمد من قيمة ثابتة، ولا تسير على نهج واضح. صورة لها وهي تتأرجح بين الانفعالات الطارئة، والتصورات العارضة، والاندفاعات مع الأحداث والتيارات. فعند مس الضر يذكر الناس ربهم، ويلجأون إلى القوة التي لا عاصم إلا إياها، ولا نجاة إلا بالإنابة إليها. حتى إذا انكشفت الغمة، وانفرجت الشدة، وأذاقهم الله رحمة منه: {إذا فريق منهم بربهم يشركون}.. وهو الفريق الذي لا يستند إلى عقيدة صحيحة تهديه إلى نهج مستقيم. ذلك أن الرخاء يرفع عنهم الاضطرار الذي ألجأهم إلى الله؛ وينسيهم الشدة التي ردتهم إليه. فيقودهم هذا إلى الكفر بما آتاهم الله من الهدى وما آتاهم من الرحمة، بدلاً من الشكر والاستقامة على الإنابة. وهنا يعاجل هذا الفريق بالتهديد في أشخاص المشركين الذين كانوا يواجهون الرسالة المحمدية، فيوجه إليهم الخطاب، ويحدد أنهم من هذا الفريق الذي يعنيه: {فتمتعوا فسوف تعلمون}.. وهو تهديد ملفوف، هائل مخيف. وإن الإنسان ليخاف من تهديد حاكم أو رئيس فكيف وهذا التهديد من فاطر هذا الكون الهائل، الذي أنشأه كله بقولة: كن! {فتمتعوا فسوف تعلمون}! وبعد هذه المعاجلة بالتهديد الرعيب يعود فيسأل في استنكار عن سندهم في هذا الشرك الذي يجازون به نعمة الله ورحمته؛ وهذا الكفر الذي ينتهون إليه: {أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون؟}.. فإنه لا ينبغي لبشر أن يتلقى شيئاً في أمر عقيدته إلا من الله. فهل أنزلنا عليهم حجة ذات قوة وسلطان تشهد بهذا الشرك الذي يتخذونه؟ وهو سؤال استنكاري تهكمي، يكشف عن تهافت عقيدة الشرك، التي لا تستند إلى حجة ولا تقوم على دليل. ثم هو سؤال تقريري من جانب آخر، يقرر أنه لا عقيدة إلا ما يتنزل من عند الله. وما يأتي بسلطان من عنده. وإلا فهو واهن ضعيف. ثم يعرض صفحة أخرى من صفحات النفس البشرية في الفرح بالرحمة فرح الخفة والاغترار؛ والقنوط من الشدة واليأس من رحمة الله: {وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون}.. وهي كذلك صورة للنفس التي لا ترتبط بخط ثابت تقيس إليه أمرها في جميع الأحوال؛ وميزان دقيق لا يضطرب مع التقلبات. والناس هنا مقصود بهم أولئك الذين لا يرتبطون بذلك الخط ولا يزنون بهذا الميزان. فهم يفرحون بالرحمة فرح البطر الذي ينسيهم مصدرها وحكمتها، فيطيرون بها، ويستغرقون فيها، ولا يشكرون المنعم، ولا يستيقظون إلى ما في النعمة من امتحان وابتلاء. حتى إذا شاءت إرادة الله أن تأخذهم بعملهم فتذيقهم حالة {سيئة} عموا كذلك عن حكمة الله في الابتلاء بالشدة، وفقدوا كل رجاء في أن يكشف الله عنهم الغمة؛ وقنطوا من رحمته ويئسوا من فرجه.. وذلك شأن القلوب المنقطعة عن الله، التي لا تدرك سننه ولا تعرف حكمته. أولئك الذين لا يعلمون. يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا! ويعقب على هذه الصورة بسؤال استنكاري يعجب فيه من أمرهم، وقصر نظرهم وعمى بصيرتهم. فالأمر في السراء والضراء يتبع قانوناً ثابتاً، ويرجع إلى مشيئة الله سبحانه، فهو الذي ينعم بالرحمة، ويبتلي بالشدة؛ ويبسط الرزق ويضيقه وفق سنته، وبمقتضى حكمته. وهذا ما يقع كل آن، ولكنهم هم لا يبصرون: {أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؟}.. فلا داعي للفرح والبطر عند البسط، ولا لليأس والقنوط عند القبض؛ فإنما هي أحوال تتعاور الناس وفق حكمة الله، وفيها للقلب المؤمن دلالة على أن مرد الأمر كله لله، ودلالة على اطراد السنة، وثبات النظام، رغم تقلب الأحوال: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}.. وإذا كان الله هو الذي يبسط الرزق ويقبضه؛ وهو الذي يعطي ويمنع وفق مشيئته؛ فهو يبين للناس الطريق الذي تربو أموالهم فيه وتربح. لا كما يظنون هم، بل كما يهديهم الله: {فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل. ذلك خير للذين يريدون وجه الله؛ وأولئك هم المفلحون. وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله؛ وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون}.. وما دام المال مال الله، أعطاه رزقاً لبعض عباده، فالله صاحب المال الأول قد قرر قسماً منه لفئات من عباده، يؤديها إليهم من يضع يده على ذلك المال. ومن ثم سماها حقاً. ويذكر هنا من هذه الفئات {ذا القربى والمسكين وابن السبيل}. ولم تكن الزكاة بعد قد حددت ولا مستحقوها قد حصروا. ولكن المبدأ كان قد تقرر. مبدأ أن المال مال الله، بما أنه هو الرازق به، وأن لفئات من المحتاجين حقاً فيه مقرراً لهم من صاحب المال الحقيقي، يصل إليهم عن طريق واضع اليد على هذا المال.. وهذا هو أساس النظرية الإسلامية في المال. وإلى هذا الأساس ترجع جميع التفريعات في النظرية الاقتصادية للإسلام. فما دام المال مال الله، فهو خاضع إذن لكل ما يقرره الله بشأنه بوصفه المالك الأول، سواء في طريقة تملكه أو في طريقة تنميته، أو في طريقة إنفاقه. وليس واضع اليد حراً في أن يفعل به ما يشاء. وهو هنا يوجه أصحاب المال الذين اختارهم ليكونوا أمناء عليه إلى خير الطرق للتنمية والفلاح. وهي إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل، والإنفاق بصفة عامة في سبيل الله: {ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون}.. وكان بعضهم يحاول تنمية ماله بإهداء هدايا إلى الموسرين من الناس، كي ترد عليه الهدية مضاعفة! فبين لهم أن هذا ليس الطريق للنماء الحقيقي: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله}.. هذا ما تذكره الروايات عن المقصود بالآية وإن كان نصها بإطلاقه يشمل جميع الوسائل التي يريد بها أصحابها أن ينموا أموالهم بطريقة ربوية في أي شكل من الأشكال.. وبين لهم في الوقت ذاته وسيلة النماء الحقيقية: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون}... هذه هي الوسيلة المضمونة لمضاعفة المال: إعطاؤه بلا مقابل وبلا انتظار رد ولا عوض من الناس. إنما هي إرادة وجه الله. أليس هو الله الذي يبسط الرزق ويقدر؟ أليس هو الذي يعطي الناس ويمنع؟ فهو الذي يضاعف إذن للمنفقين ابتغاء وجهه؛ وهو الذي ينقص مال المرابين الذين يبتغون وجوه الناس.. ذلك حساب الدنيا، وهناك حساب الآخرة وفيه أضعاف مضاعفة. فهي التجارة الرابحة هنا وهناك! ومن زاوية الرزق والكسب يعالج قضية الشرك، وآثارها في حياتهم وفي حياة من قبلهم، ويعرض نهاية المشركين من قبل وعاقبتهم التي تشهد بها آثارهم: {الله الذي خلقكم، ثم رزقكم، ثم يميتكم ثم يحييكم. هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء؟ سبحانه وتعالى عما يشركون. ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. قل: سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين}.. وهو يواجههم بواقع أمرهم وحقائق حالهم التي لا يملكون أن يماروا في أن الله وحده هو موجدها؛ أو التي لا يملكون أن يزعموا أن لآلهتهم المدعاة مشاركة فيها. يواجههم بأن الله هو الذي خلقهم. وأنه هو الذي رزقهم. وأنه هو يميتهم. وأنه هو يحييهم. فأما الخلق فهم يقرون به. وأما الرزق فهم لا يملكون أن يزعموا أن آلهتهم المدعاة ترزقهم شيئاً. وأما الإماتة فلا حجة لهم على غير ما يقرره القرآن فيها. بقي الإحياء وكانوا يمارون في وقوعه. وهو يسوقه إليهم ضمن هذه المسلمات ليقرره في وجدانهم بهذه الوسيلة الفريدة، التي تخاطب فطرتهم من وراء الانحراف الذي أصابهم. وما تملك الفطرة أن تنكر أمر البعث والإعادة. ثم يسألهم: {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء؟} ولا ينتظر جواباً منهم، فهو سؤال للنفي في صورة التقريع غير محتاج إلى جواب! إنما يعقب عليه بتنزيه الله: {سبحانه وتعالى عما يشركون}. ثم يكشف لهم عن ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم؛ وأن فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملؤها براً وبحراً بهذا الفساد، ويجعله مسيطراً على أقدارها، غالباً عليها: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس}... فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتم عبثاً، ولا يقع مصادفة؛ إنما هو تدبير الله وسنته.. {ليذيقهم بعض الذي عملوا} من الشر والفساد، حينما يكتوون بناره، ويتألمون لما يصيبهم منه: {لعلهم يرجعون} فيعزمون على مقاومة الفساد، ويرجعون إلى الله وإلى العمل الصالح وإلى المنهج القويم. ويحذرهم في نهاية هذه الجولة أن يصيبهم ما أصاب المشركين قبلهم، وهم يعرفون عاقبة الكثيرين منهم، ويرونها في آثارهم حين يسيرون في الأرض، ويمرون بهذه الآثار في الطريق: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين}. وكانت عاقبتهم ما يرون حين يسيرون في الأرض؛ وهي عاقبة لا تشجع أحداً على سلوك ذلك الطريق! وعند هذا المقطع يشير إلى الطريق الآخر الذي لا يضل سالكوه، وإلى الأفق الآخر الذي لا يخيب قاصدوه.. {فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله. يومئذ يصدعون. من كفر فعليه كفره؛ ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون. ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله. إنه لا يحب الكافرين}. والصورة التي يعبر بها عن الاتجاه إلى الدين القيم صورة موحية معبرة عن كمال الاتجاه، وجديته، واستقامته: {فأقم وجهك للدين القيم}... وفيها الاهتمام والانتباه والتطلع، واستشراف الوجهة السامية والأفق العالي والاتجاه السديد. وقد جاء هذا التوجيه أول مرة في السورة بمناسبة الكلام عن الأهواء المتفرقة والأحزاب المختلفة. أما هنا فيجيء بمناسبة الشركاء، والرزق ومضاعفته، والفساد الناشىء من الشرك، وما يذوقه الناس في الأرض من ظهور الفساد واستعلائه، وعاقبة المشركين في الأرض. يجيء بهذه المناسبة فيبين جزاء الآخرة ونصيب المؤمنين والكافرين فيها؛ ويحذرهم من يوم لا مرد له من الله. يوم يتفرقون فريقين: {من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون}.. ويَمهَد معناه يُمهِّد ويُعبِّد، ويعد المهد الذي فيه يستريح، ويهيء الطريق أو المضجع المريح. وكلها ظلال تتجمع وتتناسق، لتصور طبيعة العمل الصالح ووظيفته. فالذي يعمل العمل الصالح إنما يمهد لنفسه ويهيء أسباب الراحة في ذات اللحظة التي يقوم فيها بالعمل الصالح لا بعدها. وهذا هو الظل الذي يلقيه التعبير. وذلك: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات}.. {من فضله}.. فما يستحق أحد من بني آدم الجنة بعمله. وما يبلغ مهما عمل أن يشكر الله على جزء من فضله. إنما هو فضل الله ورحمته بالمؤمنين. وكراهيته سبحانه للكافرين: {إنه لا يحب الكافرين}.. بعد ذلك يأخذ معهم في جولة أخرى تكشف عن بعض آيات الله، وما فيها من فضل الله ورحمته، فيما يهبهم من رزق وهدى ينزل عليهم، فيعرفون بعضه وينكرون بعضه. ثم لا يشكرون ولا يهتدون. {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات، وليذيقكم من رحمته، ولتجري الفلك بأمره، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون. ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات، فانتقمنا من الذين أجرموا، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين. الله الذي يرسل الرياح، فتثير سحاباً، فيبسطه في السماء كيف يشاء، ويجعله كسفاً، فترى الودق يخرج من خلاله، فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون. وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين. فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها. إن ذلك لمحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير. ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون}... إنه يجمع في هذه الآيات بين إرسال الرياح مبشرات، وإرسال الرسل بالبينات، ونصر المؤمنين بالرسل، وإنزال المطر المحيي، وإحياء الموتى وبعثهم.. وهو جمع له مغزاه.. إنها كلها من رحمة الله، وكلها تتبع سنة الله. وبين نظام الكون، ورسالات الرسل بالهدى، ونصر المؤمنين، صلة وثيقة. وكلها من آيات الله. ومن نعمته ورحمته، وبها تتعلق حياتهم، وهي مرتبطة كلها بنظام الكون الأصيل. {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات}... تبشر بالمطر. وهم يعرفون الريح الممطرة بالخبرة والتجربة فيستبشرون بها. {وليذيقكم من رحمته} بآثار هذه البشرى من الخصب والنماء. {ولتجري الفلك بأمره} سواء بدفع الرياح لها؛ أو بتكوين الأنهار من الأمطار فتجري السفن فيها. وهي تجري ـ مع هذا ـ بأمر الله. ووفق سنته التي فطر عليها الكون؛ وتقديره الذي أودع كل شيء خاصيته ووظيفته، وجعل من شأن هذا أن تخف الفلك على سطح الماء فتسير، وأن تدفعها الرياح فتجري مع التيار وضد التيار. وكل شيء عنده بمقدار.. {ولتبتغوا من فضله} في الرحلات التجارية، وفي الزرع والحصاد، وفي الأخذ والعطاء. وكله