٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } قد تقدم تفسيره في العنكبوت بقي بيان فائدة الخطاب ههنا في قوله: {فَتَمَتَّعُواْ } وعدمه هناك في قوله: {وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ } فنقول لما كان الضر المذكور هناك ضراً واحداً جاز أن لا يكون في ذلك الموضع من المخلصين من ذلك الضر أحد، فلم يخاطب ولما كان المذكور ههنا مطلق الضر ولا يخلو موضع من المخلصين عن الضر، فالحاضر يصح خطابه بأنه منهم فخاطب. ثم قال تعالى: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } لما سبق قوله تعالى: { أية : بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ } تفسير : [الروم: 29] أي المشركون يقولون ما لا علم لهم به بل هم عالمون بخلافه فإنهم وقت الضر يرجعون إلى الله حقق ذلك بالاستفهام بمعنى الإنكار، أي ما أنزلنا بما يقولون سلطاناً، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أم للاستفهام ولا يقع إلا متوسطاً، كما قال قائلهم: شعر : أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا آأنت أم أم سالم تفسير : فما الاستفهام الذي قبله؟ فنقول تقديره إذا ظهرت هذه الحجج على عنادهم فماذا نقول، أهم يتبعون الأهواء من غير علم؟ أم لهم دليل على ما يقولون؟ وليس الثاني فيتعين الأول. المسألة الثانية: قوله تعالى: {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } مجاز كما يقال إن كتابه لينطق بكذا، وفيه معنى لطيف وهو أن المتكلم من غير دليل كأنه لا كلام له، لأن الكلام هو المسموع وما لا يقبل فكأنه لم يسمع فكأن المتكلم لم يتكلم به، وما لا دليل عليه لا يقبل، فإذا جاز سلب الكلام عن المتكلم عند عدم الدليل وحسن جاز إثبات التكلم للدليل وحسن.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} قيل: هي لام كي. وقيل: هي لام أمر فيه معنى التهديد؛ كما قال جل وعز: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 29]. {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد ووعيد. وفي مصحف عبد الله «وَليتَمَتّعوا»؛ أي مكَّناهم من ذلك لكي يتمتعوا، فهو إخبار عن غائب؛ مثل: «لِيَكْفُرُوا». وهو على خط المصحف خطاب بعد الإخبار عن غائب؛ أي تمتعوا أيها الفاعلون لهذا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ } أريد به التهديد {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة تمتعكم، فيه التفات عن الغيبة.
الخازن
تفسير : {ليكفروا بما آتيناهم} ليجحدوا نعمة الله عليهم {فتمعتوا} فيه تهديد ووعيد خاطب به الكفار {فسوف تعلمون} أي حالكم هذه في الآخرة {أم أنزلنا عليهم سلطاناً} قال ابن عباس حجة وعذراً وقيل كتاباً {فهو يتكلم} أي ينطق {بما كانوا به يشركون} أي بشركهم ويأمرهم به {وإذا أذقنا الناس رحمة} أي الخصب وكثرة المطر {فرحوا بها} أي فرحوا وبطروا {وإن تصبهم سيئة} أي جدب وقلة مطر وقيل خوف وبلاء {بما قدمت أيديهم} من السيئات إذا {هم يقنطون} أي ييأسون من رحمة الله وهذا خلاف وصف المؤمن فإنه يشكر ربه عند النعمة ويرجوه عند الشدة {أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} تقدم تفسيره. قوله عز وجل {فآت ذا القربى حقه} أي من البر والصلة {والمسكين} أي حقه وهو التصدق عليه {وابن السبيل} أي المسافر وقيل الضيف {ذلك خير للذين يريدون وجه الله} أي يطلبون ثواب الله بما كانوا يعملون {وأولئك هم المفلحون} قوله عز وجل {وما آتيتم} أي أعطيتم {من ربا ليربوا في أموال الناس} أي في اجتلاب أموال الناس واجتذابها قيل في معنى الآية هو الرجل يعطي غيره العطية ليثيبه أكثر منها فهو جائز حلال ولكن لا يثاب عليها في القيامة وهذا قوله {فلا يربو عند الله} وكان هذا حراماً على النبي خاصة لقوله تعالى {أية : ولا تمنن تستكثر} تفسير : [المدثر: 6] أي لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت وقيل هو الرجل يعطي صديقه أو قريبه ليكثر ماله لا يريد به وجه الله. وقيل: هو الرجل يلتزق بالرجل فيخدمه ويسافر معه فيجعل ربح ماله لا لتماس عونه لا لوجه الله تعالى فلا يربو عند الله لأنه لم يرد بعمله وجه الله {وما آتيتم من زكاة} أي أعطيتم من صدقة {تريدون وجه الله} أي بتلك الصدقة {فأولئك هم المضعفون} أي يضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر أمثالها فالمضعف ذو الأضعاف من الحسنات. قوله تعالى {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون} تقدم تفسيره. قوله تعالى {ظهر الفساد في البر والبحر} أي بسبب الشرك والمعاصي ظهر قحط المطر وقلة النبات في البراري والبوادي والمفاوز والقفار والبحر. قيل المدائن والقرى التي هي على المياه الجارية والعرب تسمي المصر بحراً تقول: أجدب البر وانقطعت مادة البحر وقيل البر ظهر الأرض الأمصار وغيرها والبحر هو المعروف وقلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في البحر بخلو أجواف الأصداف من اللؤلؤ وذلك لأن الصدف إذا جاء المطر ترتفع على وجه الماء وتفتح أفواهها فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤاً {بما كسبت أيدي الناس} أي بسبب شؤم ذنوبهم وقال ابن عباس الفساد في البر قتل أحد ابني آدم أخاه وفي البحر غصب الملك الجائر السفينة. قيل كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة وكان البحر عذباً وكان لا يقصد البقر الغنم فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحاً زعافاً وقصد الحيوان بعضها بعضاً. وقيل: إن الأرض امتلأت ظلماً وضلالة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث رجع راجعون من الناس وقيل أراد بالناس كفار مكة {ليذيقهم بعض الذي عملوا} يعني عقوبة الذي عملوا من الذنوب {لعلهم يرجعون} يعني عن الكفر وأعمالهم الخبيثة {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} أي لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية {كان أكثرهم مشركين} يعني فأهلكوا بكفرهم.
القشيري
تفسير : أي عن قريبٍ سيحدث بهم مثلما أصابهم، ثم إنهم يعودون إلى التضرع. ويأخذون فيما كانوا عليه بدءاً من التخشع، فإذا أشكاهم وعافاهم رجعوا إلى رأس خطاياهم.
الجنابذي
تفسير : {لِيَكْفُرُواْ} اى بحصول كفرانهم، او الّلام للغاية وليست داخلة على العلّة الغائية يعنى فيحصل لهم بعد الاشراك الكفران {بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} من كشف الضّرّ والنّعمة {فَتَمَتَّعُواْ} التفات للمبالغة فى التّهديد {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} انّ اشراككم او تمتّعكم كان وبالاً عليكم.
اطفيش
تفسير : {لِيَكْفُرُوا} امر للتهديد او اللام لام الجر والصيرورة وقد مرّ مثله. {بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا} أمر تهديد وهو دليل على ان ليكفروا أمر تهديد لكن على طريق الإلتفات من الغيبة للخطاب توكيدا وقرأ ابن عباس (ليتمتعوا). {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ويال تمتعكم وقُريء (يعلمون) بالتحتية على أن تمتعوا ماض أو على الإلتفات من الخطاب في تمتعوا إلى الغيبة في يعلمون.
اطفيش
تفسير : {ليَكْفُروا بما آتيناهم} من النعم واللام لام العاقبة، والكفر هنا زيادة الشرك، واتيان الكبائر التى دونه، وهى كفر النعمة، او لام الامر على انه تهديد للكفرة كقولك لعبدك العاصى: افعل ما شئت على طريق الغيبة، اعراضا عنهم واهانة، اذ لم يقل: اكفروا بما آتيناكم، ويقوى انها للامر والتهديد قوله تعالى: {فتَّمتَّعُوا فسوفَ تعْلمون} وبال تمتعكم، فانه امر تهديد لا ماض معطوف على يشركون، لمنافاة المضى لمفاجأة الاشراك لتسلط المفاجأة على الاشراك، فيلزم تسلطها. على ما عطف عليه، وعلى انه امر يكون بطريق للالتفات من الغيبة الى الخطاب، سواء جعلت اللام للعاقبة او للامر.
