٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : ذكر هذا تحريضاً يعني أنكم إذا طلب منكم واحد باثنين ترغبون فيه وتؤتونه وذلك لا يربوا عند الله والزكاة تنمو عند الله كما أخبر النبـي عليه الصلاة والسلام: « حديث : إن الصدقة تقع في يد الرحمن فتربوا حتى تصير مثل الجبل » تفسير : فينبغي أن يكون إقدامكم على الزكاة أكثر. وقوله تعالى: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} أي أولئك ذوو الأضعاف كالموسر لذي اليسار وأقل ذلك عشرة أضعاف كل مثل لما آتى في كونه حسنة لا في المقدار فلا يفهم أن من أعطى رغيفاً يعطيه الله عشرة أرغفة بل معناه أن ما يقتضيه فعله من الثواب على وجه الرحمة يضاعفه الله عشرة مرات على وجه التفضل، فبالرغيف الواحد يكون له قصر في الجنة فيه من كل شيء ثواباً نظراً إلى الرحمة، وعشر قصور مثله نظراً إلى الفضل. مثاله في الشاهد، ملك عظيم قبل من عبده هدية قيمتها درهم لو عوضه بعشرة دراهم لا يكون كرماً، بل إذا جرت عادته بأنه يعطي على مثل ذلك ألفاً، فإذا أعطى له عشرة آلاف فقد ضاعف له الثواب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} فيه أربع مسائل: الأولى: لمّا ذكر ما يراد به وجهه ويثيب عليه ذكر غير ذلك من الصفة وما يراد به أيضاً وجهه. وقرأ الجمهور: «آتَيْتُمْ» بالمد بمعنى أعطيتم. وقرأ ابن كثير ومجاهد وحُميد بغير مدّ؛ بمعنى ما فعلتم من رِباً لِيَرْبُوَ؛ كما تقول: أتيت صواباً وأتيت خطأ. وأجمعوا على المدّ في قوله: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً}. والربا الزيادة وقد مضى في «البقرة» معناه، وهو هناك محرّم وهاهنا حلال. وثبت بهذا أنه قسمان: منه حلال ومنه حرام. قال عكرمة في قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} قال: الرِّبَا رِبَوان، ربا حلال وربا حرام؛ فأما الرّبا الحلال فهو الذي يُهْدَى، يُلتمس ما هو أفضل منه. وعن الضحاك في هذه الآية: هو الرّبا الحلال الذي يُهدى ليُثاب ما هو أفضل منه، لا له ولا عليه، ليس له فيه أجر وليس عليه فيه إثم. وكذلك قال ابن عباس: «وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً» يريد هدية الرجل الشيء يرجو أن يثاب أفضل منه؛ فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر صاحبه ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى نزلت الآية. قال ابن عباس وابن جُبير وطاوس ومجاهد: هذه آية نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلام وغيره؛ فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى. وقاله القاضي أبو بكر بن العربي. وفي كتاب النَّسائي عن عبد الرحمن بن علقمة قال: حديث : قدم وفد ثَقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هديّة فقال: «أهدية أم صدقة فإن كانت هدية فإنما يُبْتَغى بها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الحاجة، وإن كانت صدقة فإنما يُبْتَغى بها وجه الله عز وجل» قالوا: لا بل هدية؛ فقبلها منهم وقعد معهم يسائلهم ويسألونهتفسير : . وقال ابن عباس أيضاً وإبراهيم النَّخعِي: نزلت في قوم يُعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضّل عليهم، وليزيدوا في أموالهم على وجه النفع لهم. وقال الشّعْبي: معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحداً وخف له لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يَجزِي به الخدمة لا يربو عند الله. وقيل: كان هذا حراماً على النبيّ صلى الله عليه وسلم على الخصوص؛ قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} تفسير : [المدثر: 6] فنهي أن يعطي شيئاً فيأخذ أكثر منه عِوضاً. وقيل: إنه الربا المحرّم؛ فمعنى: «لاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ» على هذا القول لا يحكم به لآخذه بل هو للمأخوذ منه. قال السدي: نزلت هذه الآية في ربا ثَقيف؛ لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش. الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي: صريح الآية فيمن يَهب يطلب الزيادة من أموال الناس في المكافأة. قال المُهَلَّب: اختلف العلماء فيمن وَهَب هبة يطلب ثوابها وقال: إنما أردت الثواب؛ فقال مالك: ينظر فيه؛ فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك؛ مثل هبة الفقير للغنيّ، وهبة الخادم لصاحبه، وهبة الرجل لأميره ومَن فوقه؛ وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط؛ وهو قول الشافعي الآخر. قال: والهبة للثواب باطلة لا تنفعه؛ لأنها بيع بثمن مجهول. واحتج الكوفي بأن موضوع الهبة التبرع، فلو أوجبنا فيها العِوض لبطل معنى التبرع وصارت في معنى المعاوضات، والعرب قد فرّقت بين لفظ البيع ولفظ الهبة، فجعلت لفظ البيع على ما يستحق فيه العوض، والهبة بخلاف ذلك. ودليلنا ما رواه مالك في موطئه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيّما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته حتى يرضى منها. ونحوه عن عليّ رضي الله عنه قال: المواهب ثلاث: مَوْهبة يراد بها وجه الله، وموهبة يراد بها وجوه الناس، وموهبة يراد بها الثواب؛ فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذا لم يُثب منها. وترجم البخارِيّ رحمه الله (باب المكافأة في الهبة) وساق حديث عائشة قالت:حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويُثيب عليها. وأثاب على لِقْحة ولم ينكر على صاحبها حين طلب الثواب، وإنما أنكر سخطه للثواب وكان زائداً على القيمةتفسير : . خرجه الترمذي. الثالثة: ما ذكره عليّ رضي الله عنه وفصّله من الهبة صحيح؛ وذلك أن الواهب لا يخلو في هبته من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد بها وجه الله تعالى ويبتغي عليها الثواب منه. والثاني: أن يريد بها وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويُثْنُوا عليه من أجلها. والثالث: أن يريد بها الثواب من الموهوب له؛ وقد مضى الكلام فيه. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى»تفسير : . فأما إذا أراد بهبته وجه الله تعالى وابتغى عليه الثواب من عنده فله ذلك عند الله بفضله ورحمته؛ قال الله عز وجل: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}. وكذلك من يصل قرابته ليكون غنيًّا حتى لا يكون كَلاًّ فالنية في ذلك متبوعة؛ فإن كان ليتظاهر بذلك دنيا فليس لوجه الله، وإن كان لما له عليه من حق القرابة وبينهما من وشيجة الرحم فإنه لوجه الله. وأما من أراد بهبته وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها ويثنوا عليه من أجلها فلا منفعة له في هبته؛ لا ثواب في الدنيا ولا أجر في الآخرة؛ قال الله عز وجل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 264] الآية. وأما من أراد بهبته الثواب من الموهوب له فله ما أراد بهبته، وله أن يرجع فيها ما لم يثب بقيمتها، على مذهب ابن القاسم، أو ما لم يرض منها بأزيد من قيمتها، على ظاهر قول عمر وعليّ، وهو قول مُطَرِّف في الواضحة: أن الهبة ما كانت قائمة العين، وإن زادت أو نقصت فللواهب الرجوع فيها وإن أثابه الموهوب فيها أكثر منها. وقد قيل: إنها إذا كانت قائمة العين لم تتغير فإنه يأخذ ما شاء. وقيل: تلزمه القيمة كنكاح التفويض، وأما إذ كان بعد فوت الهبة فليس له إلا القيمة اتفاقاً؛ قاله ابن العربي. الرابعة: قوله تعالى: {لِّيَرْبُوَاْ} قرأ جمهور القرّاء السبعة: «ليربو» بالياء وإسناد الفعل إلى الربا. وقرأ نافع وحده: بضم التاء (والواو) ساكنة على المخاطبة؛ بمعنى تكونوا ذوي زيادات، وهذه قراءة ابن عباس والحسن وقتادة والشعبي. قال أبو حاتم: هي قراءتنا. وقرأ أبو مالك: «لتربوها» بضمير مؤنث. {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} أي لا يزكوا ولا يثيب عليه؛ لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه وكان خالصاً له؛ وقد تقدّم في «النساء». {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ} قال ابن عباس: أي من صدقة. {تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} أي ذلك الذي يقبله ويضاعفه له عشرة أضعافه أو أكثر كما قال: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} تفسير : [البقرة: 245]. وقال: {أية : وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}تفسير : [البقرة: 265]. وقال: «فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» ولم يقل فأنتم المضعفون لأنه رجع من المخاطبة إلى الغيبة؛ مثل قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22]. وفي معنى المُضعفين قولان: أحدهما: أنه تضاعف لهم الحسنات كما ذكرنا. والآخر: أنهم قد أضعف لهم الخير والنعيم؛ أي هم أصحاب أضعاف، كما يقال: فلان مُقْوٍ إذا كانت إبِله قوية، أَوْلَه أصحاب أقوياء. ومُسْمِن إذا كانت إبله سماناً. ومُعْطِش إذا كانت إبله عِطاشاً. ومضعِف إذا كانت إبله ضعيفة؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبِث الشيطان الرجيم»تفسير : . فالمخبث: الذي أصابه خبث، يقال: فلان رديء أي هو رديء؛ في نفسه. ومردِىء: أصحابهُ أردئاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مِّن رِباً } بأن يعطي شيئاً هبة أو هدية ليطلب أكثر منه، فسمي باسم المطلوب من الزيادة في المعاملة {لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ } المعطين، أي يزيد {فَلاَ يَرْبُواْ } يزكو {عِندَ ٱللَّهِ } أي لا ثواب فيه للمعطين {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مّن زَكَوٰةٍ } صدقة {تُرِيدُونَ } بها {وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ } ثوابهم بما أرادوه، فيه التفات عن الخطاب.
