Verse. 3447 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

فَاٰتِ ذَا الْقُرْبٰى حَقَّہٗ وَ الْمِسْكِيْنَ وَابْنَ السَّبِيْلِ۝۰ۭ ذٰلِكَ خَيْرٌ لِّــلَّذِيْنَ يُرِيْدُوْنَ وَجْہَ اؘ۝۰ۡوَاُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْمُفْلِحُوْنَ۝۳۸
Faati tha alqurba haqqahu waalmiskeena waibna alssabeeli thalika khayrun lillatheena yureedoona wajha Allahi waolaika humu almuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فآت ذا القربى» القرابة «حقه» من البر والصلة «والمسكين وابن السبيل» المسافر من الصدقة، وأمة النبي تبع له في ذلك «ذلك خير للذين يريدون وجه الله» أي ثوابه بما يعملون «وأولئك هم المفلحون» الفائزون.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما بين أن العبادة لا ينبغي أن تكون مقصورة على حالة الشدة بقوله: { أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ } تفسير : [الروم: 33] ولا أن تكون مقصورة على حالة أخذ شيء من الدنيا كما هو عادة المدوكر المتسلس يعبد الله إذا كان في الخوانق والرباطات للرغيف والزبدية وإذا خلا بنفسه لا يذكر الله، بقوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا } وبين أنه ينبغي أن يكون، في حالة بسط الرزق وقدره عليه، نظره على الله الخالق الرازق ليحصل الإرشاد إلى تعظيم الله والإيمان قسمان تعظيم لأمر الله وشفقة على خلق الله فقال بعد ذلك فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، وفيه وجه آخر هو أن الله تعالى لما بين أن الله يبسط الرزق ويقدر، فلا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان فإن الله إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق، وإذا قدر لا يزداد بالإمساك، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تخصيص الأقسام الثلاثة بالذكر دون غيرهم مع أن الله ذكر الأصناف الثمانية في الصدقات فنقول أراد ههنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال سواء كان زكوياً أو لم يكن، وسواء كان بعد الحول أو قبله لأن المقصود ههنا الشفقة العامة، وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم يكن للمحسن مال زائد، أما القريب فتجب نفقته وإن كان لم تجب عليه زكاة كعقار أو مال لم يحل عليه الحول والمسكين كذلك فإن من لا شيء له إذا بقي في ورطة الحاجة حتى بلغ الشدة يجب على من له مقدرة دفع حاجته، وإن لم يكن عليه زكاة، وكذلك من انقطع في مفازة ومع آخر دابة يمكنه بها إيصاله إلى مأمن يلزمه ذلك، وإن لم تكن عليه زكاة والفقير داخل في المسكين لأن من أوصى للمساكين شيئاً يصرف إلى الفقراء أيضاً، وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم واعتبر ذلك في العامل والمكاتب والمؤلفة والمديون، ثم اعلم أن على مذهب أبـي حنيفة رحمه الله حيث قال: المسكين من له شيء ما فنقول، وإن كان الأمر كذلك لكن لا نزاع في أن إطلاق المسكين على من لا شيء له جائز فيكون الإطلاق هنا بذلك الوجه، والفقير يدخل في ذلك بالطريق الأولى. المسألة الثانية: في تقدم البعض على البعض فنقول لما كان دفع حاجة القريب واجباً سواء كان في شدة ومخمصة، أو لم يكن كان مقدماً على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة، ولما كان المسكين حاجته ليست مختصة بموضع كان مقدماً على من حاجته مختصة بموضع دون موضع. المسألة الثالثة: ذكر الأقارب في جميع المواضع كذا اللفظ وهو ذو القربى، ولم يذكر المسكين بلفظ ذي المسكنة، وذلك لأن القرابة لا تتجدد فهي شيء ثابت، وذو كذا لا يقال إلا في الثابت، فإن من صدر منه رأي صائب مرة أو حصل له جاه يوماً واحداً أو وجد منه فضل في وقت يقال ذو رأي وذو جاه وذو فضل، وإذا دام ذلك له أو وجد منه ذلك كثيراً يقال له ذو الرأي وذو الفضل، فقال {ذَا ٱلْقُرْبَىٰ } إشارة إلى أن هذا حق متأكد ثابت، وأما المسكنة فتطرأ وتزول ولهذا المعنى قال: { أية : مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } تفسير : [البلد: 16] فإن المسكين يدوم له كونه ذا متربة ما دامت مسكنته أو يكون كذلك في أكثر الأمر. المسألة الرابعة: قال: {فَـئَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } ثم عطف المسكين وابن السبيل ولم يقل فآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم، لأن العبارة الثانية لكون صدور الكلام أولاً للتشريك والأولى لكون التشريك وارداً على الكلام، كأنه يقول أعط ذا القربى حقه ثم يذكر المسكين وابن السبيل بالتبعية ولهذا المعنى إذا قال الملك خل فلان يدخل، وفلاناً أيضاً يكون في التعظيم فوق ما إذا قال خل فلاناً وفلاناً يدخلان، وإلى هذا أشار النبـي عليه الصلاة والسلام بقوله: « حديث : بئس خطيب القوم أنت » تفسير : حيث قال الرجل من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى ولم يقل ومن عصى الله ورسوله. المسألة الخامسة: قوله: {ذٰلِكَ خَيْرٌ } يمكن أن يكون معناه ذلك خير من غيره ويمكن أن يقال ذلك خير في نفسه، وإن لم يقس إلى غيره لقوله تعالى: { أية : وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ } تفسير : [الحج: 77] { أية : فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } تفسير : [البقرة: 148] والثاني أولى لعدم احتياجه إلى إضمار ولكونه أكثر فائدة لأن الخير من الغير قد يكون نازل الدرجة، عند نزول درجة ما يقاس إليه، كما يقال السكوت خير من الكذب، وما هو خير في نفسه فهو حسن ينفع وفعل صالح يرفع. المسألة السادسة: قوله تعالى: {لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ } إشارة إلى أن الاعتبار بالقصد لا بنفس الفعل، فإن من أنفق جميع أمواله رياء الناس لا ينال درجة من يتصدق برغيف لله، وقوله: {وَجْهُ ٱللَّهِ } أي يكون عطاؤه لله لا غير، فمن أعطى للجنة لم يرد به وجه الله، وإنما أراد مخلوق الله. المسألة السابعة: كيف قال: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } مع أن للإفلاح شرائط أخر، وهي المذكورة في قوله: { أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [المؤمنون: 1] فنقول كل وصف مذكور هناك يفيد الإفلاح، فقوله { أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـوٰةِ فَـٰعِلُونَ } تفسير : [المؤمنون: 4] وقوله: { أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 8 ] إلى غير ذلك عطف على المفلح أي هذا مفلح، وذاك مفلح، وذاك الآخر مفلح لا يقال لا يحصل الإفلاح لمن يتصدق ولا يصلي، فنقول هذا كقول القائل العالم مكرم أي نظراً إلى علمه ثم إذا حد في الزنا على سبيل النكال وقطعت يده في السرقة لا يبطل ذلك القول حتى يقول القائل، إنما كان ذلك لأنه أتى بالفسق، فكذلك إيتاء المال لوجه الله يفيد الإفلاح، اللهم إلا إذا وجد مانع من ارتكاب محظور أو ترك واجب. المسألة الثامنة: لم لم يذكر غيره من الأفعال كالصلاة وغيرها؟ فنقول الصلاة مذكورة من قبل لأن الخطاب ههنا بقوله: {فَأْتِ } مع النبـي صلى الله عليه وسلم وغيره تبع، وقد قال له من قبل { أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً } تفسير : [الروم: 30] وقال: { أية : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ } تفسير : [الروم: 31]. المسألة التاسعة: قوله تعالى: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُون} يفهم منه الحصر وقد قال في أول سورة البقرة: {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [البقرة:5] إشارة إلى من أقام الصلاة وآتى الزكاة، وآمن بما أنزل على رسوله وبما أنزل من قبله وبالآخرة، فلو كان المفلح منحصراً في أولئك المذكورين في سورة البقرة فهذا خارج عنهم فكيف يكون مفلحاً؟ فنقول هذا هو ذاك لأنا بينا أن قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ } متصل بهذا الكلام فإذا أتى بالصلاة وآتى المال وأراد وجه الله، فقد ثبت أنه مؤمن مقيم للصلاة مؤت للزكاة معترف بالآخرة فصار مثل المذكور في البقرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: لما تقدّم أنه سبحانه يبسط الرزق (لمن يشاء) ويقدِر أمر مَن وسع عليه الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغنيّ. والخطاب للنبيّ عليه السلام والمراد هو وأمته؛ لأنه قال: «ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ». وأمر بإيتاء ذي القربى لِقُرب رَحِمه؛ وخيرُ الصدقة ما كان على القريب، وفيها صلة الرّحِم. وقد فضّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، حديث : فقال لميمونة وقد أعتقت ولِيدةً: «أما إنّك لو أعطيْتِها أخوالَك كان أعظمَ لأجرك».تفسير : الثانية: واختلف في هذه الآية؛ فقيل: إنها منسوخة بآية المواريث. وقيل: لا نسخ، بل للقريب حق لازم في البِرّ على كل حال؛ وهو الصحيح. قال مجاهد وقتادة: صلة الرّحِم فرض من الله عز وجل، حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورَحِمُه محتاجة. وقيل: المراد بالقربى أقرباء النبيّ صلى الله عليه وسلم. والأوّل أصح؛ فإن حقهم مبيّن في كتاب الله عز وجل في قوله: {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [الأنفال: 41]. وقيل: إن الأمر بالإيتاء لذي القربى على جهة الندب. قال الحسن: «حقَّه» المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر. {وَٱلْمِسْكِينَ} قال ابن عباس: أي أطعم السائل الطوّاف؛ وابن السبيل: الضيف؛ فجعل الضيافة فرضاً، وقد مضى جميع هذا مبسوطاً مبيَّناً في مواضعه والحمد لله. الثالثة: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} أي إعطاء الحق أفضل من الإمساك إذا أريد بذلك وجهُ الله والتقرُّبُ إليه. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة. وقد تقدّم في «البقرة» القول فيه.

