٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ } أي أوجدكم {ثُمَّ رَزَقَكُمْ } أي أبقاكم، فإن العرض مخلوق وليس بمبقي {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء } جمع في هذه الآية بين إثبات الأصلين الحشر والتوحيد، أما الحشر فبقوله: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } والدليل قدرته على الخلق ابتداء، وأما التوحيد فبقوله {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء }. ثم قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } فقوله سبحانه أي سبحوه تسبيحاً أي نزهوه ولا تصفوه بالإشراك، وقوله: {وَتَعَالَىٰ } أي لا يجوز عليه ذلك وهذا لأن من لا يتصف بشيء قد يجوز عليه فإذا قال سبحوه أي لا تصفوه بالإشراك، وإذا قال وتعالى فكأنه قال ولا يجوز عليه ذلك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} ابتداء وخبر. وعاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين وأنه الخالق الرازق المميت المحيي. ثم قال على جهة الاستفهام: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ} لا يفعل. ثم نزّه نفسه عن الأنداد والأضداد والصاحبة والأولاد بقوله الحق: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء، ويجعلون لهم من أموالهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ } ممن أشركتم بالله {مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَىْءٍ }؟ لا {سُبْحَانَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } به.
النسفي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ } مبتدأ وخبر {ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } أي: هو المختص بالخلق والرزق والإماتة والإحياء {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ } أي: أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء لله {مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ } أي: من الخلق والرزق والإماتة والإحياء {مِن شَىْءٍ } أي: شيئاً من تلك الأفعال فلم يجيبوا عجزاً فقال استبعاداً: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } و «من» الأولى الثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم. {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } نحو القحط وقلة الأمطار والريع في الزراعات والربح في التجارات ووقوع الموتان في الناس والدواب وكثرة الحرق والغرق ومحق البركات من كل شيء {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ } بسبب معاصيهم وشركهم كقوله: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30] {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ } أي: ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة وبالنون عن قنبل {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عما هم عليه من المعاصي ثم أكد تسبيب المعاصي لغضب الله ونكاله بقوله: {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } حيث أمرهم بأن يسيروا فينظروا كيف أهلك الله الأمم وأذاقهم سوء العاقبة بمعصايهم. {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ ٱلْقِيّمِ } البليغ الاستقامة الذي لا يتأتى فيه عوج {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ } هو مصدر بمعنى الرد {مِنَ ٱللَّهِ } يتعلق بيأتي، والمعنى: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد كقوله تعالى: {أية : فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا }تفسير : [الأنبياء: 40] أو بمرد على معنى لا يرده هو بعد أن يجيء به ولا رد له من جهته {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } يتصدعون أي: يتفرقون ثم أشار إلى غناه عنهم.
البقاعي
تفسير : ولما وضح بهذا أنه لا زيادة إلا فيما يزيده الله، ولا خير إلا فيما يختاره الله، فكان ذلك مزهداً في زيادة الاعتناء بطلب الدنيا، بين ذلك بطريق لا أوضح منه فقال: {الله} أي بعظيم جلاله لا غيره {الذي خلقكم} أي أوجدكم على ما أنتم عليه من التقدير لا تملكون شيئاً. ولما كان الرزق موزعاً بين الناس بل هو ضيق على كثرته عن كثير منهم، فكان رزق من تجدد - لا سيما إن كان ابناً لفقير - مستبعداً، أشار إليه بأداة البعد فقال: {ثم رزقكم} ولما كانت إماتة المتمكن من بدنه وعقله وقوته وأسباب نبله عجيبة، نبه عليها بقوله: {ثم يميتكم} ولما كان كل ذلك في الحقيقة عليه هيناً، وكان الإحياء بعد الإماتة إن لم يكن أهون من الإحياء أول مرة كان مثله وإن استبعدوه قال: {ثم يحييكم}. ولما استغرق بما ذكر جميع ذواتهم وأحوالهم، وكان الشريك من قام بشيء من العمل أو المعمول فيه، وكان من المعلوم أنه ليس لشركائهم في شيء من ذلك نوع صنع، قال منكراً عليهم: {هل من} ولما كان إشراكهم بما أشركوا لم تظهر له ثمرة إلا في أنهم جعلوا لهم جزءاً من أموالهم، عبر بقوله: {شركائكم} أي الذين تزعمونهم شركاء {من يفعل من ذلكم} مشيراً إلى علو رتبته بأداة البعد وخطاب الكل. ولما كان الاستفهام الإنكاري التوبيخي في معنى النفي، قال مؤكداً له مستغرقاً لكل ما يمكن منه ولو قل جداً: {من شيء} أي يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه. ولما لزمهم قطعاً أن يقولوا: لا وعزتك! ما لهم ولا لأحد منهم في شيء من ذلك من فعل، أشار إلى عظيم ما ارتكبوه بما أنتجه هذا الدليل، فقال معرضاً عنهم زيادة في التعظيم والعظمة، منزهاً لنفسه الشريفة منها على التنزيه ببعد رتبته الشماء من حالهم: {سبحانه} أي تنزه تنزهاً لا يحيط به الوصف من أن يكون محتاجاً إلى شريك، فإن ذلك نقص عظيم. ولما كان من أخبر بأنه فعل شيئاً أو يفعله كالإماتة والإحياء بالبعث وغيره لا يحول بينه وبينه المقاوم من شريك ونحوه، قال: {وتعالى} أي علواً لا تصل إليه العقول، كما دلت عليه صيغة التفاعل، وجرت قراءة حمزة والكسائي بالخطاب على الأسلوب الماضي، وأذنت قراءة الباقين بالغيب بالإعراض للغضب في قوله معبراً بالمضارع إشارة إلى أن العاقل من شأنه أنه لا يقع منه شرك أصلاً، فكيف إذا كان على سبيل التجدد والاستمرار: {عما يشركون*} في أن يفعلوا شيئاً من ذلك أو يقدروا بنوع من أنواع القدرة على أن يحولوا بينه وبين شيء مما يريد ليستحقوا بذلك أن يعظموا نوع تعظيم، فنزهوه وعظموه بالبراءة من كل معبود سواه. ولما بين لهم سبحانه من حقارة شركائهم ما كان حقهم به أن يرجعوا، فلم يفعلوا، أتبعه ما أصابهم به على غير ما كان في أسلافهم عقوبة لهم على قبيح ما ارتكبوا، استعطافاً للتوبة فقال: {ظهر الفساد} أي النقص في جميع ما ينفع الخلق {في البر} بالقحط والخوف ونحوهما {والبحر} بالغرق وقلة الفوائد من الصيد ونحوه من كل ما كان يحصل منه قبل. وقال البغوي: البر البوادي والمفاوز، والبحر المدائن والقرى التي على المياه الجارية، قال عكرمة: العرب تسمي المصر بحراً. ثم بين سببه بقوله: {بما} ولما أغنى