من فضل الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً. {ولعلكم تشكرون} على نعمة الله في هذا كله.. وهذا توجيه إلى ما ينبغي أن يقابل به العباد نعمة الله الوهاب. ومثل إرسال الرياح مبشرات إرسال الرسل بالبينات: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات}.. ولكن الناس لم يستقبلوا رحمة الله هذه ـ وهي أجل وأعظم ـ استقبالهم للرياح المبشرات. ولا انتفعوا بها ـ وهي أنفع وأدوم ـ انتفاعهم بالمطر والماء! ووقفوا تجاه الرسل فريقين: مجرمين لا يؤمنون ولا يتدبرون ولا يكفون عن إيذاء الرسل والصد عن سبيل الله. ومؤمنين يدركون آيات الله، ويشكرون رحمته، ويثقون بوعده، ويحتملون من المجرمين ما يحتملون.. ثم كانت العاقبة التي تتفق مع عدل الله ووعده الوثيق. {فانتقمنا من الذين أجرموا. وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}.. وسبحان الذي أوجب على نفسه نصر المؤمنين؛ وجعله لهم حقاً، فضلاً وكرماً. وأكده لهم في هذه الصيغة الجازمة التي لا تحتمل شكاً ولا ريباً. وكيف والقائل هو الله القوي العزيز الجبار المتكبر، القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير. يقولها سبحانه معبرة عن إرادته التي لا ترد، وسنته التي لا تتخلف، وناموسه الذي يحكم الوجود. وقد يبطئ هذا النصر أحياناً ـ في تقدير البشر ـ لأنهم يحسبون الأمور بغير حساب الله، ويقدرون الأحوال لا كما يقدرها الله. والله هو الحكيم الخبير. يصدق وعده في الوقت الذي يريده ويعلمه، وفق مشيئته وسنته. وقد تتكشف حكمة توقيته وتقديره للبشر وقد لا تتكشف. ولكن إرادته هي الخير وتوقيته هو الصحيح. ووعده القاطع واقع عن يقين، يرتقبه الصابرون واثقين مطمئنين. بعد ذلك يمضي السياق يقرر أن الله هو الذي يرسل الرياح، وينزل المطر، ويحيي الأرض بعد موتها، وكذلك يحيي الموتى فيبعثون.. سنة واحدة، وطريقة واحدة، وحلقات في سلسلة الناموس الكبير: {الله الذي يرسل الرياح}.. وفق ناموسه في تكوين هذا الكون وتنظيمه وتصريفه. {فتثير سحاباً}. بما تحمله من بخار الماء المتصاعد من كتلة الماء في الأرض. {فيبسطه في السماء}.. ويفرشه ويمده. {ويجعله كسفاً}.. بتجميعه وتكثيفه وتراكمه بعضه فوق بعض، أو يصطدم بعضه ببعض، أو تنبعث شرارة كهربائية بين طبقة منه وطبقة، أو كسفة منه وكسفة. {فترى الودق يخرج من خلاله} وهوالمطر يتساقط من خلال السحاب. {فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون}.. ولا يعرف هذا الاستبشار على حقيقته كما يعرفه الذين يعيشون مباشرة على المطر. والعرب أعرف الناس بهذه الإشارة. وحياتهم كلها تقوم على ماء السماء، وقد تضمنت ذكره أشعارهم وأخبارهم في لهفة وحب وإعزاز! {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين}.. وهذا تقرير لحالهم قبل أن ينزل عليهم المطر: حولهم من اليأس والقنوط والهمود.. ثم هم يستبشرون.. {فانظر إلى آثار رحمة الله}..! انظر إليها في النفوس المستبشرة بعد القنوط، وفي الأرض المستبشرة بعد الهمود؛ وفي الحياة التي تدب في التربة وتدب في القلوب. {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها}.. إنها حقيقة واقعة منظورة، لا تحتاج إلى أكثر من النظر والتدبر. ومن ثم يتخذها برهاناً على قضية البعث والإحياء في الآخرة. على طريقة الجدل القرآني، الذي يتخذ من مشاهد الكون المنظورة، وواقع الحياة المشهودة، مادته وبرهانه؛ ويجعل من ساحة الكون العريض مجاله وميدانه: {إن ذلك لمحيي الموتى}.. {وهو على كل شيء قدير}.. وهذه آثار رحمة الله في الأرض تنطق بصدق هذا الوعد وتؤكد هذا المصير. وبعد تقرير هذه الحقيقة يمضي في تصوير حال القوم الذين يستبشرون بالرياح المحملة بالماء؛ ويستروحون بآثار رحمة الله عند نزوله من السماء.. يمضي في تصوير حالهم لو كانت الريح التي رأوها مصفرة بما تحمل من رمل وتراب لا من ماء وسحاب ـ وهي الريح المهلكة للزرع والضرع ـ أو التي يصفر منها الزرع فيصير حطاماً: {ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون}.. يكفرون سخطاً ويأسا، بدلاً من أن يستسلموا لقضاء الله، ويتوجهوا إليه بالضراعة ليرفع عنهم البلاء. وهي حال من لا يؤمن بقدر الله، ولا يهتدي ببصيرته إلى حكمة الله في تدبيره، ولا يرى من وراء الأحداث يد الله التي تنسق هذا الكون كله؛ وتقدر كل أمر وكل حادث. وفق ذلك التنسيق الشامل للوجود المترابط الأجزاء.. وعند هذا الحد من تصوير تقلبات البشر وفق أهوائهم، وعدم انتفاعهم بآيات الله التي يرونها ماثلة في الكون من حولهم؛ وعدم إدراكهم لحكمة الله من وراء ما يشهدونه من وقائع وأحداث.. عند هذا يتوجه بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعزيه عن إخفاق جهوده في هداية الكثير منهم؛ ويرد هذا إلى طبيعتهم التي لا حيلة له فيها، وانطماس بصيرتهم وعماها: {فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم، إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.. وهو يصورهم موتى ولا حياة فيهم، صماً لا سمع لهم، عمياً لا يهتدون إلى طريق.. والذي ينفصل حسه عن الوجود فلا يدرك نواميسه وسننه ميت لا حياة فيه. إنما هي حياة حيوانية، بل أضل وأقل، فالحيوان مهدي بفطرته التي قلما تخونه! والذي لا يستجيب لما يسمع من آيات الله ذات السلطان النافذ في القلوب أصم ولو كانت له أذنان تسمعان ذبذبة الأصوات! والذي لا يبصر آيات الله المبثوثة في صفحات الوجود أعمى ولو كانت له عينان كالحيوان! {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.. وهؤلاء هم الذين يسمعون الدعوة، لأن قلوبهم حية، وبصائرهم مفتوحة، وإدراكهم سليم. فهم يسمعون فيسلمون. ولا تزيد الدعوة على أن تنبه فطرتهم فتستجيب. بعد ذلك يعود السياق ليجول بهم جولة جديدة، لا في مشاهد الكون من حولهم، ولكن في ذوات أنفسهم، وفي أطوار نشأتهم على هذه الأرض؛ ويمتد بالجولة إلى نهايتها هنالك في الحياة الأخرى. في ترابط بين الحياتين وثيق: {الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة ـ يخلق ما يشاء ـ وهو العليم القدير. ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة. كذلك كانوا يؤفكون. وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، ولكنكم كنتم لا تعلمون. فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون}.. إنها جولة مديدة، يرون أوائلها في مشهود حياتهم؛ ويرون أواخرها مصورة تصويراً مؤثراً كأنها حاضرة أمامهم. وهي جولة موحية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. {الله الذي خلقكم من ضعف}.. ولم يقل خلقكم ضعافاً أو في حالة ضعف؛ إنما قال: {خلقكم من ضعف} كأن الضعف مادتهم الأولى التي صيغ منا كيانهم.. والضعف الذي تشير الآية إليه ذو معان ومظاهر شتى في تكوين هذا الإنسان. إنه ضعف البنية الجسدية الممثل في تلك الخلية الصغيرة الدقيقة التي ينشأ منها الجنين. ثم في الجنين وأطواره وهو فيها كلها واهن ضعيف. ثم في الطفل والصبي حتى يصل إلى سن الفتوة وضلاعة التكوين. ثم هو ضعف المادة التي ذرأ منها الإنسان. الطين. الذي لولا نفخة من روح الله لظل في صورته المادية أو في صورته الحيوانية، وهي بالقياس إلى الخلقة الإنسانية ضعيفة ضعيفة. ثم هو ضعف الكيان النفسي أمام النوازع والدفعات، والميول والشهوات، التي لولا النفخة العلوية وما خلقت في تلك البنية من عزائم واستعدادات، لكان هذا الكائن أضعف من الحيوان المحكوم بالإلهام. {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة}.. قوة بكل تلك المعاني التي جاءت في الحديث عن الضعف. قوة في الكيان الجسدي، وفي البناء الإنساني، وفي التكوين النفسي والعقلي. {ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة}.. ضعفاً في الكيان الإنساني كله. فالشيخوخة انحدار إلى الطفولة بكل ظواهرها. وقد يصاحبها انحدار نفسي ناشئ من ضعف الإرادة ليهفو الشيخ أحيانا كما يهفو الطفل، ولا يجد من إرادته عاصماً. ومع الشيخوخة الشيب، يذكر تجسيماً وتشخيصاً لهيئة الشيخوخة ومنظرها. وإن هذه الأطوار التي لا يفلت منها أحد من أبناء الفناء، والتي لا تتخلف مرة فيمن يمد له في العمر، ولا تبطئ مرة فلا تجيء في موعدها المضروب. إن هذه الأطوار التي تتعاور تلك الخليقة البشرية لتشهد بأنها في قبضة مدبرة، تخلق ما تشاء، وتقدر ما تشاء، وترسم لكل مخلوق أجله وأحواله وأطواره، وفق علم وثيق وتقدير دقيق: {يخلق ما يشاء وهو العليم القدير}.. ولا بد لهذه النشأة المحكمة المقدرة من نهاية كذلك مرسومة مقدرة. هذه النهاية يرسمها في مشهد من مشاهد القيامة، حافل بالحركة والحوار على طريقة القرآن: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة}.. فهكذا يتضاءل في حسهم كل ما وراءهم قبل هذا اليوم، فيقسمون: ما لبثوا غير ساعة. ويحتمل أن يكون قسمهم منصباً على مدة لبثهم في القبور، كما يحتمل أن يكون ذلك عن لبثهم في الأرض أحياء وأمواتاً. {كذلك كانوا يؤفكون} ويصرفون عن الحق والتقدير الصحيح حتى يردهم أولو العلم الصحيح إلى التقدير الصحيح: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث. فهذا يوم البعث. ولكنكم كنتم لا تعلمون}.. وأولو العلم هؤلاء هم في الغالب المؤمنون، الذين آمنوا بالساعة، وأدركوا ما وراء ظاهر الحياة الدنيا، فهم أهل العلم الصحيح وأهل الإيمان البصير. وهم يردون الأمر هنا إلى تقدير الله وعلمه {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث}.. فهذا هو الأجل المقدور، ولا يهم طويلاً كان أم كان قصيراً. فقد كان ذلك هو الموعد، وقد تحقق: {فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون}.. ثم يختم المشهد بالنتيجة الكلية في إجمال يصور ما وراءه مما لحق بالظالمين الذين كانوا يكذبون بيوم الدين: {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون}.. فلا معذرة منهم تقبل ولا يعتب عليهم أحد فيما فعلوه، أو يطلب إليهم الاعتذار. فاليوم يوم العقاب لا يوم العتاب! ومن هذا المشهد البائس اليائس يردهم إلى ما هم فيه من عناد وتكذيب، وتلك كانت عاقبة العناد والتكذيب: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل؛ ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا: إن أنتم إلا مبطلون. كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون}.. وهي نقلة بعيدة في الزمان والمكان؛ ولكنها تجيء في السياق، وكأنها قريب من قريب. وينطوي الزمان والمكان، فإذا هم مرة أخرى أمام القرآن، وفيه من كل مثل؛ وفيه من كل نمط من أنماط الخطاب؛ وفيه من كل وسيلة لإيقاظ القلوب والعقول؛ وفيه من شتى اللمسات الموحية العميقة التأثير. وهو يخاطب كل قلب وكل عقل في كل بيئة وكل محيط. وهو يخاطب النفس البشرية في كل حالة من حالاتها، وفي كل طور من أطوارها. ولكنهم ـ بعد هذا كله ـ يكذبون بكل آية، ولا يكتفون بالتكذيب، بل يتطاولون على أهل العلم الصحيح، فيقولون عنهم: إنهم مبطلون: {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا: إن أنتم إلا مبطلون}.. ويعقب على هذا الكفر والتطاول: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون}.. كذلك. بمثل هذه الطريقة، ولمثل هذا السبب. فهؤلاء الذين لا يعلمون مطموسو القلوب، لا تتفتح بصيرتهم لإدراك آيات الله، متطاولون على أهل العلم والهدى. ومن ثم يستحقون أن يطمس الله على بصيرتهم، وأن يطبع على قلوبهم، لما يعلمه سبحانه عن تلك البصائر وهذه القلوب! ثم يأتي الإيقاع الأخير في السورة بعد تلك الجولات مع المشركين في الكون والتاريخ وفي ذوات أنفسهم وفي أطوار حياتهم، ثم هم بعد ذلك كله يكفرون ويتطاولون.. يأتي الإيقاع الأخير في صورة توجيه لقلب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه من المؤمنين. {فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}.. إنه الصبر وسيلة المؤمنين في الطريق الطويل الشائك الذي قد يبدو أحياناً بلا نهاية! والثقة بوعد الله الحق، والثبات بلا قلق ولا زعزعة ولا حيرة ولا شكوك. الصبر والثقة والثبات على الرغم من اضطراب الآخرين، ومن تكذيبهم للحق وشكهم في وعد الله. ذلك أنهم محجوبون عن العلم محرومون من أسباب اليقين. فأما المؤمنون الواصلون الممسكون بحبل الله فطريقهم هو طريق الصبر والثقة واليقين. مهما يطل هذا الطريق، ومهما تحتجب نهايته وراء الضباب والغيوم! وهكذا تختم السورة التي بدأت بوعد الله في نصر الروم بعد بضع سنين، ونصر المؤمنين. تختم بالصبر حتى يأتي وعد الله؛ والصبر كذلك على محاولات الاستخفاف والزعزعة من الذين لا يوقنون. فيتناسق البدء والختام. وتنتهي السورة وفي القلب منها إيقاع التثبيت القوي بالوعد الصادق الذي لا يكذب، واليقين الثابت الذي لا يخون..

