٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} استفهام فيه معنى التوقيف. قال الضحاك: «سُلْطَاناً» أي كتاباً؛ وقاله قتادة والربيع بن أنس. وأضاف الكلام إلى الكتاب توسُّعاً. وزعم الفرّاء أن العرب تؤنّث السلطان؛ تقول: قضَتْ به عليك السلطان. فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة؛ أي حجة تنطق بشرككم؛ قاله ابن عباس والضحاك أيضاً. وقال عليّ بن سليمان عن أبي العباس محمد بن يزيد قال: سُلطان جمع سليط؛ مثل رغيف ورغفان، فتذكيره على معنى الجمع وتأنيثه على معنى الجماعة. وقد مضى في «آل عمران» الكلام في السلطان أيضاً مستوفى. والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمراً يستوجب به عقوبة؛ كما قال تعالى: {أية : أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}تفسير : [النمل: 21].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بمعنى همزة الإِنكار {أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَٰناً } حجة وكتاباً {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } تكلم دلالة {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } أي يأمرهم بالإِشراك؟ لا.
ابن عبد السلام
تفسير : {سُلْطَاناً} كتاباً، أو عذراً، أو برهاناً، أو رسولاً.
القشيري
تفسير : بَين أنهم بَنوا على غير أصلٍ طريقَهم، واتبعوا فيما ابتدعوه أهواءهم، وعلى غير شَرعٍ من الله أو حجةٍ أو بيانٍ أَسَّسُوا مذاهبَهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام انزلنا} [آيا فرستاد ايم] {عليهم سلطانا} اى حجة واضحة كالكتاب {فهو يتكلم} تكلم دلالة كما فى قوله تعالى {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} {بما كانوا به يشركون} اى باشراكهم به تعالى وصحته فتكون ما مصدرية او بالامر الذى بسببه يشركون فى الوهيته فتكون موصوله والمراد بالاستفهام النفى والانكار اى لم ننزل عليهم ذلك. وفيه اشارة الى ان اعمال العباد اذا كانت مقرونة بالحجة المنزلة تكون حجة لهم وان كانت من نتائج طباع نفوسهم الخبيثة تكون حجة عليهم فالعمل بالطبع هوى وبالحجة هدى فقد دخل فيه افعال العباد صالحاتها وفاسداتها وان كانوا لا يشعرون ذلك فيظنون بعض اعمالهم الخبيثة طيبة من غير سلطان يتكلم لهم بطيبها ونعوذ بالله من الخوض فى الباطل واعتقاد انه امر تحته طائل شعر : ترسم نرسى بكعبه اى اعرابى كين ره كه توميروى بتركستانست
الجنابذي
تفسير : {أَمْ أَنزَلْنَا} بل ءَانزلنا {عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} حجّة او ذا سلطنةٍ من الملائكة {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} لفظة ما موصولة او مصدريّة والمعنى فهو يتكلّم بالاشراك الّذى كانوا يشركون، او باشراك شريكٍ كانوا به يشركون، او بكونهم بالله يشركون، او بكونهم بعلىٍّ (ع) يشركون فى الولاية وهذا هو المنظور.
