Verse. 3445 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَاِذَاۗ اَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَۃً فَرِحُوْا بِہَا۝۰ۭ وَاِنْ تُصِبْہُمْ سَيِّئَۃٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ اَيْدِيْہِمْ اِذَا ہُمْ يَقْنَطُوْنَ۝۳۶
Waitha athaqna alnnasa rahmatan farihoo biha wain tusibhum sayyiatun bima qaddamat aydeehim itha hum yaqnatoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا أذقنا الناس» كفار مكة وغيرهم «رحمة» نعمةً «فرحوا بها» فرح بطر «وإن تصبهم سيئة» شدة «بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون» ييأسون من الرحمة ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة ويرجو ربه عند الشدة.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا } لما بين حال المشرك الطاهر شركه بين حال المشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته الله للدنيا، فإذا آتاه رضي وإذا منعه سخط وقنط ولا ينبغي أن يكون العبد كذلك، بل ينبغي أن يعبد الله في الشدة والرخاء، فمن الناس من يعبد الله في الشدة كما قال تعالى: { أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ } تفسير : [الروم: 33] ومن الناس من يعبده إذا آتاه نعمة كما قال تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا } والأول كالذي يخدم مكرها مخافة العذاب والثاني كالذي يخدم أجيراً لتوقع الأجر وكلاهما لا يكون من الثبتين في ديوان المرتبين في الجرائد الذين يأخذون رزقهم سواء كان هناك شغل أو لم يكن، فكذلك القسمان لا يكونان من المؤمنين الذين لهم رزق عند ربهم، وفيه مسألة: وهي أن قوله تعالى: {فَرِحُواْ بِهَا } إشارة إلى دنو همتهم وقصور نظرهم فإن فرحهم يكون بما وصل إليهم لا بما وصل منه إليهم، فإن قال قائل الفرح بالرحمة مأمور به في قوله تعالى: { أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فليفرحوا } تفسير : [يونس: 58] وههنا ذمهم على الفرح بالرحمة، فكيف ذلك؟ فنقول هناك قال: فرحوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله تعالى وههنا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مثل فرحهم بما إذا كان من الله، وهو كما أن الملك لو حط عند أمير رغيفاً على السماط أو أمر الغلمان بأن يحطوا عنده زبدية طعام يفرح ذلك الأمير به، ولو أعطى الملك فقيراً غير ملتفت إليه رغيفاً أو زبدية طعام أيضاً يفرح لكن فرح الأمير بكون ذلك من الملك وفرح الفقير بكون ذلك رغيفاً وزبدية. ثم قال تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } لم يذكر عند النعمة سبباً لها لتفضله بها وذكر عند العذاب سبباً لأن الأول يزيد في الإحسان والثاني يحقق العدل. قوله {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } إذا للمفاجأة أي لا يصبرون على ذلك قليلاً لعل الله يفرج عنهم وإنه يذكرهم به. ثم قال تعالى: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }. أي لم يعلموا أن الكل من الله فالمحقق ينبغي أن لا يكون نظره على ما يوجد بل إلى من يوجد وهو الله، فلا يكون له تبدل حال، وإنما يكون عنده الفرح الدائم، ولكن ذلك مرتبة المؤمن الموحد المحقق، ولذلك قال: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا} يعني الخِصْب والسّعة والعافية؛ قاله يحيـى بن سلام. النّقاش: النعمة والمطر. وقيل: الأمن والدَّعة؛ والمعنى متقارب. {فَرِحُواْ بِهَا} أي بالرحمة. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي بلاء وعقوبة؛ قاله مجاهد. السُّدِّي: قحط المطر. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي بما عملوا من المعاصي. {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} أي ييأسون من الرحمة والفرج؛ قاله الجمهور. وقال الحسن: إن القنوط ترك فرائض الله سبحانه وتعالى في السرّ. قَنِط يَقْنَط، وهي قراءة العامة. وقَنَط يَقْنِط، وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب. وقرأ الأعمش: «قَنِطَ يَقْنِط» بالكسر فيهما؛ مثل حَسِب يَحْسِب. والآية صفة للكافر، يقنط عند الشدّة، ويبطَر عند النعمة؛ كما قيل:شعر : كحمار السَّوء إن أعلفته رَمَح الناس وإن جاع نهق تفسير : وكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه بهذه المثابة؛ وقد مضى في غير موضع. فأما المؤمن فيشكر ربّه عند النعمة، ويرجوه عند الشدّة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ } كفار مكة وغيرهم {رَحْمَةً } نعمة {فَرِحُواْ بِهَا } فرح بطر {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } شدّة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ييأسون من الرحمة ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة ويرجو ربه عند الشدّة.

ابن عطية

تفسير : لما ذكر تعالى حالة الناس متى تأتيهم شدة وضر ونجوا منه إلى سعة ذكر في هذه الآية الأمر أيضاً من الطرف الآخر بأن تنال الرحمة ثم تعقب الشدة فلهم في الرتبة الأولى تضرع ثم إشراك وقلة شكر، ولهم في هذه فرج وبطر ثم قنط ويأس، وكل أحد يأخذ من هذه الخلق بقسط، والمقل والمكثر إلا من ربطت الشريعة جأشه ونهجت السنة سبيله وتأدب بأدب الله تعالى، فصبر عند الضراء، وشكر عند السراء، ولم يبطر عند النعمة، ولا قنط عند الابتلاء، وقوله تعالى: {بما قدمت أيديهم} أي إن الله يمتحن الأمم ويصيب منهم عند فشو المعاصي وظهور المناكر، وكذلك قد يصاب شخص بسوء أعماله يسيء وحده ويصاب وحده، وفي الأغلب يعفو الله عن كثير، و"القنط" اليأس الصريح، وقرأ أبو عمرو وجماعة "يقنِطون" بكسر النون، وقرأ نافع والحسن و جماعة "يقنَطون" بفتحها، وجواب الشرط في قوله {إن تصبهم} قوله {إذا هم يقنطون} وذلك أنها للمفاجأة لا يبتدأ بها، فهي بمنزلة الفاء لا يبتدأ بها ويجاب بها الشرط، وأما "إذا" التي للشرط أو التي فيها معنى الشرط فهما يبدأ بهما ولا يكون فيهما جواب الشرط، ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم ييأس من روح الله على حال وهو أن الله تعالى يخص من يشاء من عباده ببسط الرزق ويقدر على من شاء منهم فينبغي لكل عبد أن يكون راجياً ما عند ربه، ثم أمر تعالى نبيه أمراً تدخل الأمة فيه وهذا على جهة الندب إلى إيتاء ذي القربى حقه من صلة المال وحسن المعاشرة ولين القول، قال الحسن: {حقه} المواساة في اليسر وقول ميسور في العسر. قال الفقيه الإمام القاضي: ومعظم ما قصد أمر المعونة بالمال ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : في المال حق سوى الزكاة وذلك للمسكين وابن السبيل حق" تفسير : وبين أن حق هذين إنما هو في المال وغير ذلك معهما لا غناء له وكذلك يلزم القريب المعدم الذي يقضي حقه أن يقضي أيضاً حق قريبه في جودة العشرة و {وجه الله} هنا جهة عبادته ورضاه و {المفلحون} الفائزون ببغيتهم البالغون لآمالهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَحْمَةً} عافية وسعة، أو نعمة ومطر {سَيِّئَةٌ} بلاء وعقوبة، أو قحط المطر. {يَقْنَطُونَ} القنوط اليأس من الرحمة والفرج عند الجمهور أو ترك فرائض الله تعالى في السر "ح".

