Verse. 3450 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

ظَہَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ اَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيْقَہُمْ بَعْضَ الَّذِيْ عَمِلُوْا لَعَلَّہُمْ يَرْجِعُوْنَ۝۴۱
Thahara alfasadu fee albarri waalbahri bima kasabat aydee alnnasi liyutheeqahum baAAda allathee AAamiloo laAAallahum yarjiAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ظهر الفساد في البر» أي القفار بقحط المطر وقلة النبات «والبحر» أي البلاد التي على الأنهار بقلة مائها «بما كسبت أيدي الناس» من المعاصي «ليذيقهم» بالياء والنون «بعض الذي عملوا» أي عقوبته «لعلهم يرجعون» يتوبون.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى: { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] وإذا كان الشرك سببه جعل الله إظهارهم الشرك مورثاً لظهور الفساد ولو فعل بهم ما يقتضيه قولهم: { أية : لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [المؤمنون: 71] كما قال تعالى: { أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً } تفسير : [مريم: 90] وإلى هذا أشار بقوله تعالى: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ } واختلفت الأقوال في قوله: {فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } فقال بعض المفسرين: المراد خوف الطوفان في البر والبحر، وقال بعضهم عدم إنبات بعض الأراضي وملوحة مياه البحار، وقال آخرون: المراد من البحر المدن، فإن العرب تسمي المدائن بحوراً لكون مبنى عمارتها على الماء ويمكن أن يقال إن ظهور الفساد في البحر قلة مياه العيون فإنها من البحار، واعلم أن كل فساد يكون فهو بسبب الشرك لكن الشرك قد يكون في العمل دون القول والاعتقاد فيسمى فسقاً وعصياناً وذلك لأن المعصية فعل لا يكون لله بل يكون للنفس، فالفاسق مشرك بالله بفعله، غاية ما في الباب أن الشرك بالفعل لا يوجب الخلود لأن أصل المرء قلبه ولسانه، فإذا لم يوجد منهما إلا التوحيد يزول الشرك البدني بسببهما، وقوله تعالى: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ } قد ذكرنا أن ذلك ليس تمام جزائهم وكل موجب افترائهم، وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يعني كما يفعله المتوقع رجوعهم مع أن الله يعلم أن من أضله لا يرجع لكن الناس يظنون أنه لو فعل بهم شيء من ذلك لكان يوجد منهم الرجوع، كما أن السيد إذا علم من عبده أنه لا يرتدع بالكلام، فيقول القائل لماذا لا تؤدبه بالكلام؟ فإذا قال لا ينفع ربما يقع في وهمه أنه لا يبعد عن نفع، فإذا زجره ولم يرتدع يظهر له صدق كلام السيد ويطمئن قلبه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} اختلف العلماء في معنى الفساد والبر والبحر؛ فقال قتادة والسدّي: الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد. وقال ابن عباس وعِكرمة ومجاهد: فساد الْبَرِّ قتلُ ابن آدم أخاه؛ قابيلُ قتل هابيل. وفي البحر بالْمَلِك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وقيل: الفساد القحط وقلّة النبات وذهاب البركة. ونحوه قال ابن عباس قال: هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية. وعنه أيضاً: أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم. وقال عطية: فإذا قلّ المطرقّل الغَوْص عنده، وأخفق الصيادون، وعميت دواب البحر. وقال ابن عباس: إذا مطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر، فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ. وقيل: الفساد كساد الأسعار وقلّة المعاش. وقيل: الفساد المعاصي وقطعُ السبيل والظلم؛ أي صار هذا العمل مانعاً من الزرع والعمارات والتجارات؛ والمعنى كله متقارب. والبر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس؛ لا ما قاله بعض العُبّاد: أن البر اللسانُ والبحر القلب؛ لظهور ما على اللسان وخفاء ما في القلب. وقيل: البَر: الفيافي، والبحر: القرى؛ قاله عكرمة. والعرب تسمي الأمصار البحار. وقال قتادة: البَرّ أهل العمود، والبحر أهل القرى والريف. وقال ابن عباس: إن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر؛ وقاله مجاهد، قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء جارٍ فهي بحر. وقال معناه النحاس، قال: في معناه قولان: أحدهما: ظهر الجَدْب في البر؛ أي في البوادي وقراها، وفي البحر أي في مدن البحر؛ مثل: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. أي ظهر قلة الغيث وغلاء السعر. {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ} أي عقاب بعض {ٱلَّذِي عَمِلُواْ} ثم حذف. والقول الآخر: أنه ظهرت المعاصي من قطع السبيل والظلم، فهذا هو الفساد على الحقيقة، والأوّل مجاز إلا أنه على الجواب الثاني، فيكون في الكلام حذف واختصار دلّ عليه ما بعده، ويكون المعنى: ظهرت المعاصي في البر والبحر فحبس الله عنهما الغيث وأغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض الذي عملوا. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لعلهم يتوبون. وقال: «بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا» لأن معظم الجزاء في الآخرة. والقراءة «لِيُذِيقَهُمْ» بالياء. وقرأ ابن عباس بالنون، وهي قراءة السُّلَمِي وابن مُحَيْصِن وقُنْبُل ويعقوب على التعظيم؛ أي نذيقهم عقوبة بعض ما عملوا.