الهواري
تفسير : قال الله عزَّ وجل: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} أي: حجّة {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} أي: فذلك السلطان يتكلّم، وهي الحجّة {بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} وهذا استفهام، أي: لم ينزل عليهم حجّة بذلك، أي: لم يأمرهم أن يشركوا. قوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} أي: عافية وسعة {فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: شدة وعقوبة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} أي: ييأسون من أن يصيبهم رخاء بعد تلك الشدة: يعني المشركين. قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي: يوسّعه عليهم {وَيَقْدِرُ} أي: ويقتر عليه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. قوله: {فَئَاتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} قال الحسن: بعض هذه الآية تطوّع، وبعضها مفروض؛ فأما قوله: {فَئَاتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ} فَهُوَ تَطَوُّعٌ، وهو ما أمر الله به من صلة القرابة، وأما قوله: {وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} فيعني الزكاة. قال بعضهم: حدثونا أن الزكاة فرضت بمكة، ولكن لم تكن شيئاً معلوماً. وقال الكلبي في تفسير هذه الآية: أن يصل ذا القربى، ويطعم المسكين، ويحسن إلى ابن السبيل، وهو الضيف. قال: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}. قوله: {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِندَ اللهِ} ذكروا عن الضحاك بن مزاحم قال: تلك الهديّة تهديها لِيُهدَى إليك خير منها، ليس لك فيها أجر، وليس عليك فيها وزر، وقد نهى عنها النبي عليه السلام، فقال: (أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ) تفسير : [المدثر: 6]. ذكر عبد الرحمن الأعرج أنه سمع ابن عباس يقرأها: لتُربوا، وبعضهم يقرأها: ليربوَ، أي: ليربوَ ذلك الربا الذي يُربون، والربا: الزيادة، أي: تُهدون إلى الناس ليُهدوا لكم أكثر منه. وذكروا أن النبي عليه السلام قال: حديث : الهديّة رزق الله، فمن أهدى إليه شيء فليقبله، وليُعط خيراً منه . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يردّن أحدكم على أخيه هديتَه وَلْيُهْدِ له كما أهدى له . تفسير : ذكروا عن أبي عبيدة أنه قال: ترك المكافأة من التطفيف؛ يعني مكافأة من أهدى. قال بعضهم: هذا ملاطفة تجري بين الإِخوان والأخوات والجيران. وقد رأينا الناس يلاطفون فقهاءهم وعلماءهم ويهدون لهم، يرجون بذلك مودتهم وتعظيمهم وتشريفهم، ولا يطلبون بذلك منهم مكافأة، ويقبل منهم علماؤهم وفقهاؤهم، ويرون ذلك من مكارم الأخلاق، ومن سَنِيِّ الفِعال، ويرون ردّ ذلك على إخوانهم الذين طلبوا ملاطفتهم، وإدخال الرفق عليهم كسراً لهم، وإزراء بهم، وعيباً عليهم. وإنما يكره قبول الهدايا للأمراء والوزراء، والقضاة والعمال، لأن قبول الهدايا لهؤلاء رشىً في الأحكام؛ فأما من سواهم ممن ليس بأمير ولا وزير، ولا قاض ولا عامل، فلا بأس بقبول الهدية لهم، بل هو حسن جميل، يثبت المودّة، ويذهب الضغائن والغلّ. قوله: {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ} أي: تريدون بها الله {فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ} أي: الذين تضاعف لهم الحسنات.
اطفيش
تفسير : {أَمْ} بمعنى همزة الإنكار. {أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلطَاناً} حجة ككتاب وملك ورسول وعن ابن عباس حجة وعذرا، وقيل كتابا وقيل ذا سلطان اي ملكا معه برهان. {فَهُوَ} أي السلطان. {يَتَكَلَّمُ} هذا التكلم مجاز بمعنى الدلالة إن فسر السلطان بغير العاقل حقيقٌ ان فسر بالعاقل. {بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} اي بربويته ما كانوا يشركونه به، أو ما مصدرية أي بصحة إشراكهم أو المراد ذا سلطان أي ملكا يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون.
اطفيش
تفسير : {أمْ أنْزلنا عليْهِم سُلطاناً} بل أأنزلنا عليهم حجة، وذلك بطريق الالتفات من الخطاب الى الغيبة تهاونا بهم، واعراضا عنهم، والانزال مجاز عن التعليم او الاعلام {فَهُو} السلطان {يتَكلَّم} يدل استعمل لفظ الدلالة الخاصة، وهى الدلالة باللسان فى المعنى العام، وهو مطلق الدلالة، وذك مجاز مرسل اصلى، واشتق منه يتكلم بمعنى يدل على طريق المجاز الارسالى التبعى، او شبه السلطان، وهو الحجة بالانسان مثلا، ورمز اليه باثبات لازم الانسان على الاستعارة بالكناية، وبسطت المسألة فى فن المعانى والبيان، وان جعلنا السلطان بمعنى الملك فالتكلم حقيق لا مجاز، الا ان السلطان فى الا الحجة، وهى من المعانى المصدرية، فهو مجاز لذلك حين استعمال بمعنى الذات، او بتقدير ذا سلطان، وشاع فى الاستعمالات فى معنى المالك القاهر على طريق الحقيقة العرفية {بما كانوا به يشركون} بالامر الذي يشركون به، اى بسسبه او الباء للآلة، الهاء لما، ولا يجوز جعلها مصدرية، والهاء لله لكون المعنى حينئذ يتكلم بكونهم يشركون بالله، وهو لا يصح، وانما المعنى الذي يصح يتكلم باشراكهم بالله سبحانه، اى بتصويبه وهو مستلزم لزيادة كانوا كما هو عادتهم فى التفسير من التأويل بالمصدر مما بعد الكون؟، واسقاط الكون على انه لا يدل على الحدث، وهو المشهور المخالف للصحيح.