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} أي الخِصْب وكَثْرة المطر "فَرِحُوا بِهَا" يعني فرح البطر لما بين حال الشرك الظاهر شركه، بين حال الشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته للدنيا، فإذا أعطاه رَضِيَ، وإِذا منعه سَخِطَ وقَنَطَ، ولا ينبغي أن يكون كذلك بل ينبغي أن يعبد الله في الشدة والرخاء. فإن قيل: الفرح بالرحمة مأمور به قال: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}تفسير : [يونس: 58] وهَهُنَا ذمهم على الفرح بالرحمة. فالجواب: هناك قال افْرَحُوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله، وهَهُنَا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به مِثْلَ فرحهم إذا كان مِنَ الله. قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي الجَدْبُ وقلَّةُ المَطَر، وقيل: الخوف والبَلاَء {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من السيئات {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} يَيأَسُوا من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمنين فإنهم يشركونه عند النعمة، ويرجُونَه عند الشدةِ. قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} ألم يعلموا أن الكل من الله فالمحق ينبغي أن لا يكون نظره إلى ما يُوجَد بل إِلى من يُوجد وهو الله، فلا يكون له تبدل حال وإنما يكون عنده الفرح الدائم ولذلك قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. قوله: {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} من البرِّ والصلة، و "المِسْكِين" بأن يُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، "وابْنَ السَّبِيل" يعني المسافر، وقيل: الضيف. وخص هذه الأصناف الثلاثة بالذكر دون بقية الأصناف الثمانية المذكورة في الصدقات، لأنه أراد ههنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال، سواه كان زَكَوِيّاً أو لم يكن وسواء كان قبل الحَوْلِ أم بعده؛ لأن المقصودَ هنا الشفقة العامة وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم يكن للأنسان مالٌ زائد أما القريب فتجب نفقته عليه إذا كان له مالٌ وإن لم يَحُلْ عليه الحَوْلُ والمسكين كذلك، فإن من لا شيءَ له إذا وقع في الحاجة حتى بلغ الشدة يجب على القادر دفع حاجته وإن لم يكن عليه زكاة، والفقير داخل في المسكين لأن من أوْصَى للمساكين بشيء يُصْرَفُ إلى الفقير أيضاً وإذا نظرتَ إلى الباقين من الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وَجَبت الزكاةُ عليهم وقدم القريب لأن دفع حاجته واجبٌ سواء كان في مَخْمَصَةٍ أو لم يكن فلذلك قُدِّمَ على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع، فقدم على من حاجته مختصة بموضعٍ دُونَ مَوْضِعٍ. قوله: "ذَلِكَ خَيْرٌ" يحتمل أنْ يُرادَ: "خير من عنده"، وأن يكون ذلك خير في نفسه {لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} أي يطلبون ثواب الله مما يعملون {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. فإن قيل: كيف قال: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}؟ مع أن لِلإفلاح شرائطَ أخرى مذكورة في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ}؟!. فالجواب: كل وصف مذكور هنا يفيد الإفلاح، وكذا الذي آتى المال لوجه الله يفيد الإفلاح اللَّهُمَّ إلا إذا وُجِدَ مانعٌ من ارتكاب محظورٍ أو تركِ واجبٍ. فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكُرْ غيره من الأفعال كالصلاة وغيره؟ فالجواب: الصلاة مذكورة من قبل وكذا غيرها في قوله: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً}تفسير : [الروم: 30]، وقوله {أية : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الروم: 31]. فإن قيل: قوله في البقرة: {فَأُولَئِكِ هُمُ المُفْلِحُونَ} إشارة إلى من أقام الصلاة وآتى الزكاة، وآمن بما أنزل على الرسول وبما أنزل من قبل وبالآخرين فهو المفْلح، وإذا كان المفلح منحصراً في "أولئك" فهذا خارج عنهم فكيف يكون مفلحاً؟!. فالجواب: هذا هو ذاك لأن قوله: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} تفسير : [الروم: 30] أمر بذلك، فإذا أتَى بالصلاة، وآتى المال، وأراد وجه الله ثبت أنه من مُقِيمِي الصلاة ومُؤتِي الزكاة ومعترف بالآخرة.