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي وغيرهم: المراد بالبر ههنا: الفيافي، وبالبحر: الأمصار والقرى. وفي رواية عن ابن عباس وعكرمة: البحر: الأمصار، والقرى ما كان منهما على جانب نهر. وقال آخرون: بل المراد بالبر: هو البر المعروف، وبالبحر: هو البحر المعروف. وقال زيد بن رفيع: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ} يعني: انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط، وعن البحر تعمى دوابه، رواه ابن أبي حاتم، وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري عن سفيان عن حميد بن قيس الأعرج عن مجاهد: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} قال: فساد البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة غصباً. وقال عطاء الخراساني: المراد بالبر: ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر: جزائره. والقول الأول أظهر، وعليه الأكثرون، ويؤيده ما قاله محمد بن إسحاق في السيرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح ملك أيلة، وكتب إليه ببحره، يعني: ببلده، ومعنى قوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ} أي: بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي. وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: «حديث : لحد يقام في الأرض أحب إلى أهلهامن أن يمطروا أربعين صباحاً»تفسير : والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت، انكف الناس أو أكثرهم أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات، وإذا تركت المعاصي، كان سبباً في حصول البركات من السماء والأرض. ولهذا إذا نزل عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان، يحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت؛ من قتل الخنزير، وكسر الصليب، ووضع الجزية، وهو تركها، فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض: أخرجي بركتك، فيأكل من الرمانة الفئام من الناس، ويستظلون بقحفها، ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس، وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فكلما أقيم العدل، كثرت البركات والخير. ولهذا ثبت في "الصحيحين": أن الفاجر إذا مات، تستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد والحسين قالا: حدثنا عوف عن أبي قحذم قال: وجد رجل في زمان زياد أو ابن زياد، صرة فيها حب، يعني: من بر، أمثال النوى، عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل، وروى مالك عن زيد بن أسلم: أن المراد بالفساد ههنا: الشرك، وفيه نظر. وقوله تعالى: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} الآية، أي: يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختباراً منه لهم، ومجازاة على صنيعهم {لَعَلَّهُم يَرْجِعُونَ} أي: عن المعاصي، كما قال تعالى: {أية : وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأعراف: 168] ثم قال تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} أي: من قبلكم {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} أي: فانظروا ما حل بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ } أي القفار بقحط المطر وقلة النبات {وَٱلْبَحْرِ } أي البلاد التي على الأنهار بقلة مائها {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ } من المعاصي {لِيُذِيقَهُمْ } بالياء والنون {بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ } أي عقوبته {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يتوبون.

الماوردي

تفسير : قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} في {الفَسَادِ} أربعة أقاويل: أحدها: الشرك، قاله السدي. الثاني: ارتكاب المعاصي، قاله أبو العالية. الثالث: قحط المطر، قاله يحيى بن سلام. الرابع: فساد البر: قتل ابن آدم أخاه، وفساد البحر: أخذ السفينة غصباً. ويحتمل خامساً: أن ظهور الفساد ولاة السوء. {فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} هنا أربعة أقاويل: أحدها: أن البر الفيافي والبحر القرى، قاله عكرمة، وقال: إن العرب تسمي الأمصار البحار. الثاني: البر أهل العمود والبحر أهل القرى والريف، قاله قتادة. الثالث: أن البر بادية الأعراب، قاله الضحاك والبحر الجزائر؛ قاله عطاء. الرابع: أن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر، قاله ابن عباس. وللمتعمقين في غوامض المعاني وجهان: أحدهما: أن البر النفس والبحر القلب. الثاني: أن البر اللسان والبحر القلب. لظهور ما على اللسان وخفاء ما في القلب. وهو بعيد. {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} قال السدي: بما عملواْ من المعاصي واكتسبوا من الخطايا. {لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} من المعاصي جزاءً معجلاً في الدنيا وجزاءً مؤجلاً في الآخرة فصار عذاب الدنيا بعض الجزاء. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يرجعون عن المعاصي، قاله أبو العالية. الثاني: يرجعون إلى حق، قاله إبراهيم. الثالث: يرجع من بعدهم، قاله الحسن.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْفَسَادُ} الشرك، أو المعاصي، أو قحط المطر، أو فساد البر قتل ابن آدم أخاه وفساد البحر أخذ السفينة غصباً {الْبَرِّ} الفيافي {وَالْبَحْرِ} القرى. العرب تسمى الأمصار البحر، أو البر أهل العمود والبحر أهل القرى والريف، أو البر بادية الأعراب والبحر الجزائر، أو البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر والبحر ما كان منها على شاطىء نهر "ع" {بَعْضَ الِّذِى عَمِلُواْ} لأن للمعصية جزاء عاجلاً وجزاء آجلاً. {يَرْجِعُونَ} عن المعاصي، أو إلى الحق، أو يرجع من بعدهم "ح".

ابن عادل

تفسير : قوله: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} وجه تعلق الآية بما قبلها أن الشرك سبب الفساد كَمَا قَالَ تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22] وإذا كان الشرك سببه جعل الله إظهارهم الشرك مورثاً لظهور الفساد ولو فعل (بهم) ما يقتضيه قولهم لفسدت السموات والأرض، كما قال تعالى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}تفسير : [مريم: 90، 91] ولهذا أشار بقوله: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ}، واختلفوا في قوله: {فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}، فقيل: المراد خوف الطوفان في البحر والبر، وقيل: عدم إنبات بعض الأرض وملوحة مياه البحار. وقيل: المراد قحط المطر وقلة النبات، وأراد بالبرّ البوادي والمَفَاوِز وبالبحر المدائن والقُرَى التي على المِياه الجَارِيةِ. قال عكرمة: العرب تسمي المِصْرَ بَحْراً تقول: أجدب البر وانقطعت مادة البحر. قوله: "بما كسبت" أي بسب كسبهم، والباء متعلقة "بظَهَرَ" أو بنفس الفساد. وفيه بُعْد (والمعنى بشؤم ذنوبهم) وقال (ابن) عَطِيَّة، البر ظهر الأرض الأمصار وغيرها، والبحر هو البحر المعروف، والفساد قلة المطر يؤثر في البر والبحر أما تأثيره في البر فهو القحط وأما تأثيره في البحر فيخلوا أجواف الأصداف؛ لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر ويفتح فاه فما يقع فيه من المطر صار لؤلؤاً. قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: الفساد في البرِّ قتل أحد ابني آدم أخاه وفي البحر غَصْب الملك الجائر السفينة. وقال الضحاك: كانت الأرض خَضِرَةً مونقة لا يأتي ابن آدم بشجرة إلا وجد عليها ثمرةً وكان ما في البحر عَذْباً وكان لا يقصد الأسد البقر والغنم فلما قتل قابيلُ هابيلَ اقْشَعَرَّت الأرض وشَاكَتِ الأشجار، وصار ماء البحر ملحاً زُعَاقاً وقصد الحيوان بعضه بعضاً. وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَث النبي - صلى الله عليه وسلم - امتلأت الأرض ظلماً وضلالة فلما بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - رجع الراجعون من الناس {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} من المعاصي "يعني كفار مكة". قوله: "لِيُذِيقَهُمْ" اللام للعلة متعلق "بظَهَرَ"؛ وقيل: بمحذوف، أي عَاقَبَهْمْ بذلك لِيُذِيقَهُمْ وقيل: اللام للصيرورة. وقرأ قُنْبُلُ: "لنُذِيقَهُمْ" بنون العظمة والباقون بياء الغيبة والمعنى: لنذيقهم عُقُوبة بعض الذي عملوا من الذنوب "لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" عن الكفر وأعمالهم الخبيثة، قوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} لما بين حالهم بظهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم ضلال أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم فقال: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} أي قوم نوحٍ وعادٍ وثَمودَ لِيَرَوْا مَنَازِلَهُمْ ومساكنهم خاوية {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} فأهلكوا بكفرهم. قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ} لما (نهى) الكافرين عما هم عليه، أمر المؤمنين بما هم عليه وخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلم المؤمن فضيلة من هو مُكَلَّفٌ به فإنه أمر بما شرف الأنبياء الدِّين القيم أي المستقيم وهو دين الإسلام. قوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} المرد مصدر "رَدَّ" و "من الله" يجوز أن يتعلق بـ "يأتِي" أو بمحذوف يدل عليه المصدر أي لا يرده من الله أحَدٌ، ولا يجوز أن يعمل فيه "مرد" لأنه كان ينبغي أن يُنَوَّنَ؛ إِذْ هُوَ من قَبِيل المُطَوَّلاَتِ، والمراد يوم القيامة لا يقدر أحد على رده من الله وغيره عاجز عن رده، فلا بد من وقوعه. "يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ" أي يتفرقون فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم أشار إلى التفرق بقوله: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي وبال كفره {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي يُوَطئُونَ المضاجعَ ويُسَوُّونها في القبور. قوله: "فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ" و "فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ" تقديم الجارين يفيد الاختصاص يعني أنَّ ضرر كفر هذا، ومنفعة عمل هذا لا يتعداه، ووحد الكناية في قوله: "فعليه" وجمعها في قوله: "فلأنفسهم" إشارة إلى أن الرحمة أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته، وأما الغضب فمسبوق بالرحمة لازم لمن أساء وقال: "فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ" ولم يبين وقال في المؤمن: "فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ" تحقيقاً لكمال الرحمة، فإنه عند الخير بَيَّن بشارة وعند غيره أشار إليه إشَارةً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ظهر الفساد في البر والبحر‏} ‏ قال ‏{‏البر‏} ‏ البرية التي ليس عندها نهر‏.