البيضاوي

تفسير : {فَـئَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } كصلة الرحم، واحتج به الحنفية على وجوب النفقة للمحارم وهو غير مشعر به. {وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } ما وظف لهما من الزكاة، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لمن بسط له ولذلك رتب على ما قبله بالفاء. {ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} ذاته أو جهته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصاً، أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم. {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مّن رِباً} زيادة محرمة في المعاملة أو عطية يتوقع بها مزيد مكافأة، وقرأ ابن كثير بالقصر بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا. {لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} ليزيد ويزكو في أموالهم. {فَلاَ يَرْبُواْ عَندَ ٱللَّهِ} فلا يزكو عنده ولا يبارك فيه، وقرأ نافع ويعقوب «لتربوا» أي لتزيدوا أو لتصيروا ذوي ربا. {وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ} تبتغون به وجهه خالصاً {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} ذوو الأضعاف من الثواب ونظير المضعف المقوي والموسر لذي القوة واليسار، أو الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ببركة الزكاة، وقرىء بفتح العين وتغييره عن سنن المقابلة عبارة ونظماً للمبالغة، والالتفات فيه للتعظيم كأنه خاطب به الملائكة وخواص الخلق تعريفاً لحالهم، أو للتعميم كأنه قال: فمن فعل ذلك {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ }، والراجع منه محذوف إن جعلت ما موصولة تقديره المضعفون به، أو فَمُؤْتُوه أولئك هم المضعفون. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء} أثبت له لوازم الألوهية ونفاها رأساً عما اتخذوه شركاء له من الأصنام وغيرها مؤكداً بالإنكار على ما دل عليه البرهان والعيان ووقع عليه الوفاق، ثم استنتج من ذلك تقدسه عن أن يكون له شركاء فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ويجوز أن تكون الكلمة الموصولة صفة والخبر {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ} والرابط {مّن ذٰلِكُمُ} لأنه بمعنى من أفعاله، و {مِنْ} الأولى والثانية تفيد أن شيوع الحكم في جنس الشركاء والأفعال والثالثة مزيدة لتعميم المنفي وكل منها مستقلة بتأكيد لتعجيز الشركاء، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء. {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} كالجدب والموتان وكثرة الحرق والغرق وإخفاق الغاصة ومحق البركات وكثرة المضار، أو الضلالة والظلم. وقيل المراد بالبحر قرى السواحل وقرىء و «البحور». {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ } بشؤم معاصيهم أو بكسبهم إياه، وقيل ظهر الفساد في البر بقتل قابيل أخاه وفي البحر بأن جلندا ملك عمان كان يأخذ كل سفينة غصباً. {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ} بعض جزائه فإن تمامه في الآخرة واللام للعلة أو العاقبة. وعن ابن كثير ويعقوب «لّنُذِيقَهُمْ» بالنون. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عما هم عليه. {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} لتشاهدوا مصداق ذلك وتحققوا صدقه. {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} استئناف للدلالة على أن سوء عاقبتهم كان لفشو الشرك وغلبته فيهم، أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم. {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ ٱلْقِيّمِ } البليغ الاستقامة. {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} لا يقدر أن يرده أحد، وقوله: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلق بـ {يَأْتِىَ }، ويجوز أن يتعلق بـ {مَرَدْ} لأنه مصدر على معنى لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه. {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} يتصدعون أي يتفرقون {فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ} كما قال {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي وباله وهو النار المؤبدة. {وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} يسوون منزلاً في الجنة، وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص. {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن فَضْلِهِ} علة لـ {يَمْهَدُونَ} أو لـ {يَصَّدَّعُونَ}، والاقتصار على جزاء المؤمنين للإِشعار بأنه المقصود بالذات والاكتفاء على فحوى قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ} فإن فيه إثبات البغض لهم والمحبة للمؤمنين، وتأكيد اختصاص الصلاح المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح بهم تعليل له ومن فضله دال على أن الإِثابة تفضل محض، وتأويله بالعطاء أو الزيادة على الثواب عدول عن الظاهر. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ} الشمال والصبا والجنوب فإنها رياح الرحمة وأما الدبور فريح العذاب، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً»تفسير : وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «ٱلرّيحَ» على إرادة الجنس. {مُبَشّرٰتٍ} بالمطر. {وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } يعني المنافع التابعة لها، وقيل الخصب التابع لنزول المطر المسبب عنها أو الروح الذي هو مع هبوبها والعطف على علة محذوفة دل عليها {مُبَشّرٰتٍ} أو عليها باعتبار المعنى، أو على {يُرْسِلُ} بإضمار فعل معلل دل عليه. {وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يعني تجارة البحر. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ولتشكروا نعمة الله تعالى فيها.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً بإعطاء {ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} وهو الذي لا شيء له ينفق عليه، أو له شيء لا يقوم بكفايته، {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره، {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} أي: النظر إليه يوم القيامة، وهو الغاية القصوى، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: {وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} أي من أعطى عطية يريد أن يرد عليه الناس أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب والشعبي، وهذا الصنيع مباح، وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} تفسير : [المدثر: 6] أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه. وقال ابن عباس: الربا رباءان: فربا لا يصح، يعني: ربا البيع، وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها، وأضعافها، ثم تلا هذه الآية: {وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} وإنما الثواب عند الله في الزكاة، ولهذا قال تعالى: {وَمَآ ءاتَيْتُمْ مِّن زَكَوٰةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء. كما جاء في الصحيح: «حديث : وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، فيربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوَّه أو فصيله، حتى تصير التمرة أعظم من أحد».تفسير : وقوله عز وجل: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ} أي: هو الخالق الرزاق، يخرج الإنسان من بطن أمه عرياناً، لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوة، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن سلام أبي شرحبيل عن حبة وسواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئاً، فأعناه، فقال: «حديث : لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله عز وجل».تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} أي: بعد هذه الحياة، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} أي: يوم القيامة. وقوله تعالى: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} أي: الذين تعبدونهم من دون الله {مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَىْءٍ} أي: لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة، ولهذا قال بعد هذا كله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم، وجل وعز عن أن يكون له شريك أو نظير، أو مساو أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَئَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ } القرابة {حَقَّهُ } من البرّ والصِّلة {وَٱلْمِسْكِينْ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ } المسافر من الصدقة، وأُمّة النبيّ تبع له في ذلك {ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ } أي ثوابه بما يعملون {وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون.