البقاعي

تفسير : ولما بان بهذين المتعادلين أنه لم يضطرهم إلى الإشراك عرفٌ في أنفسهم مستمر دائم، ولا دليل عقلي ظاهر، ولا أمر من الله قاهر، فبان أنهم لم يتبعوا عقلاً ولا نقلاً، بل هم أسرى الهوى المبني على محض الجهل، وكان قد صرح بذلك عقب العديل الأول، لمح هنا، وترك التصريح به لإغناء الأول عنه، واستدل عليه بدليل خالفوا فيه العادة المستمرة، والدلالة الشهودية المستقرة، فقال عاطفاً على {وإذا مس} دالاً على خفة أحلامهم من وجه آخر غير الأول: {وإذا} معبراً بأداة التحقيق إشارة إلى أن الرحمة أكثر من النقمة، وأسند الفعل إليه في مقام العظمة إشارة إلى سعة جوده فقال: {أذقنا} وجرى الكلام على النمط الماضي في العموم لمناسبة مقصود السورة في أن الأمر كله له في كل شيء فقال: {الناس رحمة} أي نعمة من غنى ونحوه لا سبب لها إلا رحمتنا {فرحوا بها} أي فرح مطمئن بطر آمن من زوالها، ناسين شكر من أنعم بها، وقال: {وإن} بأداة الشك دلالة على أن المصائب أقل وجوداً، وقال: {تصبهم} غير مسند لها إليه تأديباً لعباده وإعلاماً بغزير كرمه {سيئة} أي شدة تسوءهم من قحط ونحوه. ولما كانت المصائب مسببة عن الذنوب، قال منبهاً لهم على ذلك منكراً قنوطهم وهم لا يرجعون عن المعاصي التي عوقبوا بسببها: {بما قدمت أيديهم} أي من المخالفات، مسنداً له إلى اليد لأن أكثر العمل بها {إذا هم} أي بعد ما ساءهم وجودها مساءة نسوا بها ما خولوا فيه من النعم وجملوا له من ملابس الكرم {يقنطون*} أي فاجاؤوا البأس، مجددين له في كل حين من أحيان نزولها وإن كانوا يدعون ربهم في كشفها ويستعينونه لصرفها مع مشاهدتهم لضد ذلك في كلا الشقين في أنفسهم وغيرهم متكرراً، ولذلك أنكر عليه عدم الرؤية دالاً بواو العطف أن التقدير: ألم يروا في أنفسهم تبدل الأحوال، قائلاً: {أولم يروا} أي بالمشاهدة والإخبار رؤية متكررة، فيعلموا علماً هو في ثباته كالمشاهد المحسوس، وعبر بالرؤية الصالحة للبصر والبصيرة لأن مقصود السورة إثبات الأمر كله لله، ولا يكفي فيه إلا بذل الجهد وإمعان النظر، والسياق لذم القنوط الذي يكفي في بقية المشاهدة لاختلاف الأحوال، بخلاف الزمر التي مقصودها الدلالة على صدق الوعد الكافي فيه مطلق العلم. ولما كان في البسط والقبض جمع بين جلال وجمال، لفت الكلام بذكر الاسم الجامع فقال: {أن الله} بجلاله وعظمته {يبسط الرزق} أي يكثره {لمن يشاء} أي من عباده منهم ومن غيرهم {ويقدر} أي يضيق، وإن هذا شأنه دائماً مع الشخص الواحد في أوقات متعاقبة متباعدة ومتقاربة، ومع الأشخاص ولو في الوقت الواحد، فلو اعتبروا حال قبضه سبحانه لم يبطروا، ولو اعتبروا حال بسطه لم يقنطوا، بل كان حالهم الصبر في البلاء، والشكر في الرخاء، والإقلاع عن السيئة التي نزل بسببها القضاء، فقد عرف من حالهم أنهم متقيدون دائماً بالحالة الراهنة. يغلطون في الأمور المتكررة المشاهدة، فلا عجب في تقيدهم في إنكار البعث بهذه الحياة الدنيا. ولما لم يغن أحد منهم في استجلاب الرزق قوته وغزارة عقله ودقة مكره وكثرة حيله، ولا ضره ضعفه وقلة عقله وعجز حيلته، وكان ذلك أمراً عظيماً ومنزعاً مع شدة ظهوره وجلالته خفياً دقيقاً كما قال بعضهم: شعر : كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقاً تفسير : أشار سبحانه إلى عظمته بقوله، مؤكداً لأن عملهم في شدة اهتمامهم بالسعي في الدنيا عمل من يظن تحصيلها إنما هو على قدر الاجتهاد في الأسباب: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من الإقتار في وقت والإغناء في آخر والتوسيع على شخص والتقتير على آخر، والأمن من زوال الحاضر من النعم مع تكرر المشاهدة للزوال في النفس والغير، واليأس من حصولها عند المحنة مع كثرة وجدان الفرج وغير ذلك من أسرار الآية {لآيات} أي دلالات واضحات على الوحدانية لله تعالى وتمام العلم وكمال القدرة، وأنه لا فاعل في الحقيقة إلا هو لكن {لقوم} أي ذوي همم وكفاية للقيام بما يحق لهم أن يقوموا فيه {يؤمنون} أي يوجدون هذا الوصف ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم من قيام الأدلة، بإدامة التأمل والإمعان في التفكر، والاعتماد في الرزق على من قال {أية : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} تفسير : [القمر: 17] أي من طالب علم فيعان عليه فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت خوفاً من زوالها إذا أراد القادر، ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في إقبالها فضلاً من الرازق، لأن "أفضل العبادة انتظار الفرج" بل هم بما عليهم من وظائف العبادة واجبها ومندوبها معرضون عما سوى ذلك، وقد وكلوا أمر الرزق إلى من تولى أمره وفرغ من قسمه وقام بضمانه، وهو القدير العليم. ولما أفهم ذلك عدم الاكتراث بالدنيا لأن الاكتراث بها لا يزيدها، والتهاون بها لا ينقصها، فصار ذلك لا يفيد إلا تعجيل النكد بالكد والنصب، وكان مما تقدم أن السيئة من أسباب المحق، سبب عنه الإقبال على إنفاقها في حقوقها إعراضاً عنها وإيذاناً بإهانتها وإيقاناً بأن ذلك هو استيفاؤها واستثمارها واستنماؤها، فقال خاصاً بالخطاب أعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره لأن ذلك أوقع في نفوس الأتباع، وأجدر بحسن القبول منهم والسماع: {فآت} يا خير الخلق! {ذا القربى حقه} بادئاً به لأنه أحق الناس بالبر، صلة للرحم وجوداً وكرماً {والمسكين} سواء كان ذا القربى أو لا {وابن السبيل} وهو المسافر كذلك، والحق الذي ذكر لهما الظاهر أنه يراد به النفل لا الواجب، لعدم ذكر بقية الأصناف، ودخل الفقير من باب الأولى. ولما أمر بالإيتاء، رغب فيه فقال: {ذلك} أي الإيتاء العالي الرتبة {خير} ولما كان سبحانه أغنى الأغنياء فهو لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه لا رياء فيه، قال معرفاً أن ذلك ليس قاصراً على من خص بالخطاب بل كل من تأسى به نالته بركته {للذين يريدون} بصيغة الجمع، ولما كان الخروج عن المال في غاية الصعوبة، رغب فيه بذكر الوجه الذي هو أشرف ما في الشيء المعبر به هنا عن الذات وبتكرير الاسم الأعظم المألوف لجميع الخلق فقال: {وجه الله} أي عظمة الملك الأعلى، فيعرفون من حقه ما يتلاشى عندهم على كل ما سواه فيخلصون له {وأولئك} العالو الرتبة لغناهم عن كل فان {هم} خاصة {المفلحون*} أي الذين لا يشوف فلاحهم شيء من الخيبة، وأما غيرهم فخائب، أما إذا لم ينفق فواضح، وأما من أنفق على وجه الرياء بالسمعة والرياء فإنه خسر ماله، وأبقى عليه وباله، وأما من أنفق على وجه الرياء الحقيقي فقد صرح به تعريفاً بعظيم فحشه صارفاً الخطاب عن المقام الشريف الذي كان مقبلاً عليه، تعريفاً بتنزه جنابه عنه، وبعد تلك الهمة العلية والسجايا الطاهرة النقية منه، إلى جهة من يمكن ذلك منهم فقال: {وما آتيتم} أي جئتم أي فعلتم - في قراءة ابن كثير بالقصر ليعم المعطي والآخذ والمتسبب، أو أعطيتم - في قراءة غيره بالمد {من ربا} أي مال على وجه الربا المحرم أو المكروه، وهو أن يعطي عطية ليأخذ في ثوابها أكثر منها، وكان هذا مما حرم على النبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً له، وكره لعامة الناس. وعلى قراءة ابن كثير بالقصر المعنى: وما جئتم به من إعطاء بقصد الربا {ليربوا} أي يزيد ويكثر ذلك الذي أعطيتموه أو فعلتوه، أو لتزيدوا أنتم ذلك - على قراءة المدنيين ويعقوب بالفوقانية المضمومة، من: أربى {في أموال الناس} أي تحصل فيه زيادة تكون أموال الناس ظرفاً لها، فهو كناية عن أن الزيادة التي يأخذها المربي من أموالهم لا يملكها أصلاً {فلا يربوا} أي يزكوا وينمو {عند الله} أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وكل صفات الكمال، وكل ما لا يربو عند الله فهو غير مبارك بل ممحوق لا وجود له، فإنه إلى فناء وإن كثر {أية : يمحق الله الربا ويربي الصدقات} تفسير : [البقرة: 276]. ولما ذكر ما زيادته نقص، أتبعه ما نقصه زيادة فقال: {وما آتيتم} أي أعطيتم للإجماع على مدة لئلا يوهم الترغيب في أخذ الزكاة {من زكاة} أي صدقة، وعبر عنها بذلك ليفيد الطهارة والزيادة، أي تطهرون بها أموالكم من الشبه، وأبدانكم من مواد الخبث، وأخلاقكم من الغل والدنس. ولما كان الإخلاص عزيزاً، أشار إلى عظمته بتكريره فقال: {تريدون} أي بها {وجه الله} خالصاً مستحضرين لجلاله وعظمته وكماله، وعبر عن الذات بالوجه لأنه الذي يجل صاحبه ويستحي منه عند رؤيته وهو أشرف ما في الذات. ولما كان الأصل: فأنتم، عدل به إلى صيغة تدل على تعظيمه بالالتفات إلى خطاب من بحضرته من أهل قربه وملائكته، لأن العامل يجب أن يكون له بعمله لسان صدق في الخلائق فكيف إذا كان من الخالق، وبالإشارة إليه بأداة البعد إعلاماً بعلو رتبته، وأن المخاطب بالإيتاء كثير، والعامل قليل وجليل، فقال: {فأولئك} ولعل إفراد المخاطب هنا للترغيب في الإيتاء بأنه لا يفهم ما لأهله حق فهمه سوى المنزل عليه هذا الوحي صلى الله عليه وسلم {هم} أي خاصة {المضعفون*} أي الذين ضاعفوا أموالهم في الدنيا بسبب ذلك الحفظ والبركة، وفي الآخرة بكثرة الثواب عند الله من عشرة أمثال إلى ما لا حصر له كما يقال: مقو وموسر ومسمن ومعطش - لمن له قوة ويسار وسمن في إبله وعطش ونحو ذلك.

القشيري

تفسير : تستميلهم طوارقُ أحوالهم؛ فإن كانت نعمة فإلى فرح، وإن كانت شدة فإلى قنوطِ وَتَرح.. وليس وصفُ الأكابر كذلك؛ قال تعالى: {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}تفسير : [الحديد: 23].

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا اذقنا الناس رحمة} اى نعمة وصحة وسعة {فرحوا بها} بطرا واشرا لاحمدا وشكرا وغرتهم الحياة الدنيا واعرضوا عن عبودية المولى {وان تصبهم سيئة} اى شدة من بلاء وضيق {بما قدمت ايديهم} اى بشؤم معاصيهم {اذاهم يقطنون} فاجأوا القنوط واليأس من رحمة الله تعالى: وبالفارسية [آنكاه ايشان نوميد وجزع ميكنند يعنى نه شكر ميكذارند در نعمت ونه صبردارند برمحنت] وهذا وصف الغافلين المحجوبين واما اهل المحبة والارادة فسواء نالوا ما يلائم الطبع او فات عنهم ذلك فانهم لا يفرحون ولا يحزنون كما قال تعالى {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} فلما كان بهم من قوة الاعتماد على الله تعالى لا يقنطون من الرحمة الظاهرة والباطنة ويرون التنزلات من التلوينات فيرجعون الى الله بتصحيح الحالات بانواع الرياضيات والمجاهدات ويصبرون الى ظهور التمكينات والترقيات شعر : بصبر كوش دلاروز هجر فائده نيست طييب سربت تلخ از براى فائدة ساخت

