٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء أو يضيق؛ فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ } يوسِّعه {لِمَن يَشَاءُ } امتحاناً {وَيَقْدِرُ } يضيّقه لمن يشاء ابتلاء {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بها.
القشيري
تفسير : الإشارة فيها إلى أن العبدَ لا يُعلِّقُ قلبه إلا بالله؛ لأنّ ما يسوءهم ليس زواله إِلا بالله، وما يسرُّهم ليس وجودُه إِلا من الله، فالبسطُ الذي يسرّهم ويؤنسهم منه وجوده، والقبض الذى يسوءهم ويوحشهم منه حصولُه، فالواجبُ لزوم عَقْوَةِ الأسرار، وقطعُ الأفكار عن الأغيار.
اسماعيل حقي
تفسير : {أولم يروا} اى ألم ينظروا ولم يشاهدوا {ان الله} الرزاق {يبسط الرزق لمن يشاء} اى يوسعه لمن يرى صلاحه فى ذلك ويمتحنه بالشكر {ويقدر} اى يضيقه لمن يرى نظام حاله فى ذلك ويمتحنه بالصبر ليستخرج منهم بذلك معلومة من الشكر والكفران والصبر والجزع فما لهم لا يشكرون فى السراء ولا يتوقعون الثواب بالصبر فى الضراء كالمؤمنين. قال شقيق رحمه الله كما لا تستطيع ان تزيد فى خلقك ولا فى حياتك كذلك لا تستطيع ان تزيد فى رزقك فلا تتعب نفسك فى طلب الرزق. رزق اكر بر آدمى عاشق نمى باشد جرا اززمين كندم كريبان جاك مى آيد جرا. {ان فى ذلك} المذكور من القبض والبسط {لآيات لقوم يؤمنون} فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة: قال ابو بكر محمد بن سابق شعر : فكم قوى قوى فى تقلبه مهذب الرأى عنه الرزق ينحرف وكم ضعيف فى تقلبه كأنه من خليج البحر يغترف هذا دليل على ان الاله له فى الخلق سر خفى ليس ينكشف تفسير : ـ وحكى ـ انه سئل بعض العلماء ما الدليل على ان للعالم صانعا واحدا قال ثلاثة اشياء. ذل اللبيب. وفقر الاديب. وسقم الطيب. قال فى التأويلات النجمية الاشارة الى ان لا يعلق العباد قلوبهم الا بالله لان ما يسوءهم ليس زواله الا من الله وما يسرهم ليس وجوده الا من الله فالبسط الذى يسرهم ويؤنسهم منه وجوده والقبض الذى يسوءهم ويوحشهم منه حصوله فالواجب لزوم بابه بالاسرار وقطع الافكار عن الاغيار انتهى. اذ لا يفيد للعاجز طلب مراده من عاجز مثله فلا بد من الطلب من القادر المطلق الذى هو الحق. قال ابراهيم ابن ادهم قدس سره طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى وطلب الناس الغنى فاستقبلهم الفقر. فعلى العاقل تحصيل سكون القلب والفناء عن الارادات فان الله تعالى يفعل ما يريد على وفق علمه وحكمته. وفى الحديث "حديث : انما يخشى المؤمن الفقر مخافة الآفات على دينه" تفسير : فالملحوظ فى كل حال تحقيق دين الله المتعال وتحقيقه انما يحصل بالامتثال الى امر صاحب الدين وقد امر بالتوكل واليقين فى باب الرزق فلا بد من الائتمار واخراج الافكار من القلب فان من شك فى رازقه فقد شك فى خالقه ـ كما حكى ـ ان معروفا الكرخى قدس سره اقتدى بامام فسأله الامام بعد الصلاة وقال له من اين تأكل يا معروف فقال معروف اصبر يا امام حتى اقضى ما صليت خلفك ثم اجيب فان الشاك فى الرازق شاك فى الخالق ولا يجوز اقتداء المؤمن بالمتزلزل المتردد ولذا قال تعالى {لقوم يؤمنون} فان غير المؤمن لا يعرف الايات ولا يقدر على