الشوكاني

تفسير : لما بيّن سبحانه كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى ما ينبغي من مواساة القرابة، وأهل الحاجات ممن بسط الله له في رزقه، فقال: {فَـئَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته أسوته، أو لكل مكلف له مال وسع الله به عليه، وقدم الإحسان إلى القرابة لأن خير الصدقة ما كان على قريب، فهو صدقة مضاعفة وصلة رحم مرغب فيها، والمراد: الإحسان إليهم بالصدقة والصلة والبر {وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } أي وآت المسكين وابن السبيل حقهما الذي يستحقانه. ووجه تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر أنهم أولى من سائر الأصناف بالإحسان، ولكون ذلك واجباً لهم على كل من له مال فاضل عن كفايته وكفاية من يعول. وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ قيل: هي منسوخة بآية المواريث. وقيل: محكمة وللقريب في مال قريبه الغنيّ حقّ واحب، وبه قال مجاهد وقتادة. قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد، ورحمه محتاج. قال مقاتل: حق المسكين أن يتصدّق عليه، وحق ابن السبيل الضيافة. وقيل: المراد بالقربى: قرابة النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: والأوّل أصح، فإن حقهم مبين في كتاب الله عزّ وجلّ في قوله: {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [الأنفال: 41] وقال الحسن: إن الأمر في إيتاء ذي القربى للندب {ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ } أي ذلك الإيتاء أفضل من الإمساك لمن يريد التقرّب إلى الله سبحانه {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي الفائزون بمطلوبهم حيث أنفقوا لوجه الله امتثالاً لأمره. {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مّن رِباً } قرأ الجمهور: {آتيتم} بالمدّ بمعنى أعطيتم، وقرأ مجاهد وحميد وابن كثير بالقصر بمعنى ما فعلتم، وأجمعوا على القراءة بالمدّ في قوله: {وما آتيتم من زكاة} وأصل الربى: الزيادة، وقراءة القصر تؤول إلى قراءة المدّ؛ لأن معناها: ما فعلتم على وجه الإعطاء، كما تقول: أتيت خطأ وأتيت صواباً؛ والمعنى في الآية: ما أعطيتم من زيادة خالية عن العوض {لّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ } أي ليزيد ويزكو في أموالهم {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ } أي لا يبارك الله فيه. قال السديّ: الربا في هذا الموضع: الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب المكافأة؛ لأن ذلك لا يربو عند الله، لا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه، وهكذا قال قتادة والضحاك. قال الواحدي: وهذا قول جماعة المفسرين. قال الزجاج: يعني: دفع الإنسان الشيء ليعوّض أكثر منه وذلك ليس بحرام، ولكنه لا ثواب فيه؛ لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه. وقال الشعبي: معنى الآية: أن ما خدم به الإنسان أحداً، لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزي به الخدمة لا يربو عند الله. وقيل: هذا كان حراماً على النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص لقوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } تفسير : [المدثر: 6] ومعناها: أن تعطي فتأخذ أكثر منه عوضاً عنه. وقيل: إن هذه الآية نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية: وما يجري مجراه مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه. قال عكرمة: الربا ربوان: فربا حلال، وربا حرام. فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتمس ما هو أفضل منه: يعني كما في هذه الآية. وقيل: إن هذا الذي في هذه الآية هو الربا المحرّم، فمعنى لا يربو عند الله على القول لا يحكم به، بل هو للمأخوذ منه. قال المهلب: اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب بها الثواب، فقال مالك: ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك، مثل هبة الفقير للغنيّ، وهبة الخادم للمخدوم، وهبة الرجل لأميره، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي الآخر. قرأ الجمهور: {ليربوا} بالتحتية على أن الفعل مسند إلى ضمير الربا. وقرأ نافع ويعقوب بالفوقية مضمومة خطاباً للجماعة بمعنى: لتكونوا ذوي زيادات. وقرأ أبو مالك: {لتربوها} ومعنى الآية: أنه لا يزكو عند الله، ولا يثيب عليه؛ لأنه لا يقبل إلاّ ما أريد به وجهه خالصاً له {وَمَا آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} أي وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة، وإنما تقصدون بها ما عند الله {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ } المضعف دون الأضعاف من الحسنات الذين يعطون بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الفراء: هو نحو قولهم: مسمن ومعطش ومضعف إذا كانت له إبل سمان، أو عطاش، أو ضعيفة. وقرأ أبيّ: "المضعفون" بفتح العين اسم مفعول. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْء } عاد سبحانه إلى الاحتجاج على المشركين، وأنه الخالق الرازق المميت المحيي، ثم قال على جهة الاستفهام: {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْء } ومعلوم أنهم يقولون ليس فيهم من يفعل شيئاً من ذلك، فتقوم عليهم الحجة، ثم نزّه سبحانه نفسه، فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي نزّهوه تنزيهاً، وهو متعال عن أن يجوز عليه شيء من ذلك، وقوله: {من شركائكم} خبر مقدّم ومن للتبعيض، والمبتدأ هو الموصول، أعني: من يفعل، و{من ذلكم} متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من {شيء} المذكور بعده، ومن في: {من شيء} مزيدة للتوكيد، وأضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم كانوا يسمونهم آلهة، ويجعلون لهم نصيباً من أموالهم. {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ } بيّن سبحانه: أن الشرك والمعاصي سبب لظهور الفساد في العالم. واختلف في معنى ظهور الفساد المذكور، فقيل: هو القحط وعدم النبات، ونقصان الرزق، وكثرة الخوف ونحو ذلك، وقال مجاهد، وعكرمة: فساد البرّ: قتل ابن آدم أخاه: يعني: قتل قابيل لهابيل، وفي البحر: الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وليت شعري أيّ دليل دلهما على هذا التخصيص البعيد والتعيين الغريب، فإن الآية نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، والتعريف في الفساد يدلّ على الجنس، فيعم كل فساد واقع في حيزي البرّ والبحر. وقال السديّ: الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد. ويمكن أن يقال: إن الشرك وإن كان الفرد الكامل في أنواع المعاصي، ولكن لا دليل على أنه المراد بخصوصه. وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش. وقيل: الفساد: قطع السبل والظلم، وقيل: غير ذلك مما هو تخصيص لا دليل عليه. والظاهر من الآية ظهور ما يصح إطلاق اسم الفساد عليه سواء كان راجعاً إلى أفعال بني آدم من معاصيهم واقترافهم السيئات، وتقاطعهم وتظالمهم وتقاتلهم، أو راجعاً إلى ما هو من جهة الله سبحانه بسبب ذنوبهم كالقحط وكثرة الخوف والموتان ونقصان الزرائع ونقصان الثمار. والبرّ والبحر هما المعروفان المشهوران. وقيل: البرّ: الفيافي، والبحر: القرى التي على ماء قاله عكرمة، والعرب تسمي الأمصار: البحار. قال مجاهد: البرّ: ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر: ما كان على شط نهر. والأوّل أولى. ويكون معنى البرّ: مدن البرّ، ومعنى البحر: مدن البحر، وما يتصل بالمدن من مزارعها ومراعيها. والباء في {بما كسبت} للسببية، "ما" إما موصولة أو مصدرية {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ } اللام متعلقة بظهر، وهي لام العلة، أي ليذيقهم عقاب بعض عملهم أو جزاء بعض عملهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عما هم فيه من المعاصي ويتوبون إلى الله. {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ } لما بين سبحانه ظهور الفساد بما كسبت أيدي المشركين والعصاة بيّن لهم ضلال أمثالهم من أهل الزمن الأوّل، وأمرهم بأن يسيروا لينظروا آثارهم ويشاهدوا كيف كانت عاقبتهم، فإن منازلهم خاوية وأراضيهم مقفرة موحشة كعاد وثمود ونحوهم من طوائف الكفار. وجملة: {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } مستأنفة لبيان الحالة التي كانوا عليها، وإيضاح السبب الذي صارت عاقبتهم به إلى ما صارت إليه {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ ٱلْقِيّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ } هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمته أسوته فيه، كأن المعنى: إذا قد ظهر الفساد بالسبب المتقدّم فأقم وجهك يا محمد إلخ. قال الزجاج: اجعل جهتك اتباع الدين القيم، وهو: الإسلام المستقيم {من قبل أن يأتي يوم} يعني: يوم القيامة {ا مردّ له} لا يقدر أحد على ردّه، والمردّ مصدر ردّ، وقيل: المعنى: أوضح الحق، وبالغ في الأعذار، و{مِنَ ٱللَّهِ } يتعلق بـ {يأتي} أو بمحذوف يدل عليه المصدر، أي لا يردّه من الله أحد. وقيل: يجوز أن يكون المعنى: لا يردّه الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه، وفيه من الضعف وسوء الأدب مع الله ما لا يخفى {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } أصله يتصدعون، والتصدع التفرق، يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه قول الشاعر:شعر : وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا تفسير : والمراد بتفرقهم هاهنا أن أهل الجنة يصيرون إلى الجنة، وأهل النار يصيرون إلى النار. {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي جزاء كفره، وهو النار {وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلأِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } أي يوطئون لأنفسهم منازل في الجنة بالعمل الصالح، والمهاد: الفراش، وقد مهدت الفراش مهداً: إذا بسطته ووطأته، فجعل الأعمال الصالحة التي هي سبب لدخول الجنة كبناء المنازل في الجنة وفرشها. وقيل: المعنى: فعلى أنفسهم يشفقون، من قولهم في المشفق: أمٌّ فرشت فأنامت، وقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص. وقال مجاهد: {فلأنفسهم يمهدون} في القبر، واللام في {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} متعلقة بـ {يصدّعون}، أو {يمهدون}، أي يتفرّقون ليجزي الله المؤمنين بما يستحقونه {مِن فَضْلِهِ } أو يمهدون لأنفسهم بالأعمال الصالحة ليجزيهم. وقيل: يتعلق بمحذوف. قال ابن عطية: تقديره ذلك ليجزي، وتكون الإشارة إلى ما تقدّم من قوله: {من عمل} و{من كفر}. وجعل أبو حيان قسيم قوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} محذوفاً لدلالة قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } عليه؛ لأنه كناية عن بغضه لهم الموجب لغضبه سبحانه، وغضبه يستتبع عقوبته. {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ مُبَشّرٰتٍ } أي ومن دلالات بديع قدرته إرسال الرياح مبشرات بالمطر؛ لأنها تتقدّمه كما في قوله سبحانه: {أية : بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } تفسير : [النمل:63] قرأ الجمهور: {الرياح} وقرأ الأعمش: "الريح" بالإفراد على قصد الجنس لأجل قوله: {مبشرات}، واللام في قوله: {وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } متعلقة بـ {يرسل}، أي يرسل الرياح مبشرات ويرسلها ليذيقكم من رحمته، يعني: الغيث والخصب. وقيل: هو متعلق بمحذوف، أي وليذيقكم أرسلها. وقيل: الواو مزيدة على رأي من يجوز ذلك، فتتعلق اللام بـ {يرسل} {وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ } معطوف على {ليذيقكم من رحمته} أي يرسل الرياح لتجري الفلك في البحر عند هبوبها، ولما أسند الجري إلى الفلك عقبه بقوله: {بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } أي تبتغوا الرزق بالتجارة التي تحملها السفن {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } هذه النعم فتفردون الله بالعبادة، وتستكثرون من الطاعة. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مّن رِباً } الآية قال: الربا ربوان: ربا لا بأس به وربا لا يصلح. فأما الربا الذي لا بأس به فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها، وأضعافها. وأخرج البيهقي عنه قال: هذا هو الربا الحلال، أن يهدي يريد أكثر منه وليس له أجر ولا وزر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فقال: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } تفسير : [المدثر: 6]. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مّن زَكَاةٍ} قال: هي الصدقة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } قال: البر: البرية التي ليس عندها نهر، والبحر: ما كان من المدائن والقرى على شط نهر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال: من الذنوب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {يَصَّدَّعُونَ } قال: يتفرقون.

الماوردي

تفسير : قوله: {فَئَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} فيهم وجهان: أحدهما: أنهم قرابة الرجل، أن يصل رحمهم بماله ونفسه، قاله الحسن وقتادة. الثاني: أنهم ذوو قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب يعطون حقهم من الغنيمة والفيء، قاله السدي. {وَالْمِسْكِينَ} هو الذي لا يجد كفايته. {وَابْنَ السَّبِيلِ} فيه قولان: أحدهما: المسافر، قاله مجاهد فإن كان محتاجاً فحقه في الزكاة وإن كان غير محتاج فبرّاً وصلة. الثاني: أنه الضيف الذي ينزل بك، قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة، فإن أطعمه كان برّاً وصلة ولم يجز أن يكون من الزكاة محتاجاً كان أو غير محتاج. وإن دفعت إليه مالاً جاز إذا كان فقيراً أن يكون من الزكاة، ولم يجز إن كان غنيّاً. قوله: {وَمَاءَ آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الرجل يهدي هدية ليكافأ عليها أفضل منها، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أنه في رجل صحبه في الطريق فخدمه فجعل له المخدوم بعض الربح من ماله جزاء لخدمته لا لوجه الله، قاله الشعبي. الثالث: أنه في رجل يهب لذي قرابة له مالاً ليصير به غنيّاً ذا مال ولا يفعله طلباً لثواب الله، قاله إبراهيم. ومعنى قوله: {فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ} أي فلا يكون له ثواب عند الله. قال ابن عباس: هما رِبَوان أحدهما حلال والآخر حرام، فما تعاطيتم بينكم حلال ولا يصل إلى الله. {وَمَا ءَآتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} أي ثواب الله، وفيها قولان: أحدهما: أنها الزكاة المفروضة وهو الظاهر. الثاني: أنها الصدقة، قاله ابن عباس والسدي. {فَأُوْلَئِكَ الْمُضْعِفُونَ} فيه وجهان: أحدهما: تضاعف لهم الحسنات لأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، قاله السدي. الثاني: تضاعف أموالهم في الدنيا بالزيادة فيها، وقال الكلبي: لم يقل مال رجل من زكاة.

ابن عبد السلام

تفسير : {ذَا الْقُرْبَى} قرابة الرجل يصلهم بماله ونفسه، أو قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم بنو هاشم وبنو المطلب يعطون حقهم من الفيء والغنيمة. {وَابْنَ السَّبِيلِ} المسافر، أو الضيف "ع".