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وابو جعفر {لتربوا} بالتاء وسكون الواو، الباقون بالياء وفتح الواو، وقرأ ابن كثير {وما أتيتم من ربا} بالقصر. الباقون بالمد. واتفقوا على المد في قوله {وما آتيتم من زكاة} وقرأ حمزة والكسائي وخلف {عما يشركون} بالياء. الباقون بالتاء. قال ابو علي: المعنى وما آتيتم من هدية أهديتموها لتعوضوا اكثر منها، فلا يربو عند الله، لأنكم قصدتم زيادة العوض دون وجه الله، وهو كقوله {أية : ولا تمنن تستكثر} تفسير : فمن مدّ اراد أعطيتم من قوله {أية : فآتاهم الله ثواب الدنيا} تفسير : ومن قصره فالمعنى يؤل إلى قول من مد إلا انه على لفظ (فعلتم) ومدهم لقوله {وما آتيتم من زكاة} فلقوله{أية : وإيتاء الزكاة} تفسير : ولو قال أتيت الزكوة لجاز أن يعني به: فعلتها ولكن لفظ القرآن على الايتاء. ومن ضم {لتربوا} فالمعنى لتصيروا ذوي زيادة في ما آتيتم من أموال الناس أي يستدعونها من أربى إذا صار ذا زيادة مثل أقطف واضرب. ومن فتح أسند الفعل إلى الربوا المذكور وقدر المضاف، فحذفه كما قيل: اجتذاب أموال الناس واجتلابه. ويجوز ذلك. وسمي هذا المدفوع على هذا الوجه ربا لما كان فيه من الاستزادة. يقول الله تعالى مخبراً عن خلقه بأنه إذا أذاقهم رحمة من عنده بأن ينعم عليهم بضروب النعم ويصح أجسامهم ويدرّ أرزاقهم ويكثر مواشيهم وغير ذلك من النعم، إنهم يفرحون بذلك ويسرون به فـ {إذا} شرط وجوابه {فرحوا بها} وإنما جاء الجزاء بـ {إذا} ولم يجيء بـ (حين)، لأن {إذا} اشبه بالفاء من جهة البناء، والزم للفعل من جهة أنه لا يضاف إلى مفرد، فصار بمنزلة الفاء في ترتيب الفعل، وليس كذلك (حين). وشبه إدراك الرحمة بادراك الطعم، فسماه ذوقاً. {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم} هو اخبار منه تعالى أنه إن أصابهم عذاب من الله تعالى جزاء على ما كسبته أيديهم {إذا هم يقنطون} أي ييأسون من رحمة الله، والقنوط اليأس من الفرج، قال جهد الأرقط: شعر : قد وجدوا الحجاج غير قانط تفسير : وإنما قال {بما قدمت أيديهم} ولم يقل بما قدموا على التغليب للاكثر الأظهر، لان اكثر العمل وأظهره لليدين، والعمل بالقلب وإن كان كثيراً فهو أخفى، وانما يغلب الأظهر. ويجوز أن يكون ما يصيبهم - من مصائب الدنيا والآلام بها - بعض العقاب، فلذلك قال {بما قدمت أيديهم} ويجوز ان يكون لما فعلوا المعاصي اقتضت المصلحة أن يفعل بهم ذلك، وإن لم يكن عذاباً. ثم قال تعالى منبهاً لهم على توحيده {أولم يروا} أي او لم يفكروا فيعلموا {أن الله يبسط الرزق} اي يوسعه {لمن يشاء ويقدر} اي ويضيق على من يشاء على حسب ما تقتضيه مصالحهم، وبسط الرزق الزيادة على مقدار القوت منه بما يظهر حاله، واصل البسط نشر الشيء بما يظهر به طوله وعرضه، وبسط الرزق مشبه به. ثم قال {إن في ذلك} يعني في البسط للرزق لقوم وتضييقه لقوم آخرين {لآيات} اي لدلالات {لقوم يؤمنون} بالله، لانهم يعلمون ان ذلك من فضل الله الذي لا يعجزه شيء. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال {فآت ذا القربى حقه} اي اعط ذوي قرباك يا محمد حقوقهم التي جعلها الله لهم في الاخماس - وهو قول مجاهد - وقيل: إنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله اعطى فاطمة فدكاً، وسلمه اليها - روى ذلك ابو سعيد الخدري وغيره - وهو المشهور عن ابي جعفر، وابي عبد الله عليهما السلام. وقال السدى: الآية نزلت في قرابة النبي صلى الله عليه وآله. وقال قوم: المراد به قرابة كل انسان. والأول اظهر، لأنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله {والمسكين وابن السبيل} تقديره واعط - ايضاً - المسكين، وهو الفقير، وابن السبيل وهو المنقطع به حقوقهم التي جعلها الله لهم في الصدقات وغيرها، والخطاب وإن كان متوجهاً إلى النبي صلى الله عليه وآله فهو متوجه إلى جميع المكلفين. ثم قال {ذلك خير} يعني اعطاء الحقوق المستحقة خير {للذين يريدون وجه الله} بالاعطاء دون الرياء والسمعة {وأولئك هم المفلحون} الفائزون بثواب الله. ثم قال {وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس} قال ابن عباس: هو اعطاء الرجل العطية ليعطى اكثر منها لأنه لم يرد بها طاعة الله. وقال ابن عباس: وابو جعفر الربوا رباءان احدهما - حلال، والآخر حرام، فالأول هو ان يعطي الانسان غيره شيئاً لا يطلب اكثر منه فهو مباح، ولا يربوا عند الله. والآخر - الربوا الحرام. وقال ابن طاوس عن أبيه: إذا أهدى الرجل الهدية ليهدى له أفضل منها فليس فيه أجر ولا وزر، وكلما فعله الفاعل على أنه حسن للشهوة فليس فيه حد ولا أجر، وشهوته وشهوة غيره في هذا سواء. وقيل: المعني في الآية التزهيد في الربو، والترغيب في اعطاء الزكاة وقال الحسن: هو كقوله {أية : يمحق الله الربا ويربي الصدقات} تفسير : ولا خير في العطية إذا لم يرد بها وجه الله. وقال الجبائي: وما أتيتم من ربا لتربوا بذلك أموالكم {فلا يربو} لانه لا يملكه المرابي بل هو لصاحبه، ولا يربو {عند الله} لأنه يستحق به العقاب، واعطاء المال قد يقع على وجوه كثيرة فمنه إعطاؤه على وجه الصدقة. ومنه اعطاؤه على وجه الهدية. ومنه الصلة. ومنه الودائع. ومن ذلك قضاء الدين، ومنه البر ومنه الزكاة. ومنه القرض. ومنه النذر وغير ذلك. ثم قال {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله} أي ما اخرجتموه على وجه الزكاة واعطيتموه أهله تريدون بذلك وجه الله دون الربو {فأولئك هم المضعفون} أي يضاعف لهم الحسنات كقوله {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تفسير : وقال الكلبي: تضاعف أمواله في الدنيا، فالمضعف ذو الاضعاف كما أن الميسر ذو اليسار. ثم خاطب تعالى خلقه فقال {الله الذي خلقكم} بعد ان لم تكونوا موجودين {ثم رزقكم} من أنواع الملاذ وملككم التصرف فيها وأباحها لكم {ثم يميتكم} بعد ذلك إذا شاء ليصح ايصالكم إلى ما عوضكم له من الثواب {ثم يحييكم} ليجازيكم على أفعالكم على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب {هل من شركائكم} الذين عبدتموهم من دون الله {من يفعل من ذلكم من شيء} أو يقدر عليه فيجوز لذلك توجه العبادة اليه فانهم لا يقدرون على أن يقولوا: نعم يقدرون عليه وانما يعترفون بعجزها عن ذلك، فيعلموا عند ذلك انها لا تستحق العبادة فلذلك نزه نفسه عقيب ذلك عن أن يشرك معه في العبادة ويتخذ معه معبوداً سواه فقال {سبحانه وتعالى عما يشركون} فمن قرأ بالياء وجه الخطاب إلى الغائب. ومن قرأ بالتاء وجهه إلى المخاطبين، وفي ذلك تنبيههم على وجوب ضرب الامثال لله تعالى دون غيره من المخلوقات.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} نعمة وسعة فى المال والاولاد او صحّة فى الجسم والاولاد {فَرِحُواْ بِهَا} لتعلّقهم بماعندهم من النّفس وقُواها وملائماتها {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} من رحمة الله.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} كمطر وخصب وصحة وغير ذلك. {فَرِحُوا} فرح بطر. {بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} كجدب وقلة مطر ومرض وقيل خوف وبلاء والظاهر العموم. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بسبب ما عملوا من المعاصي. {إِذَا هُم يَقْنَطُونَ} يائسون من أن تصيبهم حسنة أي فاجؤا القنوط وهذا خلاف وصف المؤمن فإنه يشكر عند النعمة ويرجو عند الشدة واعلم انه تعلق شيء من قوله جل وعلا {أية : وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم }تفسير : الآية بالموحدين فان من الناس من اذا جاءه فرح بعد شدة علقوا ذلك بالمخلوق او بحذق رأيهم وغير ذلك ففي ذلك عدم الشكر ويسمى تشريكاً مجازا ويتعلق بهم شيء من قوله سبحانه {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَةً} الآية بل هذه يأخذ الكل أو الأكثر منها بقسطه ما بين مقلٍ ومكثرٍ الا من ربطت الشريعة جأشه ونهجت السنة سبيله وتأدب بآداب الله فصبر عند الضراء ولم يبطر عند السراء والنعمة ولم يقنط عند البلاء.