الاستدلال بالدلالات فيبقى فى الشك والتردد والظلمات. قال هرم لاويس رضى الله عنه اين تأمرنى ان اكون فاومأ الى الشام فقال هرم كيف المعيشة بها قال اويس اف لهذه القلوب قد خالطها الشك فما تنفعها العظة اى لان العظة كالصقر لا يصيد الا الحى والقلب الذى خالطه الشك بمثابة الميت فلا يفيده التنبيه نسأل الله سبحانه ان يوقظنا من سنة الغفلة ولا يجعلنا من المعذبين بعذاب الجهالة انه الكريم الرؤف الرحيم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {أَوَلَمْ يروا أن الله يبسط الرزقَ لمن يشاءُ ويقدرُ} أي: يضيق على من يشاء، فينبغي للعبد أن يكون راجياً ما عند الله، غير آيس من روح الله؛ إذ دَوَامُ حَالٍ من قضايا المحال، {إن في ذلك لآياتٍ لقوم يؤمنون}؛ فيستدلون بها على كمال قدرته وحكمته، ولا يقفون مع شيء دونه. قال النسفي: أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه القابض الباسط، فما لهم يقنطون من رحمته؟ وما لهم لا يرجعون إليه، تائبين من معاصيهم، التي عوقبوا بالشدّة من أجلها، حتى يعيد عليهم رحمته؟ ولما ذكر أنّ السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم، أتبعه ذكر ما يحب أن يفعل وما يجب أن يترك، يعني: عند البسط؛ فقال: {فآت ذا القربى}؛ أعطِ قريبك {حَقَّهُ} من البر والصلة مما بسط عليك. {و} أعط {المسكينَ وابنَ السبيل} حقهما؛ من الصدقة الواجبة أو التطوعية، حسبما تقتضيه مكارم الأخلاق. والخطاب لمن بسط عليه، أو: للنبي - عليه الصلاة والسلام، وغيره تبع. {ذلك} أي: إيتاء حقوقهم الواجبة، والتطوعية، {خيرٌ للذين يُريدون وَجْهَ الله} أي: ذاته المقدسة، أي: يقصدون، بمعروفهم، إياه، خالصاً. {وأولئك هم المفلحون}؛ الفائزون بكل خير، قد حَصَّلوا، بما بسط لهم، النعيم المقيم. {وما آتيتم من رباً ليربو في أموالِ الناس} أي: وما أعطيتم من مال؛ لتأخذوا من أموال الناس أكثر منه، كَيْفِيَّةً أو كَمِّيَّةً، {فلا يربوا عند الله}؛ ولا يبارك فيه، بل يُسحته ويمحقه، ولو بعد حين. وهذه صورة الربا المحرمة، إجماعاً، وقيل: وما أعطيتم من هدية؛ لتأخذوا أكثر منها، فلا يربو عند الله، لأنكم لم تقصدوا به وجه الله. وهذه؛ هدية الثواب، جائزة، إلا في حقه - عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}تفسير : [المدثر: 6]. وقرأ ابن كثير: "أتيتم"؛ بالقصر، بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا. وقرأ نافع: "لتُرْبُوا" بالخطاب، أي: لتصيروا ذَوِي ربا، فتزيدوا في أموالكم. {وما آتيتم من زكاةٍ}؛ صدقة، {تُريدون وجه الله}؛ تبتغون به وجهه؛ خالصاً، لا تطلبون به زيادة، ولا مكافأة، ولاسمعة، {فأولئك هم المضْعِفُونَ} أي: ذوو الأَضْعَافِ من الحسنات، من سبعمائة فأكثر. ونظير المُضْعِفِ: المقوي، والموسر، لذي القوة واليسار. والالتفات إلى الخطاب في (أولئك...) إلخ في غاية الحسن؛ لما فيه من التعظيم، كأنه خاطب الملائكة وخواص الخلق؛ تعريفاً بحالهم، وتنويهاً بقدرهم، ولأنه يفيد التعميم، كأنه قيل: مَنْ فَعَلَ هذا فسبيله سبيل المخاطبين المقبول عليهم. ولا بد من ضمير يعود إلى "ما" الموصولة، أي: المضعفون به. أو: فَمُؤْتُوه