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً}تفسير : [الروم: 32] أي فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، وإذا مسهم ضر فدعوا الله وحده فرحمهم عادوا إلى شركهم وكفرهم نعمة الذي رحمهم. فالمقصود من الجملة هو قوله: {ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون}، فمحل انتظامه في مذام المشركين أنهم يرجعون إلى الكفر، بخلاف حال المؤمنين فإنهم إذا أذاقهم الله رحمة بعد ضر شكروا نعمة ربهم وذلك من إنابتهم إلى الله. ونُسِجَ الكلام على هذا الأسلوب ليكون بمنزلة التذييل بما في لفظ {الناس} من العموم وإدماجاً لفضيلة المؤمنين الذين لا يكفرون نعمة الرحيم. فالتعريف في {الناس} للاستغراق. والضُرّ، بضم الضاد: سوء الحال في البدن أو العيش أو المال، وهذا نحو ما أصاب قريشاً من الشدة والقحط حتى كانوا يرون في الجو مثل الدخان من شدة الجفاف، وحتى أكلوا العظام والميتة، وقد أصاب ذلك مشركيهم ومؤمنيهم وكانت شدته على المشركين لأنهم كانوا في رفاهية، فالشدة أقوى عليهم، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستشفعون به أن يدعو الله بكشف الضر عنهم فدعا فأمطروا فعادوا إلى ترفهم، قال تعالى: {أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين}تفسير : [الدخان: 10] الآيات، فدعاؤهم ربهم يشمل طلبهم أن يدعو لهم الرسول صلى الله عليه وسلم و{منيبين} حال من الناس كلهم أي استووا في الإنابة إليه أي راجعين إليه بعد، واشتغل المشركون عنه بدعاء الأصنام، قال تعالى: {أية : إنَّا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون}تفسير : [الدخان: 15]. وتقدم {مُنيبين} آنفاً. والمس: مستعار للإصابة. وحقيقة المس: أنه وضع اليد على شيء ليعرف وجوده أو يختبر حاله، وتقدم في قوله {أية : ليمسَنَّ الذين كفروا منهم عذاب أليم} تفسير : في العقود (73). واختير هنا لما يستلزمه من خفة الإصابة، أي يدعون الله إذا أصابهم خفيف ضُر بَلْهَ الضرّ الشديد. والإذاقة: مستعارة للإصابة أيضاً. وحقيقتها: إصابة المطعوم بطَرَف اللسان وهي أضعف إصابات الأعضاء للأجسام فهي أقلّ من المضغ والبلع، وتقدم في قوله تعالى {أية : لِيَذُوق وبال أمْره} تفسير : في سورة العقود (95)، {أية : وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء} تفسير : في سورة يونس (21). واختير فعل الإذاقة لما يدل عليه من إسراعهم إلى الإشراك عند ابتداء إصابة الرحمة لهم. والرحمة: تخليصهم من الشدّة. و{ثمّ} للتراخي الرتبي لأن إشراكهم بالله بعد الدعاء والإنابة وحصول رحمته أعجب من إشراكهم السابق، ففي التراخي الرتبي معنى التعجيب من تجدد إشراكهم، وحَرْف المفاجأة {إذا} يفيد أيضاً أن هذا الفريق أسرعوا العودة إلى الشرك بحدثان ذوق الرحمة لتأصل الكفر منهم وكمونه في نفوسهم. وضمير {منه} عائد إلى الله تعالى. و{مِن} ابتدائية متعلقة بــــ {أصابهم.} و{رحمة} فاعل {أصابهم} ولم يؤنث لها الفعل لأن تأنيث مسمى الرحمة غير حقيقي ولأجل الفصل بالمجرور. وتقديم المجرور على الفاعل للاهتمام به ليظهر أن الذي أصابهم هو من فضل الله وتقديره لا غير ذلك. واللام في قوله {لِيَكْفروا} لام التعليل وهي مستعارة لمعنى التسبب الذي حقه أن يفاد بالفاء لأنهم لما أشركوا لم يريدوا بشركهم أن يجعلوه علة للكفر بالنعمة ولكنهم أشركوا محبة للشرك فكان الشرك مفضياً إلى كفرهم نعمة الله خشية الإفضاء والتسبب بالعلة الغائية على نحو قوله تعالى: {أية : فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوّاً وحَزَناً}تفسير : [القصص: 8]. وضمير {ليكفروا}عائد إلى الفريق باعتبار معناه. والإيتاء: إعطاء النافع، أي بما أنعمنا عليهم من النعم التي هي نعمة الإيجاد والرزق وكشف الضر عنهم. ثم التفت عن الغيبة إلى الخطاب بقوله {فتمتعوا} توبيخاً لهم وإنذاراً، وجيء بفاء التفريع في قوله {فتمتعوا} لأن الإنذار والتوبيخ مفرعان عن الكلام السابق. والأمر في (تمتعوا) مستعمل في التهديد والتوبيخ. والتمتع: الانتفاع بالملائم وبالنعمة مدة تنقضي. والفاء في {فسوف تعلمون} تفريع للإنذار على التوبيخ، وهو رشيق. و(سوف تعلمون) إنذار بأنهم يعلمون في المستقبل شيئاً عظيماً، والعلم كناية عن حصول الأمر الذي يُعلم، أي عن حلول مصائب بهم لا يعلمون كنهها الآن، وهو إيماء إلى عظمتها وأنها غير مترقبة لهم. وهذا إشارة إلى ما سيصابون به يوم بدر من الاستئصال والخزي وهم كانوا يستعجلون بعذاب من جنس ما عذب به الأمم الماضية مثل عاد وثمود، وكانت الغاية واحدة، فإن إصابتهم بعذاب سيوف المسلمين أبلغ في كون استئصالهم بأيدي المؤمنين مباشرة، وأظهر في إنجاء المؤمنين من عذاب لا يصيب الذين ظلموا خاصة وذلك هو المراد في قوله تعالى {أية : إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}تفسير : [الدخان: 15، 16]. والبطشة الكبرى: بطشة يوم بدر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 33- وإذا أصاب الناس ضر - من مرض أو شدة - التجأوا إلى الله ودعوه راجعين إليه، طالبين كشف الشدة عنهم، ثم إذا أذاقهم الله خلاصاً من الشدة ومنحهم من فضله سارع فريق منهم بربهم يشركون. 