الالوسي
تفسير : {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ } اللام فيه للعاقبة وكونها تقتضي المهلة ولذا سميت لام المآل والشرك والكفر متقاربان لا مهلة بينهما كما قيل لا وجه له، وقيل: للأمر وهو للتهديد كما يقال عند الغضب اعصني ما استطعت وهو مناسب لقوله سبحانه: {فَتَمَتَّعُوا} فإنه أمر تهديدي، واحتمال كونه ماضياً معطوفاً على «أية : يُشْرِكُونَ» تفسير : [الروم: 33] لا يخفي حاله، والفاء للسببية، والتمتع التلذذ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وبال تمتعكم. وقرأ أبو العالية «فيمتعوا» بالياء التحتية مبنياً للمفعول وهو معطوف على (يَكْفُرُواْ. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) بالياء التحتية أيضاً، وعن أبـي العالية أيضاً {فيتمتعوا} بياء تحتية قبل التاء وهو معطوف على {يَكْفُرُواْ} أيضاً، وعن ابن مسعود {وَلِيَتَمَتَّعُواْ } باللام والياء التحتية وهو عطف على {لِيَكْفُرُواْ }.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَاهُمْ} (34) - فَلْيَكْفُرُوا بِنِعَمِ اللهِ وبِمَا آتَاهُمْ مِن فَضْلِهِ، ولْيَجْحَدُوا بِمَا تَفَضَّلَ بهِ عَلَيهِمْ مِنْ كَشْفِ الضُّرِّ والبَلاَءِ، ولْيَتَمتَّعُوا بمَا آتاهُمْ مِنَ الرَّخَاءِ والنِّعَمِ، فَإِنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ كَيفَ يأخُذُ اللهُ المشركينَ المُفْسِدِينَ، وكيفَ يُعَاقِبُهُمْ علَى كُفْرِهِمْ وإِفْسَادِهِمْ في الأرْضِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يتبادر إلى الذهن أن اللام في {لِيَكْفُرُواْ ..} [الروم: 34] لام التعليل، أو لام السببية التي يكون ما بعدها سبباً لما قبلها، كما تقول: ذاكر لتنجح، وكذلك في الشرط والجواب: إنْ تذاكر تنجح فِعِلَّة المذاكرة النجاح. فهل يستقيم المعنى هنا على هذا الفهم؟ وهل نجاهم الله وأذاقهم الرحمة ليكفروا به؟ نقول: ليس الشرط سبباً في مجيء الجواب كما يفهم السطحيون في اللغة، بل الجواب هو السبب في الشرط، لكنهم لم يُفرِّقوا بين سبب دافع وسبب واقع، فالتلميذ يذاكر لأن النجاح ورد بباله، وتراءتْ له آثاره الطيبة أولاً فدفعتْه للمذاكرة. إذن: فالجواب سبب في الشرط أي: سبب دافع إليه، فإذا أردتَ أن يكون واقعاً فقدِّم الشرط ليجيء الجواب. وكما تقول: ركبتُ السيارة لأذهب إلى الأسكندرية، فركوب السيارة ليس سبب ذهابك للأسكندرية، لأنك أردْتَ أولاً الذهاب فركبتَ السيارة، فلما ركبتها وصلتَ بالفعل. إذن: نقول: الشرط سبب للجواب دافعاً يدفع إليه، والجواب سبب للشرط واقعاً. فهنا نجّاهم الله من الكرب، وأذاقهم رحمته لا ليكفروا به، إنما ليُبيِّن لهم أنه لا مفزعَ لهم إلا إليه، فيتمسكون به سبحانه، فيؤمن منهم الكافر، ويزداد مؤمنهم إيماناً، لكن جاء ردُّ الفعل منهم على خلاف ذلك، لقد كفروا بالله؛ لذلك يسمون هذه اللام لام العاقبة أي: أن كفرهم عاقبة النجاة والرحمة. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - لو ضممتَ طفلاً مسكيناً إلى حضانتك وربَّيته أحسن تربية، فلما شبَّ وكَبِر تنكّر لك، واعتدى عليك، فقلت للناس: ربَّيته ليعتدي عليَّ، والمعنى: ربَّيته ليحترمني ويحبني، لكن جاءت النتيجة والعاقبة خلاف ذلك، وهذا يدل على فساد التقدير عند الفاعل الذي ربَّى، وعلى لُؤْم وفساد طبع الذي رُبِّي. فالأسلوب هنا {لِيَكْفُرُواْ ..