أولئك هم المضعفون. وقال الزجاج: أي: فأهلها هم المضعفون، أي: يضاعف لهم الثواب، من عشر إلى سبعمائة. والله تعالى أعلم. الإشارة: البسط والقبض يتعاقبان على العبد تَعَاقُبَ الليل والنهار. فالواجب على العبد: الرجوعُ إلى الله في السراء والضراء، فالبسط يشهد فيه المنّة من الله، ومقتضى الحق منك الحمدُ والشكر. والقبض يشهده من الله امتحاناً وتصفية، ومقتضى الحق منك الصبرُ والرضا، وانتظار الفرج من الله؛ فإن انتظار الفرج، مع الصبر، عبادة. قال القشيري: الإشارة إلى ألا يُعلِّق العبدُ قلبَه إلا بالله، لأن ما يسوءهم ليس زواله إلا من الله، وما يسرهم ليس وجودُه إلا من الله. فالبسطُ، الذي يسرهم ويؤنسهم منه، وجوده، والقبض، الذي يسوءهم ويحوشهم منه، حصولُه. فالواجب: لزوم عهوده بالإسرار، وقطعُ الأفكار عن الأغيار. هـ. وقال في قوله: {فآتِ ذا القربى حَقَّه}: القرابة على قسمين؛ قرابةُ النسب وقرابةُ الدين، وهي أمسُّ، وبالمواساة أحقُّ. وإذ كان الرجلُ مشتغلا بالعبادة, غيرُ متفرَغ لطلب المعيشة، فالذي له إيمان بحاله، وإشرافٌ على وقته، يجب عليه أن يقوم بشأنه، بقدر ما يمكنه، مما يكون له عونٌ على طاعته، مما يشوش قلبه، من حديث عياله، فإن كان اشتغال الرجل بشيء من مراعاة القلب فحقّه آكد، وتَفَقُّدَه أوْجَب، {ذلك خير للذين يريدون وجه الله}، والمريدُ هو الذي يُؤْثِرُ حقَّ الله على حظِّ نَفْسِه. فإيثارُ الإخوان، لمن يريد وجه الله، أتمُّ من مراعاة حال نفسه، فهمّه بالإحسان لذوي القربى والمساكين يتقدم على نظره لنفسه وعَيْلَتِهِ، وما يهمه من نصبيه. هـ. وقال في قوله: {يُريدون وجه الله}: لا تستخدم الفقير بما تُريده به من رفق، بل أفضل الصدقة على ذي رَحمٍ كاشح، أي: قاطع؛ حتى يكون إعطاؤُه لله مجرداً عن كل نصيبٍ لَكَ. فهؤلاء هم الذين يتضاعِفُ أجِرْهم بمجاهدتهم لنفوسهم، حيث يخالفونها، وفوزهم بالعِوَضِ من قِبَل الله. ثم الزكاة هي التطهير، فتطهيرُ المال معلومٌ ببيان الشريعة، وزكاة البَدَنِ، وزكاةُ القلبِ، وزكاةُ السِّر، كلُّ ذلك يجب القيام به. هـ. قلت: فزكاة البدن: إتعابه في القيام بوظائف العبودية الظاهرة، وزكاة القلب: تطهيره من الرذائل وتحليته بالفضائل، وزكاة السر: صيانته من الميل إلى شيء من السِّوى. والله تعالى أعلم. ثم برهن على وحدانيته، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ...}
الجنابذي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} حتّى يشكروا فى السّرّاء ويسألوا فى الضّرّاء ولا يفرحوا بالموجود ولا ييأسوا حين فقدانه {إِنَّ فِي ذَلِكَ} اى فى اختصاص البسط والتّقدير بالله تعالى الّذى من شأنه ان يراه كلّ راءٍ لظهور آثاره من حيث انّه يرى انّ صاحبى الحيل الدّقيقة فى تحصيل المعيشة محرومون عن السّعة فى المعيشة وصاحبى البلاهة والبلادة مرزوقون سعة المعيشة {لآيَاتٍ} عديدة دالّة على علمه تعالى وعنايته بخلقه وتدبيره لهم وحكمته فى تدبيره وعجزهم عن تحصيل ما ارادوا وتسخّرهم لغيرهم {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالبيعة الخاصّة فانّه بهذا الايمان يفتح باب القلب وبفتحه يدرك من الآيات حيثيّة كونها آياتٍ.