السياق بدلالته على السيئات عن الافتعال قال: {كسبت} أي عملت من الشر عملاً هو من شدة تراميهم إليه وإن كان على أدنى الوجوه بما أشار إليه تجريد الفعل كأنه مسكوب من علو، ومن شدة إتقان شره كأنه مسبوك. ولما كان أكثر الأفعال باليد، أسند إليها ما يراد به الجملة مصرحاً بعموم كل ما له أهلية التحرك فقال: {أيدي الناس} أي عقوبة لهم على فعلهم. ولما ذكر علته البدائية، ثنى بالجزائية فقال: {لنذيقهم} أي بما لنا من العظمة في رواية قنبل عن ابن كثير بالنون لإظهار العظمة في الإذاقة للبعض والعفو عن البعض، وقراءة الباقين بالتحتانية على سنن الجلالة الماضي؛ وأشار إلى كرمه سبحانه بقوله: {بعض الذي عملوا} أي وباله وحره وحرقته، ويعفو عن كثير إما أصلاً ورأساً، وإما المعاجلة به ويؤخره إلى وقت ما في الدنيا، أو إلى الآخرة، والمراد الجزاء بمثل أعمالهم جزاء لها تعبيراً عن المسبب بالسبب الذي أتوه إلى الناس فيعرفوا إذا سلبوا المال مقدار ما ذاق منهم ذلك الذي سلبوه، وإذا قتل لهم حميم حرارة ما قاسى حميم ما قتلوه، ونحو ذلك مما استهانوه لما أتوه إلى غيرهم من الأذى البالغ وهم يتضاحكون ويعجبون من جزعه ويستهزؤون غافلين عن شدة ما يعاني من أنواع الحرق هو ومن يعز عليه أمره، ويهمه شأنه، ويده قد غلها عن المساعدة العجز، وقصرها الضعف والقهر؛ ثم ثلث بالعلة الغائية فقال: {لعلهم يرجعون*} أي ليكون حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى رجوعه عن فعل مثل ذلك خوفاً من أن يعاد لهم بمثل ذلك من الجزاء. ولما كان الإنسان - لنقصه في تقيده بالجزئيات - شديد الوقوف مع العقل التجربي، وكان علمهم بأيام الماضين ووقائع الأولين كافياً لهم في العظة للرجوع عن اعتقادهم، والتبري من عنادهم، وكانوا - لما لم يروا آثارهم رؤية اعتبار، وتأمل وادكار، عدوا ممن لم يرها، فنبه سبحانه على ذلك بالاحتجاب عنهم بحجاب العزة، أمراً له صلى الله عليه وسلم بأن يأمرهم بالسير للنظر، فقال تأكيداً لمعنى الكلام السابق نصحاً لهم ورفقاً بهم: {قل} أي لهؤلاء الذي لا همّ لهم إلا الدنيا، فلا يعبرون فيما ينظرون من ظاهر إلى باطن: {سيروا} وأشار إلى استغراق ديار المهلكين كل حد ما حولهم من الجهات كما سلف فقال: {في الأرض} فإن سيركم الماضي لكونه لم يصحبه عبرة عدم. ولما كان المراد الانقياد إلى التوحيد، وكان قد ذكرهم بما أصابهم على نحو ما أصاب به الماضين قال: {فانظروا} بفاء التعقيب، ولما كان ما أحله بهم في غاية الشدة، عرفهم بذلك، فساق مساق الاستفهام تخويفاً لهم من إصابتهم بمثله فقال: {كيف} ولما كان عذابهم مهولاً، وأمرهم شديداً وبيلاً، دل عليه بتذكير الفعل فقال: {كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان المراد طوائف المعذبين، وكانوا بعض من مضى، فلم يستغرقوا الزمان، بعض فقال: {من قبل} أي من قبل أيامكم أذاقهم الله وبال أمرهم، وأوقعهم في حفائر مكرهم. ولما كان هذا التنبيه كافياً في الاعتبار، فكان سامعه جديراً بأن يقول: قد تأملت فرأيت آثارهم عظيمة، وصنائعهم مكينة، ومع ذلك فمدنهم خاليه وبيوتهم خاوية، قد ضربوا بسوط العذاب، فعمهم الخسار والثياب، فما لهم عذبوا، فأجيب بقوله: {كان أكثرهم مشركين*} فلذلك أهلكناهم ولم تغنِ عنهم كثرتهم، وأنجينا المؤمنين وما ضرتهم قلتهم. ولما كانوا مع كثرة مرورهم على ديارهم، ونظرهم لآثارهم، وسماعهم لأخبارهم، لم يتعظوا، أشير إلى أنهم عدم، بصرف الخطاب عنهم، وتوجيهه إلى السامع المطيع، فقال مسبباً عما مضى من إقامة الأدلة والوعظ والتخويف: {فأقم} أي يا من لا يفهم عنا حق الفهم سواه، لأنا فضلناه على جميع الخلق {وجهك} أي لا تلفته أصلاً {للدين القيِّم} الذي لا عوج فيه بوجه، بل هو عدل كله، من التبري من الأوثان إلى التلبس بمقام الإحسان، فالزمه واجعله بنصب عينك لا تغفل عنه ولا طرفة عين، لكونه سهلاً فيما تسبب الإعانه عليه في الظاهر بالبيان الذي ليس معه خفاء، وفي الباطن بالجبل عليه حتى أنه ليقبله الأعمى والأصم والأخرس، ويصير فيه كالجبل رسوخاً. ولما كان حفظ الاستقامة عزيزاً، أعاد التخويف لحفظ أهلها، فقال ميسراً الأمر بعدم استغراق الزمان بإثبات الجار، إشارة إلى الرضا باليسير من العمل ولو كان ساعة من نهار، بشرط الاتصال بالموت: {من قبل} وفك المصدر للتصريح فقال: {أن يأتي يوم} أي عظيم، وهو يوم القيامة، أو الموت، وأشار إلى تفرده سبحانه في الملك بقوله: {لا مرد له} ولفت الكلام في رواية قنبل من مظهر العظمة إلى أعظم منه لاقتضاء المقام ذلك وأظهر في رواية الباقين لئلا يتوهم عود الضمير إلى الدين فقال: {من الله} وإذا لم يرده هو لوعده بالإتيان به، وهو ذو الجلال والإكرام، فمن الذي يرده. ولما حقق إتيانه، فصل أمره مرغباً مرهباً، فقال: {يومئذ} أي إذ يأتي {يصدعون*} أي تتفرق الخلائق كلهم فرقة قد تخفى على بعضهم - بما أشار إليه الإدغام، فيقولون: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار. ولما كان المعنى أنهم فريق في الجنة وفريق في السعير، بين ذلك ببيان عاقبة سببه في جواب من كأنه قال: إلى أين يتفرقون؟ قائلاً: {من كفر} أي منهم فعلم شيئاً {فعليه} أي لا على غيره {كفره} أي وباله، وعلى أنفسهم يعتدون ولها يهدمون فيصيرون في ذلك اليوم إلى النار التي هم بها مكذبون، ومن كان عليه كفره الذي أوبقه إلى الموت، فلا خلاص له فيما بعد الفوت، ووحد الضمير رداً له على لفظ من نصاً على أن كل واحد مجزيّ بعمله لا المجموع من حيث هو مجموع، وإفهاماً لأن الكفرة قليل وإن كانوا أكثر من المؤمنين، لأنهم لا مولى لهم، ولتفرق كلمتهم {أية : تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} تفسير : [الحشر: 14] ولأنه لا اجتماع بين أهل النار ليتأسى بعضهم ببعض، بل كل منهم في شغل شاغل عن معرفة ما يتفق لغيره {ومن عمل صالحاً} أي بالإيمان وما يترتب عليه، وأظهر ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على {من كفر} وبشارة بأن أهل الجنة كثير وإن كانوا قليلاً، لأن الله مولاهم فهو يزكيهم ويؤيدهم، وفي جمع الجزاء مع إفراد الشرط ترغيب في العمل من غير نظر إلى مساعد بأنه ينفع نفسه وغيره، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وأقل ماينفع والديه وشيخه في ذلك العمل، وعبر بالنفس ليدل - بعد الدلالة على إرادة العامل ومن شايعه حتى كان بحكم اتحاد القصد إياه - على أن العمل الصالح يزكي النفوس ويطهرها من رذائل الأخلاق، فقال: {فلأنفسهم} أي خاصة أعمالهم ولهم خاصة عملهم الصالح ولأنفسهم {يمهدون} أي يسوون ويوطئون منازل في القبور والجنة، بل وفي الدنيا فإن الله يعزهم بعز طاعته، والآية من الاحتباك: حذف أولاً عدوانهم على أنفسهم لما دل عليه من المهد، وثانياً كون العمل خاصاً بهم لما دل عليه من كون الكفر على صاحبه خاصة، وأحسن من هذا أن يقال: ذكر الكفر الذي هو السبب دليلاً على الإيمان ثانياً، والعمل الصالح الذي هو الثمرة ثانياً دليلاً على العمل السيء أولاً.