ابن عطية
تفسير : قرأ جمهور القراء "وما آتيتم" بمعنى وما أعطيتم، وقرأ ابن كثير "ما أتيتم" بغير مد بمعنى ما فعلتم كما تقول أتيت صواباً وأتيت خطأ، وأجمعوا على المد في قوله {وما آتيتم من زكاة}. و"الربا" الزيادة، واختلف المتأولون في معنى هذه الآية فقال ابن عباس وابن جبير وطاوس: هذه آية نزلت في هبات الثواب. قال الفقيه الإمام القاضي: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلم وغيره فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى، وقال ابن عباس أيضاً وإبراهيم النخعي: نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع، وقال الشعبي: معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحداً وخف به لينتفع في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزى به الخدمة {لا يربو عند الله}. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله قريب جزء من التأويل الأول، ويحتمل أن يكون معنى هذه الآية النهي عن الربا في التجارات ما حض عز وجل على نفع ذوي القربى والمساكين وابن السبيل أعلم أن ما فعل المرء من ربا ليزداد به مالاً وفعله ذلك إنما هو في أموال الناس فإن ذلك {لا يربو عند الله} ولا يزكو بل يتعلق فيه الإثم ومحق البركة، وما أعطى الإنسان من زكاة تنمية لماله وتطهيراً يريد بذلك وجه الله تعالى فذلك هو الذي يجازى به أضعافاً مضاعفة على ما شاء الله تعالى له، وقال السدي: نزلت هذه الآية في ربا ثقيف لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش، وقرأ جمهور القراء السبعة "ليربوا" بالياء وإسناد الفعل إلى الربا، وقرأ نافع وحده "لتُربوا" بضم التاء على وزن تفعلوا بمعنى تكونوا ذوي زيادة، وهذه قراءة ابن عباس وأهل المدينة الحسن وقتادة وأبي رجاء والشعبي، قال أبو حاتم هي قراءتنا، وقرأ أبو أبو مالك "لتربوها" بضمير المؤنث، و"المضعف" الذي هو ذو أضعاف من الثواب كما المؤلف الذي له آلاف، وكما تقول أخصب إذا كان ذا خصب. وهذا كثير، ومنه أربى المتقدم في قراءة من قرأ "لتُربوا" بضم التاء، ثم كرر مخاطبة الكفرة في أمر أوثانهم فذكر أفعال الله تعالى التي لا شريك له فيها وهي الخلق والرزق والإماتة والإحياء ولا يمكن أن ينكر ذلك عاقل، ووقف الكفار على جهة التقرير والتوبيخ هل من شركائهم أي الذين جعلوهم شركاء من يفعل شيئاً من ذلك، وهذا الترتيب بـ {ثم} هو في الآحاد شيئاً بعد شيء، ومن هنا أدخل الفقهاء الولد مع أبيه في تعقب الأحباس إذا كان اللفظ على أعقابهم ثم على أعقاب أعقابهم، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالتهم في الإشراك، وقرأ الجمهور "يشركون" بالياء من تحت، وقرأ الأعمش وابن وثاب بالتاء من فوق، ثم ذكر تعالى على جهة العبرة ما ظهر من الفساد بسبب المعاصي في قوله {ظهر الفساد في البر والبحر}، واختلف الناس في معنى {البر والبحر} في هذه الآية، فقال مجاهد {البر} البلاد البعيدة من البحر، و {البحر} السواحل والمدن التي على ضفة البحر والأنهار الكبار، وقال قتادة {البر} الفيافي ومواضع القبائل وأهل الصحاري، و {البحر} المدن جمع بحرة. قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول سعد بن عبادة للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله ابن أبي ابن سلول الحديث ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوجوه، ومما يؤيد هذا أن عكرمة قرأ "في البر والبحور"، ورويت عن ابن عباس، وقال مجاهد أيضاً: ظهور الفساد في البر قتل أحد ابني آدم لأخيه، وفي البحر أخذ السفن غضباً، وقال بعض العباد {البر} اللسان و {البحر} القلب، وقال الحسن بن أبي الحسن {البر والبحر} هما المعروفان المشهوران في اللغة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا هو القول الصحيح وظهور الفساد فيهما هو بارتفاع البركات ونزول رزايا وحدوث فتن وتغلب عدو كافر، وهذه الثلاثة توجد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم وقلما توجد أمة فاضلة مطيعة مستقيمة الأعمال إلا يدفع الله عنها هذه، والأمر بالعكس في أهل المعاصي وبطر النعمة، وكذلك كان أمر البلاد في وقت مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قد كان الظلم عم الأرض براً وبحراً، وقد جعل الله هذه الأشياء ليجازي بها على المعاصي فيذيق الناس عاقبة إذنابهم لعلهم يتوبون ويراجعون بصائرهم في طاعة الله تعالى، وقوله تعالى: {بما كسبت} تقديره جزاء ما كسبت، ويحتمل أن تتعلق الباء بـ {ظهر} أي كسبهم المعاصي في البر والبحر هو نفس الفساد الظاهر، والترجي في "لعل" هو بحسب معتقداتنا وبحسب نظرنا في الأمور، وقرأ عامة القراء والناس "ليذيقهم" بالياء، وقرأ قنبل عن ابن كثير والأعرج وأبو عبد الرحمن السلمي "لنذيقهم" بالنون ومعناهما بين، وقرأ أيضاً أبو عبد الرحمن "لتذيقهم" بالتاء من فوق.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّن رِّباً} هو أن يهدي الهدية ليكافأ بأفضل منها "ع"، أو رجل خدم في السفر فجعل له جزء من الربح لخدمته لا لوجه الله تعالى، أو رجل وهب قريبه ليصير غنياً ذا مال ولا يفعله طلباً للثواب. {فَلا يَرْبُواْ} لا يكون له ثواب عند الله {زكَاةٍ} مفروضة، أو صدقة. {وَجْهَ اللَّهِ} ثوابه. {الْمُضْعِفُونَ} الحسنة بعشر، أو يضاعف أموالهم في الدنيا بالنمو والبركة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً}، قرأ ابن كثير أَتَيْتُمْ مقصوراً، وقرأ الآخرون بالمد أي أعْطَيْتُم ومن قصر فمعناه جِئْتم من رباً ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء كما تقول: أتيت خطأ، وأتيت صواباً وهو يؤول في المعنى إِلى قول من مَدَّ. قوله: "لِيَرْبُو" العامة على الياء تحت مفتوحة، أسند الفعل لضمير "الرِّبَا" أي لِيَزْدادَ، ونافعٌ ويعقوبٌ بتاءٍ من فوق مضمومةً خطاباً للجماعة، قَالُوا وعلى الأول لامُ الكلمة، وعلى الثاني كلمةٌ، وعلى الثاني كلمةٌ، ضميرُ الغائبينَ. فصل ذكر هذا تحريضاً يعني أنكم إذا طلب منكم واحد باثنين (تَرْ) غَبُونَ فيه وتُؤْثِرُونَهُ، وذلك لا يربو عند الله فاختطاف أموال الناس والزكاة تنمُو عند الله كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقعُ في يَدِ الرَّحْمنِ فَتَرْبُوا حَتَّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ"تفسير : فينبغي أَن يكون إقْدَامكُمْ على الزكاة أكثرَ واختلفوا في معنى الآية قال سعيد بين جبير، ومجاهد وطاوس وقتادة والضحاك وأكثر المفسرين: هو الرجل يعطي عبده العطيَّة لِيُثيبَ أكثر منها، فهذا جائز حلالاً، ولكن لا يثاب عليه في الفقه فهو معنى قوله تعالى: {فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ} وكان هذا حراماً على النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}تفسير : [المدثر: 9] أي لا تعطِ وتطلب أكثر مما أعطيتَ، وقال النخعي: هو الرجل يعطي