اطفيش
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ} إمتحانا. {وَيَقْدِرُ} لمن يشاء أي يضيقه إبتلاء أو يبسطه على الإنسان تارة ويقدره له أخرى. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} على كمال القدرة والحكمة فما لهم لم يصبروا عند الضراء ويشكروا عند السراء ويتوبوا من المعاصي فترجع اليهم الرحمة كالمؤمنين. {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بها.
اطفيش
تفسير : {أو لَمْ يَروْا أنَّ الله يْبُسطُ الرزق} الم ينظروا، ولم يشاهدوا ان الله يبسط الرزق {لمَن يشَاءُ} البسط له {ويقْدر} يضيق على من يشاء التضييق عليه مالهم لم يشكروا، ويحتسبوا فى السراء والضراء كالمؤمنين، وهذا هو المتبادر فى القرآن، وهو أولى من ان فسر بانه يضيق على الانسان تارة، ويبسط له أخرى، او يبسط له رزقا من نوع، ويضيق عليه من اخر {إنَّ في ذلك} المذكور من البسط والتضييق {لآيات لقِومٍ يُؤمنُون} بان الامر فى الرزق وغيره راجع الى حكمة الله لا الى قوة العبد وعجزه فى الكسب قيل: شعر : نكيد الاريب وطيب عيش الجاهل قد ارشداك الى حكيم كامل تفسير : وقيل: شعر : كم من اريب فهم قلبه مستكمل العقل مقل عديم ومن جهول مكثر ماله ذلك تقدير العزيز العليم تفسير : {فآت} يا محد صلى الله عليه وسلم، واما غيره فتبع له، وقال الحسن: الخطاب لكل سامع، ويجوز ان يكون لمن بسط له الرزق، ووجه التفريع بالفاء ان الرزق بمشيئة الله، وكذا التضييق، ولا ينقصه انفاق على ذى القربى وغيره، ولا يزيده امساك فاغتنم الانفاق، فان امتثال اوامر الله، واجتناب نواهيه ميسر للبسط، ومنه القناعة، قيل: شعر : اذا جادت الدنيا عليك فجد بها على الناس طرا قبل ان تتفلت فلا الجود يفينها اذا هى اقبلت ولا الشح يبقيه اذا ما تولت او قل: على الناس طرا انها تتقلب وقل: ولا البخل يبقيها اذا هى تذهب تفسير : {ذا القربى حقَّه} صلة وصدقة وكفارة، وما للضعفاء، وما للاغنياء بحسب الامر {والمسْكِين وابن السَّبيل} ما لهم من ذلك، وقيل: المراد بالحق الزكاة، ورد بان السورة مكية، والزكاة مدنية، ودعوى ان الاية مدينة فى سورة مكية، او مكية نزلت لما سيعرض فى المدينة من الزكاة، خلاف الاصل، وايضا لا نقل فى ذلك، ولا حجة، ويدل لذلك انه لم يذكر جميع اصحاب الزكاة المذكورين فى غير السورة قيل: ولو اريدت الزكاة لم يقدم ذو القربى، وفيه انه لا بأس بتقديمهم فى اداء صاحب المال الفرض زيادة له فى ثوابه، اذ فيه اداء فرض، وصلة رحم، وقيل: ذو القربى، بنو هاشم، وبنو المطلب، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والحق السهم الغنيمة، والفئ. وعن ابى سعيد الخدرى: انه لما نزلت الاية اعطى صلى الله عليه وسلم فاطمة رضى الله عنها فدكا،وينافيه ما روى: انها ادعت فدكا بعد موته صلى الله عليه وسلم بالارث، وروى انها ادعت الهبة، وشهد لها على والحسن والحسين وام ايمن، وردت بحنو الزوج وابنيها عليها، وانفراد ام ايمن، قيل: فادعت الارث، وردت بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"تفسير : والصدقة لا تحل لآل النبى صلى الله عليه وسلم، ولعل ذلك لا يصح عنها، كيف تتلون فى الدعوى، ولعلها قالت: ان لم تعطونى بالهبة فاعطونى بالارث، ولكن هذا يحتاج الى ثبوت فدك ملكا له وحده صلى الله عليه وسلم، ولعلها ادعت سهمه. وابن السبيل المنقطع عن ماله ضيفا او غير ضيف، وقيل: الضيف فيحسن اليه حتى يرتحل، وقيل: ثلاثة ايام انقطع عن ماله او لم ينقطع، وقدم ذا القربى لعظم حق القرابة، ولاسيما وقد اوجب ابو حنيفة انفاق القرابة مطلقا بهذه الآية، وقيل عنه: القرابة بالمحارم، وزعمت الشافعية انه لا نفقة بالقرابة الا على الولد والوالدين، ومما يدل على زيادة حق القرابة انه اضف اليه الحق ولم يضفه الى ابن السبيل والمسكين، ولا جمع الثلاثة بالاضافة بان يقول: فآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم، وقال: (ذا القربى) ولم يقل: ذا المسكنة، لان القرابة لا تزول ولا تتجدد، بخلاف المسكنة، واما ابن السبيل فيكفى فى تحدده اضافته للسبيل. {ذلك} الايتاء {خيرٌ} منفعة، فليس وصفا او افضل، فهو وصف اسم تفضيل خارج عن بابه، او افضل من الامساك، فهو غير خارج وفى الامساك فضل بحسب الهوى، وفضل الانفاق افضل منه {للَّذين يُريدون} بالايتاء {وجْه الله} يخلصون له تعالى، لا يشوب ايتاءهم شئ، ووجه الله جهة الله، بمعنى جهة التقرب اليه تعالى {وأولئك هُم المفلحُون} لتحصيل النعيم الدائم بانفاق فان، والحصر اضافى بالنسبة الى المسكين، وهم على ان الذين لا ينفقون، اى هم المفلحون لا الممسكون، او حقيقى على ان الذين يريدون وجه الله بالايتاء قد اتوا بسائر الفرائض ايضا من اقامة الصلاة وغيرها.
الالوسي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } أي ألم ينظروا ولم يشاهدوا {أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء } أن يبسطه تعالى له: {وَيَقْدِرُ } أي ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه، وهذا إما باعتبار شخصين أو باعتبار شخص واحد في زمانين، والمراد إنكار فرحهم وقنوطهم في حالتي الرخاء والشدة أي أولم يروا ذلك فما لهم لم يشركوا ولم يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين {إِنَّ فِى ذَلِكَ} المذكور أي البسط وضده أو جميع ما ذكر {لأَيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة والله تعالى در من قال:شعر : نكد الأريب وطيب عيش الجاهل قد أرشداك إلى حكيم كامل تفسير : قال الطيبـي: كانت الفاصلة قوله تعالى: {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } إيذاناً بأنه تعالى يفعل ذلك بمحض مشيئته سبحانه وليس الغني بفعل العبد وجهده ولا العدم بعجزه وتقاعده ولا يعرف ذلك إلا من آمن بأن ذلك تقدير العزيز العليم كما قال:شعر : كم من أريب فهم قلبه مستكمل العقل مقل عديم ومن جهول مكثر ماله ذلك تقدير العزيز العليم
د. أسعد حومد