التستري
تفسير : قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ}[40] قال: أفضل الرزق السكون إلى الرازق. قوله: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}[40] يعني يهلككم. قال: إن الله تعالى خلق الخير والشر، ووضع الأمر والنهي، فاستعبدنا بالخير وقرنه بالتوفيق، ونهانا عن الشر وقد قرن ارتكابه بترك العصمة والخذلان، فالجميع خلقه، فمن وفق للخير وجب عليه الشكر، ومن ترك مع الشر وجب عليه الاستغاثة بالله عزَّ وجلَّ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [الآية: 40]. قال الحسين: خلقكم بقدرته ورزقكم معرفته وأماتكم عن الأعيان وأحياكم به. وقال: الرزق فى الدنيا الحياة واللذة ثم الشهوة والعيش والرزق فى الآخرة المغفرة والرضوان ثم تكون بعدهما الدرجات. وقال الواسطى رحمة الله عليه: أى جرَّكم إلى جميع ما قصد بكم ثم يميتكم ثم يحييكم بالاستثارة والتجلى ثم رزقكم الطاعة والعلم به ثم يميتكم عما سبق منه إليكم ثم يحييكم - أى ينبهكم عن أوائلكم - ثم إليه ترجعون تحت أسر القوة. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: رزقكم العلم به والرجوع إليه. وقال أبو يعقوب السوسى: رزقكم خدمته والإقبال عليه. قال سهل: أفضل رزق العبد سكونه مع رازقه. وقال جعفر: خلقكم ثم رزقكم جر كلكم إلى إظهار الربوبية فيكم ثم يميتكم ثم يحييكم بالاستثارة والتجلى. قال أبو الحسين الوراق: أخبر الله عن ابتداء خلقك أنه خلقك ثم أخبرك أنه سواك ثم أخبر أنه رزقك ثم أخبر عن فنائك أنه يميتك ثم أخبر عن بعثك أنه يحييك فهو الأول فى خلقك ورزقك وموتك وحياتك لترجع إليه فى جميع مهماتك ولا تخرج عن سواه فإنه لا يقدر أحد على هذه الأحوال غيره وحاجات الخلق قائمة إليه كحاجتك فاعبد من يملك كشف الضر عنك. وقال شقيق فى قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ...} الآية. قال: كما لا تستطيع أن تزيد فى خلقك ولا فى حياتك كذلك لا تستطيع أن تزيد فى رزقك فلا تتعب نفسك فى طلب الرزق.
القشيري
تفسير : {ثُمَّ} حرقٌ يقتضي التراخي؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس من ضرورة خَلْقِه إياك أن يرزقك؛ كنتَ في ضعف أحوالك ابتداءَ ما خَلَقَكَ، فأثبتك وأحياك من غير حاجةٍ لك إلى رزقٍ؛ فإلى أن خرجتَ من بَطْنِ أُمّك: إمَّا أن كان يُغْنِيكَ عن الرزق وأنت جنينٌ في بطن الأم ولم يكن لك أكلٌ ولا شُرْبٌ، وإمَّا أن كان يعطيك ما يكفيك من الرزق - إنْ حَقَّ ما قالوا: إن الجنينَ يتَغَذَّى بدم الطمث. وإذا أخرجك من بطن أمك رَزَقَكَ على الوجه المعهود فى الوقت المعلوم، فَيَسَّرَ لكَ أسبابَ الأكل والشرب من لَبنِ الأم، ثم من فنون الطعام، ثم أرزاق القلوب والسرائر من الإيمان والعرفان وأرزاق التوفيق من الطاعات والعبادات، وأرزاق للسان من الأذكار وغير ذلك مما جرى ذكره. {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} بسقوط شهواتكم، ويميتكم عن شواهدكم. {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بحياة قلوبكم ثم يحييكم بربِّكم. ويقال: من الأرزاق ما هو وجود الأرفاق ومنها ما هو شهود الرزاق. ويقال: لا مُكْنَةَ لك في تبديل خَلْقِكَ، وكذلك لا قدرةَ لَكَ على تَعَسُّر رزقِك، فالمُوَسَّعُ عليه رزقُه - بِفَضْلِه سبحانه.. لا بمناقِب نَفْسِه، والمُقَتّرُ عليه رزقُه بحُكْمِه سبحانه.. لا بمعايب نَفْسِه. {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ}؛ هل من شركائكم الذين أثبتموهم أي من الأصنام أو توهمتموهمٌّ من جملة الأنام.. مَنْ يفعل شيئاً من ذلك؟ {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ} تنزيهاً له وتقديساً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} لمخلقكم بحكمته ورزقكم بمحبته ومعرفته ثم يميتكم عنكم وعن الكون ثم يحيكم بحياته وايضا يميتكم بسطوة عظمته ثم يحيكم بجمال وصلته ثم بقى فى مواهبة السنية علل الاكتساب والخليفة بقوله {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ} ثم نزه نفسه عن تناول احد بسبب ما اوان يكون عطاؤه بعلة بقوله {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال الحسين خلقكم بقدرته ورزقكم معرفته واماتكم عن الاغيار واحياكم به قال ابن عطا رزقكم العلم به والرجوع اليه قال شقيق كما لا تستطيع ان تزيد فى خلقكم ولا فى حياتك كذلك لا تستطيع ان تزيد فى رزقك فلا تتعب نفسك فى طلب الرزق.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله} وحده {الذى خلقكم} اوجدكم من العدم ولم تكونوا شيئا {ثم رزقكم} اطعمكم ماعشتم ودمتم فى الدنيا. قال فى كشف الاسرار [يكى را روزى وجود ارزاقست ويكى راشهود رزاق عامة خلق دريند روزى وتهى معده اند طعام وشراب ميخواهند واهل خصوص روزئ دل خواهند توفيق طاعات واخلاص عبادات دون همت كسى باشد كه همت وى همه آن نان بود شربتى آب "من كانت همته مايأ كل فقيمته ما يخرج منه" نيكر سخنى كه آن جوانمرد كفت] شعر : اى توانكر بكنج خرسندى زين بخيلان كناره كير وكنار اين بخيلان عهدما همه بار راح خوردند ومستراح انبار تفسير : {ثم يميتكم} وقت انقضاء آجالكم {ثم يحييكم} فى النفخة الاخيرة ليجازيكم بما عملتم فى الدنيا من الخير والشر فهو المختص بهذه الاشياء {هل من شركائكم} اللاتى زعمتم انها شركاء الله {من يفعل من ذلكم} اى الخلق والرزق والاماتة والاحياء {من شئ} اى لا يفعل احد شيأ قط من تلك الافعال [جون ازهيجكدام آن كار نيايدش بتانرا شريك كرفتن نشايد] ومن الاولى والثانية تفيدان شيوع الحكم فى جنس الشركاء والافعال والثالثة مزيدة لتعميم المنفى وكل منهما مستعملة للتأكيد لتعجيز الشركاء {سبحانه} تنزه تنزيها بليغا {وتعالى} تعاليا كبيرا {عما يشركون} عن اشراك المشركين. وفى التأويلات النجمية {الله الذي خلقكم} من العدم باخراجكم الى عالم الارواح {ثم رزقكم} استماع