الالوسي
تفسير : {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً } التفات من الخطاب إلى الغيبة إيذاناً بالإعراض عنهم وتعديداً لجناياتهم لغيرهم بطريق المباثة، و {أَمْ } منقطعة، والسلطان الحجة فالإنزال مجاز عن التعليم أو الإعلام، وقوله تعالى: {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } بمعنى فهو يدل على أن التكلم مجاز عن الدلالة، ولك أن تعتبر هنا جميع ما اعتبروه في قولهم: نطقت الحال من الاحتمالات، ويجوز أن يراد بسلطاناً ذا سلطان أي ملكاً معه برهان فلا مجاز أولاً وآخراً. وجملة {هُوَ يَتَكَلَّمُ } جواب للاستفهام الذي تضمنته {أَمْ } إذ المعنى بل أأنزلنا عليهما سلطاناً فهو يتكلم / {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } أي بإشراكهم بالله عز وجل، وصحته على أن {مَا } مصدرية وضمير {بِهِ } له تعالى أو بالأمر الذي يشركون بسببه وألوهيته على أن «ما» موصولة وضمير «به» لها والباء سببية، والمراد نفي أن يكون لهم مستمسك يعول عليه في شركهم.
ابن عاشور
تفسير : {أمْ}منقطعة، فهي مثل (بَل) للإضراب هو إضراب انتقالي. وإذ كان حرف {أم}حرفَ عطف فيجوز أن يكون ما بعدها إضراباً عن الكلام السابق فهو عطف قصة على قصة بمنزلة ابتداءٍ، والكلام توبيخ ولوم متصل بالتوبيخ الذي أفاده قوله {أية : فتمتعوا فسوف تعلمون}تفسير : [الروم: 34]. وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عن مخاطبتكم إلى مخاطبة المسلمين تعجيباً من حال أهل الشرك. ويجوز أن يكون ما بعدها متصلاً بقوله {أية : بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم}تفسير : [الروم: 29] فهو عطف ذَم على ذم وما بينهما اعتراض. وحيثما وقعت {أمْ} فالاستفهام مقدَّر بعدها لأنها ملازمة لمعنى الاستفهام. فالتقدير: بل أأنزلنا عليهم سلطاناً وهو استفهام إنكاري، أي ما أنزلنا عليهم سلطاناً، ومعنى الاستفهام الإنكاري أنه تقرير على الإنكار كأن السائل يسأل المسؤول ليقر بنفي المسؤول عنه. والسلطان: الحجة. ولما جعل السلطان مفعولاً للإنزال من عند الله تعين أن المراد به كتاب كما قالوا {أية : حتى تنزل علينا كتاباً نَقرؤه}تفسير : [الإسراء: 93]. ويتعين أن المراد بالتكلم الدلالة بالكتابة كقوله تعالى {أية : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق}تفسير : [الجاثية: 29]، أي تدل كتابته، أي كتب فيه بقلم القدرة أن الشرك حق كقوله تعالى {أية : أم ءاتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون}تفسير : [الزخرف: 21]. وقدم {به} على {يشركون} للاهتمام بالتنبيه على سبب إشراكهم الداخل في حيز الإنكار للرعاية على الفاصلة.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلْطَاناً} (35) - وَيَسْأَلُ اللهُ تَعَالى هؤلاءِ المُشْرِكِينَ مُسْتَنكِراً شِرْكَهُمْ وَعِبَادَتَهُمْ غَيرَ اللهِ ويُقولُ: هَلْ أَنزَلْنا عَلَيهِمْ كِتاباً فيهِ تصديقٌ لِمَا يَقُولُونَ، وإِرْشَادٌ إِلى مَا يَعتَقِدونَ؟ فاللهُ تَعَالى لمْ يُنَزِّلْ كِتَاباً بِهذا، ولمْ يُرْسِلْ رَسُولاً يقولُ بِهِ، وإِنَّما هُوَ شَيءٌ ابْتَدَعُوهُ هُمْ، وافْتَعَلُوه اتِّباعاً لأَِهْوَائِهِمْ. سُلْطَاناً - كِتَاباً أوْ حُجَّةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة (أم) لا تأتي بداية؛ لأنها أداة تفيد التخيير بين أمريْن، كما تقول: أجاء زيد أم عمرو؟ فلا بُدَّ أن تأتي بين متقابلين، والتقدير: أهُمُ اتبعوا أهواءهم، أم عندهم كتاب أُنزِل إليهم فهو حجة لهم على الشرك؟ وحيث إنهم لم ينزل عليهم كتاب يكون حُجَّة لهم فلم يَبْقَ إلا الاختيار الآخر أنهم اتبعوا أهواءهم. والفعل {أَنزَلْنَا ..} [الروم: 35] الإنزال يقتضي عُلُوَّ المنزَّل منه، وأن المنزَّلَ عليه أَدْنى، فالإنزال من عُلُو الربوبية إلى ذُلِّ العبودية. ونحن لم نَرَ الإنزال، إنما الذي تلقَّى القرآن أول مرة وباشر الوحي هو الذي رآه وأخبرنا به. والأصل في الإنزال أن يكون من الله تعالى، وحين ينزل الله علينا إنما ليعطينا سبحانه شيئاً من هذا العُلْو، سواء أكان العُلُو معنوياً؛ لأن الله سبحانه ليس له مكان، أم عُلُواً حِسِّياً كما في {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [الحديد: 25]. والسلطان: من التسلُّط، وهي تدلُّ على القوة، سواء أكانت قوة الحجة والبرهان، فمَنْ أقنعك بالحجة والبرهان فهو قويٌّ عليك، أو قوة قهر وإجبار كمَنْ يُرغِمك على فعل شيء وأنت كاره، أما سلطان الحجة فتفعل وأنت راضٍ ومقتنع. وإذا استقرأنا كلمة سلطان نجد أن الله تعالى عرضها لنا في موقف إبليس في الآخرة، حين يتبرأ من الذين اتبعوه: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. أي: لم يكُنْ لي عليكم سلطان حجة وإقناع أستحوذ به على قلوبكم، ولم يكُنْ لي عليكم سلطان قهر، فأقهر به قوالبكم، والحقيقة أنكم كنتم (على تشويرة) مجرد أنْ دعوتكُم جئتم مُسرعين، وأطعتُم مختارين. وهذا المعنى يُفسِّر لنا شيئاً في القرآن خاض الناس فيه طويلاً - عن خُبْث نية أو عن صدق نية - هذا في قوله تعالى مرة لإبليس {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..} تفسير : [ص: 75] ومرة أخرى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..} تفسير : [الأعراف: 12]. فالأولى تدل على سُلْطان القهر، كأنك كنتَ تريد أنْ تسجد فجاء مَنْ منعك قهراً عن السجود، والأخرى تدل على سلطان الحجة والإقناع، فلم تسجد وأنت راضٍ ومقتنع بعدم السجود. وقوله تعالى: {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} [الروم: 35] أي: ينطق بما كانوا به يشركون، يقول: اعملوا كذا وكذا، فجاء هذا على وَفْق هواهم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً ...}.