تفسير : {لآيَاتٍ} (37) - أَوَ لاَ يَعْلَمُ هؤلاءِ أَنَّ المُتَصَرِّفَ فِي الحَالَينِ: حَالِ الرَّخَاءِ وَحَالِ الشِّدَّةِ، هُوَ اللهُ تَعَالى، وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلكَ بِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَمَا لَهُمْ لَمْ يَشْكُرُوا رَبَّهُمْ في الرَّخَاءِ والنِّعْمَةِ، وَلَمْ يَحْتَسِبُوا وَيَصْبِرُوا في الضَّرَّاءِ والشِّدَّةِ؟ كَمَا يَفْعَلُ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ؟. إِنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّ حَالَيِ الرَّخَاءِ والشِّدَّةِ مِنَ اللهِ لَمَا ضَجُّوا وَقَنِطُوا، وَلَمَا فَرِحُوا وَبَطِرُوا، وَلَشَكَرُوا اللهَ في الحَالينِ، فَاللهُ تَعَالى يُؤدِّبُ عِبَادَهُ، بالرَّحمة والنَّعْمَةِ، كَمَا يُربِّيهِمْ بالشِّدَّةِ والبَلاَءِ. يَقْدِرُ - يُضَيِّقُهُ عَلى مَنْ يَشَاءُ لِحِكْمةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يبسط: يُوسِّع، ويقدِر: يعني يُضيِّق. يعني: ألم يروا هذه المسألة، فواحد يُوسِّع الله عليه الرزق، وآخر يُضيِّق عليه، وربما صاحب السعة لم يتعب فيها، إنما جاءته من ميراث أو خلافة، وصاحب الضيق يكدّ ويتعب، ومع ذلك فعيشته كفاف، لذلك استقبل الفلاسفة هذه المسألة بما في ضمائرهم من إيمان أو إلحاد، فهذا ابن الراوندي الملحد يقول: شعر : كَمْ عَالمٍ أعْيَتْ مَذَاهِبه وجَاهلٍ جَاهلٍ تَلْقَاهُ مرْزُوقا هَذَا الذِي تركَ الأوهامَ حَائرةً وَصيَّر العَالِم النَّحْرير زِنْدِيقا تفسير : فردَّ عليه آخر ممن امتلأت قلوبهم بالإيمان: شعر : كَمْ عَالمٍ قَدْ باتَ في عُسْرٍ وجَاهلٍ جاهلٍ قَدْ باتَ في يُسْر تحيَّر الناسُ في هَذا فقُلْتُ لهم هَذا الذي أوجبَ الإيمان بالقدرِ تفسير : فالعالم لا يسير بحركة ميكانيكية ثابتة، إنما بقيومية الخالق سبحانه عليه، فانظر إلى البسط لمن بسط الله له، والقبض لمن قبض الله عنه، ولا تعزل الفعل عن فاعله سبحانه، وتأمل أن الله تعالى واحد، وأن عباده عنده سواء، ومع ذلك يُوسِّع على أحدهم ويُضيِّق على الآخر. إذن: لا بُدَّ أن في هذه حكمة، وفي تلك حكمة أخرى، ولو تتبعتَ عواقب السعة هنا والتضييق هناك لتراءتْ لك الحكمة. ألا ترى صاحب سعة ورزق ونعم كثيرة، ومع ذلك لم يستطع تربية أولاده؛ لأن مظاهر الترف جرفتهم إلى الانحراف، ففشلوا في حياتهم العملية، وفي المقابل نرى الفقير الذي يعيش على الكفاف يتفوق أولاده، ويأخذون أعلى المراتب؟ إذن: {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ..} [الروم: 37] وفق حكمة يعلمها سبحانه وتعالى. وسبق أن ذكرنا أن في ألمانيا مدرستين فلسفيتين في الإلحاد، إحداهما لواحد اسمه (جيبل)، والأخرى لـ (بختر) أحدهما: ينكر أن يكون للعالم إله، يقول: لو كان للعالم إله حكيم ما خلق الأعمى والأعرج والأعور .. الخ فالحكمة في الخَلْق تقتضي المساواة، فأخذ من الشذوذ في الخَلْق دليلاً على إلحاده. أما الآخر فقال: ليس للكون إله، إنما يسير سَيْراً ميكانيكياً رتيباً، ولو كان فيه إله لكان يخلق الخَلْق على صور مختلفة، وتكون له إرادة مطلقة عن الميكانيكا، فأخذ ثبات النظام دليلاً على إلحاده ليناقض مذهب سابقه. إذن: المسألة عندهم رغبة في الإلحاد بأيِّ شكل، وعلى أية صورة، واستخدام منهج مُعْوج يخدم القضية التي يسعون إلى إثباتها. ونقول في الرد على الأول الذي اتخذ من الشذوذ في الكون دليلاً على عدم وجود إله حكيم: الشذوذ الذي ذكرتَ شذوذ في الأفراد الذين يُعوض بعضهم عن بعض، فواحد أعمى، وآخر أعور يقابلهم ملايين المبصرين، فوجود هذه النسبة الضئيلة لا تفسد القاعدة العامة في الخَلْق، ولا تؤثر على حركة البشر في الكون فالصحيح يعوض غير الصحيح. أما النظام الثابت الذي يريده الثاني فعليه أن ينظر إلى الملأ الأعلى، وفي الكون الأعلى من شمس وقمر ونجوم .. الخ فسيرى فيه نظاماً ثابتاً لا يتغير، لأن الشذوذ في هذه المخلوقات يفسد الكون كله؛ لذلك خلقه الله على هيئة الثبات وعدم الشذوذ. إذن: في النظام العام للكون نجد الثبات، وفي الأفراد الذين يغني الواحد منهم عن الآخر نجد الشذوذ والاختلاف، فالثبات يثبت حكمة القدرة، والشذوذ يثبت طلاقة القدرة. فيا مَنْ تريد ثبات النظام دليلاً على الإيمان، فالثبات موجود، ويا مَنْ تريد شذوذ النظام دليلاً على الإيمان، فالشذوذ موجود، فما عليكما إلا أن تتفقا وأن ينفتح كل منكما على الآخر لتصلا إلى الصواب. ومسألة الرزق لها فلسفة في الإسلام، فالحق سبحانه أخبرنا بأنه الرزَّاق، فمرة يرزق بالأسباب، ومرة يرزق بلا أسباب، لكن إياك أنْ تغتر بالأسباب، فقد تقدم الأسباب وتسعى ثم لا يأتيك منها رزق، ويخيب سَعْيك كالفلاح الذي يأخذ بالأسباب حتى يقارب الزرع على الاستواء فتأتيه جائحة فتهلكه، فاحذر أن تغتر بالأسباب، وانظر إلى المسبِّب سبحانه. وقلنا: ينبغي أنْ تتحرى إلى الرزق أسبابه ولا تشغلنّ بعدها بالك بأمره، فقد تكفل به خالقك الذي استدعاك للوجود، وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: شعر : تَحَرَّ إلى الرزْقِ أَسْبابَهُ ولاَ تشغلنْ بعدَهَا بَالَكا فَإنَّك تجهلُ عنوانه ورِزْقُكَ يعرِفُ عُنْوانَكا تفسير : ثم يقول سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الروم: 37] قال (لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ) لأن مسألة الرزق هذه تحتاج إلى إيمان بحكمة الرازق سبحانه في الإعطاء وفي المنع. ونلحظ على أسلوب الآية قوله تعالى في البسط: {لِمَن يَشَآءُ ..} [الروم: 37] وفي التضييق {وَيَقْدِرُ ..} [الروم: 37] ولم يقُلْ لمن يشاء؛ لأن البسط في نظرنا شيء محبوب نفرح له ونتمناه فقال {لِمَن يَشَآءُ ..} [الروم: 37] لنطمئن نحن إلى أننا سندخل في هؤلاء الذين سيُبْسط لهم في الرزق، أما في التقتير فلم يقُلْ (لمنْ) ليظل مبهماً يستبعده كلٌّ مِنّا عن نفسه ثم يقول رب العزة سبحانه: {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):