كلامه بلا واسطة عند خطابه "ألست بربكم" وهو رزق آذانكم ورزق ابصاركم مشاهدة شواهد ربوبيته ورزق قلوبكم فهم خطابه ودرك مراده من خطابه ورزق ألسنتكم اجابه سؤاله والشهادة بتوحيده {ثم يميتكم} بنور الايمان والايقان والعرفان {هل من شركائكم} من الاصنام والانام {من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى} منزه بذاته وصفاته {عما يشركون} اعداؤه بطريق عبادة الاصنام واولياؤه بطريق عباده الهوى انتهى. وفى الحديث القدسى "حديث : انا اغنى الشركاء عن الشرك" تفسير : يعنى انا اكثر استغناء عن العمل الذى فيه شركة لغيرى فافعل للزيادة المطلقة من غير ان يكون فى المضاف اليه شىء مما يكون فى المضاف ويجوز ان يكون للزيادة على من اضيف اليه يعنى انا اكثر الشركاء استغناء وذلك لانهم قد يثبت لهم الاستغناء فى بعض الاوقات والاحتياج فى بعضها والله تعالى مستغن فى جميع الاوقات "من عمل عملا اشرك فيه معى غيرى تركته وشركه" بفتح الكاف اى مع شركه والضمير فى تركته لمن يعنى ان المرائى فى طاعته آثم لا ثواب له فيها. قيل الشرك على اقسام اعظمها اعتقاد شريك الله فى الذات ويليه اعتقاد شريك لله فى الفعل كقول من يقول العباد خالقون افعالهم الاختيارية ويليه الشرك فى العبادة وهو الرياء وهذا هو المراد فى الحديث. قال الشيخ ابو حامد رحمه الله اذا كان مع الرياء قصد الثواب راجحا فالذى نظنه والعلم عند الله ان لا يحبط اصل الثواب ولكن ينقص منه فيكون الحديث محمولا على ما اذا تساوى القصدان او يكون قصد الرياء ارجح. قال الشيخ الكلا باذى رحمه الله العمل اذا صح فى اوله لم يضره فساد بعد ولا يحبطه شئ دون الشرك لان الرياء هو ما يفعل العبد من اوله ليرائي به الناس ويكون ذلك قصده ومراده عند اهل السنة والجماعة لقوله تعالى {أية : خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} تفسير : ولو كان الامر على ما زعم المعتزلة من احباط الطاعات بالمعاصى لم يجز اختلاطها واجتماعها كذا فى شرح المشارق لابن الملك. قال فى الاشباه نقلا عن التاتارخانية لو افتتح الصلاة خالصا لله تعالى ثم دخل فى قلبه الرياء فهو على ما افتتح والرياء انه لو خلا عن الناس لا يصلى ولو كان مع الناس يصلى فاما لو صلى مع الناس يحسنها ولو صلى وحده لا يحسن فله ثواب اصل الصلاة دون الاحسان ولا يدخل الرياء فى الصوم انتهى. فعلى العاقل ان يجتهد فى طريق الكشف والعيان حتى يلاحظ الله تعالى فى كل فعل باشره من مأموراته ولا يلاحظ غيره من مخلوقاته ألا يرى ان الراعى اذا صلى عند الاغنام لا يلتفت اليها اذ وجودها وعدمها سواء فالرياء لها هواء والله تعالى خلق العبد وخلق القدرة على الحركة ورزقه القيام بامره فما معنى الشركة شعر : اكر جز بحق ميرود جاده ات در آتش فشانند سجاده ات تفسير : نسأل الله سبحانه وتعالى الخلاص من الاغيار واخراج الملاحظات والافكار من القلب الذى خلق للتوجه اليه والحضور لديه شعر : ترابكو هردل كرده اند امانتدار زدزد امانت حق را نكاه دار مخسب
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (الله): مبتدأ، و (الذي خلقكم) خبر. يقول الحق جل جلاله: {الله الذي خلقكم}؛ أظهركم {ثم رزقكم} ما تقوم به أبدانكم، {ثم يُميتكم} عند انقضاء آجالكم، {ثم يُحييكم}؛ عند بعثكم؛ ليجازيكم على فعلكم، أي: هو المختص بالخلق والرزق، والإماتة، والإحياء. {هل من شركائكم}؛ أصنامكم {من يفعل من ذلكم من شيء} أي: الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، {هل من شركائكم}؛ أصنامكم {من يفعل من ذلكم من شيء} أي: الخلق, وارزق, والإماتة, والإحياء, {من شيء} أي: شيئاً من تلك الأفعال؟ فلم يجيبوا، عجزاً، فقال استبعاداً وتنزيهاً: {سبحانه وتعالى عما يشركون}.و"من"؛ الأولى، والثانية، والثالثة: زوائد؛ لتأكيد عجز شركائهم، وتجهيل عَبَدَتِهِمْ. الإشارة: ذكر الحق تعالى أربعة أشياء متناسقة أنه هو فاعلها، فأقر الناس بثلاثة، وشكُّوا في الرزق، وقالوا: لا يكون إلا بالسبب، والسبب إنما هو ستر لسر الربوبية. فإذا تحقق وجوده في حق العامة ارتفع حق الخاصة، فيرزقهم بلا سبب، لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}تفسير : [الطلاق: 2، 3]. قال القشيري: حين قذفك في بَطْنِ أُمّك قد كنت غنياً عن الأكل والشراب بقدرته أو مفتقراً إليه، فأجرى رزقه عليك مع الطمث، على ما قالوا، وإذا أخرجك من بطن أمك رزقك على الوجه المعهود في الوقت المعلوم، فيسر لك أسباب الشُرْب والأكل من لبن الأم، ثم من فنون الطعام، ثم أرزاق القلوب والسرائر، من الإيمان والعرفان، وأرزاق التوفيق؛ من الطاعات والعبادات، وأرزاق اللسان؛ من الأذكار، وغير ذلك مما جرى ذكره. {ثم يُميتكم} بسقوط شهواتكم، ويُميتكم عن شواهدكم، {ثم يحييكم} بحياة قلوبكم، ثم بأن يحييكم بربكم. ويقال: من الأرزاق ما هو وجود الأرفاق، ومنها ما شهود الرزاق، ويقال: لا مُكْنَةَ لك في تبديل خلقك، فكذلك لا قدرة لك على تغيير رزقك. فالمُوَسَّع عليه: رزقه بفضل ربه، لا بمناقب نفسه. والمُقَتّر عليه رزقُه بحُكم ربه لا بمعايب نفسه. هـ. وبعضه بالمعنى. وقد يُضَيِّق رزقه على العباد لما يظهر فيهم من الفساد، كما قال تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي...}
الجنابذي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} جملة منقطعة عن سابقها {ثُمَّ رَزَقَكُمْ} فما لكم تبخلون {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} فما لكم تجمعون وتدّخرون {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} فما لكم لا تدّخرون لحيٰوتكم الباقية بالاعطاء من الفانيات والارباء عند الله {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ} الزام لهم على الاقرار بعجز الشّركاء وابطال شراكتهم {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قرئ بالغيبة والخطاب.