‏ و ‏{‏البحر‏} ‏ مكان من المدائن والقرى على شط نهر‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {‏ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ‏ {‏ظهر الفساد في البر والبحر‏} ‏ قال‏:‏ قحوط المطر‏.‏ قيل له‏:‏ قحوط المطر لن يضر البحر‏.‏ قال‏:‏ إذا قل المطر قل الغوص‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عطية رضي الله عنه في الآية‏.‏ أنه قيل له‏:‏ هذا البر والبحر أي فساد فيه‏؟‏ قال‏:‏ إذا قل المطر قل الغوص‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن رفيع رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ظهر الفساد في البر والبحر‏} ‏ قال‏:‏ انقطاع المطر‏.‏ قيل‏:‏ فالبحر‏؟‏ قال‏:‏ إذا لم يمطر عميت دواب البحر‏. وأخرج الفريابي عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏{‏ظهر الفساد في البر والبحر‏} ‏ قال ‏ {‏البر‏} ‏ الفيافي التي ليس فيها شيء‏.‏ و{‏البحر‏} ‏ القرى‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه أنه سئل عن قوله ‏ {‏ظهر الفساد في البر والبحر‏} ‏ قال‏:‏ البر قد عرفناه فما بال البحر‏؟‏ قال‏:‏ إن العرب تسمي الأمصار: البحر‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏ظهر الفساد في البر والبحر‏}‏ قال‏:‏ فساد البر‏:‏ قَتْلُ ابنُ آدمَ أخاه‏.‏ والبحر‏:‏ أَخْذُ الملكِ السفنَ غصباً‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ظهر الفساد في البر والبحر‏}‏ قال‏:‏ هذا قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم رجع راجعون من الناس‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ظهر الفساد في البر والبحر‏} ‏ قال ‏{‏البر‏}‏ كل قرية نائية عن البحر‏.‏ مثل مكة والمدينة، و ‏{‏البحر‏}‏ كل قرية على البحر‏،‏ مثل كوفة والبصرة والشام وفي قوله ‏ {‏بما كسبت أيدي الناس‏} ‏ قال‏:‏ بما عملوا من المعاصي‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ البحر الجزائر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏لعلهم يرجعون‏}‏ قال‏:‏ يتوبون‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏لعلهم يرجعون‏} ‏ قال‏:‏ عن الذنوب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه‏ {‏ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس‏}‏ قال‏:‏ أفسدهم الله بذنوبهم في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة ‏ {‏لعلهم يرجعون‏} ‏ قال‏:‏ يرجع من بعدهم‏.‏

التستري

تفسير : قوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}[41] قال: مثل الله تعالى الجوارح بالبر، ومثل القلب بالبحر، وهم أعم نفعاً وأكثر خطراً، هذا باطن الآية، ألا ترى أن القلب إنما سمي قلباً لتقلبه وبعد غوره، ولهذا "حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء رضي الله عنه: "جدد السفينة فإن البحر عميق"تفسير : ، يعني جدد النية لله تعالى من قلبك، فإن البحر عميق، فحينئذ إذا صارت المعاملة في القلوب التي هي بحور ليس له منها مخرج، وخرجت النفس من الوسط، استراحت الجوارح، فصار صاحبها في كل يوم أقرب إلى غورها، وأبعد من نفسه حتى يصل. وسئل عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه" تفسير : فقال: للقلب ثلاث مقامات: جمهور القلب، ومقام اللسان من القلب، ومقام الجوارح من القلب. وقوله: "حديث : ذهب ثلثا دينه" تفسير : يعني اشتغل من الثلاثة اثنان: اللسان وسائر الجوارح، وبقي الجمهور الذي لا يصل إليه أحد، وهو موضع إيمانه من القلب. ثم قال: إن القلب رقيق يؤثر فيه كل شيء، فاحذروا عليه واتقوا الله به. فسئل: متى يتخلص القلب من الفساد؟ قال: لا يتخلص إلا بمفارقة الظن والحيل، وكأن الحيل عند ربك كالكبائر عندنا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكبيرة ما يشرح في صدرك والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك المفتون وأفتوك. ثم قال: إن اضطرب القلب فهو حجة عليك ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الآية: 41]. قال الواسطى رحمة الله عليه: البر النفس والبحر القلب. وفساد النفس متعلق بفساد القلب فمن لم يعمل فى إصلاح قلبه بالتفكر والمراقبة وفى إصلاح نفسه بأكل الحلال ولزوم الأدب ظهر الفساد فى ظاهره وباطنه. قال سهل: مثل الله الجوارح بالبر ومثل القلب بالبحر وهو أعظم نفعًا وأكبر خطرًا. قال الواسطى رحمة الله عليه: البر ما ظهر من النعوت والصفات والبحر ما استتر من الحقائق. وقيل فى البر والبحر إنه السرائر والظواهر. وقيل ظهر الفساد فى البر: أى على لسان علمًا الظاهر بالتأويلات الفاسدة والبحر: أى على لسان أهل الحقائق بالدعاوى الباطلة. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا بكر بن طاهر يقول: البر اللسان والبحر القلب.