الجيلاني
تفسير : {أَمْ أَنزَلْنَا} يعني: بل أنزلنا {عَلَيْهِمْ} حينئذٍ {سُلْطَاناً} ملكاً ذا سلطنة وسطوة {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} معهم، ويذكرهم {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} [الروم: 35] أي: بجميع ما صدر عنهم من الشرك والكفران، وأنواع الفسوق والعصيان بلا فوت شيءٍ منها. ثمَّ قال سبحانه: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} وأعطيناهم نعمة وسعة في الرزق، وصحة في الجسم على الترادف والتوالي {فَرِحُواْ بِهَا} وأفرطوا في الفرح والسرور إلى أن بطروا، وباهوا مفتخرين بما عندهم من الأسباب {وَإِن تُصِبْهُمْ} أحياناً {سَيِّئَةٌ} مثل جدب وعناء، ومصيبة وبلاء تسوءهم، مع أنهم إنما أصابهم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بشؤم ما اقترفوا من المفاسد والمعاصي الموجبة للبطش والانتقام، فانتقمنا منهم؛ لذلك {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] أي: فجاءوا على اليأس والقنوط منا بحيث لا يتوجهون إلينا؛ لكشفها وتفريجها، بل لا يعتقدون قدرتنا على كشفها ورفعها. {أَ} ينكرون قدرتنا أولئك المنكرون المفرطون {وَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ} القادر على أنواع اللطف والكرم كيف {يَبْسُطُ} ويفيض {ٱلرِّزْقَ} الصوري والمعنوي {لِمَن يَشَآءُ} بسطه إياه {وَ} كيف {يَقْدِرُ} ويقبض لمن يشاء قبضه عنه على مقتضى حكمته المتقنة؟! {إِنَّ فِي ذَلِكَ} القبض والبسط {لآيَاتٍ} دلائل واضحات، وشواهد لائحات {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الروم: 37] بتوحيد الله وأوصافه الذاتية الكاملة الجارية آثارها على مقتضى الحكمة والعدالة الإلهية، المعبرة عنها بالصراط القويم والقسطاس المستقيم. وبعدما أشار سبحانه إلى بسط الرزق على من يشاء، وقبضه عمن يشاء إرادةً واختياراً، أراد أن يشير إلى مصارفه فقال مخاطباً لحبيبه صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو جدير بأمثال هذه الخطابات الإلهية: {فَآتِ} وأعط يا أكمل الرسل من فواضل ما رزق لك من النعم {ذَا ٱلْقُرْبَىٰ} المنتمين إليك من قِبَل أبويك {حَقَّهُ} أي: ما يليق به من الصلة وحفظه ورعايته، فهم أولى وأحق بالرعاية من غيرهم {وَ} بعد أولئك الأولى بالرعاية: {ٱلْمِسْكِينَ} وهو الذي أسكنه الفقر من هاوية الهوان، وزاوية الحرمان {وَ} أعط بعده: {ٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} وهم الذين فارقوا عن الأموال والأوطان بأسباب أباحها الشرع لهم {ذَلِكَ} التصرف المذكور {خَيْرٌ} في الدنيا والآخرة {لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ} بأموالهم وصرفها {وَجْهَ ٱللَّهِ} وابتغاء مرضاته، وخوضاً في طريق شكره، أداء حق شيء من نعمه وفواضل كرمه {وَ} بالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} الباذلون أموالهم في سبيل الله على الوجه الذي أمرهم الحق به {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [الروم: 38] المصورون على الفوز والفلاح من عنده سبحانهز ثمَّ أشار سبحانه إلى أحوال الجهلة الذين بذلوا أموالهم؛ لطلب الجاه والثروة والسمعة، وازدياد مال صديقه بلا وجه الله وابتغاء رضوانه وطلب الثواب منه، بل لمجرد الكبر والخيلاء، فقال: {وَمَآ آتَيْتُمْ} وأعطيتم مما عندكم {مِّن رِّباً} زيادة من أموالكم حاصلة من الربا، إنما أعطيتم {لِّيَرْبُوَاْ} ويزيد {فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} مكافأة لهم، أو نية فاسدة أخرى بلا امتثال أمر الله وطلب مرضاته {فَلاَ يَرْبُواْ} ولا يزيد لكم صرفكم هذا {عِندَ ٱللَّهِ} شيئاً من الثواب، بل لا يقبل عنده سبحانه أصلاً؛ لإفسادكم في أغراضكم ونياتكم {وَ} أمَّا {مَآ آتَيْتُمْ} وأعطيتم للفقراء {مِّن زَكَاةٍ} قد فرضها سبحانه عليكم امتثالاً لأمره، وإطاعةً لدينه على الوجه الذي أُمرتم به، مع أنكم {تُرِيدُونَ} وتقصدون بإخراجها وصرفها {وَجْهَ ٱللَّهِ} ومحض رضاه بلا خلط شيء من أماني أهويتكم، وتسويلات أمارتكم معها {فَأُوْلَـٰئِكَ} الفاعلون للزكاة على الوجه المذكور المأمور {هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] عند الله ثوابها إلى سبعين، بل إلى سبعمائة، بل إلى ما شاء الله عنايةً من الله، وإفضالاً لهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):