34- لتكون عاقبة أمرهم أن يكفروا بما آتاهم الله من النعم، فتمتعوا - أيها الجاحدون - كما تشاءون، فسوف تعرفون عاقبتكم. 35- أتركناهم فى ضلالهم ولم نسفه أحلامهم؟ بل أنزلنا عليهم بُرهانا فهو يشهد بالذى كانوا يشركونه مع الله. 36- وإذا أذقنا الناس نعمة فرحوا بها فرحاً يُبطرهم، وإن تصبهم شدة بسبب ما اقترفوا من ذنوب يسارع إليهم اليأس من الرحمن. 37- أجهلوا ما يوصل إلى الإيمان، ولم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء ويُضيق على من يشاء، بحسب ما تقتضيه حكمته؟ إن فى ذلك لدلائل واضحة لقوم يصدقون بالحق. 38- وإذا كان الله - تعالى - هو الذى يبسط الرزق ويقدره؛ فأعط القريب حقه من البر والصلة والمحتاج والمنقطع به الطريق حقهما من الزكاة والصدقة، ذلك خير للذين يريدون رضا الله ويطلبون ثوابه، وأولئك هم الفائزون بالنعيم المقيم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإذا مس الناس ضر: أي إذا مس المشركين ضرٌ أي شدة من مرض أو فقر أو قحط. منيبين إِليه: أي راجعين بالضراعة والدعاء إليه تعالى دون غيره. رحمة: بِكَشْفِ ضُر أو إنزال غيث وإصابة رخاء وسعة رزق. يشركون: أي بربهم فيعبدون معه غيره بالذبح للآلهة والنذر وغيره. ليكفروا بما آتيناهم: أي ليكون شكرهم لله كفرا بنعمه والعياذ بالله. أم أنزلنا عليهم سلطانا: أي حجة من كتاب وغيره ينطق بشركهم ويقرره لهم ويأمرهم به. بما قدمت أيديهم: أي بذنوبهم وخروجهم عن سنن الله تعالى في نظام الحياة. إذا هم يقنطون: أي ييأسون من الفرج بزوال الشدة. يبسط الرزق لمن يشاء: أي يوسعه امتحاناً له. ويقدر: أي يضيّق الرزق على من يشاء ابتلاء. معنى الآيات: لما أمر تعالى رسوله والمؤمنين بإِقامة الدين ونهاهم أن يكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا أخبر تعالى عن المشركين أنهم إذا مسهم الضرّ وهو المرض والشدة كالقحط والغلاء ونحوها دعوا ربهم تعالى منيبين إليه أي راجعين إليه بالدعاء والضراعة لا يدعون غيره. وهو قوله تعالى {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} وقوله: {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً} أصابهم برحمة من عنده وهي الصحة والرخاء والخصب ونحوه {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} أي كثيرٌ {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} فيعبدون الأصنام والأوثان بأنواع العبادات، وقوله {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} أي أشركوا بالله بعد إنعامه عليهم ليكفروا بما آتاهم من نعمة كشف الضر عنهم إذاً {فَتَمَتَّعُواْ} أيها الكافرون بما خولكم الله من نعمة فسوف تعلمون عاقبة كفرهم لنعم الله وشرككم به يوم تردون عليه حفاة عراة لا وليَّ لكم من دونه تعالى ولا نصير. وقوله تعالى: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} أي ما الذي شجعهم على الشرك وجعلهم يصرون عليه حتى إذا تركوه ساعة الشدة عادوا إليه ساعة الرخاء أأنزلنا عليهم سلطاناً أي حجة من كتاب ونحوه فهو ينطق بشركهم ويقرره لهم ويأمرهم به اللهم لا، لا، وإنما هو الجهل والتقليد والعناد وقوله {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا} هذه حال أهل الشرك والكفر والجهل من الناس إذا أذاقهم الله رحمة من خصب ورخاء وصحة فرحوا بها فرح البطر والأشر {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} من جدب وقحط ومرض وفقر، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من الذنوب والمعاصي ومنها مخالفة سنن الله في الكون {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} أي ييأسون من الفرج وذلك لكفرهم بالله وجهلهم بأسمائه وصفاته. وقوله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي ألم يروا بأعينهم أن الله يبسط الرزق أي يوسعه لمن يشاء امتحاناً له أيشكر أم يكفر، {وَيَقْدِرُ} أي يضيق الرزق على من يشاء ابتلاء أيصبر أم يضجر ويسخط. إذ لو كانت لهم عيون يبصرون بها وقلوب يفقهون بها لما أيسوا من رحمة الله وفرَجِهِ ولا ما قنطوا. وقوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي المذكور من تدبير الله في خلقه بالإِعطاء والمنع {لآيَاتٍ} أي حججا ودلائل تدل المؤمنين على قدرة الله ولطفه ورحمته وحكمته في تدبير ملكه وملكوته فسبحانه من إله عظيم ورب غفور رحيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) بيان جهل المشركين وضلال عقولهم بما ذكر تعالى من صفاتهم وأحوالهم. 2) بيان تهديد الله تعالى للمصرين على الشرك والكفر بعذاب يوم القيامة. 3) بيان حال أهل الشرك والكفر والجهل في فرحهم بالنعمة فرح البطر والأشر ويأسهم وقنوطهم عند نزول البلاء بهم والشدة. 4) مظهر حكمة الله وتدبيره في الرزق توسعة وتقديرا وإدراك ذلك خاص بالمؤمنين لأنهم أحياء يبصرون ويفهمون بخلاف الكافرين فهم أموات لا إبصار ولا إدراك لهم.