القشيري

تفسير : الإشارة من البرّ إلى النَّفْسِ، ومن البحر إلى القلب. وفسادُ البرّ بأَكْلِ الحرام وارتكاب المحظورات، وفسادُ البحر من الغفلة والأوصاف الذميمة مثل سوء العزم والحسد والحقد وإرادة الشَّرّ والفِسْقِ.. وغير ذلك. وعَقْدُ الإصرارِ على المخالفاتِ من أعظمِ فسادِ القلب، كما أَنَّ العَزْمَ على الخيرات قبل فِعْلها من أعظم الخيرات. ومن جملة الفساد التأويلاتُ بغير حقٍّ، والانحطاطُ إلى الرُّخَصِ في غير قيامٍ بِجَدٍ، والإغراق في الدعاوَى من غير استحياءٍ من الله تعالى. {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: بعض الذي عملوا من سقوط تعظيم الشرع من القلب، وعدم التأسُّف على ما فاته من الحقِّ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} ان الله سبحانه غلب الانسانية على الكون طاعة ومعصية فاذا رزق الانسان الطاعة صلح الاكوان ببركتها واذا رزقه العصيان فسار الحدثان بشوم معصيته لان طاعته ومعصيته عن تواثير لطفه وقهره ولطفه وقهره علا بنعت الاستيلاء على ----- فاذا فسادها يؤثر فى بر النفوس وبحار القلوب ففساد بر النفوس فترتها عن العبودية وفساد بحر القلب احتجابه عن مشاهدة انوار الربوبية قال الواسطى البر النفس والبحر القلب وفساد النفس متعلق بفساد القلب فمن لم يعمل فى اصلاح قلبه بالتفكر المراقبة وفى اصلاح نفسه باكل الحلال ولزوم الادب ظهر الفساد فى ظاهره وباطنه وقيل فى البر والبحر انه السرائر والظاهر قال جعفر شاهد البر من عرف نفسه وشاهد البحر من عرف قلبه وصلاح هذين بالهيبة والحياء فهيبة الرب تزيل فساد الظاهر والحياء منه يميت فساد الباطن.

اسماعيل حقي

تفسير : {ظهر الفساد} شاع {فى البر} كالجدب وقلة النبات والربح فى التجارات والريع فى الزراعات والدر والنسل فى الحيوانات ومحق البركات من كل شئ ووقوع الموتان بضم الميم كبطلان الموت الشائع فى الماشية وظهور الوباء والطاعون فى الناس وكثرة الحرق بفتحتين اسم من الاحراق وغلبة الاعداء ووجود الفتن والحرب ونحو ذلك من المضار {والبحر} كالغرق بفتحتين اسم من الاغراق وعمى دواب البحر بانقطاع المطر فان المطر لها كالكحل للانسان واخفاق الغواصين اى خيبتهم من اللؤلؤ فانه يتكوّن من مطر نيسان فاذا انقطع لم ينعقد. وبيانه انه اذا اتى الربيع يكثر هبوب الرياح وترتفع الامواج ويضطرب البحر فاذا كان الثامن عشر من نيسان خرجت الاصداف من قعور بحر الهند وفارس ولها اصوات وقعقعة وبوسط كل صدفة دويبة صغيرة وصفحتا الصدفة لها كالجناحين وكالسور تتحصن به من عدو مسلط عليها وهو سرطان البحر فربما تفتتح اجنحتها تشم الهواء فيدخل السرطان مقصية بينهما ويأكلها وربما يتحيل السرطان فى اكلها بحيلة دقيقة وهو ان يحمل فى مقصيه حجر مدورا كبندقة الطين ويراقب دابة الصدف حتى تشق عن جناحيها فيلقى السرطان الحجر بين صفحتى الصدفة فلا تنطبق فيأكلها ففى الثامن عشر من نيسان لا تبقى صدفة فى قعور البحار المعروفة بالدر الا صارت على وجه الماء وتفتحت على وجه يصير وجه الماء ابيض كاللؤلؤ وتأتى سحابه مطر عظيم ثم تتقشع السحابه وقد وقع فى جوف كل صدفة ما قدر الله تعالى واختار من القطر اما قطرة واحدة واما اثنتان واما ثلاث وهلم جرا الى المائة والمائتين وفوق ذلك ثم تنطبق الصداف وتلحم وتموت الدابة التى كانت فى جوف الصدفة فى الحال وترسب الاصداف الى قعر البحر حتى لا يحركها الماء فيفسد ما فى بطناه وتلحم صفحتا الصدفة الحاما بالغا حتى لا يدخل الى الدرة ماء البحر فيصفرها وافضل الدر المتكون فى هذه الاصداف القطرة الواحدة ثم الاثنتان ثم الثلاث وكلما قل العدد كان اكبر جسما واعظم قيمة وكلما