اطفيش

تفسير : {وإذا أذَقْنا النَّاس} المشركين ومقتضى الظاهر: واذا أذقناهم، ووضع الظاهر موضع الضمير، او اراد بالناس المؤمنين والمشركين، واصل الاذاقة الاطعام القليل، او اول الإطعام، واستعمل فى مطلق الانعام {رحْمةً} صحة بدن، وسعة رزق وغير ذلك {فَرحُوا بها} المشركون يفرحون بطرا او أشرا، والمقام لذمهم بالفرح بها، او فرحوا بنفس الرحمة، وام المؤمن ففرحوا شكرا، او بكونها مضافة لله الرحمن الرحيم، ففرح محمود وطاعة. {وإنْ تُصبهُم سَيئةً} شدة ما مع انهم تسببوا لها كما قال: {بما قدَّمتْ أيديهِم} من المعاصى {إذا هُم يَقْنطُون} فاجاوا القنوط من زوالها بالطبيعة، الا ان المؤمن لا يدوم على ذلك، بل يعالج نفسه، وكثير من المؤمنين لا ينالهم قنوط ما، وقد لا يقنط المشرك، ولا ينفعه فى الاخرة عدم قنوطه، وعبر فى الرحمة باذا الموضوعة للبناء على التحقيق لكثرتها، ولو تحققها، وفى السيئة بان الموضوعية للبناء على الشك تعالى الله عنه لقلتها، ونسب الرحمة لنفسه اذ قال: (اذقنا) دون السيئة، اذ لم يقل: وان اصابتهم بسيئة تعليما للعبد ان يضف الى الله الخير، ولو كان من الخير والشر منه جل وعلا، كما قال فى سورة الفاتحة: "أية : أنعمت عليهم" تفسير : [الفاتحة: 7] ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم، وذكر للسيئة سببا ولم يذكر للرحمة للاشارة الى ان الرحمة فضل، والعذاب على السيئة عدل، والمتبادر ان القنوط بمرة. وذكر بعض ان المضارع للاستمرار فيه، الناس فريق اخر غير الاول وأل للعهد او الجنس، او الفريق الاول، لكن ثبت الحكم الاول لهم فى حال تدهشم كمشاهدة الغرق، وهذا الحكم فى حال اخر لهم، فلا مخالفة بين قوله تعالى: "أية : وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه" تفسير : [الروم: 33] وقوله سبحانه: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} وهذا اولى من تكلف التوفيق بين الايتين، بان الدعاء اللسانى جار على العادة، فلا ينافى القنوط القلبى، فافهم روح معانى القرآن، او المراد بيقنطون انهم يفعلون فعل القانط، كالاهتمام بالادخار حال الغلاء، لكن هذا فيه بعض منافرة للمفاجأة، وفيه ان الاصل فى الشئ ابقاؤه لا تاويله بالشبه مثلا.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً } أي نعمة من صحة وسعة ونحوهما {فَرِحُواْ بِهَا } بطرا وأشرا فإنه الفرح المذموم دون الفرح حمداً وشكراً. وهو المراد في قوله تعالى:{أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ }تفسير : [يونس:58] وقال الإمام: المذموم الفرح بنفس الرحمة والممدوح الفرح برحمة الله تعالى من حيث إنها مضافة إلى الله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } شدة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بشؤم معاصيهم {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } أي فاجؤوا القنوط من رحمته عز وجل، والتعبير بإذا أولاً لتحقق الرحمة وكثرتها دون المقابل، وفي نسبة الرحمة إليه تعالى دون السيئة تعليم للعباد أن لا يضاف إليه سبحانه الشر وهو كثير كقوله تعالى: {أَنْعَمْتَ } و{الْمَغْضُوبِ} في الفاتحة [7]، وعدم بيان سبب إذاقة الرحمة وبيان سبب إصابة السيئة اشارة إلى أن الأول تفضل والثاني عدل، والتعبير بالمضارع في {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} لرعاية الفاصلة والدلالة على الاستمرار في القنوط، والمراد بالناس إما فريق آخر غير الأول على أن التعريف للعهد أو للجنس وأما الفريق الأول لكن الحكم الأول ثابت لهم في حال تدهشهم كمشاهدة الغرق وهذا الحكم في حال آخر لهم فلا مخالفة بين قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } تفسير : [الروم: 33] وقوله سبحانه: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } فلا يحتاج إلى تكلف التوفيق بأن الدعاء اللساني جار على العادة فلا ينافي القنوط القلبـي ولذا سمع بعض الخائضين في دم عثمان رضي الله تعالى عنه يدعو في طوافه ويقول: اللهم اغفر لي ولا أظنك تفعل، أو المراد يفعلون فعل القانطين كالاهتمام بجمع الذخائر أيام الغلاء، ولا يخفى أن في المفاجأة نبوة ما عن هذا فتأمل. وقرىء «يقنطون» بكسر النون.

ابن عاشور

تفسير : أعيد الكلام على أحوال المشركين زيادة في بسط الحالة التي يتلقون بها الرحمة وضدها تلقياً يستوون فيه بعد أن مُيز فيما تقدم حال تلقي المشركين للرحمة بالكفران المقتضي أن المؤمنين لا يتلقونها بالكفران. فأريد تنبيههم هنا إلى حالة تلقيهم ضد الرحمة بالقنوط ليحذروا ذلك ويرتاضوا برجاء الفرج والابتهال إلى الله في ذلك والأخذ في أسباب انكشافها. والرحمة أطلقت على أثر الرحمة وهو المنافع والأحوال الحسنة الملائمة كما ينبني عنه مقابلتها بالسيئة وهي ما يسوء صاحبه ويحزنه فالمقصد من هذه الآية تخلق المسلمين بالخلق الكامل، فــــ{الناس} مراد به خصوص المشركين بقرينة أن الآية ختمت بقوله {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}. وقدمت في هذه الآية إصابة الرحمة على إصابة السيئة عكسَ التي قبلها للاهتمام بالحالة التي جُعلت مبدأ العبرة وأصل الاستدلال، فقوله فرحوا بها} وصف لحال الناس عندما تصيبهم الرحمة ليبنَى عليه ضده في قوله {إذا هم يقنطون} لما يقتضيه القنوط من التذمر والغضب، فليس في الكلام تعريض بإنكار الفرح حتى نضطر إلى تفسير الفرح بالبطر ونحوه لأنه عدول عن الظاهر بلا داع. والمعنى: أنهم كما يفرحون عند الرحمة ولا يخطر ببالهم زوالها ولا يحزنون من خشيته، فكذلك ينبغي أن يصبروا عندما يمسهم الضر ولا يقنطوا من زواله لأن قنوطهم من زواله غير جار على قياس حالهم عندما تصيبهم رحمة حين لا يتوقعون زوالها، فالقنوط هو محل الإنكار عليهم وهذا كقوله تعالى {أية : لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسَّه الشرُّ فيؤوس قنوط}تفسير : [فصلت: 49] في أن محل التعجيب هو اليأس والقنوط، وتقدم ذكر الإذاقة آنفاً. والقنوط: اليأس، وتقدم في سورة الحجر (55) عند قوله تعالى {أية : فلا تكن من القانطين}.تفسير : وأدمج في خلال الإنكار عليهم قوله {بما قدمت أيديهم} لتنبيههم إلى أن ما يصيبهم من حالة سيئة في الدنيا إنما سببها أفعالهم التي جعلها الله أسباباً لمسببات مؤثرة لا يحيط بأسرارها ودقائقها إلا الله تعالى، فما على الناس إلا أن يحاسبوا أنفسهم ويجروا أسباب إصابة السيئات، ويتداركوا ما فات، فذلك أنجى لهم من السيئات وأجدر من القنوط. وهذا أدب جليل من آداب التنزيل قال تعالى {أية : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك}تفسير : [النساء: 79]. وقرأ الجمهور {يقنَطون} بفتح النون على أنه مضارع قَنِط من باب حسِب. وقرأه أبو عمرو والكسائي بكسر النون على أنه مضارع قَنط من باب ضرب وهما لغتان فيه. ثم أنكر عليهم إهمال التأمل في سنّة الله الشائعة في الناس: من لحاق الضر وانفراجه، ومن قسمة الحظوظ في الرزق بين بسط وتقتير فإنه كثير الوقوع كل حين فكما أنهم لم يقنطوا من بسط الرزق عليهم في حين تقتيره فكدحوا في طلب الرزق بالأسباب والدعاء فكذلك كان حقهم أن يتلقوا السوء النادر بمثل ما يتلقون به ضيق الرزق، فيسعَوا في كشف السيئة بالتوبة والابتهال إلى الله وبتعاطي أسباب زوالها من الأسباب التي نصبها الله تعالى، فجملة {أو لم يروا أن الله يبسط الرزق} الخ عطف على جملة {وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها}. والاستفهام إنكاري في معنى النفي؛ أنكر عليهم عدم الرؤية تنزيلاً لرؤيتهم ذلك منزلة عدم الرؤية لإهمال آثارها من الاعتبار بها. فالتقدير: إذا هم يقنطون كيف لم يروا بسط الله الرزق وتقتيره كأنهم لم يروا ذلك. والرؤية بصرية. وجملة {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} تذييل، أي في جميع ما ذكر آيات كثيرة حاصلة كثرتها من اشتمال كل حالة من تلك الأحوال على أسباب خفية وظاهرة، ومُسبباتها كذلك، ومن تعدد أحوال الناس من الاعتبار بها والأخذ منها، كل على حسب استعداده. وخص القوم المؤمنون بذلك لأنهم أعمق بصائر بما ارتاضت عليه أنفسهم من آداب الإيمان ومن نصب أنفسهم لطلب العلم والحكمة من علوم الدين وحكمة النبوءة.