القطان

تفسير : منيبين اليه: راجعين اليه بالتوبة. سلطانا: حجة وبرهانا. يَقدر: يضيق. ابن السبيل: المسافر الذي انقطع عن ماله وأهله. الربا: الزيادة. المضعِفون: الذين يضاعف الله لهم الأجر. في هذه الآيات الكريمة صورةٌ للنفس البشرية وتقلُّب الأهواء في السّراء والضراء وعند قبْضِ الرزق وبسطِه. فبعد أن أرشد الله سبحانه الى التوحيد، وأقام الادلة عليه، وضرب المثل له - أعقبه هنا بذِكر حال للمشركين يُعرفون بها، وهي أنهم حين الشدة يتضرعون الى ربهم وينيبون اليه، فإذا خَلَصوا منها رجعوا الى كفرهم واوثانهم. لذلك خاطبهم الله بصورة الأمر مع التهديد بقوله: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. فليضِلّوا ما شاؤا، فان لهم يوماً يرجعون فيه إلى ربهم.... تمتّعوا كما تشاؤن، فسوف تعلمون عاقبتكم. ثم انكر على المشركين ما اختلقوه من عبادةِ غيره بلا دليل فقال: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} هل أنزلنا على هؤلاء الذين يشركون في عبادتنا الأوثانَ والأصنامَ كتاباً فيه تصديقٌ لما يقولون، حتى يكون لهم شبه العذر فيما يفعلون!! ثم ذكر حالَ طائفة من الناس دون سابقيهم، وهم من تكون عبادتُهم الله رهنَ إصابتهم من الدنيا... فإن آتاهم ربهم منها رَضُوا وفرحوا، واذا مُنعِوا سَخِطوا وقنِطوا فقال: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} فلو انهم آمنوا ايمانا صادقاً لسلَّموا أمرهم الى الله واستراحوا. وفي الحديث الصحيح: حديث : عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاءً الا كان خيراً له، فان أصابته سراء شكرَ فكان خيرا له، وان اصابته ضراء صبر فكان خيراً له . تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وهذا انكارٌ من الله على هؤلاء الناس لما يلحقهم من اليأس والقنوط.... ألم يشاهِدوا ويعلموا ان كل شيء بيدِ الله؛ يوسع الرزق على من يشاء، ويضيقه على من يشاء بحسب ما تقتضيه حكمته!! {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} بعد ان بيّن الله تعالى انه هو الذي يرزق ويمنع - بيّن هنا الطريقَ الذي به تزداد أموالهم فيه وتربح، فاذا كان المال مالَ الله أعطاكم إياه، فأعطوا الأقرباءَ من الفقراء، والمساكين الذين لا يعملون، والغريبَ المسافرَ الذي نفد مالُه ولا يستطيع ان يرجع الى بلده... أعطوهم مما آتاكم الله، ذلك هو الخيرُ للذين يريدون رضا الله ويطلبون ثوابه، والفاعلون له هم الفائزون بالنعيم المقيم. وقد جاء في الحديث الصحيح: "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا" تفسير : رواه البخاري ومسلم. {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}. وما أعطيتم من مال ليزيد وينمو في أموال الناس على طريقة التسليف بفائدةٍ فانه رِبا حرّمه الله ولا يمكن ان يزيدَ لكم عند الله. أما ما أعطيتم من صدقاتٍ تبتغون بها وجه الله فهو الذي يضاعِف الله به حسناتكم أضعافا مضاعفة. ولما بين الله انه لا زيادة الا فيما يزيده، ولا خير الا في الطريق المستقيم والبذل في سبيله - أكد ذلك بقوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ}؟ إنه الله، هو الذي خلقكم ثم أعطاكم الرزق الذي تعيشون به، ثم يقبض أرواحكم في هذه الدنيا، ثم يحييكم يوم القيامة، فهو الذي يستحق العبادة.... هل يستطيع احدٌ من الذين تعبدونهم ان يعمل لكم شيئاً مما ذكر؟ الجواب: لا. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}؟ قراءات: قرأ الكسائي وابو عمرو: يقنِطون بكسر النون، والباقون: بضمها. وقرأ ابن كثير: وما أتيتم بالهمزة دون مد، والباقون: وما آتيتم بالمد. وقرأ نافع ويعقوب: لتربو بالتاء. والباقون: ليربوا بالياء. وقرأ حمزة والكسائي: تُشركون بالتاء. والباقون: يُشركون.

د. أسعد حومد

تفسير : (33) - وإِذا مَسَّ هؤلاءِ المُشْرِكِينَ ضُرٌّ كَقَحْطٍ وَبَلاءٍ وَمَرضٍ وَشِدَّةٍ.. دَعَوا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ والعِبَادَةَ وأَفْرَدُوهُ بالتَّضرُّعِ والاسْتِغَاثَةِ، وَرَجَوْهُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُم مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ شِدَّةٍ، وَلكِنَّهُمْ حِينَما يَكْشِفُ اللهُ عَنْهُمْ ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ وَبَلاءٍ يَعودُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إِلى مَا كَانُوا عَليهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الضر: هو الشيء الذي نتضرر منه، ولا تستطيبه النفس، فإنْ أصابهم الضر وأسبابهم لا تفي بالخلاص منه {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ..} [الروم: 33] أي: رجعوا إليه سبحانه، والآن علموا أن لهم رباً يلجئون إليه، وهذا يُذكِّرنا بما قاله العرب عندما فتر الوحي عن رسول الله، فسرَّهم ذلك، وقالوا: إن رب محمد قلاه. سبحان الله الآن عرفتم أن لمحمد رباً. وقلنا: إن ساعة الضيق والمحنة لا يَكْذب الإنسان نفسه ولا يخدعها، وسبق أنْ ذكرنا قصة حلاق الصحة الذي كان يحلّ محلّ الطبيب الآن، فلما أنشئت كليات للطب وخرَّجت أطباء، وذهب أحدهم إلى قرية الحلاق، فأخذ الحلاق يهاجمه ويدَّعي أنه حديث لا خبرةَ له، فلما مرض ابنه وأحسَّ بالخطر أخذه خُفْية في ظلام الليل، وذهب به إلى الطبيب، لماذا؟ لأنه لن يغشَّ نفسه في هذه اللحظة. {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33] أي: يعودون إلى ما كانوا عليه من الشرك بالله. وحين نتأمل هذه المسألة نجد أن القرآن عرضها مرة بصيغة الإفراد، فقال: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً ..} تفسير : [الزمر: 8]. وقال: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ..} تفسير : [يونس: 12]. لكن الكلام عن الإنسان المفرد لا يكفي لإثبات الظاهرة؛ لأن الإنسان الواحد يمكن أن يستذل أمام ربه، ويعود إليه بعد أنْ تجرَّأ على معصيته، يكون ذلك بينه وبين نفسه، فلا يفضح نفسه أمام الناس، فأراد سبحانه أنْ يثبت هذه المسألة عند الناس جميعاً؛ ليفضح بعضهم بعضاً، فذكر هنا {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ..} [الروم: 33]. وفي آية أخرى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 65]. فجاء بصيغة الجمع ليفضح الكافرين بعضهم أمام بعض، وقد يكون في هؤلاء الداعين مَنْ كان يُؤلّبهم على الله، ويصرفهم عن الإيمان به، وها هو الآن يدعو ويتضرع، وحين يُفتضح أمرهم يكون ذلك أَدْعى لاستقامتهم وأدعى ألاَّ يتكبر أحد على أحد. لذلك قلنا في ميزات الصلاة أنها تُسوِّي بين الناس، فيجلس الرجل العادي بجوار مَنْ لم يكُن يُؤْمَل أنْ يجلس بجواره، ويجده خاضعاً معه مطاوعاً للإمام .. الخ ففي الصلاة، الجميع سواء، والجميع منتفع بهذه المساواة، آخذ منها عبرة، فلا يتكبر بعدها أحد على أحد. ونقف هنا عند {مَسَّ ..} [الروم: 33] وهو اللمس الخفيف، فالمعنى مسَّهم اليسير من الضر، ومع ذلك ضاقتْ أسبابهم عن دفعه، وضَجُّوا يطلبون الغَوْث. وكلمة {أَذَاقَهُمْ ..} [الروم: 33] الذوق حاسة من حواس الإنسان يُحِسُّ بها الطعام عند مروره على منطقة معينة في اللسان، فإذا ما تجاوز الطعامُ هذه المنطقةَ لا يشعر الإنسان بطعمه. إذن: فَلذَّة الطعام مقصورة على هذه المنطقة في الفم، والتذوق أقوى انفعالات النفس في استقبال المذاق؛ لذلك يقولون في الأمثال (اللي يفوت من اللسان بقي نتان). وتأمل، كيف استعمل الحق سبحانه الإذاقةَ في مجال العذاب حين ضرب لنا هذا المثل: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. فذكر الإذاقة مع أن اللباسَ يستوعب الجسم كله، وكذلك الجوع والخوف، فكل منهما إحساس يستولي على الإنسان كله، ومع ذلك قال {أية : فَأَذَاقَهَا ..} تفسير : [النحل: 112] لأن الإذاقة أقوى أنواع الإدراك. وكلمة {مِّنْهُ ..} [الروم: 33] أي: من الله تعالى، يعني بلا أسباب، أو {أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ ..} [الروم: 33] أي: بدَّل الضر برحمة، وخلَّصهم من الضُّرِّ برحمة، كما أن الإذاقة وإنْ دلَّتْ على الانفعال الشديد للمستقبل، فإنها أيضاً تدلُّ على التناول الخفيف بلُطْف، كما تقول: ذُقْتُ الطعام. أو تقول: والله ما ذُقْتُ لفلان طعاماً يعني: ما أكلتُ عنده من باب أَو أَوْلى. لذلك الحق سبحانه وتعالى عبر عن الرحمة هنا بالإذاقة؛ لأن رحمة الدنيا لا تستوعب كل رحمة الله، فالقليل منها في الدنيا، وجُلُّها في الآخرة. ونلحظ في قوله تعالى: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33]، أما في الآية الأخرى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 65]. فلماذا قال في الأولى {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ..} [الروم: 33] وفي الأخرى: {أية : إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 65] فلم يستثْنِ منهم أحداً؟ قالوا: لأن الآية الأولى تتكلم عن الذين دَعَوا الله في البَرِّ، والناس في البر عادة ما يكونون مختلفين، فيهم الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فهم مختلفون في رَدِّ الفعل، فالمؤمنون لما عَاينوا النجاة ورحمة الله قالوا: الحمد لله الذي نجانا، أما المشركون فعادوا إلى كُفْرهم وعنادهم. أما الآية الأخرى فتتكلم عن الذين دَعَوا الله في البحر، وعادة ما نرى الذين يركبون البحر على شاكلة واحدة، وهم لا يركبونه كوسيلة للسفر، إنما للترف، كما نرى البعض يتخذ لنفسه يختاً مثلاً أو عوَّامة يجمع فيها أتباعه ومَنْ هم على شاكلته، ولا بُدَّ أنهم يجتمعون على شيء يحبونه، فهم على مذهب واحد، وطريقة واحدة، وسلوك واحد. إذن: ما دام هؤلاء كانوا في البحر فلا بُدَّ أنهم كانوا مجرمين عتاة، وكانوا سواسية في الشرك وفي التخلِّي عن الله، بمجرد أنْ أمِنوا الخطر، لذلك استخدم الأسلوب هنا {إِذَا ..} [الروم: 33] الفجائية واستخدمه في آية أخرى {أية : إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت: 65] فبعد أنْ أنجاهم الله أسرعوا العودة إلى ما كانوا عليه من الشرك. ففي هذه الآية الحق سبحانه يُبيِّن لنا حقيقة الإنسان، ومدى حرصه على جَلْب الخير لنفسه، فإنْ كان الخير الذي أعدَّه الله له يُبطره ويُطغيه كما قال سبحانه: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. فإنه لا مناصَ له من أنْ يرجع إلى ربه حين ينفض الله عنه كُلَّ أسباب الخير، ويهدده في نفسه وفي ذاته التي لم تنتفع بآيات الله في الكون، فتظل في حضانة الله، فيأتي له بالضرُّ الذي ينفض عنه كلّ أسباب البطَر والأشَر والاستعلاء. ولكنه لا يسلم نفسه للضر الذي يهلكه، بل عندها يتنبه أن له رباً يلجأ إليه، ولا يجد مفزعاً في الكون إلا هو؛ لأنه يعلم جيداً أن الذين أخذوه من الله فآمن بهم وكفر بالله لن ينفعوه بشيء؛ لأنه عبد من دون الله آلهة لا تضر ولا تنفع. لذلك يقول تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} تفسير : [الإسراء: 67] فهؤلاء الذين تدعونهم لا يعرفون طريقكم، وإنْ عرفوا لا يملكون أنْ يصلوا إليكم، أما أنا فربكم الأعلم بكم، والقادر على إغاثتكم، وإنزال الرحمة بكم. إذن: فهؤلاء المشركون أشركوا بالله في وقت الرخاء، أما في وقت الضيق والكرب فلن يخدع أحدهم نفسه، ولن يغشَّها لن يقول: يا هُبَل. لأنه يعلم أن هُبَلَ لا يسمعه ولا يجيبه، فلا ينفعه الآن، ولا ينجيه إلا الإله الحق، فقد ألجأتْه الضرورة أن يعترف به ويدعوه. ثم يقول الحق سبحانه: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ } مرض أو خوف من هلاك ونحوه. { دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } ونسوا ما كانوا به يشركون في تلك الحال لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا اللّه. { ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً } شفاهم من مرضهم وآمنهم من خوفهم، { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ } ينقضون تلك الإنابة التي صدرت منهم ويشركون به من لا دفع عنهم ولا أغنى، ولا أفقر ولا أغنى، وكل هذا كفر بما آتاهم اللّه ومَنَّ به عليهم حيث أنجاهم، وأنقذهم من الشدة وأزال عنهم المشقة، فهلا قابلوا هذه النعمة الجليلة بالشكر والدوام على الإخلاص له في جميع الأحوال؟. { أَمْ أَنزلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا } أي: حجة ظاهرة { فَهُوَ } أي: ذلك السلطان، { يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ } ويقول لهم: اثبتوا على شرككم واستمروا على شككم فإن ما أنتم عليه هو الحق وما دعتكم الرسل إليه باطل. فهل ذلك السلطان موجود عندهم حتى يوجب لهم شدة التمسك بالشرك؟ أم البراهين العقلية والسمعية والكتب السماوية والرسل الكرام وسادات الأنام، قد نهوا أشد النهي عن ذلك وحذروا من سلوك طرقه الموصلة إليه وحكموا بفساد عقل ودين من ارتكبه؟. فشرك هؤلاء بغير حجة ولا برهان وإنما هو أهواء النفوس، ونزغات الشيطان.