صديقة وقريبه ليكثر ماله، ولا يريد به وجه الله. وقال الشعبي: هو الرجل يَلْتَزِقُ بالرجل فيجزيه ويسافر معه فيحصل له ربح ماله التماس عونه لا لوجه الله فَلاَ يَرْبُو عند الله؛ لأنه لم يُردْ به وَجْهَ الله {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍَ} أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله. قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} أي أصحاب الأضعاف، قال الفراء: نحو مُسْمِن ومُعْطِشٍ أي ذي إبل سِمَانٍ وعِطَاشٍ، وتقول العرب: القوم مُهْزِلُونَ ومُسْمِنُونَ، إذا هَزِلَتْ وسَمِنَتْ، فالمُضْعِفُ ذو الأضْعَافِ من الحسنات وقرأ "أبيّ" بفتح العين، وجعله اسم مفعول. وقوله: ("فَأُولَئِكَ هُمْ" قال الزمخشري: "التفات حسن كأنه قال لملائكته وخواص خلقه) فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم "هم المُضْعِفُون" والمعنى هم المُضْعِفُونَ به لأنه من ضمير يرجع إلى ("مَا انتهى") يعني أن اسم الشرط مَتَى كان غير ظرف وَجَبَ عودُ ضميرٍ من الجواب عليه. وقد تقدم ذلك في البقرة عند: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ}تفسير : [البقرة: 97] ثم قال: "ووجه آخر: وهو أن يكون تقديره فمُؤْتُوه فأولئك هم المضعفون، والحذف لباقي الكلام من الدليل عليه"، وهذا أسهل مأخذاً، والأول أملأ بالفائدة. قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} يجوز في خبر الجلالة وجهان: أظهرهما: أنه الموصول بعدها. والثاني: أنه الجملة من قوله: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ} والموصول (صفة) للجلالة، وقدر الزمخشري الرابط المبتدأ، والجملة الرافعة (خبراً) فقال: "من ذلكم" هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ، لأن معناه من أفعاله. قال أبو حيان: والذي ذكره النحويون أن اسم الإشارة يكون رابطاً إذا أشير به إلى المبتدأ، وأما ذلك هنا فليس بإشارة إلى المبتدأ لكنه شبيه بما أجازه الفراء من الرَّبْطِ بالمعنى وذلك في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ}تفسير : [البقرة: 234] قال: التقدير يَتَرَبَّصْنَ أزواجُهُمْ، فقدر الرابط بمضاف إلى ضمير "الذين" فحصل به الربط كذلك قدر الزمخشري "من ذلكم" من أفعاله بمضاف إلى الضمير العائد إلى المبتدأ. قوله: "الَّذِي خَلَقَكُمْ" أوجدكم {رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ} جمع في هذه الآية بين الحشر والتوحيد، أما الحشر فقوله: "يُحْيِيكُمْ"، وأما الدليل فقدرته على الخلْق ابتداءً وأما التوحيد، فقوله: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ} ثم قال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي سبحوه تسبيحاً ونزهوه ولا تصفوه بالإشراك". وقوله: "تَعَالَى" أي لا يجوز ذلك عليه. قوله: "مِنْ شُرَكَائِكُمْ" خبر مقدم و "مِنْ" لِلتَّبْعيض و "مَنْ يَفْعَلُ" هو المبتدأ، و "ذلِكُمْ" متعلق بمحذوف، لأنه حال من "شَيء" بعده فإنه في الأصل صفة له و "مِنْ" الثانية مزيدة في المفعول به؛ لأنه في حَيِّز النفي المستفاد من الاستفهام والتقدير ما الذي يفعل شيئاً مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شركائكم؟. وقال الزمخشري: "ومن الأولى والثانية كل واحدة مستقلة تأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم". وقال أبو حيان: ولا أدري ما أراد بهذا الكلام؟ وقرأ الأعمش "تشركون" بتاء الخطاب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ...} [الآية: 39]. وقع التضعيف لإرادة وجه الله به لا لإيتاء الزكاة والزكاة زكاة البدن فى تطهيره من المعاصى وزكاة ماله فى تطهيره من الشبهات.
القشيري
تفسير : إيتاء الزكاة بأن تريد بها وجهَ الله، وألا تستخدم الفقير لما تَبَرُّه به من رافقه، بل أفضل الصدقة على ذي رَحمٍ كاشح حتى يكون إعطاؤُه لله مجرداً عن كل نصيبٍ لَكَ فيه، فهؤلاء هم الذين يضاعِفُ أَجْرَهم: قَهرُهم لأنفسهم حيث يخالفونها، وفوزهُم بالعِوَض مِنْ قِبَلَ الله. ثم الزكاة هي التطهير، وتطهيرُ المالِ معلومٌ ببيان الشريعة في كيفية إخراج الزكاة، وأصناف المال وأوصافه. وزكاة البَدَنِ وزكاةُ القلبِ وزكاةُ السِّرِّ.. كلُّ ذلك يجب القيام به.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} بذل الوجود فاذا بذلت بحد ارادة طلب جمال جل جلاله فيقع التضعيف فى اجر الوصول وهو دنوا الدنوا بعد الدنو قال سهل وقع التضعيف لارادة الله وجه الله به لا الى ايتاء الزكاة والزكاة زكاة البدن فى تطهيرها من المعاصى وزكاة المال فى تطهيره من الشبهات.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما} [جيزى وآنجه] {آتيتم} [مى دهيد] {من ربا} كتب بالواو للتفخيم على لغة من يفخم فى امثاله من الصلوة والزكوة او للتنبيه على اصله لانه من ربا يربوا زاد وزيدت الالف تشبيها بواو الجمع وهى الزيادة فى المقدار بان يباع احد مطعوم او نقد بنقد باكثر منه من جنسه ويقال له ربا الفضل اوفى الاجل بان يباع احدهما الى اجل ويقال له ربا النساء وكلاهما محرم. والمعنى من زيادة خالية من العوض عند المعاملة {ليربوا فى اموال الناس} ليزيدو يزكو فى اموالهم: يعنى [تازيادتى درمال سود خوران بديد آيد] {فلا يربو عند الله} لا يزيد عنده ولا يبارك له فيه كما قال تعالى {أية : يمحق الله الربا} تفسير : وقال بعضهم المراد بالربا فى الآية هو ان يعطى الرجل العطية او يهدى الهدية ويثاب ما هو افضل منها فهذا ربا حلال جائز ولكن لا يثاب عليه فى القيامة لانه لم يرد به وجه الله وهذا كان حراما للنبى عليه السلام لقوله تعالى {أية : ولا تمنن تستكثر} تفسير : اى لا تعط ولا تطكلب اكثر مما اعطيت كذا فى كشف الاسرار. يقول الفقير قوله تعالى {من ربا} يشير الى انه لو قال المعطى للآخذ انا لا اعطى هذا المال اياك على انه ربا وجعله فى حل لا يكون حالالا ولا يخرج عن كونه ربا لان ما كان حراما بتحريم الله تعالى لا يكون حلالا بتحليل غيره والى ان المعطى فى الوعيد الا اذا كانت الضرورة قوية فى جانب المعطى والاخذ سواء فلم يجد بدّا من الاخذ بطريق الرباء بان لا يقرضه احد بغير معاوضة {وما آتيتم من زكوة} مفروضة او صدقة سميت زكاة لانها تزكو وتنمو {تريدون وجه الله} تبتغون به وجهه خالصا اى ثوابه ورضاه لا ثواب غيره ورضاه بان يكون رياء وسمعه {فاولئك هم المضعفون} اى ذووا الاضعاف من الثواب كما قال تعالى {أية : ويربى الصدقات} تفسير : ونظير المضعف المقوى لذوى القوة والموسر لذوى اليسار او الذين اضعفوا ثوابهم واموالهم ببركة الزكاة وانما قال {فاولئك هم المضعفون} فعدل عن الخطاب الى الاخبار ايماء الى انه لم يخص به المخاطبون بل هو عام فى جميع المكلفين الى قيام الساعة. قال سهل رحمه الله وقع التضعيف لارادة وجه الله به لابايتاء الزكاة وزكاة البدن فى تطهيره من المعاصى. وزكاة المال فى تطهيره من الشبهات. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان فى انفاق المال فى سبيل الله تزكية النفس عن لوث حب الدنيا كما كان حال ابى بكر رضى الله عنه حيث تجرد عن ماله تزكية لنفسه كما اخبر الله تعالى عن حاله بقوله {أية : وسيجنبها الاتقى الذى يؤتى ماله يتزكى وما لاحد عنده من نعمة تجزى الا بتغاء وجه ربه الاعلى} تفسير : اى شوقا الى لقاء ربه {فاولئك هم المضعفون} اى يعطون اضعاف ما يرجون ويتمنون لانهم بقدر هممهم وحسب نظرهم المحدث يرجون والله تعالى بحسب احسانه وكرمه القديم يعطى عطاء غير منقطع انتهى. واعلم ان المال عارية مستردة فى الانسان ولا احد اجهل ممن لا ينقذ نفسه من العذاب الدائم بما لا يبقى فى يده وقد تكفل الله باعواض المنفق: وفى المثنوى شعر : كفت ييغبر كه دائم بهر بند دو فرشته خوش منادى ميكند كاى خدايا منفقانرا سيردار هردرمشانرا عوض ده صد هزار اى خدايا ممسكانرا درجهان تومده الا زيان اندر زيان كرنماند ازجود دردست تومال كى كند فضل الهت بايمال هركه كارد كردد انبارش تهى ليكش اندر مزرعه باشد بهى وانكه درانبار ماند وصرفه كرد اشبش وموش وحواد ثهاش خورد تفسير : وفى البستان شعر : بريشان كن امروز كنجينه جست كه فردا كليدش نه در دست تست تو باخود ببر توشه خويشتن كه شفقت نيايد زفرزند وزن كنون بركف ودست نه هرجه هست كه فردا بدنان كزى بشت دست بحال دل خستكان درنكر كه روزى دلت خسته باشد مكر فروماندكانرا درون شاد كن زروز فروماند كى ياد كن نه خواهندة بر در ديكران بشكرانه خواهنده ازدر مران
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ آتَيْتُمْ} هذا خبر فى معنى النّهى ولذلك حسن عطفه على الامر، ولمّا كان النّبىّ (ص) اصلاً فى الخطاب الاوّل بل كان اصل الحقوق الخلافة وكان اعطاؤه منحصراً فيه (ص) خصّه هناك بالخطاب، ولمّا كان المنظور من الحكم الثّانى امّته جمعهم معه بالخطاب او صرف الخطاب عنه (ص) اليهم {مِّن رِّباً} ما من شأنه ان يردّ مع الزّيادة من قرضٍ او هديّةٍ لقصد العوض، وخصّ هذا فى الاخبار بالهديّة الّتى يتوقّع المكافاة عليها بأزيد منها فانّه ورد عن الصّادق (ع) قال: الرّبا رباء ان؛ رباً يؤكل ورباً لا يؤكل، فامّا الّذى يؤكل فهديّتك الى الرّجل لتصيب منه الثّواب افضل منها فذلك الرّبا الّذى يؤكل وهو قول الله عزّ وجلّ {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً} (الآية) وامّا الّذى لا يؤكل فهو الّذى نهى الله عنه واوعد عليه النّار، وعن الباقر (ع) هو ان يعطى الرّجل العطيّة او يهدى الهديّة ليثاب اكثر منها فليس فيه اجر ولا وزر، وقرئ: اتيتم بالقصر بمعنى ما جئتم اليه لاعطائه من رباً {لِّيَرْبُوَ} قرئ بالياء التّحتانيّة مفرداً من الثّلاثىّ المجرّد، وبالتّاء الفوقانيّة جمعاً من باب الافعال {فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ} اى هديّةٍ او صدقةٍ او قرضٍ {تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} قد مضى قبيل هذا انّ المراد بوجه الله هو ملكوت ولىّ الامر {فَأُوْلَـٰئِكَ} التفات من الخطاب الى الغيبة تفخيماً لهم بالاتيان باسم الاشارة البعيدة {هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} يعنى انّه يربو عند الله ويربو فى الدّنيا، فعدل عن يربو عند الله للاشارة الى الزّيادة فى الدّنيا وفى الآخرة، عن امير المؤمنين (ع): فرض الله الصّلٰوة تنزيهاً عن الكبر، والزّكٰوة تسبيباً للرّزق، وعن الصّادق (ع): على باب الجنّة مكتوب: القرض بثمانية عشر، والصّدقة بعشرة، ولا اختصاص للرّبا بالمال ولا للزّكٰوة بل يجريان فى الاعمال والعرض والجاه والقوى وقوّتها.
اطفيش
تفسير : {وَمَا ءاتَيْتُم مِّن رِّباً} زيادة. {لِّيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} أي لتوقعوا الربا أي الزيادة لأنفسكم في أموال الناس. {فَلا يَرْبُوا عِندَ اللهِ} اي لا يزكوا عنده اي لا ثواب لكم فيه عنده اذ لم تريدوا به وجهه عز وجل نزل ذلك في هبة الثواب بأكثر يهب الانسان قليلا ويرجوا به كثير من الموهوب له وقال عياض: المراد هبة الثواب بأكثر وما جرى مجراها مما يصنع الانسان ليجازى عليه كالسلم وغيره فانه ولو كان لا اثم فيه فلا اجر فيه عند الله وذكر بعضهم ان هبة الشيء طلبا لاكثر منه حرام على النبي صلى الله عليه وسلم جائزة لنا وذكر ابو العباس احمد بن محمد بن بكر رضي الله عنهم من العلماء من لا يجوز العطية بأكثر مما اعطي واثم فاعل ذلك بنواه وقيل تجوز ويأخذ ويأثم بنواه في ذلك وان نوى الزيادة من جنس ما اعطي فذلك ربا حرام ومن اهدي له فليقبل وليعط خيرا مما اهدي له او مثله ولا بأس بأقل وان لم يعط فليدع للمهدي وعن ابي عبيدة: ترك المكافأة من التطفيف وهو شديد الا ان اراد في الهبة التي اريد بها المكافأة او عد الدعاء مكافأة والهدية تذهب الغل والحقد ولا يحسن للقاضي قبول الهدية الا ممن يهاديه قبل وان قبلها ولم يرد بها رشوة جاز وقيل المراد بالربا الربا المحرم في سورة البقرة ومنه قرض جر منفعة او زيادة لا يبارك في مال اخذه وسمي ما اعطي ربا لانه يجلب الربا وهو الزيادة او لانه يعوض فيه ما هو اكثر منه وقيل المراد في الآية الرجل يعطي صديقه او قريبه ليكثر ماله ولا يريد وجه الله وقيل الرجل يخدم الرجل في السفر بالربح ولم يرد صاحب المال وجه الله فلا ثواب له عند الله وقرأ ابن كثير {وَمَا أتِيْتُم} بهمزة متصلة بالتاء لا الف بينهما اي ما جئتم به من اعطاء ربا وقرأ غير نافع ويعقوب {لِتَرْبُوا} بفتح التاء اي ليزيد مالكم في مال الناس وقرىء {وَمَا أوتَيْتُم مِّن رِّبا} بالبناء للمفعول من الايتاء وقيل نزلت الآية في ثقيف وكانوا يربون. {وَمَا ءاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ} للفقير. {تُرِيدُونَ} حال من التاء او من الرابط المحذوف اي وما آتيتموه الفقير. {وَجْهَ اللهِ} بها لا مكافأة ولا رياء وسمعة. {فَأُولَئِكم هُمُ المُضْعِفُونَ} الجملة خبرا لمبتدأ والرابط محذوف اي المضعفون ثوابهم به اي بالذي اتوه من زكاة او فمؤتوه اولئك هم المضعفون وهذا اسهل مأخذا والاول املا بالفائدة كذا قيل والمضعف المكثر وذلك انهم اكثروا مالهم في الدنيا وثوابهم عند الله بالزكاة وقيل المضعف ذو الاضعاف بفتح الهمزة جمع ضعف ومثله المقوي والموسر لذي القوة وذي اليسار والحسنة بعشر فالدرهم بعشرة والدرهمان بعشرين ويضاعف الى سبعمائة الى ما شاء الله وقرىء بفتح العين أي الذين اضعف مالهم وثوابهم او الذين جعلوا ذوي ضعف وجيء بالجملة الاسمية والتأكيد بالضمير وصيغة الحصر واشارة البعيد مبالغة وتقوية ولو جيىء بطريق المقابلة لما قبله لقيل يضاعف لكم والالتفات فيه من الخطاب للغيبة للتعظيم كأنه قال لملائكته وخواص خلقه اولئك الذين يريدون وجهي هم المضعفون وهذا مدح من قولك انتم المضعفون او للتعميم كأنه قيل فمن فعل ذلك فأولئك هم المضعفون.