الأعقم
تفسير : {الله الذي خلقكم} أحدثكم ابتداء {ثم رزقكم} أي أعطاكم أنواع النعم {ثم يميتكم ثم يحييكم} بعد الممات {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} أي يقدر على مثل ذلك {سبحانه} براءة له من الشرك {و} من كل شيء {تعالى} جده {عما يشركون} {ظهر الفساد في البر والبحر} نحو الجدب والقحط، وقلّة الريع في الزراعات، والربح في التجارات، ووقوع الموتان في الناس والدواب، وكثر الغرق والحرق، ومحق البركات من كل شيء، وقلة المنافع في الجملة، وكثرة المضار، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر، وعن عكرمة: العرب تسمي الأمصار البحار، وعن ابن عباس: ظهر الفساد في البر بقتل ابن آدم أخاه، وفي البحر بأن جلندى كان يأخذ كل سفينة غصباً {بما كسبت أيدي الناس} كسبت معاصيهم وذنوبهم {ليذيقهم بعض الذي عملوا} قيل: عقوبات بعض الذي عملوا {لعلهم يرجعون} عن أفعالهم القبيحة {قل سيروا في الأرض} روي عن ابن عباس أنه قال: من قرأ القرآن وعلمه فهو سائر في الأرض يعني أنه فيه أخبار الأمم {فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} من قبلهم من الأمم الماضية كيف أهلكهم الله {كان أكثرهم مشركين} {فأقم وجهك للدين القيم} اي استقم للدين القيم {من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} أي لذلك اليوم {يومئذ يصدعون} أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير {من كفر فعليه كفره} أي جزاء كفره {ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون} أي يفرشون ويُسوُّون المضاجع في القبر والقيامة وهذا توسُّع، والمراد أن من أصلح عمله فالله يجزيه الجزاء الحسن {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله}، قيل: من عطائه لأنه وعد الثواب الكثير على العمل القليل {إنه لا يحب الكافرين} أي لا يريد كرامتهم خلاف المؤمنين {ومن آياته أن يرسل الرياح} أي من حججه الدالة على توحيده أن يرسل الرياح لا يقدر عليه أحد إلا {مبشّرات} أي تبين بالمطر {وليذيقكم} يعطيكم {من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} هذه النعم، قوله تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك} يا محمد {رسلاً إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات} بالحجج {فانتقمنا من الذين أجرموا} أي أغفلناهم فأهلكناهم بسوء أفعالهم وفيه بشارة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه ينتقم له من أعدائه {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} {الله الذي يرسل الرياح} يعني هو القادر على إرساله {فتثير سحاباً} أي تهيج سحاباً وتجمعه {فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً} أي قطعاً متفرقة أو متراكم بعضه ببعض {فترى الودق} المطر {يخرج من خلاله} من وسطه {فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون} {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} أي آيسين من نزول المطر {فانظر إلى آثار رحمة الله} أي المطر وانبات ما أظهر من النبات والأشجار {كيف يحيي الأرض بعد موتها} أي يحييها بالنبات والثمار بعد يبسها وجدوبتها فجعل اليبس والجدوبة بمنزلة الموت والنبات بمنزلة الحياة {إن ذلك لمحيي الموتى} يعني من كسى الأشجار وأخرج الثمار وكسى الأرض بأنواع النبات قادر على أن يحيي الموتى {وهو على كل شيء قدير} من البعث وغيره.
الهواري
تفسير : قوله: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} يعني البعث {هَلْ مِن شُرَكَائِكُم} يعني ما تعبدون من دون الله {مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ} أي: يخلق أو يرزق أو يحيي أو يميت {سُبْحَانَهُ} ينزّه نفسه {وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: ارتفع عما يقول المشركون. قوله: {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. والفساد: الهلاك، يعني من أهلك من الأمم السالفة بتكذيبهم رسلهم، كقوله: (أية : وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً) تفسير : [الفرقان: 39]، أي: أفسدنا إفساداً أي: أهلكنا إهلاكاً. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: لعل من بعدهم يرجعون عن شركهم إلى الإِيمان ويتّعظون بهم. وقوله: {فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ} قال الحسن: أهلكهم الله بذنوبهم في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة. كقوله:{أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} تفسير : يعني قوم لوط الذين كانوا خارجين من المدينة وأهل السفر منهم {أية : وَمِنْهُم مَّن أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} تفسير : يعني ثموداً {أية : وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ} تفسير : يعني قوم لوط، أصاب مدينتهم الخسف، وقارون، (أية : وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا) تفسير : [العنكبوت: 40] يعني قوم نوح وفرعون وقومه.
اطفيش
تفسير : {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ عَمَّا يُشْرِكُونَ} الله مبتدأ والذي خبره ومن اجاز الاخبار بالطلب اجاز ان يكون الذي نعتا و {هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيءٍ} خبر المبتدأ والرابط الاشارة لان معنى من ذلكم من افعاله ومن الاولى والثانية مفيدان لشيوع الحكم في جنس الشركاء والافعال والثالثة مزيدة التعميم المنفي وكل منها مستقلة بتأكيد لتعجيز الشركاء اثبت الله سبحانه لنفسه ولوازم الالوهية ونفاها رأسا عما اتخذوه شريكا له من الاصنام وغيرها مؤكدا بالانكار الذي دل عليه هل فتولد من ذلك تنزيه الله عن الشريك.
اطفيش
تفسير : {الله الَّذي} مبتدأ وخبر {خَلقَكم ثمَّ رزقكُم ثُم يُميتكُم ثم يُحْييكم} المراد بالرزق ما بعد الولادة، ولذلك كان بثم، وان فسر بما يتغذى به فى البطن ايضا، من حين نفخ فيه الروح، صح التراخى ايضا {هل} انكار ونفى {من شركائكم} ما تعبدون من دون الله، ومن للتبعيض يتعلق بمحذوف خبر لمن فى قوله: {مَن يفعَل مِن ذَلكُم} مما ذكر من الخلق والرزق والامانة والاحياء، وعظهم بالاحياء بعد الموت، ولو انكروه، لانه مثل ما لم ينكروه لوضوح ادلته، او من فاعل لقوله من شركائكم، ومن للتبعيض اى بعض ذلك، او للبيان، اى هو ذلكم يتعلق بمحذوف حال من شئ ولو نكرة لتقدمه، ولتقدم الاستفهام. {من شئ} مفعول ليفعل، ومن صلة لتأكيد الاستغراق، ويضعف جعل الذي نعتا والخبر {هل من شركائكم} الخ اخبار بالاستفهام، مع انه انشاء لانه بمعنى النفى، بل لا مانع من الاخبار بالاستفهام ونحوه، نحو: زيد من هو، والرابط ذلكم، لان اشارة الى اشياء تضاف الى ضميره، فهم متضمن، كأنه قيل من يفعل من افعاله المذكورة شيئا، وهو ضعيف، ولا يلزم ذلك فى يتربصن اى ازواجهم لجواز الرابط بمحذوف، اى ليتربصن بعد توقيعهم، ووجه آخر، ان الرابط والخبر محذوفان، اى يقال فى حقه: هل من شركائكم {سبحانه وتعالى عمَّا يشْركُون} عما يشركونه به، او عن اشراكهم.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء } الظاهر أن الاسم الجليل مبتدأ و {ٱلَّذِى } خبره والاستفهام إنكاري و {مِن شُرَكَائِكُمْ } خبر مقدم و {مِنْ } مبتدأ مؤخر و {مِنْ } فيه للتبعيض و {مّن ذٰلِكُمُ } صفة {شَىْء } قدمت عليه فأعربت حالاً و {مِنْ } فيه للتبعيض أيضاً و {شَىْء } مفعول {يَفْعَل} و {مِنْ } الداخلة عليه مزيدة لتأكيد الاستغراق، وجوز الزمخشري أن يكون الاسم الجليل مبتدأ و {ٱلَّذِى } صفته والخبر {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ } الخ والرابط اسم الإشارة المشار به إلى أفعاله تعالى السابقة ـ فمن ذلكم ـ بمعنى من أفعاله، ووقعت الجملة المذكورة خبراً لأنها خبر منفي معنى وإن كانت استفهامية ظاهراً فكأنه قيل: الله الخالق الرازق المميت المحي لا يشاركه شيء ممن لا يفعل أفعاله هذه، وبعضهم جعلها خبراً بتقدير القول فكأنه قيل: الله الموصوف بكونه خالقاً ورازقاً ومميتاً ومحيياً مقول في حقه هل من شركائكم من هو موصوف بما هو موصوف به. وتعقب ذلك أبو حيان بأن اسم الإشارة لا يكون رابطاً إلا إذا أشير به إلى المبتدأ وهو هنا ليس إشارة إليه لكنه شبيه بما أجازه الفراء من الربط بالمعنى وخالفه الناس وذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ }تفسير : [البقرة: 234] فإن التقدير يتربصن أزواجهم فقدر الضمير بمضاف إلى ضمير {ٱلَّذِينَ } فحصل به الربط. وكذلك قدر الزمخشري {من ذلكم} بمن أفعاله المضاف إلى ضمير المبتدأ لكن لا يخفى أن الإضافة غير معتبرة وعلى تقدير اعتبارها يلزم تقدير مضاف آخر، وجوز أن تكون {مِنْ } الأولى لبيان من بفعل ومتعلقها محذوف و {مَن يَفْعَلُ } فاعل لفعل محذوف أي هل حصل واستقر من يفعل كائناً من شركائكم، وكذا جوز في {مِنْ } الثانية أن تكون لبيان المستغرق، وقيل: إن (من) الأولى و(من) الثانية زائدتان كالثالثة وهو كما ترى. والآية على ما قلناه أولاً متضمنة جملتين دلت الأولى على إثبات ما هو من اللوازم المساوية للألوهية من الخلق والرزق والإماتة والإحياء له عز وجل وأفادت الثانية بواسطة عكس السالبة الكلية نفيها رأساً عن شركائهم الذين اتخذوهم شركاء له سبحانه من الأصنام وغيرها مؤكداً بالإنكار، والعقل حاكم بأن ما يتخذ شريكاً كالذي اتخذ في الحكم المذكور أعني نفي تأتي تلك الأفعال منه، وإن شئت جعلت {شُرَكَائِكُمْ } شاملاً للصنفين ويفهم من ذلك عدم صحة الشركة إذ لا يعقل شركة ما ليس باله لعدم وجود لازم الألوهية فيه لمن هو إله في الألوهية ولتأكيد ذلك قال سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي عن شركهم، والتعبير بالمضارع لما في الشرك من الغرابة أو للإشعار باستمراره وتجدده منهم، وأشار بعضهم إلى أن تينك الجملتين يؤخذ منهما مقدمتان موجبة وسالبة كلية مرتبتان على هيئة قياس من الشكل الثاني وإن قوله تعالى: {سُبْحَـٰنَهُ } الخ يؤخذ منه سالبة كلية هي نتيجة ذلك القياس فتكون الجملتان المذكورتان في حكم قياس من الشكل الثاني، وقوله تعالى: {سُبْحَـٰنَهُ } الخ في حكم النتيجة له، ولا يخفى احتياج ذلك إلى تكلف فتأمل جداً. وقرأ الأعمش وابن وثاب {تُشْرِكُونَ } بتاء الخطاب.
ابن عاشور
تفسير : هذا الاستئناف الثاني من الأربعة التي أقيمت عليها دلائل انفراد الله تعالى بالتصرف في الناس وإبطال ما زعموه من الإشراك في الإلهية كما أنبأ عنه قوله {هل مِن شركائكم مَن يفعل مِنْ ذَلكم مِنْ شيء، وإدماجاً للاستدلال على وقوع البعث. وقد جاء هذا الاستئناف على طريقة قوله: {أية : الله يبدأ الخلق ثم يعيده}تفسير : [يونس: 34] واطَّرد الافتتاح بمثله في الآيات التي أريد بها إثبات البعث كما تقدم عند قوله تعالى: {الله يبدأ الخلق ثم يعيده}، وسيأتي في الآيتين بعد هذه. و{ثم} مستعمل في معنيي التراخي الزمني والرتبي. و{هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} استفهام إنكاري في معنى النفي ولذلك زيدت {مِن} الدالة على تحقيق نفي الجنس كله في قوله {مِن شيء.}والمعنى: ما من شركائكم من يفعل شيئاً من ذلكم. فــــ {من} الأولى بيانية هي بيان للإبهام الذي في {من يفعل،} فيكون {من يفعل} مبتدأ وخبره محذوف دل عليه الاستفهام، تقديره: حصل، أو وجد، أو هي تبعيضية صفة لمقدر، أي هل أحد مِن شركائكم. و{من}الثانية في قوله {من ذلكم} تبعيضية في موضع الحال {من شيء}. و{من} الثالثة زائدة لاستغراق النفي. وإضافة (شركاء) إلى ضمير المخاطبين من المشركين لأن المخاطبين هم الذين خلعوا على الأصنام وصف الشركاء لله فكانوا شركاء بزعم المخاطبين وليسوا شركاء في نفس الأمر، وهذا جار مجرى التهكم، كقول خالد بن الصعق لعمرو بن معديكرب في مجمع من مجامع العرب بظاهر الكوفة فجعل عمرو يحدثهم عن غاراته فزعم أنه أغار على نهد فخرجوا إليه يقدمهم خالد بن الصَعق وأنه قتله، فقال له خالد بن الصعق: «مهلاً أبا ثور قتيلُك يسمع» أي القتيل بزعمك. والقرينة قوله «يسمع» كما أن القرينة في هذه الآية هي جملة التنزيه عن الشريك. والإشارة بــــ {ذلكم} إلى الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، وهي مصادر الأفعال المذكورة. وأفرد اسم الإشارة بتأويل المذكور. وجملة {سبحانه وتعالى عما يشركون} مستأنفة لإنشاء تنزيه الله تعالى عن الشريك في الإلهية. وموقعها بعد الجملتين السابقتين موقع النتيجة بعد القياس، فإن حاصل معنى الجملة الأولى أن الإله الحق وهو مسمى اسم الجلالة هو الذي خَلَق ورزق ويُميت ويُحيي، فهذا في قوة مقدمة هي صغرى قياس، وحاصل الجملة الثانية أن لا أحد من الأصنام بفاعل ذلك، وهذه في قوة مقدمة هي كبرَى قياسٍ وهو من الشكل الثاني، وحاصل معنى تنزيه الله عن الشريك أن لا شيء من الأصنام بإله. وهذه نتيجة قياس من الشكل الثاني. ودليل المقدمة الصغرى إقرار الخصم، ودليل المقدمة الكبرى العقل. وقرأ الجمهور {تشركون} بفوقية على الخطاب تبعاً للخطاب في {أية : ءاتيتم}تفسير : [الروم: 39]. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتحتية على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {شُرَكَآئِكُمْ} {سُبْحَانَهُ} {تَعَالَىٰ} (40) - اللهُ تَعَالى هُوَ الذي خَلَقَكُمْ ولَمْ تَكُونوا شَيئاً، يُخْرِجُ الإِنسانَ من بَطْنِ أُمِّهِ عُرْيَاناً، ثُمَّ يَرْزُقُهُ السَّمْعَ والبَصَرَ، والقُوَّةَ والِلِّبَاسَ، والعِلمِ والمَالَ، ومَا تَقُومُ بِهِ الحَياةُ، ثمَّ بعدَ هذه الحياةِ يُمِيتُكُم، ثُمّ يَعودُ فَيُحْيِيكُمْ يَومَ القِيَامَةِ، لِيُحَاسِبَكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُم كُلِّها. ثُمَّ يَسْأَلُ اللهُ تَعَالى المُشْرِكِينَ مُسْتَنْكِراً وَمُقَرِّعاً: هَلْ أَحَدٌ مِنَ الآلِهةِ التي يَعْبُدُونَها مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَصنامٍ وأوثانٍ وغيرِها... مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يفعلَ ذَلك؟ وَبِمَا أَنَّ هذهِ الأَصنامَ والأَوثَانَ والآلهةَ المَزْعُومَةَ لاَ تَسْتَطِيعُ لأحدٍ ولا لِنَفْسِهَا نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، وَكُفَّارٌ قُريشِ يَعْرِفُونَ ذَلكَ وَيَعْتَرِفُونَ بِهِ، لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: تَنَزَّهَ اللهَ وَتَعَاظَمَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَريكٌ أَوْ نَظِيرٌ أَوْ وَلَدٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أنْ قلنا: إن قضية الخَلْق مُسلَّم بها؛ لأنها قضية لم يدَّعها أحد لنفسه مع كثرة المتبجحين بالكفر والإلحاد؛ لذلك لما ادَّعاها النمروذ الذي حاجَّ إبراهيم في ربه فقال: أنا أحيي وأميت، فعلم إبراهيم عليه السلام أنه يريد اللجاج والسفسطة التي لا طائل منها، وإلا فكيف يكون الأمر بقتل واحد إماتة، والأمر بترك الآخر والعفو عنه إحياء؟ ثم ما بال الذين خُلِقوا قبلك وميلادهم قبل ميلادك؟ إذن: أنت لم تخلق ولم تُحي أحداً، وسبق أنْ بيّنا الفرق بين القتل والموت مع أنهما يشتركان في إنهاء الحياة وإزهاق الروح، لكن الموت يكون بإزهاق الروح أولاً، يتبعه نَقْض البنية وتحطم الجسم. أما القتل فينقض البنية أولاً نَقْضاً يترتب عليه إزهاق الروح فالروح لا تقيم إلا في بنية سليمة، ومثَّلنا لذلك بلمبة الكهرباء حين تحرق فينطفىء نورها، فهل يعني ذلك أن التيار انقطع عنها؟ لا بل هو موجود لكنه يحتاج لبنية سليمة بدليل أننا إذا استبدلنا اللمبة تضيء. والحق - سبحانه وتعالى - يبين لنا هذا الفرق في قوله سبحانه: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 144] إذن: فالنمروذ لا يحيي، بل يُبقِي على الحياة، ولا يُميت بل يقتل ويُزهِق الروح. وكان بمقدور إبراهيم عليه السلام أنْ يردَّ عليه هذه الحجة، وأنْ يكشف تزييفه، لكنه أراد أن يأخذه إلى ميدان آخر لا يستطيع التلفيق فيه ولا التمحُّك، فقال له: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ..} تفسير : [البقرة: 258]. كذلك مسألة الرزق فهي مُسلَّمة لله لم يدَّعِها أحد: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ..} [الروم: 40]. بدليل أن الله تعالى جعل بعض المناطق جدباء، يجوع فيها القادر والعاجز، ويجوع فيها ذو المال وغير ذو المال، ولو كان هناك رازق غير الله فَلْيْحُي هذه المناطق الجدباء. وقوله تعالى: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ..} [الروم: 40] ولم يقل: يقتلكم {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ ..} [الروم: 40] أي: اسألهم هذا السؤال، ودَعْهم يجيبون هم عليه: أتستطيع الأصنام التي تشركونها مع الله أنْ تفعل شيئاً من الخَلْق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة؟ أفي قدرتها شيء من ذلك وأنتم الذين تصنعونها وتنحتون حجارتها بأيديكم، وتُصوِّرونها كما تشاؤون، فإذا هبَّتْ عاصفة أطاحت بها وربما كسرت ذراع أحد الأصنام فتجتمعون لإقامتها وإصلاحها؟ فأين عقولكم؟ وما هذه الخيبة التي أصابتكم؟ لذلك يقول سبحانه عنهم: {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [النحل: 20]. ويقول سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ..} تفسير : [الحج: 73] بل وأكثر من ذلك {أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73]. بالله، أيستطيع أحد أنْ يستردَّ ما أخذتْه منه الذبابة؟ ونلحظ في الآية تكرار (مِنْ) وهي للتبعيض: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ ..} [الروم: 40] والمعنى: لا يستطيع أحد من شركائكم أن يفعل شيئاً ولو هيِّناً من الخلق، أو الرزق، أو الإحياء، أو الإماتة. لذلك يجب أنْ تُعلِّقوا على هذه القضايا من الله بقول واحد {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40] لا تعليق إلا هذا. لذلك لما تكلم سيدنا إبراهيم عن الأصنام قال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ ..} تفسير : [الشعراء: 77] أي: أنتم وما تعبدون من دون الله؛ لأنهم كانوا يشركون آلهتهم مع الله، فالله سبحانه داخل في هذه الشركة؛ لذلك استثناه ربه {أية : إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 77-78]. ونلحظ هنا في قوله {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي ..} تفسير : [الشعراء: 78] أنه لم يؤكدها بشيء، ولم يذكر قبل الخَلْق الضمير (هو)؛ لأن مسألة الخَلْق كما قُلْنا لم يدَّعها أحد، أمّا في الهداية وهي مجال ادعاء، فقال (فهو) أي: الحق سبحانه يقصر الهداية على الله {أية : فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 78]. وفي هذا إشارة إلى أن القانون الذي يُنظم حياتي والمنهج الذي يهديني قانون ربي لا آخذه من أحد سواه، وكثيراً ما نرى مَنْ يدَّعي الهداية ويقول: إنني وضعتُ قانوناً يُسعِد حياة الناس، ويفعل كذا وكذا، سمعنا هذه النغمة مرة من الرأسمالية، ومرة من الاشتراكية، ومن الشيوعية .. الخ. إذن: هذا مجال ادعاء واسع، فقيَّده إبراهيم - عليه السلام - وقصره على الله، حيث لا منهجَ إلا منهجُ الله، ولا قانونَ يحكمنا إلا قانون ربنا، كما نقول في العامية (مفيش إلا هو). كذلك في مسألة الإطعام قال: {أية : وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ..} تفسير : [الشعراء: 79] فاستخدم القصر هنا بذكر الاسم الموصول (الذي) ثم الضمير المفرد الغائب (هو)؛ ليؤكد أن الذي يطعمه إنما هو الله؛ لأن الإنسان قد يظن أن أباه هو الذي يطعمه، أو أن أمه هي التي تُطعمه؛ لأنها تُعِد له طعامه، فهما السببان الظاهران في هذه المسألة، فاحتاج الأمر إلى أكثر من مؤكد. ثم يقول عليه السلام: {أية : وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} تفسير : [الشعراء: 81] هكذا دون توكيد؛ لأن الموت والحياة مسألتان مُسلَّمتان لله مفروغ منهما، وكذلك: {أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ} تفسير : [الشعراء: 82] وهذه أيضاً لا تكون إلا لله تعالى. إذن: ما كان للغير فيه شبهة عمل يؤكدها ويخصُّها لله تعالى، أما الأخرى التي لا دخْلَ لغير الله فيها فيسوقها مُطْلقة دون اختصاص. فالتعليق في هذا الأمر العجيب لا يكون إلا بقولنا: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40] أي: تنزيهاً له عن الشركة، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن الله تعالى قال: لا إله إلا أنا، ولم يَقُمْ لهذه القضية منازع، ولم يدَّعها أحد لنفسه. إذن: فهي مُسلَّمٌ بها، وإلا فإنْ كان هناك إله آخر فأين هو؟ ولماذا لم يدافع عن حقه في الألوهية؟ إن كان لا يدري فهو غافل، وإنْ كان يدري ولم يعارض فهو جبان، وفي كلتا الحالتين لا يصلح أن يكون إلهاً. لذلك ربنا حكمها بقضية واحدة، فقال: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42]. ثم يقول الحق سبحانه: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ ...}.