النسفي

تفسير : {فَئآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ } أعط قريبك {حَقَّهُ } من البر والصلة {وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } نصيبهما من الصدقة المسماة لهما، وفيه دليل وجوب النفقة للمحارم كما هو مذهبنا {ذٰلِكَ } أي إيتاء حقوقهم {خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ } أي ذاته أي يقصدون بمعروفهم أياه خالصاً {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ } يريد وما أعطيتم أكلة الربا من رباً ليربوا في أموالهم {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ } فلا يزكوا عند الله ولا يبارك فيه. وقيل: هو من الربا الحلال أي وما تعطونه من الهدية لتأخذوا أكثر منها فلا يربوا عند الله لأنكم لم تريدوا بذلك وجه الله {وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زَكَوٰةٍ } صدقة {تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ } تبتغون به وجهه خالصاً لا تطلبون به مكافأة ولا رياء ولا سمعة {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ } ذوو الإضعاف من الحسنات ونظير المضعف المقوى والموسر لذي القوة واليسار. {أتيتم من ربا} بلامد: مكي أي وما غشيتموه من إعطاء ربا {لتربوا} مدني أي لتزيدوا في أموالهم. وقوله {فأولئك هم المضعفون} التفات حسن لأنه يفيد التعميم كأنه قيل: من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين. والمعنى المضعفون به لأنه لا بد له من ضمير يرجع إلى «ما» الموصولة. وقال الزجاج: في قوله {فأولئك هم المضعفون} أي فأهلها هم المضعفون أي هم الذي يضاعف لهم الثواب يعطون بالحسنة عشر أمثالها. ثم أشار إلى عجز آلهتهم فقال

ابو السعود

تفسير : {فَـئَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} من الصلةِ والصدقةِ وسائرِ المَبَرَّاتِ {وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} ما يستحقَّانِه والخطابُ للنبـيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام أو لمن بُسط له كما تُؤذن به الفاءُ {ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} ذاتَه أو جهتَه ويقصدون بمعروفهم إيَّاه تعالى خالصاً أو جهةَ التقربِ إليه لا جهةً أُخرى {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} حيث حصَّلْوا بما بُسط لهم النَّعيمَ المُقيمَ {وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً} زيادةٌ خاليةٌ عن العوضِ عند المعاملةِ وقُرىء أتيتُم بالقصرِ أي غشيتمُوه أو رهقتمُوه من إعطاءِ رباً {لّيَرْبُوَ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} ليزيدَ ويزكو في أموالِهم {فَلاَ يَرْبُواْ عَندَ ٱللَّهِ} أي لا يُبارك فيه وقُرىء لتربُوا أي لتزيدُوا أو لتصيرُوا ذوي رِبا {وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللهِ} أي تبتغُون به وجهَه تعالى خالِصاً {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} أي ذُوو الأضعافِ من الثَّوابِ ونظيرُ المُضْعف المُقْوى والموسر لذي القوة واليسارِ أو الذين ضعّفوا ثوابَهم وأموالَهم بالبركةِ. وقُرىء بفتحِ العينِ، وفي تغيـيرِ النَّظمِ الكريمِ والالتفاتِ من الجَزَالةِ ما لا يَخْفى. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء} أثبت له تعالى لوازمَ الأُلوهيَّةِ وخواصَّها ونفاها رأساً عَّما اتخذوه شركاء له تعالى من الأصنامِ وغيرِها مؤكِّداً بالإنكارِ على ما دلَّ عليه البرهانُ والعيانُ ووقع عليه الوفاقُ ثم استنتج منه تنزهه عن الشُّركاءِ بقولِه تعالى {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وقد جُوِّز أن يكونَ الموصولُ صفةً والخبرُ هل من شركائِكم والرابطُ قولُه تعالى مِن ذلِكم لأنه بمعنى من أفعاله ومن الأولى والثانية تفيدانِ شيوعَ الحُكمِ في جنسِ الشُّركاءِ والأفعالِ والثَّالثة مزيدةٌ لتعميمِ المنفيِّ وكل منها مستقلة بالتأكيدِ وقُرىء تُشرِكون بصيغةِ الخطابِ {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} كالجدبِ والمَوَتانِ وكثرةِ الحَرَقِ والغَرَقِ وإخفاقِ الغاصةِ ومحقِ البركاتِ وكثرةِ المضارِّ أو الضَّلالةِ والظُّلمِ، وقيل المرادُ بالبحرِ قُرى السَّواحلِ وقُرى البحورِ {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ} بشؤمِ مَعَاصيهم أو بكسبِهم إيَّاها. وقيل ظهر الفسادُ في البرَّ بقتلِ قابـيلَ أخاهُ هابـيلَ وفي البحرِ بأنَّ جَلَندى كانَ يأخذُ كلَّ سفينةٍ غَصْباً {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ} أي بعضَ جزائِه فإنَّ تمامَه في الآخرةِ واللامُ للعلَّةِ أو للعاقبةِ وقُرىء لنُذيقهم بالنَّونِ. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عمَّا كانُوا عليه.

القشيري

تفسير : القرابةُ على قسمين: قرابةُ النسب وقرابة الدِّين، وقرابةُ الدين أَمسُّ، وبالمواساة أحقُّ وإذا كان الرجلُ مشتغلاً بالعبادة، غيرَ متفرِّغ لطلب المعيشة فالذين لهم إيمانٌ بحاله، وإشرافٌ على وقته يجب عليهم القيام بشأنه بقَدر ما يمكنهم، مما يكون له عونٌ على الطاعة وفراغ القلب من كل علة؛ فاشتغال الرجل بمراعاة القلب يجعل حقَّه آكدَ، وتَفَقُّدَه أوْجَبَ. {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ}: المريدُ هو الذي يُؤْثِرُ حقَّ الله على حظِّ نَفْسِه؛ فإيثارُ المريد وَجه اللَّهِ أتمُّ من مراعاته حال نفسه، فهِمَّتُه في الإحسان إلى ذوي القربى والمساكين تتقدم على نَظَرِه لِنَفْسِه وعياله وما يهمه من خاصته.

اسماعيل حقي

تفسير : {فآت} اعط يا من بسط له الرزق {ذا القربى} صاحب القرابة {حقه} من الصلة والصدقة وسائر المبرات يحتج ابو حنيفة رحمه الله بهذه الاية على وجوب النفقة لذوى الارحام المحارم عند الاحتياج ويقيسهم الشافعي على ابن العم فلا يوجب النفقة الا على الولد والولدين لوجود الولاد {والمسكين وابن السبيل} ما يستحقانه من الصدقة والاعانة والضيافة فان ابن السبيل هو الضيف كما فى كشف الاسرار. قال فى التأويلات النجمية يشير الى ان القرابة على قسمين قرابة النسب وقرابة الدين فقرابة الدين امس وبالمراعاة احق وهم الاخوان فى الله والاولاد من صلب الولاية من اهل الارادة الذين تمسكوا باذيال الكابر منقطعين الى الله مشتغلين بطلب الله متجردين عن الدنيا غير مستفزعين بطلب المعيشة فالواجب على الاغنياء بالله القيام باداء حقوقهم فيما كيون لهم عونا على الاشتغال بمواجب الطلب بفراغ القلب والمسكين من يكون محروما من صدق الطلب وهو من اهل الطاعة والعبادة او طالب العلم فمعاونته بقدر الامكان وحسب الحال واجب وابن السبيل وهو المسافر والضيف فحقه القيام بشأنه بحكم الوقت فمن يكون همته فى الطلب اعلى فهومن اقارب ذوى القربى وبايثار الوقت عليه اولى فحقه آكد وتفقده اوجب انتهى. قال فى كشف الاسرار [قرابت دين سزاوار ترست بمواساة ازقرابت نسب مجرد زيرا كه قرابت نسب بريده كردد وقرابت دين روانيست كه هركز بريده كردد اينست كه مصطفى عليه السلام كفت (كل نسب وسبب ينقطع الا نسبى وسببى) قرابت دين است كه سيد عالم صلوات الله عليه وسلامه اضافت باخود كردد وديندارز انرا نزديكان وخويشان خود شمر بحكم اين آيت وهركه روى بعبادة الله آرد وبر وظائف طاعات مواظبت نماديد ونعمت مراقب برسردارد ودروقت ذكر الله نشيند جنانكه باكسب وتجارب نبردازد وطلب معيشت نكند كما قال تعالى {أية : رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} تفسير : اورا برمسلمانا حق مواسات واجب شود اورا مراعات كنند ودل وى ازضرورت قد فارغ دارند جنانكه رسول خدا كرد باصحاب سفه وايشان بودندكه درصفة بيغمير وطن دائتند وصفة ييغمبر جاييست بمدينة كه آنر قبا خوانند ازمدينة تا آنجا دوفرسنك است رسول الله خدا روزى ما حضرى درييش داشت وبعضى اهل بيت خويش را كفت (لا اعطيكم وادع اصحاب الصفة تطوى بطونهم من الجوع) اين اصحاب صفه جهل تن بودند ازدنيا بيكباركى اعراض كرده وازطلب معيشت برخاسته وباعبادت وذكر الله برداخته وبر فتوح وتجريد روز بسر آورده وبيشترين ايشان برهنه بودند خويشتن را درميان بنهان كرده جون وقت نماز بودى آنكروه كه جامه داشتند نماز كردندى آنكه جامه برديكيران دادندى واصل مذهب تصوف ازايشان كرفته اندازدنيا اعراض كردن وازراه خصومت بر خاستن وبرتوكل زيستن وبيافته قناعت كردن وآز وحرص وشره بكذاشتن] قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بر اوج فلك جون برد جره باز كه بر شهيرش بستة سنك آز ندارند تن بروران آكهى كه برمعده باشد زحكمت تهى تفسير : {ذلك} اى ايتاء الحق واخراجه من المال {خير} من الامساك {للذين يريدون وجه الله} اى يقصدون بمعروفهم اياه تعالى خالصا فيكون الوجه بمعنى الذات اوجهة التقرب اليه لاجهة اخرى من الاغراض والاعواض فيكون بمعنى الجهة. قال فى الكشف الاسرار المريد هو الذي يؤثر على نفسه. جنيد قدس الله روحه [مريديرا وصيت ميكرد وكفت جنان كن كه خلق را بارحمت باشى وخودرا بلا كه مؤمنان ودوستان ازالله بر خلق رحمت اند وجنان كن كه درساية صفات خود نشينى تادريكران درساية تو بياسايند. ذو النون مصرى را يرسيدندكه مريد كيست كفت "المريد يطلب والمراد يهرب". مريد مى طلبد واز صدهز ارنياز. ومراد مى كريزد واورا صدهز ارناز مريد بادل سوزان. مراد بامقصود بربساط خندان. مر درخبر آو يخته. مراد درعيان آميخته. بيررا برسيدند مريد به يا مراد از حقيقت تفريد جواب داد كه "لا مريد ولا خبر ولا استخبار ولاحد ولا رسم وهو الكل بالكل" اين جنانست كه كويند]. اين جاى نه عشقت نه شوق نه يار خود جملة تويى خصومت ازره برداد. {واولئك} [آن كروه منفقان] {هم المفلحون} الفائزون المطلوب فى الآخرة حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم. والمعنى لهم فى الدنيا خير وهو البركة فى ما لهم لان اخراج الزكاة يزيد فى المال شعر : زكات مال بدركن كه فضلة رزارا جو باغبان ببرد بيشرت دهد انكور تفسير : وفى الآخرة يصير لطاعة ربه فى اخراج الصدقة من الفائزين بالجنة. توانكرا جودل ودست كامرانت هست بخور ببخش كه دنيا وآخرت بردى. وعن على رضى الله عنه ان المال حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة وقد يجمعهما الله لا قوام. وكان لقمان اذا امر بالاغنياء يقول يا اهل النعيم لا تنسوا النعيم الاكبر واذا مر بالفقراء يقول اياكم ان تغبنوا مرتين. وعن على رضى الله عنه فرض فى اموال الاغنياء اقوات الفقراء فما جاع فقير الا بما منع غنى والله يسألهم عن ذلك. قال بعضهم اول ما فرض الصوم على الاغنياء لاجل الفقراء فى زمن الملك طهمورث ثالث ملوك بنى آدم وقع القحط فى زمانه فامر الاغنياء بطعام واحد بعد غروب الشمس وبامساكهم بالنهار شفقة على الفقراء وايثارا عليهم بطعام النهار وتعبدا وتواضعا لله تعالى شعر : توانكرانرا وقفست وبذل ومهمانى زكاة وفطره واعتاق وهدى وقربانى توكى بدولت ايشان رسى كه نتوانى جزاين دو ركعت وآن هم بصد بر يشانى شرف نفس بجودست وكرامت بسجود هركه اين هردوندا وعدمش به زوجود