اطفيش
تفسير : {وما آتيتُم مِن ربا} مقابلة المضعفون، مثل قوله تعالى: "أية : يمحق الله الربا ويربي الصدقات" تفسير : [البقرة: 276] فهى تشعر بتحريم الربا مثل هذه الآية: "أية : يمحق الله" تفسير : [البقرة: 276] الخ وبه قال الحسن والسدى، كما روى عنه انها نزلت فى ثقيف، وكانوا يربون، وكذا كانت قريش، وعن ابن عباس: ان المراد العطية التي يراد بها مزيد المكافأة، وهو ربا لغوى، وهو الزيادة حقيقة، لغوية مجاز شرعى، سميت لانها سبب للزيادة، او لانها فضل لا يجب على المعطى، وعن ابن عباس: نزلت فى قوم يعطون قرابتهم واخوانهم ليكونوا ذوى مال لا لله، او ليكونوا ذوى مال يعود نفعا اليهم، ومن للبيان فى ذلك كله. {ليربُوا في أموال النَّاس} مناسب بظاهره للتفسير الاخير، اى لتوقعوا الزيادة فى اموال الناس، فيكونوا ذوى مال كثير، واولى من هذا ان المعنى لتوقعوا الزيادة لانفسكم فى مال الناس بما يعطونكم زيادة على ما اعطيتموهم، والمراد لتربوه فى اموال الناس، والهمزة للتعدية، او المراد لتزويد واموال الناس كقولهم: يخرج فى عراقيبها: نصلى، بمعنى سيجرح عراقيبها نصلى، او للصيرورة اى لتصيروا ذوى ربا فى اموال الناس. {فلا يرْبُوا عند الله} لا يبارك فيه اذا لم يتقربوا به الى الله سبحانه، ولو لم يكن على جهة الربا الشرعى بان تعطيه ليكافئك بأزيد مما اعطيته، او ليكون ذا مال كما مر، او الاية فى تحريم الربا، فيكون هذا مثل قوله تعالى: "أية : يمحق الله الربا ويُربي الصدقات" تفسير : [البقرة: 276] لا ثواب لك ولا له اذا اعيته ليزيدك مكافأة لا على طريق الربا الشرعى، ولا ذنب فى ذلك عليك ولا عليه، ولا يحل ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: "أية : ولا تمنن تستكثر" تفسير : [المدثر: 6] {وما آتيْتُم مِن زكاة تُريدُون وَجْه الله} حال من التاء، والرابط الواو، او من ما على انها شرطية مفعول لآتيتم، او من رابط الموصول على انها موصولة، اى وما آتيتموه، فالرابط محذوف، اى تريدون به، والزكاة الصدقة غير الواجبة فى المدينة، او صدقة وجبت فى مكة مخصوصة، نسخت بالواجبة فى المدينة، كما قيل به فى قوله تعالى: "أية : وآت ذا القربى حقه" تفسير : [الإسراء: 26] كما قيل: إن حق ذى القربى صلة الرحم بأنواعها، والحق المعتبر فى المسكين وابن السبيل احدى هاتين الزكاتين، لكن يلزم عليه استعمال الامر، وهو آت فى الندب والوجوب، فيجاب بأن اعطاء القرابة واجب، هكذا بلا حد. {فأولئك هُم المضعفون} اسم فاعل اضعف بهمزة الصيرورة، اى صاروا ذوى ضعف، اى يضاعف لهم ثواب ما اعطوه، كأقوى، صار ذا قوة، وأيسر، صار ذا يسر، او بهمزة التعدية اى صيروا ثوابهم كثيرا، ويدل له قراءة ابى بفتح العين، ومقتضى الظاهر يرب او يرب عند الله ليقابل قوله: {فلا يربوا عند الله} ولكن عبر بذلك ليثبت لهم المضاعفة التى هى ابلغ من الزيادة، وللتأكيد بالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، وبالحصر واشارة البعد لعلو المرتبة، وبذكر ما اعطاهم الله فى الجواب من الاضعاف دون ما انفقوا، وبطريق الالتفات عن خطابهم الى الغيبة بصرف الكلام الى الملائكة، وخواص الخلق، وان اريد باولئك هؤلاء وغيرهم ممن يماثلهم فى الاعطاء لوجه الله، اى فمؤتوه بضم التاء اسم فاعل لا يفتحها اسم مفعول اولئك هم المضعفون، فلا التفات وما تقدم اولى. واعلم ان الصحيح ان لا يلزم اعادة الضمير من فعل الشرط الى اسم الشرط لفظا اوتقديرا، اى وما آتيتموه من زكاة، وان الصحيح ان خبر اسم الشرط جوابه لا جملة الشرط، ولو قيل: من الصحيح عكس ذلك كله، الا ترى ان ايا مفعول مقدم فى قوله تعالى: "أية : أياً ما تدعوا" تفسير : [الإسراء: 110] كان مفعولا مقدما فليس مبتدأ، والا ترى انك تقول بمن تمرر: امرر به، وليست من مبتدأ، بل مجرورة بحرف غير زائدة، فما فى الموضعين ان جعلت شرطية مفعول مقدم لما بعدها، ولا يلزم جعلها مبتدأ.
الالوسي
تفسير : {وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِباً} الظاهر أنه أريد به الزيادة المعروفة في المعاملة التي حرمها الشارع، وإليه ذهب الجبائي وروي ذلك عن الحسن ويشهد له ما روي عن السدي من أن الآية نزلت في ربا ثقيف كانوا يربون وكذا كانت قريش، وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وطاوس وغيرهم أنه أريد به العطية التي يتوقع بها مزيد مكافاة وعليه فتسميتها ربا مجاز لأنها سبب للزيادة، وقيل: لأنها فضل لا يجب على المعطى. وعن النخعي أن الآية نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضيل عليهم وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع لهم وهي رواية عن ابن عباس فالمراد بالربا العطية التي تعطى للأقارب للزيادة في أموالهم، ووجه تسميتها بما ذكر معلوم مما ذكرنا، وأياً ما كان ـ فمن ـ بيان ـ لما ـ لا للتعليل. وقرأ ابن كثير {ءاتَيْتُم } بالقصر ومعناه على قراءة الجمهور أعطيتم وعلى هذه القراءة جئتم أي ما جئتم به من عطاء ربا {لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ } أي ليزيد ذلك الربا ويزكو في أموال الناس الذين آتيتموهم إياه، وقال ابن الشيخ: المعنى على تفسير الربا بالعطية ليزيد ذلك الربا في جذب أموال الناس وجلبها، وفي معناه ما قيل ليزيد ذلك بسبب أموال الناس وحصول شيء منها لكم بواسطة العطية، وعن ابن عباس والحسن وقتادة وأبـي رجاء والشعبـي ونافع ويعقوب وأبي حيوة {لتربوا} بالتاء الفوقية مضمومة وإسناد الفعل إليهم وهو باب الأفعال المتعدية لواحد بهمزة التعدية والمفعول محذوف أي لتربوه وتزيدوه في أموال الناس أو هو من / قبيل يجرح في عراقيبها نصلي أي لتربوا وتزيدوا أموال الناس، ويجوز أن يكون ذلك للصيرورة أي لتصيروا ذوي ربا في أموال الناس. وقرأ أبو مالك {لتربوها} بضمير المؤنث وكان الضمير للربا على تأويله بالعطية أو نحوها {ٰفَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ } أي فلا يبارك فيه في تقديره تعالى وحكمه عز وجل. {وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زَكَٰوةٍ } أي من صدقة {تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ } تبتغون به وجهه تعالى خالصاً {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ } أي ذوو الاضعاف على أن مضعفاً اسم فاعل من أضعف أي صار ذا ضعف بكسر فسكون بأن يضاعف له ثواب ما أعطاه كأقوى وأيسر إذا صار ذا قوة ويسار فهو لصيرورة الفاعل ذا أصله، ويجوز أن يكون من أضعف والهمزة للتعدية والمفعول محذوف أي الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ببركة الزكاة. ويؤيد هذا الوجه قراءة أبـي {ٱلْمُضْعِفُونَ } اسم مفعول، وكان الظاهر أن يقال: فهو يربو عند الله لأنه الذي تقتضيه المقابلة إلا أنه غير في العبارة إذ أثبت غير ما قبله وفي النظم إذا أتى فيما قبل بجملة فعليه وهنا بجملة اسمية مصدرة باسم الإشارة مع ضمير الفصل لقصد المبالغة فأثبت لهم المضاعفة التي هي أبلغ من مطلق الزيادة على طريق التأكيد بالاسمية والضمير وحصر ذلك فيهم بالاستحقاق مع ما في الإشارة من التعظيم لدلالته على علو المرتبة وترك ما أتوا وذكر المؤتى إلى غير ذلك، والالتفات عن الخطاب حيث قيل: {فأولئك} دون فأنتم للتعظيم كأنه سبحانه خاطب بذلك الملائكة عليهم السلام وخواص الخلق تعريفاً لحالهم، ويجوز أن يكون التعبير بما ذكر للتعميم بأن يقصد بأولئك هؤلاء وغيرهم، والراجع في الكلام إلى {مَا } محذوف إن جعلت موصولة وكذلك إن جعلت شرطية على الأصح لأنه خبر على كل حال أي فأولئك هم المضعفون به أو فمؤتوا على صيغة اسم الفاعل أولئك هم المضعفون، والحذف لما في الكلام من الدليل عليه، وعلى تقدير مؤتوه العام لا يكون هناك التفات بالمعنى المتعارف، واعتبار الالتفات أولى، وفي «الكشاف» أن الكلام عليه أملأ بالفائدة وبين ذلك بأن الكلام مسوق لمدح المؤتين حثا في الفعل وهو على تقدير الالتفات من وجوه. أحدها الإشارة بأولئك تعظيماً لهم والثاني تقريع الملائكة عليهم السلام بمدحهم. والثالث ما في نفس الالتفات من الحسن. والرابع ما في أولئك على هذا من الفائدة المقررة في نحوشعر : فذلك أن يهلك فحسبـي ثناؤه تفسير : بخلافه إذا جعل وصفاً للمؤتين وعلى ذلك التقدير يفيد تعظيم الفعل لا الفاعل وإن لزم بالعرض فلا يعارض ما يفيده بالأصالة فتأمل. والآية على المعنى الأول للربا في معنى قوله عز وجل: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَٰواْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ }تفسير : [البقرة: 276] سواء بسواء، والذي يقتضيه كلام كثير أنها تشعر بالنهي عن الربا بذلك المعنى لكن أنت تعلم أنها لو أشعرت بذلك لأشعرت بحرمة الربا بمعنى العطية التي يتوقع بها مزيد مكافاة على تقدير تفسير الربا بها مع أنهم صرحوا بعدم حرمة ذلك على غيره صلى الله عليه وسلم وحرمتها عليه عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ }تفسير : [المدثر: 6] وكذا صرحوا بأن ما يأخذه المعطى لتلك العطية من الزيادة على ما أعطاه ليس بحرام ودافعه ليس بآثم لكنه لا يثاب على دفع الزيادة لأنها ليست صلة مبتدأة بل بمقابلة ما أعطى أولا ولا ثواب فيما يدفع عوضاً وكذا لا ثواب في إعطاء تلك العطية أولاً لأنها شبكة صيد، ومعنى قول بعض التابعين الجانب المستغزر يثاب من هبته أن الرجل الغريب إذا أهدى إليك شيئاً لتكافئه وتزيده شيئاً فأثبه من هديته وزده.