الجيلاني
تفسير : وكيف لا تطلبون وتقصدون بخيراتكم وصدقاتكم خالص وجه الله؛ وتشركون معه غيره من التماثيل والأظلال الهالكة، البالطة العاطلة؛ إذ {ٱللَّهُ} المتوحد المتفرد في ذاته، القادر المقتدر، الحكيم العليم {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} وأظهركم من كتم العجم، ولم تكونوا شيئاً مذكوراً لا بالقوة ولا بالفعل {ثُمَّ} بعدما أظهركم في بيداء الوجود {رَزَقَكُمْ} وأنعم عليكم من أنواع النعم؛ ليربيكم بها على مقتضى اللطف والكرم {ثُمَّ} بعدما انقضى الأجل المسمى عنده لبقائكم في النشأة الأولى {يُمِيتُكُمْ} على مقتضى قهره وجلاله تتميماً لقدرته الكاملة الغالبة {ثُمَّ} بعدما انقرضت النشاة الأولى المعدة لأنواع الابتلاءات والاختبارات الإلهية، المتعقلة لحكمة إظهاركم وإيجادكم في عالم الكون والفساد؛ لتتزودوا فيها من المعارف والحقائق، والاتصاف بالأخلاق الإلهية لنشأتكم الأخرى {يُحْيِيكُمْ} فيها؛ للعرض والجزاء وتنقيد ما اقترفتم من الأعمال والأحوال في النشأة الأولى؛ لتجازوا بها على مقتضى فيها. وبعدما سمعتم ما سمعتم تأملوا وتدبروا منصفين أيها المشركون بالله المتوحد المتفرد، والمستقل في التصرفات الواقعة في ملكه غيرةً منه سبحانه وحميَّة؛ لحمى قدس ذاته من أن يحوم حول سرادقات عزه وجلاله شائبة فتور وقصور، وبعدما سمعتم هذا من خواص أوصافه سبحانه تأملوا {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} الذي ادعيتم شركتهم مع الله القادر المقتدر على أمثاله بالاستقلال والاختيار {مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ} الذي سمعتم صدروه منه سبحانه {مِّن شَيْءٍ} حقير قليل، كلا وحاشا صدور شيء من الأشياء من غيره {سُبْحَانَهُ} أي: في ذاته منزه عن شوب الشركة والمظاهرة مطلقاً {وَتَعَالَىٰ} شأنه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40] أولئك المشركون المسرفون علواً كبيراً. ومن كمال جهلهم بالله، وغفلتهم عن علو قدره وسمو مكانته {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ} وأنواع البليات والمصيبات الواقعة {فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} من الجدب والعناء والوباء والزلزلة، وأنواع الحرق والغرق والضلالات الواقعة في السفن الجارية، مع أن أصل الظهور والبروز باعتبار الفطرة الأصلية على العدالة والاستقامة، وإنما ظهر ما ظهر من الانحرافات والانصرافات المنافية لصرافة الاعتدال الحقيقي الإلهي {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} أي: بشؤم ما اقترفوا من الكفر والكفران، والفسوق والعصيان، والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة على الاعتدال والقسط القويم، والحكمة في صدور هذه الانحرافات والفسادات منهم: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي: ليذيق لهم العليم الحكيم في الدنيا وبال بعض أعمالهم الفاسدة، ويبقى بعضها إلى الآخرة ليستوفيها، وإنما نذيقهم نبذاً منها عاجلاً {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] إلينا بعدما ذاقوا ما ذاقوا من أنواع المحن والشدائد. وإن أنكر هؤلاء المشركون إذاقتنا العذاب لأمثالهم {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} المعدة لأنواع الكون والفساد {فَٱنْظُرُواْ} نظر معتبر منصف، ومتأمل مستبصر؛ ليظهر عندكم {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلُ} مع أنهم {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} [الروم: 42] أمثالكم، مشاركين معكم في الشرك والكفر، وأنواع الفسوق والعصيان. وبعدما أشار سبحانه إلى وخامة عاقبة أصحاب الآراء الفاسدة، والأهواء الباطلة من المنحرفين عن جادة الاستقامة، المنصرفين عن سبيل السلامة، أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بالإقامة والاستقامة في منهج العدالة التي هي دين الإسلام الناسخ لجميع الأديان الباطلة، والآراء الزاهقة الزائلة، فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} أي: استقم وتوجه يا أكمل الرسل بوجه قلبك الذي يلي الحق {لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ} المنزل من عنده سبحانه على الاستقامة والعدالة تفضلاً عليك وامتناناً {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ} ويجيء {يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} أي: لا يرد فيه ما نفذ من القضاء المبرم؛ لأن إتيانه {مِنَ ٱللَّهِ} العليم الحكيم على هذا الوجه؛ إذ لا استكمال ولا رجوع حينئذٍ، ولا ينفع الطاعة والعبادة حين حلوله، بل {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43] أي: يتفرق الناس فرقاً، ويتحزبون أحزاباً على مقتضى ما كانوا عليه في نشأة الابتلاء والاختبار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه وحده المنفرد بخلقكم ورزقكم وإماتتكم وإحيائكم، وأنه ليس أحد من الشركاء التي يدعوهم المشركون من يشارك اللّه في شيء من هذه الأشياء. فكيف يشركون بمن انفرد بهذه الأمور من ليس له تصرف فيها بوجه من الوجوه؟! فسبحانه وتعالى وتقدس وتنزه وعلا عن شركهم، فلا يضره ذلك وإنما وبالهم عليهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):