الجنابذي

تفسير : {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} يعنى اذا كان البسط والتّقدير بيده تعالى فلا تبخل بما فى يدك وآتِ كلّ ذى حقٍّ حقّه وقد مضى الآية مع تفصيلٍ فى تفسيرها فى اوّل سورة بنى اسرائيل {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} يعنى اعطاء الحقّ لذى الحقّ ومنه اعطاء الامامة لعلىّ (ع) واعطاء السّعة فى الصّدر والقلب لمستحقّيها خير للسّالكين الى الله والطّالبين لوجهه الّذى هو ملكوت ولّى امرهم، وان كان شرّاً للمنافقين الّذين رضوا بالحيٰوة الدّنيا واطمأنّوا بها {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} فانّ الفلاح منحصر فى البائعين بالبيعة الخاصّة السّالكين الى الله تعالى الطّالبين لظهور ملكوت ولىّ امرهم.

فرات الكوفي

تفسير : {فآت ذا القربى حقه} 38= {وآت ذا القربى حقه26/ الإسراء} قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما نزلت [على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] الآية {فآت ذا القربى حقه} [قال. أ، ب] دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك فقال: هذ الك ولعقبك من بعدك. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد [ر: حدثنا الحسين بن الحكم] معنعناً: [عن عطية. ر. أ، ب: عن أبي سعيد] قال: حديث : لما نزلت هذه الآية: {فآت ذا القربى حقه} دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك فكلما لم يوجف عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخيل ولا ركاب فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضعه حيث يشاء وفدك مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب . تفسير : فرات قال: حدثنا علي بن الحسين معنعناً: عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال:حديث : لما نزلت [هذه. ب] الآية: {وآت ذا القربى حقه} دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فأعطاها فدكتفسير : . قال أبان بن تغلب: قلت: لجعفر بن محمد [عليهما السلام. أ]: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [فاطمة. أ] أعطاها؟ قال: بل الله أعطاها. فرات قال: حدثنا أحمد بن جعفر معنعناً: عن أبان بن تغلب عن جعفر عليه السلام [قال. ب] حديث : لما نزلت هذه الآية: {وآت! ذا القربى حقه} دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فأعطاها فدكتفسير : . قال أبو مريم: وزعم أبان أنه قال لجعفر [عليه السلام. ب]: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاها؟ قال: بل الله أعطاها. فرات قال: حدثنا جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {وآت! ذا القربى حقه} وذاك حين جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهم ذي القربى لقرابته فكانوا يأخذونه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ر: النبي] حتى توفي ثم حجب [ر، أ: حجة!] الخمس عن قرابته فلم يأخذوه.

اطفيش

تفسير : {فَآتِ ذَا القُرْبَى} القرابة. {حَقَّهُ} من البر والصلة في المقال والمال والمعاشرة، وعن الحسن حقه المواساة في اليسر وقول ميسور في العصر والظاهر أن المراد الصدقة عليه من المال. {وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} حقهما وابن السبيل المسافر المحتاج وقيل الضيف، والأمر في ذلك للندب وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته من أيسر منهم وليس المراد الزكاة، وعن الحسن بعض الآية تطوع وهو قوله {فَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ} وبعضها واجب وهو قوله {وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَبِيلِ} يعني الزكاة وقيل المراد بالآية الزكاة الواجبة، وعن بعضهم ان الزكاة فرضت بمكة ولم تكن شيئا محدودا واحتج ابو حنيفة على وجوب النفقة للمحارم بالآية اذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب، قيل والآية غير مشعرة بذلك وزعم الشافعي أنه لا نفقة إلا على الولد والوالدين قاس سائر القرابة على ابن العم لأنه لا ولى بينهم كذا قيل عنه والحق وجوب النفقة بين الورثة على قدر الإرث عند الإحتياج وإن قلت لم رتب آت بالفاء؟ قلت: لأنه قد ذكر قبلها بسط الرزق فرتب عليه إيتاء من بسط من بسطة القريب والمسكين وابن السبيل ولأنه أيضاً قد ذكر تضييق الرزق فأمره بالإيتاء وفي جلب الرزق. {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ} اي ثوابه أو رضاه أو كليهما أو جهته التي هي التقرب لا جهة أخرى كالرياء. {وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} الفائزون حيث حصلوا النعيم الدائم ببعض ما بسط لهم من الفاني.