} [الروم: 34] يحمل معنى التقريع؛ لأن ما بعد لام العاقبة ليس هو العلة الحقيقية لما قبلها، إنما العلة الحقيقية لما قبلها هو المقابل لما بعد اللام: أذاقهم الرحمة، ونجاهم ليؤمنوا، أو ليزدادوا إيماناً، فما كان منهم إلا أنْ كفروا. ولهذه المسألة نظائر كثيرة في القرآن، كقوله تعالى في قصة موسى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ..} تفسير : [القصص: 8]. ومعلوم أنهم التقطوه ليكون لهم قُرَّة عين، ولو كانوا يعلمون هذه العاقبة لأغرقوه أو قتلوه كما قتلوا غيره من أطفال بني إسرائيل، وكما يقولون في الأمثال (بيربي خنَّاقه). فهذا دليل على غفلة الملتقِط، وعلى غبائه أيضاً، فكيف وهو يُقتِّل الأولاد في هذا الوقت بالذات لا يشكّ في ولد جاء في تابوت مُلْقىً في البحر؟ أليس في هذا دلالة على أن أهله يريدون نجاته من القتل؟ لكن كما قال سبحانه: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. فأنت تُقتِّل في الأطفال لرؤيا أخبرك بها العرافون، فسيأتي مَنْ تخاف منه إلى بابك، وستأخذه وتُربِّيه في حضنك، وسيكون زوال مُلْكك على يديه، فلا تظن أنك تمكر على الله. والقصة تدل على خيبة فرعون وخيبة العرافين، فإذا كنتَ قد صدَّقْتَ العرافين فيما أخبروك به فما جدوى قَتْل الأطفال، وأنت لن تدرك مَنْ سيكون زوال مُلْكك على يديه ولن تتمكن منه؟ فلماذا تحتاط إذن؟ لذلك يجب أن يكون تفكير البشر في إطار أن فوق البشر رباً، والرب يكلف العدو بعدو له ليقضي عليه، وهو سبحانه خير الماكرين، والمكْر الحق أن يكون خُفْية بحيث لا يشعر به الممكور به. وقد وصل بنا الحال في القرن العشرين أن نقول: الصراحة مكْر القرن العشرين. يعني: مَنْ أراد أنْ يمكر فليقُل الحق وليكُنْ صريحاً؛ لأننا أصبحنا في زمن قلَّتْ فيه الصراحة وقول الحق، لدرجة أنك حين تُحدِّث الناس بالحق يشكُّون فيك، ويستبعدون أن يكون قولك هو الحق، كالذي قال لجماعة يطلبونه ليقتلوه: أنا سأذهب إلى المكان الفلاني في الوقت الفلاني فقالوا: إنه يُضلِّلنا ويمكر بنا رغم أنه صادق فيما أخبرهم به. وبعد أنْ تربَّى موسى - عليه السلام - في بيت فرعون، ثم كلَّفه ربه بالرسالة، وذهب إلى فرعون يدعوه إلى الله قال له: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 18]. نعم ربَّيتني وليداً، لكن الذي ربّاني وربّاك هو الذي بعثني إليك، فأنا أبرّ المربي الأعلى قبل أنْ أبرَّ بك، وفي هذا إشارة إلى أن عناية الله هي الأصل في تربية مَنْ تحب، فإياك أنْ تقول: ربَّيْتُ ولدي حتى صار كذا وكذا، بل عليك بالأَخْذ بأسباب التربية، وتترك المربِّي الأعلى هو الذي يُربِّي على الحقيقة. وهذا المعنى فطن إليه الشاعر، فقال: شعر : إذَا لَمْ تُصَادِفْ في بَنِيكَ عنَايةً فَقَدْ كذَبَ الرَّاجي وخَابَ المؤملُ فَمُوسَى الذي ربَّاه جِبْريلُ كَافرٌ ومُوسَى الذي ربَّاهُ فِرْعَونُ مُرسَل تفسير : ثم يقول سبحانه: {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 34] لأنه كفر ليتمتع بكفره في الدنيا؛ لأن للإيمان مطلوبات صعبة تشقُّ على النفس، فيأمرك بالشيء الثقيل على نفسك، وينهاك عن الشيء المحبب إليها، أما الأصنام التي عبدوها من دون الله وغيرها من الآلهة فلا مطلوبَ لها ولا منهج. لكنه متاع الحياة الدنيا ومتاع الدنيا قليل؛ لأن الدنيا بالنسبة لك مدة بقائك فيها فلا تقُلْ إنها ممتدة من آدم إلى قيام الساعة، فهذا العمر الطويل لا يعنيك في شيء، الذي يعنيك عمرك أنت. ومهما كان عمر الإنسان في الدنيا فهو قصير وتمتُّعه بها قليل، ثم إن هذا العمر القصير مظنون غير مُتيقن، فربما داهمك الموت في أيِّ لحظة، ومَنْ مات قامت قيامته. لذلك أبهم الحق - سبحانه وتعالى - الموت، ونثر أزمانه في الخَلْق: فهذا يموت قبل أن يولد، وهذا يموت طفلاً، وهذا يموت شاباً .. الخ وإبهام الموت سبباً وموعداً ومكاناً هو عَيْن البيان؛ لأنه أصبح شاخصاً أمام كل مِنَّا ينتظره في أيِّ لحظة، فيستعد له. ونلحظ هنا أن الأسلوب القرآني عطف فعل الأمر {فَتَمَتَّعُواْ ..