د. أسعد حومد

تفسير : (36) - لَقَدْ رُكِّبَ فِي طَبْعِ الإِنسَانِ الفَرَحُ والبَطَرُ، وسُرعَةُ القُنُوطِ واليَأْسِ، فإِذا كَانَ الإِنسانُ في نِعمةٍ وَرَخاءٍ وأَمن فَرِحَ وَبَطِرَ، وَتَجَاوَزَ الحُدُودَ، وإِذا نَزَلتْ بهِ الشَّدائِدُ والمَصَائِبُ وأَلحَّتْ عليهِ الجَائِحَاتُ، بِسَببِ فَسَادِ رأْيهِ، وَسُوءِ أَعمَالِهِ، قَنِطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَيئِسَ مِنَ الخَلاَصِ مِمّا هُوَ فيهِ. فَرِحُوا بِهَا - بَطِرُوا وأَشِرُوا. يَقْنَطُونَ - يَيْئَسُونَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً}. قرأ ابن كثير (آتَيْتُمْ) مقصور غير ممدود {لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ}. قرأ الحسن وعكرمة وأهل المدينة بضمّ التاء وجزم الواو وعلى الخطاب أي لتربوا أنتم، وهي قراءة ابن عبّاس واختيار يعقوب وأيّوب وأبي حاتم. وقرأ الآخرون (لِّيَرْبُوَ) بياء مفتوحة ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا. واختاره أبو عبيد لقوله: {فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ} ولم يقل فلا يربى. واختلف المفسِّرون في معنى الآية. فقال سعيد ابن جبير ومجاهد وطاووس وقتاده والضحاك: هو الرجل يعطي الرجل العطية ويهدي الهدية ليثاب أكثر منها، فهذا رباً حلال ليس فيه أجر ولا وزر، وهذا للناس عامّة، فأمّا النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّة فكان هذا عليه حراماً لقوله عزّ وجلّ {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]. وقال الشعبي: هو الرجل يلزق بالرجل فيحف له ويخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ماله ليجزيه وإنّما أعطاه التماس عونه ولم يرد به وجه الله. وقال النخعي: هذا في الرجل يقول للرجل: لأمولنّك فيعطيه مراعاةً، وكان الرجل في الجاهلية يعطي ذا القرابة له المال ليكثر ماله، وهي رواية أبي حسين عن ابن عبّاس. وقال السدي: نزلت في ثقيف كانوا يعطون الربا. {فَلاَ يَرْبُو} يزكو {عِندَ ٱللَّهِ} لأنّه لم يرد به وجه الله. {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} قال قتادة: هذا الذي يقبله الله يضاعفه له عشر أمثالها وأكثر من ذلك. ومعنى قوله: (المضعفون). أهل التضعيف. كقول العرب: أصبحتم مسمنين، إذا سمنت إبلهم، ومعطشين إذا عطشت. ورجل مقو إذا كانت إبله قويّة، ومضعف إذا كانت ضعيفة، ومنه الخبيث المخبِّث أي أصحابه خبّثاً. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ} أي قحط المطر ونقص الغلاّت وذهاب البركة {فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} تقول: أجدبت البرّ وانقطعت مادّة البحر {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} بشؤم ذنوبهم. قال قتادة: هذا قبل أَنْ يبعث الله نبيّه(عليه السلام) امتلأت الأرض ظلماً وضلالة، فلمّا بعث الله عزّ وجلّ محمّداً (صلى الله عليه وسلم) رجع راجعون من الناس. فالبرّ أهل العمود والمفاوز والبراري، والبحر أهل الرّيف والقرى. قال مجاهد: أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كلّ قرية على ماء جار فهو بحر. وقال عكرمة: العرب تسمّي الأمصار بحراً. وقال عطية وغيره: البرّ ظهر الأرض، الأمصار وغيرها، والبحر هو البحر المعروف. وقال عطية: إذا قلّ المطر قلّ الغوص. وقال ابن عبّاس: إذا مطرت السماء تفتح الأصداف فمها في البحر فما وقع فيها من ماء السماء فهو لؤلؤ. وقال الحسن: البحر القرى على شاطئ البحر. قال ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد: { ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ} بقتل ابن آدم أخاه {وَٱلْبَحْرِ} بالمِلك الجائر الذي كان يأخذ كلّ سفينة غصباً واسمه الجلندا، رجل من الأزد. {لِيُذِيقَهُمْ} قرأ السلمي بالنون وهو اختيار أبي حاتم. الباقون بالياء {بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي عقوبة بعض الذي عملوا من ذنوبهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن كفرهم وأعمالهم الخبيثة. {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} يتفرّقون، فريق في الجنّة وفريق في السعير {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} يفرشون ويسوّون المضاجع في القبور. {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ} ثوابه {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ}. قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ} نعمته المطر. {وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} رزقه {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} أشركوا {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} في العاقبة، فكذلك نحن ناصروك ومظفروك على مَن عاداك وناواك. قال الحسن: يعني أنجاهم مع الرسل من عذاب الأمم. أخبرني أبو عبدالله الحسين بن محمد بن عبدالله الدينوري، قال أبو العبّاس أحمد بن محمد بن يوسف الصرصري، عن الحسين بن محمد المطبقي، عن الربيع بن سليمان، عن علي ابن معبد عن موسى بن أعين، عن بشير بن أبي سليمان، عن عمرو بن مرّة عن شهر بن حوشب (عن أُمّ الدرداء) عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما مِن امرئ يردُّ عن عرضِ أخيه إلاّ كان حقّاً على الله سبحانه أنْ يردَّ عنهُ نار جهنّم يوم القيامة"،تفسير : ثمّ تلا هذه الآية: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ}. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} أخبرني ابن فنجويه عن مخلد الباقر حي، عن الحسن بن علوية، عن إسماعيل بن عيسى، عن إسحاق بن بشر، أخبرنا إدريس أبو الياس، عن وهب بن منبه: أنّ الأرض شكت إلى الله عزّ وجلّ أيّام الطوفان لأنّ الله عزّ وجلّ أرسل الماء بغير وزن ولا كيل فخرج الماء غضباً لله عزّ وجلّ فخدش الأرض وخدّدها فقالت: ياربّ إنّ الماء خدّدني وخدشني، فقال الله عزّ وجلّ فيما بلغني والله أعلم إنّي سأجعل للماء غربالاً لا يخدّدك ولا يخدشكِ، فجعل السّحاب غربال المطر.{فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ} ردّ الكناية إلى لفظ السحاب لذلك ذكرها. والسحاب جمع كما يُقال: هذا تمر جيّد {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} قطعاً متفرّقة. {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} وسطه. وقرأ ابن عبّاس مِن خِلَلِهِ. {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ} أي بالودق {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُواْ} وقد كانوا {مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} وقيل: وما كانوا إلاّ. قال قطرب والفائدة في تكرار قبل هاهنا أنّ الأُولى للأنزال والثّانية للمطر، وقيل على التأكيد، كقول الله عزّ وجلّ: {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ}تفسير : [آل عمران: 188] كرّر تَحسَبنَّ للتأكيد. وقال الشاعر: شعر : إذا أنا لم أؤمن عليك ولم يكن لقاؤك إلاّ من وراء وراء تفسير : وفي حرف ابن مسعود {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفَازَة مِنْ الْعَذَاب} غير مكرّر، وفي حرفه أيضاً: {وَإنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم لَمُبلِسِينَ} غير مكرّر. قوله عزّ وجلّ: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ} بالألف على الجمع أهل الشام والكوفة. واختلف فيه عن أصم، غيرهم: أثر على الواحد {رَحْمَتِ ٱللَّهِ} يعني المطر {كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من البعث وغيره. {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً} باردةً مضرّةً فأفسدت ما أنبتَ الغيث {فَرَأَوْهُ} يعني الزرع والنبات كناية عن غير مذكور {مُصْفَرّاً} يابساً بعد خضرته ونضرته {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} وقد رأوا هذه الآيات الواضحات، ثمّ ضرب لهم مثلاً فقال: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : جميل أنْ يفرح الناس، وأنْ يستبشروا برحمة الله، لكن ما لهم إذا أصابتهم سيئة بما قدَّمتْ أيديهم يقنطون؟ فمُجري الرحمة هو مُجري السيئة، لكنهم فرحوا في الأولى لأنها نافعة في نظرهم، وقنطوا في الأخرى؛ لأنها غير نافعة في نظرهم، وكان عليهم أنْ يعلموا أن هذه وتلك من الله، وأن له سبحانه حكمةً في الرحمة وحكمةً في المصيبة أيضاً. إذن: أنتم نظرتم إلى شيء وغفلتم عن شيء، نظرتُم إلى ما وُجِد من الرحمة وما وُجِد من المصيبة، ولم تنظروا إلى مَنْ أوجد الرحمةَ، ومَنْ أوجد المصيبة، ولو ربطتم وجود الرحمة أو المصيبة بمَنْ فعلها لَعلمتُم أنه حكيم في هذه وفي تلك، فآفة الناس أنْ يفصلوا بين الأقدار ومُقدِّرها. إذن: ينبغي ألاَّ تنظروا إلى ذات الواقع، إنما إلى مَنْ أوقع هذا الواقع. فلو دخل عليك ولدك يبكي؛ لأن شخصاً ضربه، فأول شيء تبادر به: مَنْ فعل بك هذا؟ فإنْ قال لك: فلان تقول: نعم إنه يكرهنا ويريد إيذاءنا .. الخ فإنْ قال لك: عمي ضربني فإنك تقول: لا بُدَّ أنك فعلتَ شيئاً أغضبه، أو أخطأتَ في شيء فعاقبك عليه. إذن: لم تنظر إلى الواقع في ذاته، إنما ربطت بينه وبين مَنْ أوقعه، فإنْ كان من العدو فلا بُدَّ أنه يريد شراً، وإنْ كان من الحبيب فلا بُدَّ أنه يريد بك خيراً. وهكذا ينبغي أن نربط بين الموجود ومَنْ أوجده، فإنْ كان الذي أوجد الواقع رَبٌّ فيجب أنْ تتأمل الحكمة، ولن نتحدث عن الرحمة، لأن النفع ظاهر فيها للجميع، لكن تعال نسأل عن المصيبة التي تُحزِن الناس، فيقنطوا وييأسوا بسببها. ونقول: لو نظرتَ إلى مَنْ أنزلها بك لارتاح بالك، واطمأنتْ نفسك، فالمصيبة تعني الشيء الذي يصيبك، خيراً كان أم شراً، أَلاَ ترى قوله تعالى: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ..} تفسير : [النساء: 79]. فالمصيبة لا تُذَمُّ في ذاتها، إنما بالنتيجة منها، وكلمة أصاب في الحسنة وفي السيئة تدلُّ على أن سهمها أُطلِق عليك، وعمرها مقدار وصولها إليك، فهي لا بُدَّ صائبتك، لن تتخلَّف عنك أبداً، ولن تُخطئك؛ لأن الذي أطلقها إله ورب حكيم، فإنْ كانت حسنة فسوف تأتيك فلا تُتعِب نفسك، ولا تُزاحِم الناس عليها، وإنْ كانت مصيبة فإياك أنْ تقول: أحتاط لها لأدفعها عن نفسي؛ لأنه لا مهربَ لك منها. ثم لماذا تقنط وتيأس إنْ أصابتْك مصيبة؟ لماذا لا تنتظر وتتأمل، لعل لها حكمة، ولعل من ورائها خيراً لا تعلمه الآن، وربما كانت ضائقة سوف يكون لها فرج قريب. ألم تقرأ: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 216]. أتذكرون حادث عمارة الموت وقد طردوا منها البواب وأسرته، وجعلوا منها قضية في المحكمة، وبعد أن انهارتْ العمارة، وتبيَّن للبواب وأسرته أن ما ظنوه شراً ومصيبة كان هو عَيْن الخير. إذن: لا تقنط من ضُرٍّ أصابك، واعلم أن الذي أجراه عليك ربك، وأن له حكمة فانتظر حتى تتكشف لك، ولا يقنط إلا مَنْ ليس له ربٌّ يلجأ إليه. ثم تعالَ نناقشك في المصيبة التي قَنَط من أجلها: ألكَ دَخْلٌ فيها؟ أم ليس لك دَخْل؟ إنْ كان لك دَخْل فيها كالتلميذ الذي أهمل دروسه فرسب في الامتحان، فعليك أن تستقبل هذه المصيبة بالرِّضا، فالرسوب يُعدِّل لك خطأك، ويلفتك إلى ما كان منك من إهمال حتى تتدارك الأمر وتجتهد. فإنْ كانت المصيبة لا دَخْلَ لك فيها، كالذي ذاكر واجتهد، ومع ذلك لم يُوفّق لمرض ألمَّ به ليلة الامتحان، أو لعارض عرض له، نقول: إياك أنْ تفصل المصيبة عن مُجريها وفاعلها، بل تأمَّل ما يعقُبها من الخير، ولا تفصل المصيبة عن مُجريها عليك ولا تقنط. وابحث عن حكمة ربك من إنزال هذه المصيبة بك، كالأم التي تقول لابنها: يا بُني أنت دائماً متفوق والناس تحسدك على تفوقك، فلعل رسوبك يصرف عنك حسدهم، ويُنجيك من أعينهم، فيكفوا عنك. وحينما يأتي أبوه يقول له: يا بني هَوِّن عليك، فلعلَّك إنْ نجحت هذا العام لم تحصل على المجموع الذي تريده، وهذه فرصة لتتقوى وتحصل على مجموع أعلى. إذن: لن تُعدم من وراء المصيبة نفعاً، لأن ربك قيوم، لا يريد لك إلا الخير. لذلك حين تستقرىء الأحداث تجد أناساً فُضِحوا وأُخِذوا بما لم يفعلوا، وذهبوا ضحية شاهد زور، أو قاضٍ حكم عن هوى .. إلخ لكن لأن ربك قيوم لا يغفل يُعوِّض هذا المظلوم ويقول له: لقد أصبح لك نقطة عندي في حسابك، فأنت اتُّهمْتَ ظلماً، فلك عندي إذا ارتكبتَ جريمة أَنْ أنجيك منها فلا تُعاقَب بها، وأنت يا من عَمَّيْتَ على العدالة، وشهدتَ زوراً، أو: أخذت ما ليس لك، أو أفلتَّ من العقاب فسوف أُوقِعك في جريمة لم تفعلها. إذن: القنوط عند المصيبة لا محلَّ له، ولو ربطتَ المصيبة بمجريها لعلمتَ أنه حكيم، ولا بُدَّ أنْ تكون له حكمة قد تغيب عنك الآن، لكن إذا أدرتَ المسألة في نفسك، فسوف تصل إلى هذه الحكمة. وحين ننظر إلى أسلوب الآية نجد فيه مفارقات عديدة، ففي الكلام عن الرحمة قال {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا ..} [الروم: 36] فاستخدم أداة الشرط (إذا). أما في المصيبة فقال {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] فاستخدم أداة الشرط (إنْ)، فلماذا عدلَ عن رتابة الأسلوب من إذا إلى إن؟ قالوا: حين تقارن بين النعَم وبين المصائب التي تنزل بالإنسان في دنياه تجد أن النعم كثيرة والمصائب قليلة، فنعم الله متوالية عليك في كل وقت لا تُعدُّ ولا تحصى، أمّا المصائب فربما تُعَدُّ على الأصابع. لذلك استخدم مع النعمَ (إذا) الدالة على التحقيق، ومع المصيبة استخدم (إنْ) الدالة على الشك، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1] فاستعمل إذا لأنها تدلُّ على التحقيق وتُرجِّح حدوث النصر، وقال سبحانه: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ..} تفسير : [التوبة: 6]. كما نلحظ في أسلوب الآية أنها لم تذكر السبب في إذاقة الرحمة، إنما ذكرتْ سبب المصيبة {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ..} [الروم: 36] ليدلَّ على عدله تعالى في إنزال المصيبة، وتفضُّله في إذاقة الرحمة؛ لأن الرحمة من الله والنعَم فضل من الله. لكن في المصيبة قال {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ..} [الروم: 36] فذكر العِلّة حتى لا يظن أحد أن الله تعالى يُجري المصيبة على عبده ظلماً، بل بما قدَّمَتْ يداه، فالمسألة محكومة بالعدل الإلهي. وبين الفضل والعدل بوْن شاسع، فلو جاءك خَصْمان لتحكم بينهما تقول: أحكم بينكما بالعدل، أم بأفضل من العدل؟ يقول: وهل هناك أفضل من العدل؟ إذن: نريد العدل، لكن تنبَّه لأن العدل يعطيك حقك، والفضل يُتِركك حقك. فكأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أنكم ناجون بأعمالكم، لا إنما بالتفضل عليكم: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. يعني: مهما جمعتُم من الطاعات فلن تكفيكم، ولا نجاةَ لكم إلا برحمة من الله وفضل. فالحق - تبارك وتعالى - يريد منا أن نعرف أن رحمة الله وسعتْ كل شيء، وأنه مع ما أنعم به عليكم من نِعَم لا تُعَدُّ ولا تُحصى لا يُعاقبكم إلا بشيء اقترفتموه يستحق العقاب؛ ذلك لأنه رَبٌّ رحيم حكيم. وما دام الأمر كذلك فانظر إلى آثار رحمة ربك في الكون، وتأمل هذه النعَم، وقفْ عند دِقَّة الأسلوب في قوله سبحانه: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..} تفسير : [إبراهيم: 34]. فالعَدُّ يقتضي الكثرة و {أية : نِعْمَتَ ..} تفسير : [إبراهيم: ] مفرد، فكيف نعدُّ يا رب؟ قالوا: نعم هي نعمة واحدة، لكن في طياتها نِعَم فلو فتشتها لوجدتَ عناصر الخيرية فيها لا تُعَد ولا تُحصىَ. لذلك لما تعرضتْ الآيات لِعَدِّ نِعَم الله استخدمتْ (إنْ) الدالة على الشكِّ؛ لأنها لا تقع تحت الحصر ولا العَدِّ، لكن على فرض إنْ حاولت عدَّها فلن تُحصيها، والآن ومع تقدُّم العلوم وتخصُّص كليات بكاملها لدراسة علم الإحصاء، وخرجوا علينا بإحصاءات لأمور ولأشياء كثيرة في حياتنا، لكن لم يتعرض أحد لأنْ يُحصي نعمة الله، لماذا؟ لأن الإقبال على الإحصاء لا يكون إلا مع مظنَّة أنْ تُعدَّ وتستوعب ما تحصيه، فإنْ كان خارج نطاق استيعابك فلن تتعرض لإحصائه كما لم يتعرَّضْ أحد مثلاً لِعَدِّ الرمال في الصحراء؛ لذلك يُشكككم الله في أنْ تعدُّوها {أية : وَإِن تَعُدُّواْ ..} تفسير : [إبراهيم: 34] فهو أمر مُستبعد، ولن يكون.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الإنسان الناسي ذكر الله الموكول إلى طبعه بقوله: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً} [الروم: 36] في صورة نعمة الدنيا أو شهوة النفس والهوى {فَرِحُواْ بِهَا} [الروم: 36] وغرتهم الحياة الدنيا وأعرضوا عن عبودية المولى. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} [الروم: 36] شدة وضيق في حظوظ النفوس وفوات ملائم الطبع والهوى بشؤم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من مخالفات أمر المولى، {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} من رحمة المولى ولا يرجعون عن متابعة الهوى، وليس هذا من دأب المحبوبين وليس هذا من دأب المحبين ولا من دأب المريدين، قال الله تعالى في وصفهم {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}تفسير : [الحديد: 23]. ثم قال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الروم: 37] والإشارة فيه أن لا يعلق العبد قلبه إلا بالله؛ لأن ما يسوءه ليس زواله إلا من الله، وما يسره ليس وجوده إلا من الله، فالبسط الذي سَرَّه ويؤنسه من وجوده، والقبض الذي يسوءه ويوحشه منه حصوله، فالواجب لزوم حقوقه بالإسرار وقطع الأفكار من الأغيار. وبقوله تعالى: {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} [الروم: 38] يشير إلى أن القرابة على قسمين: قرابة النسب، وقرابة الدِّين. فقرابة الدين: أمس بالمواساة والمراعاة أحق وهم الإخوان في الله والأولاد من طلب الولاية من أهل الإرادة الذين تمسكوا بأذيال الأكابر منقطعين إلى الله مشتغلين بطلب الله متجردين عن الدنيا غير مستفرغين للمعيشة، فالواجب على الأغنياء بالله القيام بأداء حقوقهم فيها يكون لهم عرف على الاشتغال بموجب الطلب بفراغ القلب. {وَٱلْمِسْكِينَ} من يكون محروماً عن صدق الطلب وهو من أهل الطاعة والعبادة أو طالب العلم فمعاونته بقدر الإمكان وحسب الحال واجبة. {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} المسافر فحقه القيام بشأنه بحكم الوقت فمن تكون همته الطلب أعلى فهو من أقارب ذوي القربى وبإيثار الوقت عليه أولى فحقه آكد وتفقده أوجب، {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [الروم: 38] بسعادة الدارين وسيادتها. {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً} [الروم: 39] أي بغير واجب عليكم من الإنفاق على الأغنياء لاستمالة قلوبهم واصطيادها، {لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} [الروم: 39] بأن يستجلب منهم بالاستعطاف {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} إن لم يكن لوجه الله، وبقوله: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} [الروم: 39] يشير إلى إنفاق المال في سبيل الله تزكية للنفس عن لوث حب الدنيا كما كان حال أبي بكر رضي الله عنه تجرد عن ماله تزكية لنفسه. كما أخبر الله تعالى عن حاله بقوله: {أية : وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى * ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الليل: 17-20] أي: شوقاً إلى لقاء ربه، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] أي: تعطون أضعاف ما يرجون ويتمنون لأنه بقدر همتهم وحسب نظرهم المحدث يرجون الله تعالى بحسب إحسانه وكرمه القديم يعطي عطاء غير منقطع بقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} [الروم: 40] يشير خلقكم من العدم بإخراجكم إلى عالم الأرواح. {ثُمَّ رَزَقَكُمْ} [الروم: 40] أبصاركم بمشاهدة شواهد ربوبيته ورزق قلوبكم فهم خطابه ودرك مراده ورزق ألسنتكم إجابة سؤال والشهادة بتوحيده {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [الروم: 40] عن مشاهدة الأرواح بالإهباط إلى قبول الأشباح، كما قال في ذلك {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ}تفسير : [فاطر: 22] {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40] بقوة الإيمان والإيقان والعرفان، {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} [الروم: 40] من الأصنام والأنام {مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ} [الروم: 40] منزه بذاته وصفاته {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40] أعداؤه بطريق عبادة الأصنام وأولياؤه بطريق عبادة الهوى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن طبيعة أكثر الناس في حالي الرخاء والشدة أنهم إذا أذاقهم اللّه منه رحمة من صحة وغنى ونصر ونحو ذلك فرحوا بذلك فرح بطر، لا فرح شكر وتبجح بنعمة اللّه. { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } أي:: حال تسوؤهم وذلك { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من المعاصي. { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ييأسون من زوال ذلك الفقر والمرض ونحوه. وهذا جهل منهم وعدم معرفة. { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } فالقنوط بعد ما علم أن الخير والشر من اللّه والرزق سعته وضيقه من تقديره ضائع ليس له محل. فلا تنظر أيها العاقل لمجرد الأسباب بل اجعل نظرك لمسببها ولهذا قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فهم الذين يعتبرون بسط اللّه لمن يشاء وقبضه، ويعرفون بذلك حكمة اللّه ورحمته وجوده وجذب القلوب لسؤاله في جميع مطالب الرزق.