الالوسي

تفسير : {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ } من الصلة والصدقة وسائر المبرات {وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } ما يستحقانه، والخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم على أنه عليه الصلاة والسلام المقصود أصالة وغيره من المؤمنين تبعاً، وقال الحسن / هو خطاب لكل سامع، وجوز غير واحد أن يكون لمن بسط له الرزق، ووجه تعلق هذا الأمر بما قبله واقترانه بالفاء على ما ذكره الزمخشري أنه تعالى لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك، وحاصله على ما في «الكشف» أن امتثال أوامره تعالى مجلبة رضاه والحياة الطيبة تتبعه كما أن عصيانه سبحانه مجلبة سخطه والجدب والضيقة من روادفه فإذا استبان ذلك فآت يا محمد ومن تبعه أو فآت يا من بسط له الرزق ذا القربـى حقه الخ، وذكر الإمام وجهاً آخر مبنياً على أن الأمر متفرع على حديث البسط والقدر وهو أنه تعالى لما بين أنه سبحانه يبسط ويقدر أمر جل وعلا بالإنفاق إيذاناً بأنه لا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان فإن الله تعالى إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق وإذا قدر لا يزداد بالإمساك كما قيل:شعر : إذ جادت الدنيا عليك فجد بها على الناس طرا إنها تتقلب فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب تفسير : قال صاحب «الكشف» روح الله تعالى روحه: إن ما ذكره الزمخشري أوفق لتأليف النظم الجليل فإن قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ }تفسير : [الروم: 37] لتتميم الإنكار على فرح بالنعمة عن شكر المنعم ويئس عند زوالها عنه، والظاهر على ما ذكره الإمام أن المراد بالحق الحق المالي وكذا المراد به في جانب المسكين وابن السبيل، وحمل ذلك بعضهم على الزكاة المفروضة. وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة واستثناء هذه الآية ودعوى أنها مدنية يحتاج إلى نقل صحيح، وسبق النزول على الحكم بعيد ولذا لم يذكر هنا بقية الأصناف. وحكي أن أبا حنيفة استدل بالآية على وجوب النفقة لكل ذي رحم محرم ذكراً كان أو أنثى إذا كان فقيراً أو عاجزاً عن الكسب، ووجه بأن {آت} أمر للوجوب، والظاهر من الحق بقرينة ما قبله انه مالي ولو كان المراد الزكاة لم يقدم حق القربـى إذ الظاهر من تقديمه المغايرة، والشافعية أنكروا وجوب النفقة على من ذكر وقالوا: لا نفقة بالقرابة إلا على الولد والوالدين على ما بين في الفقه، والمراد بالحق المصرح به في ذي القربـي صلة الرحم بأنواعها وبالحق المعتبر في جانب المسكين وابن السبيل صدقة كانت مفروضة قبل فرض الزكاة أو الزكاة المفروضة والآية مدنية أو مكية والنزول سابق على الحكم. واعترض على هذا بأنه إذا فسر حق الآخيرين بالزكاة وجب تفسير الأول بالنفقة الواجبة لئلا يكون لفظ الأمر للوجوب والندب، ولذا استدل أبو حنيفة عليه الرحمة بالآية على ما تقدم، وفيه بحث. وقال بعض أجلة الشافعية راداً على الاستدلال: إنه كيف يتم مع احتمال أن يكون الأمر بإيتاء الصدقة أيضاً بدليل ما تلاه، ثم إن {ذَا ٱلْقُرْبَىٰ } مجمل عند المستدل ومن أين له أنه بين بذي الرحم المحرم، وكذلك قوله تعالى: {حَقَّهُ } ثم قال: والحق أنه أمر بتوفير حقه من الصلة لا خصوص النفقة وصلة الرحم من الواجبات المؤكدة انتهى، والحق أحق بالاتباع، ودليل الإمام عليه الرحمة ليس هذا وحده كما لا يخفى على علماء مذهبه. وخص بعض الخطاب به صلى الله عليه وسلم وقال: المراد بذي القربـى بنو هاشم وبنو المطلب أمر صلى الله عليه وسلم أن يؤتيهم حقهم من الغنيمة والفيء، وفي «مجمع البيان» للطبرسي من الشيعة المعنى وآت يا محمد ذوي قرابتك حقوقهم التي جعلها الله تعالى لهم من الأخماس. وروى أبو سعيد الخدري وغيره أنه لما نزلت هذه الآية أعطى عليه الصلاة والسلام فاطمة رضي الله تعالى عنها فدكا وسلمه إليها، وهو المروي عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله انتهى، وفيه أن هذا ينافي ما اشتهر عند الطائفتين من أنها رضي الله تعالى عنها / ادعت فدكا بطريق الإرث، وزعم بعضهم أنها ادعت الهبة وأتت على ذلك بعلي والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وبأم أيمن رضي الله تعالى عنها فلم يقبل منها لمكان الزوجية والبنوة وعدم كفاية المرأة الواحدة في الشهادة في هذا الباب فادعت الإرث فكان ما كان وهذا البحث مذكور على أتم وجه في «التحفة» إن أردته فارجع إليه. وخص بعضهم {ٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ } بالضيف وحقه بالإحسان إليه إلى أن يرتحل والمشهور أنه المنقطع عن ماله وبين المعنيين عموم من وجه، وقدم ذو القربـى اعتناء بشأنه وهو السر في تقديم المفعول الثاني على العطف والعدول عن وآت ذا القربـى والمسكين وابن السبيل حقهم، وعبر عن القريب بذي القربـى في جميع المواضع ولم يعبر عن المسكين بذي المسكنة لأن القرابة ثابتة لا تتجدد وذو كذا لا يقال في الأغلب إلا في الثابت ألا ترى أنهم يقولون لمن تكرر منه الرأي الصائب فلان ذو رأي ويكاد لا تسمعهم يقولون لمن أصاب مرة في رأيه كذلك وكذا نظائر ذلك من قولهم: فلان ذو جاه. وفلان ذو إقدام، والمسكنة لكونها مما تطرأ وتزول لم يقل في المسكين ذو مسكنة كذا قال الإمام. {ذٰلِكَ } أي الإيتاء المفهوم من الأمر {خَيْرٌ } في نفسه أو خير من غيره {لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ } أي ذاته سبحانه أي يقصدونه عز وجل بمعروفهم خالصاً أو جهته تعالى أي يقصدون جهة التقرب إليه سبحانه لا جهة أخرى والمعنيان كما في «الكشف» متقاربان ولكن الطريقة مختلفة. {وَأُوْلٰئِكَ } المتصفون بالإيتاء {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } حيث حصلوا بإنفاق ما يفني النعيم المقيم، والحصر إضافي على ما قيل: أي أولئك هم المفلحون لا الذين بخلوا بما لهم ولم ينفقوا منه شيئاً. وقيل: هو حقيقي على أن المتصفين بالايتاء المذكور هم الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وأنابوا إليه تعالى واتقوه عز وجل فلا منافاة بين هذا الحصر والحصر المذكور في أول سورة البقرة فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : فاء التفريع تفيد أن الكلام بعدها مترتب على الكلام الذي قبلها، وقد اشتمل الكلام قبلها على لحاق آثار رحمة الله بالناس، وإصابة السوء إياهم، وعلى أن ما يصيبهم من السوء بما قدمت أيدي الناس، وذكر بسط الرزق وتقديره. وتضمن ذلك أن الفرح يُلْهِيهم عن الشكر، وأن القنوط يُلْهِيهم عن المحاسبة في الأسباب، فكان الأمر بإيتاء الضعفاء والمنكوبين إرشاداً إلى وسائل شكر النعمة عند حصولها شكراً من نوعها واستكشاف الضر عند نزوله، وإلى أن من الحق التوسعة على المضيَّق عليهم الرزق، كما يُحِب أن يوسع عليه رزقه؛ فالخطاب بالأمر للنبيء صلى الله عليه وسلم باعتبار من معه من المؤمنين ممن يحق عليه الإيتاء وهو الذي بسط له في الرزق، أي فآتوا ذا القربى حقه بقرينة قوله {أية : ذلك خير للذين يريدون وجه الله} تفسير : [الروم: 38] الآية، ويجوز أن يكون خطاباً لغير معيّن من المؤمنين. والإيتاء: الإعطاء. وهو مشعر بأن المعطَى مال، ويقوي ذلك وقوع الآية عقب قوله {أية : أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء} تفسير : [الروم: 37]. وصيغة الأمر من قوله {فئات} مُجمل. والأصل في محملها الوجوب مع أن المأمور بإيتائه عبر عنه بأنه حق والأصل في الحق الوجوب. وظاهر الآية يقتضي أن المراد حق في مال المؤتِي. وعن مجاهد وقتادة: صلة الرحم ــــ أي بالمال ــــ فرض من الله عز وجل لا تقبل صدقة أحد ورَحمه محتاجة. وقال الحسن: حق ذي القربى المواساة في اليُسر، وقول ميسور في العسر. وقال ابن عطية: معظم ما قُصد أمر المعونة بالمال ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : في المال حق سوى الزكاة»، تفسير : وللمساكين وابن السبيل حق، وبَيَّن أن حق هذين في المال اهــــ. أقول ولذلك قال جمع كثير: إن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وقال فريق: لم تنسخ بل للقريب حق في البر على كل حال، أي لا نسخ في جميع ما تضمنته بل نسخ بعضه بآية المواريث وبقي ما عداه. قلت: وما بقي غير منسوخ مختلفة أحكامه، وهو مجمل تبينه أدلة أخرى متفرقة من الشريعة. و{القربى}: قُرب النسب والرحِم. وتقدم عند قوله {أية : والجار ذي القربى} تفسير : في سورة النساء (36). والمسكين تقدم في قوله {أية : للفقراء والمساكين} تفسير : في سورة التوبة (60). وابن السبيل: المسافر المجتاز بالقرية أو بالحي. ووقع الحق مجملاً والحوالة في بيانه على ما هو متعارف بين الناس وعلى ما يبينه النبي. وكانت الصدقة قبل الهجرة واجبة على الجملة موكولة إلى حرص المؤمن. وقد أطلق عليها اسم الزكاة في آيات مكية كثيرة، وقرنت بالصلاة؛ فالمراد بها في تلك الآيات الصدقة الواجبة وكانت غير مضبوطة بنُصب ثم ضبطت بأصناف ونُصُب ومقاديرَ مخرجةٍ عنها. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فإن الزكاة حق المال. وإنما ضبطت بعد الهجرة فصار ما عداها من الصدقة غير واجب. وقُصر اسم الزكاة على الواجبة وأطلق على ما عداها اسم الصدقة أو البر أو نحو ذلك، فجُماع حق هؤلاء الثلاثة المواساة بالمال، فدل على أن ذلك واجب لهم. وكان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بفرض الزكاة، ثم إن لكل صنف من هؤلاء الثلاثة حقاً؛ فحقُّ ذي القربى يختلف بحسب حاجته؛ فللغني حقه في الإهداء تودّداً، وللمحتاج حق أقوى. والظاهر أن المراد ذو القرابة الضعيف المال الذي لم يبلغ به ضعفه مبلغ المسكنة بقرينة التعبير عنه بالحق، وبقرينة مقابلته بقوله {أية : لتربوا في أموال الناس} تفسير : [الروم: 39] على أحد الاحتمالات في تفسيره. وأما إعطاء القريب الغني فلعله غير مراد هنا وليس مما يشمله لفظ {حقه} وإنما يدخل في حسن المعاملة المرغب فيها. وحق المسكين: سد خلته. وحق ابن السبيل: الضيافة كما في الحديث «حديث : جائزته يومٌ وليلة» تفسير : والمقصود إبطال عادة أهل الجاهلية إذ كانوا يؤثرون البعيد على القريب في الإهداء والإيصاء حباً للمدحة، ويؤثرون بعطاياهم السادة وأهل السمعة تقرباً إليهم، فأمر المسلمون أن يتجنبوا ذلك، قال تعالى: {أية : كُتِب عليكم إذا حَضَر أحدَكم الموتُ إنْ تَرك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف} تفسير : كما تقدم في سورة البقرة (180). ولذلك عقب بقوله هنا {ذلك خير للذين يريدون وجه الله} أي الذين يتوخّون بعطاياهم إرضاء الله وتحصيل ثوابه وهم المؤمنون. والإشارة بقوله {ذلك خير} إلى الإيتاء المأخوذ من قوله {فئاتِ ذا القربى حقَّه} الآية. وذكر الوجه هنا تمثيل كأن المعطي أعطى المال بمرأى من الله لأن الوجه هو محلّ النظر. وفيه أيضاً مشاكلة تقديرية لأن هذا الأمر أريد به مقابلة ما كان يفعله أهل الجاهلية من الإعطاء لوجه المعْطَى من أهل الوجاهة في القوم فجعل هنا الإعطاء لوجه الله. والمراد: أنه لامتثال أمره وتحصيل رضاه. واسم الإشارة في قوله {ذلك خير} للتنويه بالمأمور به. و{خير} يجوز أن يكون تفضيلاً والمفضّل عليه مفهوم من السياق أن ذلك خير من صنيع أهل الجاهلية الذين يعطون الأغنياء البعداء للرياء والسمعة، أو المراد ذلك خير من بذل المال في المراباة التي تُذكر بعد في قوله {أية : وما ءاتيتم من رِبّاً} تفسير : الآية [الروم: 39]. ويجوز أن يكون الخير ما قابل الشر، أي ذلك فيه خيرٌ للمؤمنين، وهو ثواب الله. وفي قوله {وأولئك هم المفلحون} صيغة قصر من أجل ضمير الفصل، وهو قصر إضافي، أي أولئك المتفردون بالفلاح، وهو نجاح عملهم في إيتاء من ذكر لوجه الله تعالى لا للرياء والفخر. فمن آتى للرياء والفخر فلا فلاح له من إيتائه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فآت ذا القربى حقه: أي أعط ذا القرابة حقه من البر والصلة. والمسكين: أي المعدم الذي لا مال له أعطه حقه في الطعام والشراب والكساء. وابن السبيل: أي أعط ابن السبيل أي المسافر حقه في الإِيواء والطعام. ذلك خير: أي ذلك الإنفاق خير من عدمه للذين يريدون وجه الله تعالى إذ يثيبهم ربهم أحسن ثواب. وما آتيتم من رباً: أي من هدية أو هبة وسميت رباً لأنهم يقصدون بها زيادة أموالهم. ليربوا في أموال الناس: أي ليكثر بسبب ما يرده عليكم من أهديتموه القليل ليرد عليكم الكثير. فلا يربوا عند الله: أي لا يباركه الله ولا يضاعف أجره. فأولئك هم المضعفون: أي الذين يؤتون أموالهم صدقة يريدون بها وجه الله فهؤلاء الذين يضاعف لهم الأجر أضعافاً مضاعفة. هل من شركائكم: أي من أصنامكم التي تعبدونها. من يفعل من ذلكم من شيء: والجواب لا أحد، إذاً بطلت ألوهيتها وحرمت عبادتها. سبحانه وتعالى عما يشركون: أي تنزه الرب عن الشرك وتعالى عن المشركين. معنى الآيات: لما بيّن تعالى في الآية السابقة لهذه أنه يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً ويقدر على من يشاء ابتلاء أمر رسوله وامته التابعة له بإِيتاء ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، إذ منع الحقوق الواجبة لا يزيد في سعة الرزق ولا في تضييقه، إذ توسعة الرزق وتضييقه مرده إلى تدبير الله تعالى الحكيم العليم هذا ما دل عليه قوله تعالى {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} أي من البر والصلة {وَٱلْمِسْكِينَ} وهو من لا يملك قوته {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} وهو المسافر ينزل البلد لا يعرف فيها أحداً، وحقهما: إيواءهما وإطعامهما وكسوتهما وقوله تعالى {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} أي ذلك الإِيتاء من الحقوق خير حالا ومآلا للذين يريدون وجه الله تعالى وما عنده من ثواب. وقوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون بالنجاة من العذاب في الدنيا والآخرة، وبدخول الجنة يوم القيامة وقوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} أي وما أعطيتم من هبات وهدايا تريدون بها أن يُردَّ عليكم بأكثر مما أعطيتم فهذا العطاء لا يربوا عند الله ولا يضاعف أجره بل ولا يؤجر عليه وقوله: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ} أي صدقات تريدون بها وجه الله ليرضى عنكم ويغفر لكم ويرحمكم، {فَأُوْلَـٰئِكَ} أي هؤلاء الذين ينفقون ابتغاء وجه الله {هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} أي الذين يضاعف لهم الأجر والثواب. وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} يخبر تعالى المشركين من عباده موبخا لهم على شركهم مقرعاً: الله لا غيره هو الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا ثم رزقكم بما تنموا به أجسادكم وتحفظ به حياتكم من أنواع الأغذية ثم يميتكم عند نهاية آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة للحساب والجزاء على الكسب في هذه الدنيا ثم يقول لهم {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ} المذكور من الخلق والرزق والإِماتة والإِحياء {مِّن شَيْءٍ}؟ والجواب لا وإذاً فلم تعبدونهم من دون الله، فأين يذهب بعقولكم أيها المشركون. ثم نزه تعالى نفسه عن الشرك، وتعالى عن المشركين فقال {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) وجوب إعطاء ذوي القربى حقوقهم من البر والصلة. 2) وجوب كفاية الفقراء وأبناء السبيل في المجتمع الإِسلامي. 3) جواز هدية الثواب الدنيوي كأن يهدي رجل شيئاً يريد أن يُردّ عليه أكثر منه ولكن لا ثواب فيه في الآخرة، وتسمى هذه الهدية: هدية الثواب وهي للرسول محرمة لقوله تعالى له: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} تفسير : [المدثر: 6]. 4) بيان مضاعفة الصدقات التي يراد بها وجه الله تعالى. 5) إبطال الشرك والتنديد بالمشركين وبيان جهلهم وضلال عقولهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَآتِ} {أُوْلَـٰئِكَ} (38) - وإِذا كَانَ اللهُ تَعَالى هُوَ الذِي يُبْسُطُ الرِّزْقَ، وَيَقْدِرُهُ، فأَعطِ يا أَيُّها النَّبِيُّ أَنتَ والمُؤِمِنُونَ، مَا تَستَطِيعُونَ إِعطَاءَهُ مِنَ المَالِ لِلفُقَراءِ والمُحْتاجِينَ مِنَ الأَقَارِبِ والمَسَاكِينِ الذينَ لا مالَ لَهُمْ، ولِلْمُسَافرينَ أبناءِ السَّبيلِ الذينَ انْقَطَعَتْ نَفَقَتُهُمْ، وَهُمْ بَعيدُونَ عَنْ أَهْلِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ العَوْدَةِ إِلى بَلَدِهِمْ. ثمَّ يَقُولُ تَعالى: إِنّ الإِعطَاءِ لهؤلاءِ المُحتَاجِينَ فيهِ خيرٌ للمُعْطِينَ عندَ اللهِ، وهوَ الذِي يَتَقَبَّلُ العَملَ الصَّالِحَ، ويَجزِي بهِ فَاعِلَهُ الثَّوابَ الجَزِيلَ، وَقَد رَبحَ هؤلاءِ المُعْطُونَ في صَفْقَتِهِمْ لأَنَّهُمْ أعْطَوا ما يَفْنَى، وَحَصَلُوا عَلى مَا يَبْقَى (وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى: {ذَلِكَ خَيرٌ لِمَنْ يُريدُ وَجْهَ اللهِ} هُوَ: ذَلِكَ خيرٌ لِلذِينَ يُريدُون النَّظرَ إِلى وجهِ اللهِ يومَ القِيامة).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : حينما نتأمل النسق القرآني هنا نجد أن الله تعالى ذكر أولاً البسْطَ في الرزق، ثم التقتير فيه، ثم أكَّد بعده مباشرة على حَقِّ ذي القُرْبى والمسكين وابن السبيل، وكأنه يلفت أنظارنا أن هذه الحقوق لا تقتصر على مَنْ بسط له الرزق، إنما هي على الجميع حتى مَنْ كان في خصاصه، وضُيِّق عليه رزقه، فلا ينسى هؤلاء. لذلك يذيل الحق سبحانه الآية بقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [الروم: 38] والجميع: مَنْ بُسِط له، ومَنْ قُتِر عليه يريدون وجه الله. وبمقارنة هذه الآية بآية الزكاة: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تفسير : [التوبة: 60]. فلم تذكر ذا القربى الذي ذكر هنا، وكأن الآية تشير لنا إلى أمر ينبغي أن نلتفت إليه، وهو أن القريب عيب أن نعطيه من مال الزكاة، وهذه آفة وقع فيها كثير من الأغنياء وحتى المتدينين منهم، فكثيراً ما يسألون: لي ابن عم، أو لي قريب أأعطيه شيئاً من زكاة مالي؟ وكنتُ أقول للسائل: والله، لو علم ابن عمك أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبله منك؛ لأن للقريب حقاً، سواء أكنتَ غنياً تملك نصاب الزكاة، أو لم تصل إلى حد النِّصَاب. إذن: لا تربط هؤلاء الثلاثة - القريب والمسكين وابن السبيل - بمسألة الزكاة، فلهم حَقٌّ حتى على الفقير الذي لا يملك نصاباً، وعلى مَنْ ضُيِّقْ عليه رزقه. ومع هذا الحق الذي قرره الشرع للقريب نجد كثيرين يأكلون حقوق الأقارب، ويحتالون لحرمانهم منها، فمثلاً بعض الناس لا ينجب ذكوراً، فيكتب أملاكه للبنات ليحرم عمهم أو أبناء عمومتهم من الميراث، مع أن البنت لها نصف التركة، وإنْ كُنَّ أكثر من واحدة فلهُنَّ الثلثان، ويُوزَّع الثلث على العم أو ابن العم؛ ذلك لأن البنات في هذه الحالة ليس لهن ذَكَر عصبة، فيجعلها الشرع في العم أو ابن العم. والشارع الحكيم يوازن بين الأطراف، فيأخذ منك ويعطيك، فلماذا في حالة موت الوالد عن هؤلاء البنات، وليس لهُنَّ ميراث يَعُدْن على العم أو ابن العم بالنفقة ويقاضونه في المحاكم، فلماذا نحرمهم حقوقهم ونطالب نحن بحقوقنا، فهذا نوع من التغفيل. لماذا لا نعطي العم أو ابن العم وهو الذي سيحمي البنات ويسهر على راحتهن، ويقف بجوارهن حال شدتهن؟ إيَّاك - إذن - أنْ تُدخِل الأقارب في الزكاة، أو تربط مساعدتهم بالقدرة؛ لأن لهم عليك حقاً حال رخائك وحال شدتك. ويكفي أن الحق سبحانه خصَّهم بقوله {ذَا ٱلْقُرْبَىٰ ..} [الروم: 38] ولم يقُلْ: ذا المسكنة، أو ذا السبيل، وكلمة (ذو) بمعنى صاحب، تدل على المصاحبة الدائمة والملازمة، فلا نقول: فلان ذو علم لمن علم قضية أو قضيتين، إنما لمن اتصف بالعلم الواسع وتمكَّن منه، كذلك لا نقول فلان ذو خلق إلا إذا كان الخُلُق صفة ملازمة له لا تنفك عنه. ومن ذلك نقول: ذو القربى يعني ملاصقاً لك لا ينفك عنك، فيجب أنْ تراعي حقَّه عليك، فتجعل له نصيباً، حتى إنْ لم تكُنْ تملك نصاباً، وكذلك للمسكين وابن السبيل؛ لأن الله ذكرهم معاً في غير بند الزكاة، فدلَّ ذلك على أن لهم حقاً غير الزكاة الواجبة. ونلحظ أن القرآن رتَّبهم حسب الأهمية والحاجة، فأولهم القريب لقرابته الثابتة منك، ثم المسكين وهو متوطن معروف لك، ثم ابن السبيل العابر الذي تراه يوماً ولا تراه بعد ذلك، فهو حسب موضعه من الحال. والمسكين قد يتغير حاله، ويتيسر له الرزق فيُوسِّع الله عليه، وابن السبيل يعود إلى بلده، فالوصف الثابت لذي القربى؛ لذلك وصفه الله تعالى بما يدل على الثبات. ثم قال {حَقَّهُ ..} [الروم: 38] فالحق ملازم له وهو أَوْلَى به، لذلك لم يَقُل مثلاً: وآت ذا القربى حقه، والمسكين، وابن السبيل حقوقهم. وقد مثَّلوا لذلك بقولهم: قال الأمير: يدخل عليَّ فلان، وفلان، وفلان، فالإذن بالدخول للأول يتبعه في ذلك الباقون. إذن: لهؤلاء الثلاثة خصوصية، فقد أمرك الله أنْ تعطيهم من لحمك، وألاّ تربطهم بالزكاة ولا ببسط الرزق، أما باقي السبعة المستحقون للزكاة فلم يُلزمك نحوهم بشيء غير الزكاة المفروضة. ولما حدث نقاش بين العلماء حول المراد بالمسكين والفقير، أيهما أحوج من الآخر؟ قالوا: المسكين مَنْ له مال، ولكن لا يكفيه، واستشهد أبو حنيفة على هذا المعنى بقوله تعالى: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ ..} تفسير : [الكهف: 79] فأثبت لهم ملكية وسماهم مساكين. أما الفقير فهو الذي لا شيء له، وعلى هذا فالفقير أحوج من المسكين، فيدخل في هذه الآية من باب أَوْلَى. وقوله تعالى: {ذَلِكَ ..} [الروم: 38] أي: الإيفاء لهؤلاء {خَيْرٌ ..} [الروم: 38] كلمة خير تُطلَق في اللغة، ويُراد بها أحد معنيين: مرة نقول خير ويقابلها شر كما في قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7-8]، ومرة نقول: خير ونقصد الأخْير كالأحسن أي: أفعل تفضيل، كما جاء في قول الشاعر: شعر : زَيْدٌ خِيَارُ النَّاسِ وابْنُ الأَخْير تفسير : لكن الشائع أن تُستعمل خير في أفعل التفضيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير" تفسير : فخَيْر الأولى بمعنى أخير. لكن لمن؟ {لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ..} [الروم: 38] أي: في الوفاء بحقِّ ذي القربى والمسكين وابن السبيل، يريد بذلك وجه الله، لا يريد رياءً ولا سمعة؛ لأن الذي يفعل خيراً يأخذ أجره مِمَّن فعل من أجله، فمَنْ عمل لله مخلصاً فأجره على الله، ومَنْ عمل للناس رياءً وسمعةَ فليأخذ أجره منهم. وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39] أي: فوجيء بوجود إله لم يكُنْ في باله ولم يعمل من أجله. فمعنى {يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ..} [الروم: 38] أي: يقصدون بعملهم وجه الله، سواء رآه الناس، أو أخفى عمله، حتى لا تعلم شماله ما صنعتْ يمينه؛ لأن الأمر قائم على النية، فقد تعطي أمام الناس ونيتك أنْ يتأسَّوْا بك، أو لتكُفَّ عنك ألسنتهم وقدحهم في حقك. وحين تعطي علانية بنية خالصة لله فإنها صدقة مخصِّبة للعطاء، مخصِّبة للأجر؛ لأنك ستكون أُسْوة لغيرك فيعطي، ويكون لك من الأجر مثله؛ لأن مَنْ سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة. والقرآن الكريم عرض علينا هذه القضية في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ..} تفسير : [البقرة: 264]. ثم يعطينا مثلاً توضيحياً: {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264]. فمثَل المرائي كهذا الحجر الناعم الأملس حين يصيبه المطر، وعليه طبقة من التراب يزيحها المطر، ويبقى هو صَلْداً ناعماً لا يحتفظ بشيء، ولا ينبت عليه شيء. وهذا المثَل يُجسِّد لنا خيبة سَعْي المرائي، وأنه مغفل، سعى واجتهد فانتفع الناس بسَعْيه، وتعدّى خيره إلى غيره، وخرج هو خالي الوفاض من الخير ومن الثواب. ثم يذكر الحق سبحانه المقابل: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تفسير : [البقرة: 265]. فالصدقة ابتغاء وجه الله كالأرض الخِصْبة حين ينزل عليها المطر، فيأتي نباتها مضاعفاً مباركاً فيه، فإنْ لم يكُمْ مطر كفاها الطَّل لتنبت وتُؤتي ثمارها، ولو قال: كمثل جنة لكانت كافية لكنها {أية : جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ..} تفسير : [البقرة: 265] يعني: على مكان مرتفع ليدلَّ على خصوبتها، فكلما كانت الأرض مرتفعة زادتْ خصوبتها، وخلَتْ من المياه الجوفية التي تؤثر على النبات. وهذه الجنة تُرْوى بالمطر يأتيها من أعلى، فيغسل الأوراق والغصون، فتزيد نضارتها وجودتها، والأوراق هي رئة النبات. والله تعالى يترك لآثار الذات في الناس تذكرةً وعبرة، فواحد يفعل الخير بآخر ليشتريه به، أو ليُخضع عنقه بهذا الجميل، فتكون النتيجة الطبيعية أنْ ينكر الآخر جميله، بل ويكرهه ويحقد عليه، وهذا جزاء وفاقٌ لمن عمل العمل لغير وجه الله. وهو معنى قولهم: اتَّقِ شر مَنْ أحسنتَ إليه، لماذا؟ لأنه حين يراك يتذكر ما لك من يَدٍ عليه، وما لك من فضل، فيخزي ويشعر بالذلة؛ لأن وجودك يدكُّ كبرياءه؛ لذلك يكره وجودك، ويكره أنْ يراك. فالحق سبحانه يقول: احذروا أنْ تُبطلوا المعروف بالرياء، أو بالأغراض الدنية؛ لأن معروفك هذا سيُنَكر، وسينقلب ما قدمتَ، من خير شراً عليك. إذن: عليكم بالنظر في أعمالكم إلى وجه الله لا إلى غيره، فإنْ حدث وأنكر جميلك فجزاؤك محفوظ عند الله، وكأن ربك - عز وجل - يغار عليك، ويريد أنْ يحفظ لك الجميل ويدخره عنده. وهذا المعنى عبَّر عنه الشاعر بقوله: شعر : أقُولُ لأصْحاب المرُوءَاتِ قَوْلةً تُريحهُمُ إنْ أحسَنُوا وتفضَّلُوا يَسيرُ ذوو الحَاجَاتِ خَلْفَكَ خُضَّعاً فَإِنْ أدْركُوها خلَّفُوكَ وهَرْوَلُوا فَلا تَدعِ المعْروفَ مهما تنكَّروا فَإِنَّ ثوابَ الله أربى وأجْزَلُ تفسير : وسبق أنْ ذكرتُ قصة الرجل الذي قابلنا في الطريق ونحن في الجزائر، فأشار لنا لنوصله في طريقنا، فتوقف صاحب السيارة وفتح له الباب، لكنه قبل أنْ يركب قال (على كام)؟ يعني: ثمن توصيله. فقال صاحب السيارة: لله. فقال الرجل (غَلِّتها يا شيخ). لذلك يقول بعض العارفين: إن الذين يريدون بأعمالهم وجه الله هم الذين يُغْلون أعمالهم، أي: يرفعون قيمتها، ويضاعفون ثوابها. وقوله تعالى: {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ..} [الروم: 38] بعد قوله: {أية : وَيَقْدِرُ ..} تفسير : [الروم: 37] يدل في ظاهره على أنه يأخذ منك مع أنك مُقِلٌّ، وهذا يدخل في إطار قوله تعالى: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ..} تفسير : [الحشر: 9]. وقلنا: إن الشارع حكيم، فإذا ألزمك وأخذ منك فإنما ذلك ليعطيك إنْ احتجت، وكأنه يقول لك: اطمئن فقد أمَّنْتُ لك حياتك، إن أصابك الفقر، أو كنت في يوم من الأيام مسكيناً أو ابن سبيل، فكما فعلتَ سيُفعل بك. وهذه المسألة واضحة في كفالة اليتيم، فلو أن المجتمع الإيماني عوَّضه عن أبيه عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" تفسير : لاطمأنَّ كلُّ أب على أولاده إنْ مات وتركهم؛ لأنهم في مجتمع يُعوِّضهم عن أبيهم بآباء كثيرين. والإنسان إنْ كان آمناً مُنعَّماً، فإنما يُنغِّص هذه النعمة أنها عُرْضة لأنْ تزول، فيريد الله أنْ يُؤمِّن لعبده الحياة الكريمة في امتداده من بعده، وهذا هو التأمين الحق الذي أرسله الله قضية تأمينية في الكون، ليست في شركات التأمين، إنما في يده سبحانه حيث قال: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9] فإذا اتقوا الله وقالوا القول السديد، فإن يتيمهم يصادف أناساً يكفلونه، ويخافون عليه، ويتولَّوْن أمره. وسبق أنْ تعرَّضْنا في سورة الكهف لقصة الجدار الذي تبرع الخضر - عليه السلام - ببنائه مع أنه في قرية أهلها لئام منعوهم حتى الطعام. وقلنا: إن سؤال الطعام هو أصدق سؤال، ولا يُرَدُّ سائله، ومع ذلك بناه الخضر، وقال في بيان أمر الجدار: {أية : وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ..} تفسير : [الكهف: 82]. فصلاح الأبويْن ينفع الغلامين، فيُسخِّر الله لهما مَنْ يبني لهما الجدار، ويحافظ لهما على كنزهما حتى يكبرا، ويستطيعا حمايته من هؤلاء اللئام الذين إذا علموا بأمره نهبوه من هذْين الصغيريْن. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن الفارق بين الهدية والصدقة، فيقول: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: فأعط القريب منك -على حسب قربه وحاجته- حقه الذي أوجبه الشارع أو حض عليه من النفقة الواجبة والصدقة والهدية والبر والسلام والإكرام والعفو عن زلته والمسامحة عن هفوته. وكذلك [آت] المسكين الذي أسكنه الفقر والحاجة ما تزيل به حاجته وتدفع به ضرورته من إطعامه وسقيه وكسوته. { وَابْنَ السَّبِيلِ } الغريب المنقطع به في غير بلده الذي في مظنة شدة الحاجة، لأنه لا مال معه ولا كسب قد دبر نفسه به [في] سفره، بخلاف الذي في بلده، فإنه وإن لم يكن له مال ولكن لا بد -في الغالب- أن يكون في حرفة أو صناعة ونحوها تسد حاجته، ولهذا جعل اللّه في الزكاة حصة للمسكين وابن السبيل. { ذَلِكَ } أي: إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل { خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ } بذلك العمل { وَجْه اللَّهِ } أي: خير غزير وثواب كثير لأنه من أفضل الأعمال الصالحة والنفع المتعدي الذي وافق محله المقرون به الإخلاص. فإن لم يرد به وجه اللّه لم يكن خيرا لِلْمُعْطِي وإن كان خيرا ونفعا لِلْمُعْطى كما قال تعالى: {أية : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ } تفسير : مفهومها أن هذه المثبتات خير لنفعها المتعدي ولكن من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة اللّه فسوف نؤتيه أجرا عظيما. وقوله: { وَأُولَئِكَ } الذين عملوا هذه الأعمال وغيرها لوجه اللّه { هُمُ الْمُفْلِحُونَ } الفائزون بثواب اللّه الناجون من عقابه. ولما ذكر العمل الذي يقصد به وجهه [من النفقات] ذكر العمل الذي يقصد به مقصد دنيوي فقال: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُو فِي أَمْوَالِ النَّاسِ } أي: ما أعطيتم من أموالكم الزائدة عن حوائجكم وقصدكم بذلك أن يربو أي: يزيد في أموالكم بأن تعطوها لمن تطمعون أن يعاوضكم عنها بأكثر منها، فهذا العمل لا يربو أجره عند اللّه لكونه معدوم الشرط الذي هو الإخلاص. ومثل ذلك العمل الذي يراد به الزيادة في الجاه والرياء عند الناس فهذا كله لا يربو عند اللّه. { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ } أي: مال يطهركم من الأخلاق الرذيلة ويطهر أموالكم من البخل بها ويزيد في دفع حاجة الْمُعْطَى. { تُرِيدُونَ } بذلك { وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } أي: المضاعف لهم الأجر الذين تربو نفقاتهم عند اللّه ويربيها اللّه لهم حتى تكون شيئا كثيرا. ودل قوله: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ } أن الصدقة مع اضطرار من يتعلق بالمنفق أو مع دَيْنٍ عليه لم يقضه ويقدم عليه الصدقة أن ذلك ليس بزكاة يؤجر عليه العبد ويرد تصرفه شرعا كما قال تعالى في الذي يمدح: {أية : الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى } تفسير : فليس مجرد إيتاء المال خيرا حتى يكون بهذه الصفة وهو: أن يكون على وجه يتزكى به المؤتي.

همام الصنعاني

تفسير : 2279- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ}: [الآية: 38]، قال: إذا كان لَكَ ذو قرابة، فلم تَصِلْه بمالك، ولم تَمْش إليه برجلك، فقد قطعته.