} [الروم: 34] على الفعل المضارع {لِيَكْفُرُواْ ..} [الروم: 34]، وفي موضع آخر قال سبحانه: {أية : لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ ..} تفسير : [العنكبوت: 66] فجعل التمتُّع ليس خاضعاً لفعل الأمر، إنما للعلة: ليكفروا وليتمتعوا. لذلك اختلفوا حول هذه اللام. أهي للأمر أم للتعليل، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 34] جاءت بعد {فَتَمَتَّعُواْ ..} [الروم: 34] وهذه جاءتْ معطوفة على {أية : لِيَكْفُرُواْ ..} تفسير : [العنكبوت: 66] فكأنه قال: اكفروا وتمتعوا، لكن ستعلمون عاقبة ذلك. والذي جعلهم يقولون عن اللام هنا لام التعليل أنها مكسورة، أما لام الأمر فساكنة، فلما رأوا اللام مكسورة قالوا لام التعليل، أما الذي فهم المعنى منهم فقال: ما دام السياق عطف فعل الأمر فتمتعوا على المضارع المتصل باللام، فاللام للأمر أيضاً، لأنه عطف عليها فعل الأمر، وهو هنا للتهديد. لكن، لماذا كُسِرَتْ والقاعدة أنها ساكنة؟ قال أحد النحاة: لام الأمر ساكنة، ويجوز أنْ تُكْسَر، واستشهد بهذه الآية {أية : لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ ..} تفسير : [العنكبوت: 66]. ونقول لمن يقول: إنها لام التعليل: إذا سمعت لام التعليل فاعلم أنها تعني لام العاقبة؛ لأن الكفر والتمتّع لم يكُنْ سبباً في إذاقة الرحمة. ويا مَنْ تقول لام الأمر سيقولون لك: لماذا كُسِرت؟ وفي القرآن شواهد كثيرة تدل على أنها قد تُكسر، واقرأ قوله تعالى: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ ..} تفسير : [الحج: 28] فاللام هنا مكسورة لأنها لام التعليل. ثم قال بعدها: {أية : ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 29] فاللام سُكِّنَتْ لأنها لام الأمر. وفي آية أخرى جُمِعت اللامان: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ..} تفسير : [الطلاق: 7] فجاءتْ لام الأمر مكسورة؛ لأنها في أول الجملة، ولا يُبتدأ في اللغة بساكن، فحُرِّكت بالكسر للتخلص من السكون، ثم يقول سبحانه: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الطلاق: 7] فجاءت لام الأمر ساكنة؛ لأنها واقعة في وسط الكلام. لذلك يجب أن يتنبه إلى هذه المسألة كُتَّاب المصحف، وأن يعلموا أن كلام الله غالب، فقد فات أصحاب رسم المصحف أنه مبنيٌّ من أوله إلى آخره على الوصل، حتى في آخر آيات سورة الناس وأول الفاتحة نقول {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـم ..}. فآخِرُ القرآن موصول بأوله، حتى لا ينتهي أبداً. وعليه فلا ترسم {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ..} تفسير : [الطلاق: 7] بالكسر، إنما بالسكون، لأنها موصولة بما قبلها. وكلمة {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 34] تدلُّ على التراخي واستيعاب كل المستقبل، سواء أكان قريباً أم بعيداً، فهي احتياط لمن سيموت بعد الخطاب مباشرة، أو سيموت بعده بوقت طويل. ثم يقول الحق سبحانه: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):