ابن عاشور
تفسير : لما جرى الترغيب والأمر ببذل المال لِذَوي الحاجة وصلة الرحم وما في ذلك من الفلاح أعقب بالتزهيد في ضرب آخر من إعطاء المال لا يرضَى الله تعالى به وكان الربا فاشياً في زمن الجاهلية وصدر الإسلام وخاصة في ثقيف وقريش. فلما أرشد الله المسلمين إلى مواساة أغنيائهم فقراءَهم أتبع ذلك بتهيئة نفوسهم للكف عن المعاملة بالربا للمقترضين منهم، فإن المعاملة بالربا تنافي المواساة لأن شأن المقترض أنه ذو خَلّة، وشأن المُقرِض أنه ذو جِدَة فمعاملته المقترِض منه بالربا افتراضٌ لحاجته واستغلال لاضطراره، وذلك لا يليق بالمؤمنين. و{ما}شرطية تفيد العموم، فالجملة معترضة بعد جملة {أية : فئاتِ ذا القربى حقه}تفسير : [الروم: 38] الخ. والواو اعتراضية. ومضمون هذه الجملة بمنزلة الاستدراك للتنبيه على إيتاء مال هو ذميم. وجيء بالجملة شرطية لأنها أنسب بمعنى الاستدراك على الكلام السابق. فالخطاب للمسلمين الذين يريدون وجهَ الله الذين كانوا يُقرضون بالربا قبل تحريمه. ومعنى {ءاتيتم:} آتى بعضكم بعضاً لأن الإيتاء يقتضي مُعطياً وآخذاً. وقوله {لتربوا في أموال الناس} خطاب للفريق الآخِذِ. و{لتربوا} لتزيدوا، أي لأنفسكم أموالاً على أموالكم. وقوله: {في أموال الناس} {في} للظرفية المجازية بمعنى (من) الابتدائية، أي لتنالوا زيادة وأرباحاً تحصل لكم من أموال الناس، فحرف {في} هنا كالذي في قول سَبْرةَ الفقعسي:شعر : ونَشْرَبُ فِي أثمانها ونُقامر تفسير : أي نشرب ونقامر من أثمان إبلنا. وتقدم بيانه عند قوله تعالى {أية : وارْزُقُوهُمْ فيها واكْسُوهم} تفسير : في سورة النساء (5). و{مِن} في قوله {من رباً} وقوله {من زكاة} بيانية مبينة لإبهام {مَا} الشرطية في الموضعين. وتقدم الربا في سورة البقرة. وقوله {فلا يربوا عند الله} جواب الشرط. ومعنى {فلا يربوا عند الله} أنه عمل ناقص عند الله غير زاكٍ عنده، والنقص يكنى به عن المذمة والتحقير. وهذا التفسير هو المناسب لمحمل لفظ الربا على حقيقته المشهورة، ولموافقة معنى قوله تعالى: {أية : يمحق الله الربا ويربي الصدقات}تفسير : [البقرة: 276]، ولمناسبة ذكر الإضعاف في قوله هنا {فأولئك هم المضعفون}وقوله {أية : لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة} تفسير : في سورة آل عمران (130). وهذا المعنى مروي عن السدّي والحسن. وقد استقام بتوجيهه المعنى من جهة العربية في معنى {في} من قوله {في أموال الناس}. ويجوز أن يكون لفظ {ربا} في الآية أطلق على الزيادة في مال لغيره، أي إعطاء المال لذوي الأموال قصدَ الزيادة في أموالهم تقرباً إليهم، فيشمل هبة الثواب والهبة للزلفى والمَلَق. ويكون الغرض من الآية التنبيه على أن ما كانوا يفعلونه من ذلك لا يغني عنهم من موافقة مرضاة الله تعالى شيئاً وإنما نفعه لأنفسهم. ودرج على هذا المعنى جم غفير من المفسرين فيصير المعنى: وما أعطيتم من زيادة لتزيدوا في أموال الناس، وتصير كلمة {لتربوا}توكيداً لفظيّاً ليعلق به قوله {في أموال الناس}. وقوله {وما ءاتيتم من زكاة} الخ رجوع إلى قوله {أية : فئاتِ ذا القربى حقه}تفسير : [الروم: 38] الآية لأن ذلك الحق هو المسمى بالزكاة. وجملة {فأولئك هم المضعفون} جواب {وما ءاتيتم من زكاة}، أي فمؤتوه المضعفون، أي أولئك الذين حصل لهم الإضعاف وهو إضعاف الثواب. وضمير الفصل لقصر جنس المضعفين على هؤلاء، وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بإضعاف من عداهم لأن إضعاف من عداهم إضعاف دُنيوي زائل. واسم الإشارة في قوله {فأولئك هم المضعفون} للتنويه بهؤلاء والدلالة على أنهم أحرياء بالفلاح. واسم الإشارة إظهار في مقام الإضمار اقتضاه مقام اجتلاب اسم الإشارة. وقرأ الجمهور {ءاتيتم} بهمزتين، أي أعطيتم. وقرأه ابن كثير {أتيتم} بهمزة واحدة، أي قصدتم، أي فعلتم. وقرأ الجمهور {ليَربوَ} بتحتية مفتوحة وفتحة إعراب على واو {ليربوَ}. وكتب في المصاحف بألف بعد الواو وليس واو جماعة بالاتفاق، ورسم المصحف سنة. وقرأ نافع {لتُربوا} بتاء الخطاب مضمومة وواو ساكنة هي واو الجماعة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام، على قوله تعالى: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا} تفسير : [البقرة: 276] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 39- وما أعطيتم أكلة الربا من مال ليزيد لكم فى أموالهم فلا يَزْكو عند الله ولا يبارك فيه، وما أعطيتم من صدقة تبتغون بها وجه الله - بدون رياء ولا طمع فى مكافأة - فأولئك هم أصحاب الأضعاف من الحسنات. 40- الله - سبحانه - الذى أوجدكم، ثم أعطاكم ما تعيشون به، ثم يميتكم ثم يبعثكم من قبوركم. هل هناك من الشركاء - الذين تزعمونهم فتعبدونهم من دون الله - من يفعل من الخلق والرزق والإماتة والإحياء شيئاً من تلك الأفعال؟ تنزه الله وتعالى عما يشركون به. 41- ظهر الحرق والقحط والآفات وكساد التجارة والغرق بسبب ما فعله الناس من جرائم وآثام، ليعاقب الله الناس فى الدنيا ببعض أعمالهم لعلهم يرجعون عن المعاصى. 42- قل - يا أيها النبى - للمشركين: سيروا فى نواحى الأرض، فانظروا كيف كانت نهاية الذين مضوا قبلكم، فسترون أن الله أهلكهم وخرَّب ديارهم، لأن أكثرهم كانوا مشركين مثلكم. 43- فسدّد وجهك للدين الكامل الاستقامة المشركين، من قبل أن يأتى يوم لا يستطيع أحد أن يرده من الله، يومئذٍ يتفرق الناس وتختلف حالهم. 44- من كفر بالله فعليه وبال كفره، ومن آمن وعمل صالحاً فلأنفسهم - وحدها - يسوون طريق النعيم المقيم. 45- لأن الله يجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات على ما قدَّموا ويزيد جزاءهم تفضلا منه، لأنه يحبهم، ويُبغض الذين كفروا به وأنكروا نعمه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْتُمْ} {لِّيَرْبُوَ} {أَمْوَالِ} {يَرْبُو} {زَكَاةٍ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} (39) - قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّبا رِبَوانِ: رِباً لاَ يَصِحُّ وَهُوَ رِبَا الَبيْعِ، وَرِباً لا بَأْسَ بِِهِ وَهُوَ هَدِيَّةُ الرَّجلِ يُرِيدُ فَضْلَهَا وَإِضَعَافَهَا، وَتَلاَ هذِهِ الآيَةَ. وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ. فَمَنْ أَعطَى عَطِيَّةً، أَو أَهْدَى هَدِيَّةً وهوَ يريدُ أَنْ يَرُدَّ عليهِ النَّاسُ بأكثرَ مِنها، فَلا ثَوابَ لهُ عليهِ عندَ اللهِ وَلكِنَّ هَذا الصَّنيعَ لا إِثمَ فيهِ، وَإِن كَانَ قَدْ نَهَى اللهُ رَسُولَه عنهُ حِينَمَا قَال: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}. تفسير : أَمَّا مَنْ أَعطَى الصَّدَقَةَ يَبْتَغِي بِها وَجْهَ اللهِ تَعَالى خَالِصاً، فَأُولئِكَ الذِينَ يُضَاعِفُ اللهُ لَهُمُ الثَّوابَ والجَزَاءَ (المُضْعِفُونَ). (وَجَاءَ فِي الحَديثِ الصَّحِيحِ: حديث : وَمَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِعِدلِ تَمرةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِه فَيُرَبِّيها لِصَاحِبِها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى تَصيرَ التَّمرةُ أعظمَ مِنْ أُحُدٍتفسير : ). الرِّبا - هُوَ المُحَرَّمُ المَعْروفُ. لِيَرْبُوَ - لِيَزيدَ ذَلكَ الرِّبَا. فَلاَ يَرْبُو - فَلاَ يَزْكُوْ وَلاَ يُبَارَكُ فِيهِ. المُضْعِفُونَ - ذَوُو الأَضْعافِ مِنَ الحَسَناتِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - يعرف أن خَلْقه يفعلون الخير، ويطلبون الأجر عليه، لكن هذا الطلب قد يضيع إذا راءوا في أعمالهم، وقد يكون الأجر على قدر العمل إذا خلا من الرياء، لكن الحق سبحانه يريد أن يرتفع بالصدقة أو بالزكاة إلى مستوى عَالٍ، فيأخذ صاحبها الثمن من يد الله سبحانه مضاعفاً، وطلب الزيادات يكون في النية. فالمؤمن مثلاً يعلم أنه إذا حُيِّيَ بتحية فعليه أنْ يردَّها بخير منها، فقد يأتي فقير ويقدم لأحد الأغنياء هدية على قدر استطاعته، وفي نيته أنْ يردَّها الغني بما يناسب غِنَاه، إذن: فهو حين أعطى يطمع في الزيادة، وإن كانت غير مشروطة، ويجوز أنْ يردَّ الغنيُّ على الهدية بأفضل منها، ويجوز ألاَّ يردَّها أصلاً. فقوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً ..} [الروم: 39] أي: الزيادة بأيِّ ألوانها عما تعطي، وهذه الزيادة غير مشروطة في عقد، والزيادة تكون في المال، أو بأيِّ وسيلة أخرى فيها نفع؛ لأنهم قالوا في تعريف الربا: كل قرض جَرَّ نفعاً فهو ربا. حتى أن الإمام أبا حنيفة كان يجلس في ظل جدار لجاره، فلما طلب منه جاره مالاً وأقرضه رآه الجار لا يجلس في ظل الجدار كما كان يجلس، فسأله عن ذلك فقال: كنت أجلس في ظل جدارك وأعلم أنه تفضّل منك، أما الآن فأخاف أنْ أجلس فيه حتى لا تظن أن هذه الجلسة للمال الذي أخذتَه مني. فالمعنى: وما آتيتم من ربا تبغون به الزيادة سواء أكانتْ نفعاً، أو مالاً، أو غير مال، سواء أكانت مشروطة أو غير مشروطة. قالوا: فما حكم الهدايا إنْ رُدَّتْ بأحسن منها؟ وما ذنبي أنا المعطي في ذلك؟ قالوا: لا شيء فيها بشرط ألاَّ تكون في نيتك الزيادة، وألا تكون هديتك مشروطة، إنما تكون تحبباً وتودداً ومعروفاً بين الناس، إنما لا تأخذ عليها ثواباً من الله. وقوله {لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ ..} [الروم: 39] في هنا للظرفية، فالمال ظرف، وما تضعه فيه ينقص منه، ويزيد ما عندك {فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ ..} [الروم: 39] يربو عندك أنت بالزيادة التي تأخذها ممَّنْ حيَّيْته، أمّا عند الله فلا يربو. هكذا قال ابن عباس، وإن كان بعض العلماء قال: هي مطلق في الربا الأصل، وهذه مسألة كان يجب أنْ يُشرّع لها، لكن رأى ابن عباس أن آية الربا معروفة، وهذه للربا في زيادات التحية والمجاملات بين الناس. ثم يقول سبحانه: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ ..} [الروم: 39] أي: الذين يُؤتون الزكاة ويريدون بها وجه الله {هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] ليست من الإضعاف، إنما من الأضعاف، فالزكاة أضعاف بالفتح كما في قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ..} تفسير : [الحديد: 11] أما الربا فإضعاف بالكسر. وهذه المسألة وقف عندها بعض المستشرقين الذين يحبون أنْ يستدركوا على كلام الله، قالوا: في القرآن آيات تصادم الحديث النبوي، فالقرآن يقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ..} تفسير : [الحديد: 11]. إذن: القرض الحسن يضاعف به الله الثواب، وعندكم أن الحسنة بعشر أمثالها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مكتوب على باب الجنة: الحسنة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر" تفسير : فلو أن القرض الحسن يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فهو بعشرين لا بثمانية عشر. فقلنا له: لو تصدقْتَ بدولار مثلاً فقد عملتَ حسنة تُضَاعف لك إلى عشر، لكن أردُّ إليك دولارك الذي تصدَّقْتَ به؟ لا، إذن حقيقة الأمر أنك أخذتَ تسعة تضاعف إلى ثمانية عشر. قالوا: فلماذا زاد ثواب القرض؟ نقول: لأن المتصدِّق حين يتصدق ينقطع أمله فيما قدَّم، لكن المقرض لا يزال مُعلَّق البال في القرض ينتظر ردّه، فكلما صبر عليه أخذ أجراً، ثم إن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، أما المتصدَّق عليه فقد يقبل الصدقة وهو غير محتاج إليها، وربما كان ممَّنْ يكنزون المال. إذن: فالحق سبحانه يريد أنْ يُنمي القرض لماذا؟ قالوا: لأن الله يريد أن تسير حركة الحياة، وأنْ تتكامل، وأنت تعتز بمالك وتخاف عليه وتريد له النماء، وسوف تجد هذا كله في القرض، فاجعله قرضاً، فهو الباب الذي فتحه الله لك للزيادة وللثواب. ثم إن الله تعالى احترم ملكيتك لمالك، وحرص على حمايته لك، فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ...} تفسير : [البقرة: 282]. فالله يحفظ عليك مالك لتهدأ بالاً من ناحيته، ومع ذلك يترك مجالاً لأريحية المعطي ومروءته {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ ..} تفسير : [البقرة: 283]. وبهذه الفلسفة الإيمانية يدور المال وتسير به حركة الحياة، بحيث يضمن لصاحب المال ماله، لأنه مُحِبٌّ له حريص عليه، ويضمن لمن لا مالَ له أنْ يتحرك من مال الغير، فإذا كانت هناك أمانة أداء، فكل صاحب أمانة عليه أنْ يؤدِّيها لمستحقها. فإنِ اختلت هذه الموازين، وماطل الفقيرُ الغنيَّ، وضنَّ عليه أنْ يردَّ إليه حقه، فقد فسد حال المجتمع وانهارت فيه هذه القيم، وساعتها لا نلوم القادر على العطاء إنْ أمسك ماله عن المحتاجين للقرض ولِمَ لا؟ والناس يأكلون الحقوق، وبذلك تتوقف حركة الحياة ويتراجع المجتمع عن مسايرة حركة التقدم. فإذا كان الربا غير المشروط، وهو الربا في الهدايا والمجاملات والتحية بين الناس جعله الله للمودَّات وللمروءات بين الناس، لا يثيب عليه ولا يعاقب، وقال عنه {فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ ..} [الروم: 39]. أما الربا المشروط فقد وقف معه وقفة حازمة، وشرع له عقاباً وجعل هذا العقاب من جنس ما يضادّ غرض الذي رَابَى، فأنت ترابي لتزيد من مالك، فيقابلك الله بالنقصان {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا ..} تفسير : [البقرة: 276] لماذا؟ قالوا: لأن المعطي غنيٌّ واجد، لديه فائض من المال يعطي منه، أما الآخذ فمحتاج، فكيف نطلب من المحتاج أنْ يزيد في مال الواجد غير المحتاج؟ وكيف تكون نظرة المحتاج إليك حين يعلم أن عندك مالاً يزيد عن حاجتك، ومع ذلك ترفض أن تُقرضه القرض الحسن، بل تشترط عليه الزيادة، فتأخذ الزيادة منه وهو محتاج؟ ثم افرض أنني أخذت هذا القرض لأثمره وأنميه فخسر، أليس كافياً أنْ أخسر أنا عملي، وأنْ يضيع مجهودي؟ أمن العدل أن أخسر عملي، ثم أكون ضامناً للزيادة أيضاً؟ هذه ليست من العدالة؛ لأن شرط العقد أن يحمي مصلحة الطرفين، أما عقد الربا فلا يحمي إلا مصلحة الدائن. ونحن نرى حتى التشريعات الوضعية في الاقتصاد إذا أعطى البنك مالاً لشخص لعمل مشروع مثلاً ثم خسر وأرادوا تسوية حالته، أول شيء في إجراءاتهم أنْ يُسقطوا عنه الفوائد. وهذا يوافق شرع الله في قوله تعالى: {أية : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 279] (لا تُظلمون) بمعنى: أن نردَّ إليكم رءوس أموالكم؛ (ولا تظلمون) أي: لا نظلمك من ناحية أخرى، فنقول لك: إنْ أردتَ أنْ تتوب فرُدّ ما أخذتَه بالربا بأثر رجعي؛ لأن ما أخذتَه قد صُرِف وتصعب إعادته، وبذلك نراعي مصلحة الدائن حين نعيد إليه رأس المال، ومصلحة المدين، فلا نكلفه ردَّ مَا لا يقدر على ردِّه. وحين نتأمل هذه المسألة: آلدول أقوى أم الأفراد؟ الدول، أرأيتم دولة اقترضت مالاً من دولة أخرى، ثم استطاعت أن تُسدِّد فوائد هذا الدين فضلاً عن أصل الدَّيْن؟ كذلك الأفراد الأقوياء الذين يأخذون القروض، ثم لا يسددون مجرد الفوائد، ولا يستطيعون جدولتها ولا تسوية حالتهم، فيقعون في خصومات ومشاكل. شيء آخر، هَبْ أن رجلاً لديه مثلاً ألف جنيه ورجل لا عند له، صاحب الألف يستطيع أن يديرها، وأن يعيش منها، أما الآخر الذي لا يملك شيئاً فيقترض ليعيش مثل صاحبه، فإنْ قلت له: الألف قرضاً بمائة جنيه، فمن أين يوفر هذه المائة؟ إنْ أخذها من عائد المال يخسر، وإنْ أخذها من السلعة بأنْ يُقلل من الجودة أو من العناصر الفعالة في السلعة، أو في التغليف، جاءت السلعة أقلَّ من مثيلاتها وبارت. إذن: لا بد أن يتحملها المستهلك، وهذا إضرار به، وهو ليس طرفاً في العقد، إذن: العقد باطل. وحين نقول: إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان يجب أن نفهم هذه القضية جيداً، وإياك أن تقول: إن الإسلام لا يصلح في زمان كذا، أو في مكان كذا. والآن نسمع البعض ينصرف عن منهج الإسلام ويقول لك {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ..} تفسير : [البقرة: 286] أي: ليس في وُسْعه الآن تنفيذ شرع الله. لكن نقول له: مَن الذي يحدد الوُسْع؟ أنت أم المشرِّع سبحانه؟ ما دام الله تعالى قد كلَّف، فاعلم أن التكليف في وُسْعك، فخذ الوُسْع من التكليف، لا أن تُقدِّر أنت الوسع وتنسى ما كلَّفك الله به. لذلك ترى أن الله تعالى إذا ضاق الوُسْع يُخفِّف عنك دون أنْ تطلب أنت التخفيف، كما في صلاة وصوم المريض والمسافر .. الخ وكما في التيمم إنْ تعذَّر استعمال الماء. فلا معنى لأن نقول: إن تعاليم الدين لا تناسب العصر، إذن: اجعل العصر هو المشرِّع، وانصرف عن تشريع السماء إلى ما يحتمله العصر. لذلك قلنا: إن الحق سبحانه حينما يلقي تكاليفه يقول: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] فمعنى تعالوا: ارتفعوا عن مستوى أهواء البشر، واعلوا إلى تكاليف الله، فإنْ هبطت بالتكاليف إلى مستواك، وقُلْت ظروف العصر تحتم عليَّ كذا وكذا فقد أخضعتَ منطق السماء لمنطق الأرض، وما جاء منطق السماء إلا ليعلو بك. فإنْ نظرنا إلى مواقف العلماء من مسألة الربا، فمنهم مَنْ يُحلِّل، ومنهم مَنْ يُحرِّم وهم الكثرة، وهَبْ أنهم متساوون مَنْ يحرم ومَنْ يحلل، فما حكم الله فيما تساوتْ فيه الاجتهادات؟ النبي صلى الله عليه وسلم أوضح لنا هذه القضية في قوله: "حديث : الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حِمىً، ألا وإن حمى الله محارمه ". تفسير : فهل قال رسول الله: فمَنْ فعل الشبهات أم: فمَنْ ترك الشبهات؟ إذن: مَنْ وقع في الشبهات لم يستبرىء، لا لدينه ولا لِعرْضه، وهل يرضى أحد أنْ يُوصَف هذا الوصف؟ وعجيب أن نسمع مَنْ يقول: وما علاقة العِرْض بهذه المسألة؟ نقول: والله حتى غير المؤمن بدين يستنكف أن يقال عنه أنه مُرابٍ، عِرْضه لا يقبلها فضلاً عن دينه. لذلك؛ فالمكارون الذين يريدون أن يُغلوها، ويريدون أن يعيشوا على دماء الناس لا يدرون أن النفعية هي القانون الذي يحكم الله به خَلْقه، فيجعل لهم الحسنة بعشر أمثالها، لذلك يقول اليهود: كيف تُحرِّمون الربا والله يعاملكم به؟ نعم، الحق - سبحانه وتعالى - يعاملنا بالربا، ويعطينا بالزيادة؛ لأن هذه الزيادة لا تُنقِص مما عنده سبحانه، أمّا الزيادة من الناس ومن المحتاجين فإنها ترهقهم وتزيدهم فقراً وحاجة. ثم دَعْكَ من هذا كله، وتأمل في المحيط الذي تعيش فيه، ففي كل بلد أناس يحبون الربا ويتعاملون به، أرأيتم مرابياً مات بخير؟ أمات مرابٍ وثروته كاملة؟ لا، لأن الله تعالى لم يكن ليقول {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا ..} تفسير : [البقرة: 276] ثم يترك مرابياً ينمو ماله، ويسلم له إلى أنْ يموت، فإن اغتنى لحين، فإنما غِنَاه كيد فيه، ومبالغة في إيذائه، كما جاء في الأثر "حديث : إذا غضب الله على إنسان رزقه من الحرام، فإن اشتد غضبه عليه بارك له فيه ". تفسير : واقرأ قول الله تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 44]. لذلك نسمع "فلان ماهر في التجارة"، "فلان يضع يده في التراب يصير ذهباً" ... الخ. وسبق أن أوضحنا الفرق بين "فتحنا لهم" و "فتحنا عليهم": "لهم" أي لصالحهم بالخير، أما "عليهم" فيعني كيداً لهم وتحدياً وإهلاكاً، فالله تعالى يعطي الكافر ويُوسِّع عليه زهرة الدنيا، حتى إذا أخذه كان أخْذه أليماً، كما قلنا: إنك إنْ أردت أنَ تُوقِع عدوك لا توقعه من على الحصير، إنما من مكان عالٍ حتى يكون السقوط مؤلماً. وقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ ..} تفسير : [الأنعام: 44] والفرح بالنعمة ليس ممنوعاً، لكن هناك فرح يُحب، وفرح يُكره، وإلاَّ فالحق سبحانه نسب الفرح للمؤمنين في قوله تعالى في سورة الروم: {أية : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الروم: 4-5] وقال سبحانه: {أية : فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ ..} تفسير : [آل عمران: 170] وقال: {أية : فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ..} تفسير : [يونس: 58]. فأثبت لهم الفرح المقبول، وهو الفرح الذي يعقبه قولنا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ثم تشكر الله الذي أنعم عليك، أما الفرح المكروه فهو الفرح الذي يُورِثك بَطَراً وأَشَراً وكبراً. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 763 : 3 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ} قال، هي الهدايا. [الآية 39]. 764 : 4 - سفين عن منصور بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير قال، هو الرجل يعطي العطايا ليثاب عليها.
همام الصنعاني
تفسير : 2281- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس في قوله تعالى: { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ}: [الآية: 39]، قال: هي هدية الرجل، يُهدي الشيء يريد أن يُثاب بأفضل منه، فذلك الذي لا يربوا عند الله، لا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه، {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ}: [الآية: 39]، قا ل: هي الصدقة {تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}: [الآية: 39]. 2282- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبانا عبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ}: [الآية: 39]، قال: هو الربا الحلال يهدي الشيء لِيُثاب أفضل منه فذلِكَ لا له ولا عليه، ليس له فيه أجْرٌ، وليس عليه فيه إثم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):