كثر العدد كان اصغر جسما وارخص قيمة والمتكون من قطرة واحدة هى الدرة اليتيمة التى لا قيمة لها والاخريان بعدها شعر : زبر افكند قطره سوى يم زصلب او افكند نطفة درشكم ازان قطره لؤلؤ لا لا كند وزين صورتى سروبالا كند تفسير : فالصدفة تنقلب الى ثلاثة اطوار فى الاول طور الحيوانية فاذ وقع القطر فيها ماتت الدويبة وصارت فى طور الحجرية ولذلك غاصت الى القرار وهذا طبع الحجر وهو الطور الثانى وفى الطور الثالث وهو الطور النباتى تشرس فى قرار البحر وتمد عروقها كالشجرة ذلك تقدير العزيز العليم ولمدة حملها وانعقادها وقت معلوم وموسم يجتمع فيه الغواصون والتجار لاستخراج ذلك هذا فى البحر. واما فى البر ففى الثامن عشر من نيسان تخرج فراخ الحيات التى ولدت فى تلك السنة وتصير من بطن الارض الى وجهها كالاصداف فى البحر وتفتح افواهها نحو السماء كما فتحت الاصداف فما نزل من قطر السماء فى فمها اطبقت فمها عليه ودخلت بطن الارض فاذا تم حمل الصدف فى البحر وصار لؤلؤا شفافا صار ما دخل فى فم فراخ الحيات داء وسما فالماء واحد والاوعية مختلفة والقدرة صالحة لكل شئ وقد قيل فى هذا المعنى شعر : ارى الاحسان عند الحرّ دينا وعند الندل منقصة وذمّا كقطر الماء فى الاصداف درّا وفى جوف الافاعى صار سما تفسير : كذا فى خريدة العجائب وفريدة الغرائب للشيخ العلامة ابى حفص الوردى رحمه الله. قال فى التأويلات النجمية يشير الى بر النفس وبحر القلب وفساد النفس باكل الحرام وارتكاب المحظورات وتتبع الشهوات وفساد القلب بالعقائد السوء ولزوم الشبهات والتمسك بالاهواء والبدع والاتصاف بالاوصاف الذميمة وحب الدنيا وزينتها وطلب شهواتها ومنافعها ومن اعظم فساد القلب عقد الاصرار على المخالفات كما ان من اعظم الخيرات صحة العزم على التوجه الى الحق والاعراض عن الباطل انتهى. وايضا البر لسان علماء الظاهر وفساده بالتأويلات الفاسدة. والبحر لسان علماء الباطن وفساده بالدعاوى الباطلة شعر : ماه ناديده نشانها ميدهند تفسير : {بما كسبت ايدى الناس} اى بسبب شؤم المعاصى التى كسبها الناس فى البر والبحر بمزاولة الايدى غالبا. ففيه اشارة الى ان الكسب من العبد والتقدير والخلق من الله تعالى فالطاعة كالشمس المنيرة تنتشر انوارها فى الآفاق فكذا الطاعة تسى بركاتها الى الاقطار فهى من تأثيرات لطفه تعالى والمعصية كالليلة المظلمة فكما ان الليلة تحيط ظلمتها بالجوانب فكذا المعصية تتفرق شآمتها الى الاقارب والاجانب فهى من تأثيرات قهره تعالى. واول فساد ظهر فى البر قتل قاببل اخاه هابيل. وفى البحر اخذ الجلندى الملك كل سفينة غصبا وفى المثل اظلم من اين الجلندى بزيادة ابن كما فى انسان العيون وكان من اجداد الجحاج بينه وبينه سبعون جدا وكانت الارض خضرة معجبة بنضارتها لا يأتى ابن آدم شجرة الاوجد عليها ثمرة وكان ماء البحر عذبا وكان لا تقصد الاسود البقر فلما وقع قتل المذكور تغيير ما على الارض وشاكت الاشجار اى صارت ذات شوك وصار ماء البحر ملحا مرّا جدّا وقصد بعض الحيوان بعضا. وتعلقت شوكة بنبى فلعنها فقالت لا تلعني فانى ظهرت من شؤم ذنوب الآدميين يقول الفقير شعر : جون عمل نيكو بود كلها دمد جونكه زشت آيد برويد خارزار كر بد وكرنيك باشد كارتو هوجه كارى بد روى آنجام كار تفسير : {ليذيقهم بعض الذى عملوا} اللام للعلة والذوق وجود الطعم بالفم وكثر استعماله فى العذاب يعنى افسد الله اسباب دنياهم بسوء صنيعهم ليذيقهم بعض جزاء ما عملوا من الذنوب والاعراض عن الحق ويعذبهم بالبأساء والضراء والمصائب وانما قال بعض لان تمام الجزاء فى الآخرة ويجوز ان يكون اللام العاقبة اى كان عاقبة ظهور الشرور منهم ذلك نعوذ بالله من سوء العاقبة {لعلهم يرجعون} عما كانوا عليه من الشرك والمعاصى والغفلات وتتبع الشهوات وتضييع الاوقات الى التوحيد والطاعة وطلب الحق والجهد فى عبوديته وتعظيم الشرع والتأسف على ما فات وهذا كقوله تعالى {ولقد اخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون} اى يتعظون فلم يتعظوا ففيه تنبيه على ان الله تعالى انما يقضى بالجدوبة ونقص الثمرات والنبات لطفا من جنابه فى رجوع الخلق عن المعصية شعر : بارها بوشد بى اظهار فضل باز كيرد ازبى اظهار عدل تايشمان ميشوى ازكار بد تاحيا دارى زالله الصمد تفسير : اعلم ان الله تعالى غير بشؤم المعصية اشياء كثيرة. غير صورة ابليس واسمه وكان اسمه الحارث وعزايل فسماه ابليس. وغير لون حام بن نوح بسبب انه نظر الى سوءة ابيه فضحك وكان ابوه نوح نائما فاخبر بذلك فدعا عليه فسوده الله تعالى فتولد منه الهند والحبشة. وغير الصورة على قوم موسى فصيرهم قردة وعلى قوم عيسى فصيرهم خنازير. وغير ماء القبط ومالهم فصيرهما دما وحجرا. وغير العلم على امية بن ابى الصلت وكان من بلغاء العرب حيث كان نائما فاتاه طائر وادخل منقاره فى فيه فلما استيقظ نسى جميع علومه. وغير اللسان على رجل بسبب العقوق حيث نادته والدته فلم يجب فصار اخرس. وغير الايمان على برصيصا بسبب شرب الخمر والزنى بعد ما عبد الله تعالى مائتين وعشرين سنة الى غير ذلك. وقد قال كعب الاحبار لما اهبط الله تعالى آدم عليه السلام جاءه ميكائيل بشئ من حب الحنطة وقال هذا رزقك ورزق اولادك قم فاضرب الارض وابذر البذر قال ولم يزل الحب من عهد آدم الى زمن ادريس عليهما السلام كبيضة النعام فلما كفر الناس نقص الى بيضة الدجاجة ثم الى بيضة الحمامة ثم الى قدر البندقية وكان فى زمن عزيز عليه السلام على قدر الحمصة. وقد ثبت فى الاحاديث الصحيحة ان ظهور الفاحشة فى قوم واعلانها سبب لفشوّ الطاعون والاوجاع. ونقص الميزان والمكيال سبب للقحط وشدة المؤوتة وجوز السلطان. ومنع الزكاة سبب لانقطاع المطر ولولا البهائم لم يمطروا. ونقض عهد الله وعهد رسوله سبب لتسلط العدو. واخذ الاموال من ايدى الناس وعدم حكم الائمة بكتاب الله سبب لوقوع السيف والقتال بين الناس. واكل الربا سبب للزلزلة والخسف فضرر البعض يسرى الى الجميع ولذا يقال من اذنب ذنبا فجميع الخلق من الانس والدواب والوحوش والطيور والذر خصماؤه يوم القيامة فلا بد من الرجوع الى الله تعالى بالتوبة والطاعة والاصلاح فان فيه الفوز والفلاح. قال ذو النون المصرى قدس سره رأيت رجلا احدى رجليه خارجه من صومعته يسيل منها الصديد فسألته عن ذلك فقال زارتنى امرأة فنامت بجنب صومعتى فجملتنى نفسى على ان انزل عليها بالفجور فساعدتنى احدى رجلى دون الاخرى فحلفت ان لا تصحبنى ابدا وهذا حقيقة التوبة والندامة نسأل الله العفو والعافية والسلامة شعر : توبه كردم حقيقت باخدا نشكنم تاجان شدن ازتن جدا تفسير : كذا فى المثنوى نقلا عن لسان نصوح.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ظهر الفسادُ في البر والبحر}، أما الفساد في البر، فكالقحط،وقلة الأمطار، وعدم الريع في الزراعات والربح في التجارات، ووقوع الموتان في الناس والدوابّ، ومحق البركات من كل شيء. وأما في البحر؛ فبكثرة الغرق، وانقطاع صيده. {بما}؛ وذلك بسبب ما {كسبتْ أيدي الناس} من الكفر والمعاصي، ولو استقاموا على الطاعة لدفع الله عنهم هذه الآفات. أظهر فيهم ذلك {ليذيقهم بعض الذي عملوا} أي: ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة، عن "قُنْبل ويعقوب": بنون التكلم. {لعلهم يرجعون} عما هم عليه من المعاصي. {قل} لكفار قومك {سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلُ}؛ لتُعاينوا ما فعلنا بهم بسبب كفرهم ومعاصيهم؛ لأنه {كان أكثرُهم مشركين}؛ فدمرناهم، وخربنا ديارهم، فانظروا: كيف كان عاقبتهم، لعلكم ترجعون عن غَيكم. الإشارة: قال القشيري: الإشارة في البَرِ إلى النفس، وفي البحر إلى القلب، وفسادُ البرّ بأَكْلِ الحرام وارتكاب المحظورات، وفسادُ البحر من الغفلة والأوصاف الذميمة، مثل سوء العزم، والحسد والحقد، وإرادة الفسوق، وغير ذلك. وعَقْدُ الإصرار على المخالفات من أعظم فساد القلب، كما أنَّ العَزْمَ على الخيرات، قبل فِعْلها، من أعظم الخيرات. ومن جملة الفساد: التأويلاتُ بغير حقٍّ، والانحطاطُ إلى الرُّخَصِ من غير قيام بحقٍ، والإغراق في الدعاوى من غير استحياء. هـ. قال الورتجبي: إن الله غلب الإنسانية على الكون؛ طاعةً ومعصية، فإذا رزق الإنسان الطاعة صلح الأكوان ببركتها، وإذا رزق المعصية فسد الحدثان بشؤم معصيته؛ لأن طاعته ومعصيته من تواثير لطفه وقهره، عَلاَ بنعت الاستيلاء على الوجود، فإذا فسادها يؤثر في بَرِّ النفوس وبحار القلوب، ففساد بَرَّ النفوس: فَتْرَتُهَا عن العبودية، وفساد بحر القلب: احتجابه عن مشاهدة أنوارالربوبية. هـ. قلت: وقد يقال: ظهر الفساد في بر الشريعة؛ بذهاب حَمَلَتِهَا، ومن يحفظها، ويذب عنها، وفي بحر الحقيقة؛ بقلة صدق من يطلبها، وغربة أهلها، واختفائها حتى اندرست أعلامها، وخفي آثارُها، والبركة لا تنقطع. وذلك بسبب ما كسبت أيدي الناس؛ من إيثار الدنيا على الله؛ ليذيقهم وبال القطيعة، لعلهم يرجعون إليه، إما بملاطفة الإحسان، أو بسلاسل الامتحان. قال في لطائف المنن: سأل بعضُ العارفين عن أولياء العدد، هل ينقصون؟ فقال: لو نقص منهم واحد؛ ما أرسلت السماء قَطْرَهَا، ولا أنبتت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص أمداداهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم، مع وجود بقائهم. فإذا كان أهل الزمان مُعْرضين عن الله، مؤثرين لما سوى الله؛ لا تنجح فيهم الموعظة، ولا تميلُهم التذكرة، لم يكونوا أهلاً لظهور أولياء الله تعالى فيهم، ولذلك قالوا: أولياء لله عرائس ولا يرى العرائسَ المجرمون. هـ. قال القشيري: (قل سيروا)؛ بالاعتبار، واطلبوا الحقَّ بنعت الافتكار، وانظروا: كيف كان حال من تقدمكم من الأشكال والأمثال؟ وقيسوا عليها حُكْمَكم في جميع الأحوال، (كان أكثرهم مشركين): كان أكثرهم عدداً، ولكن أقل في التحقيق؛ وزناً وقَدْراً. هـ. ثم أمر بالتأهّب ليوم المعاد وبه يندفع عن الخلق الفساد، فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير - في رواية ابن مجاهد - عن قنبل وروح {لنذيقهم} بالنون. الباقون بالياء. فمن قرأ بالنون فعلى وجه اخبار الله عن نفسه أنه الذي يذيقهم. ومن قرأ بالياء فالمعنى ليذيقهم الله بعض الذي عملوا. يقول الله تعالى {ظهر الفساد في البر والبحر} قيل: فساد البر هو ما يحصل فيها من المخاوف المانعة من سلوكه، ويكون بخذلان الله عز وجل لاهل العقاب به، وفساد البحر اضطراب أمره حتى لا يكون متصرفاً فيه، وكل ذلك ليرتدعوا عن معاصيه. وقال قتادة: المعنى ظهر الفساد في أهل البر والبحر فأهل البر أهل البادية وأهل البحر أهل القرى الذين على الانهار العظيمة ويكون قوله {بما كسبت أيدي الناس} معناه يخلي الله بينهم وبين المعاصي جزاء على ما سبق منهم من المعاصي. وقال مجاهد: البر ظهر الأرض والبحر هو البحر المعروف، لأنه يؤخذ فيه كل سفينة غصباً. وقيل: البر الأرض القفر والبحر المجرى الواسع للماء عذباً كان أو ملحاً، وسمي البر براً، لانه يبر بصلاح المقام فيه خلاف البحر، ومنه البر لأنه يبرّ بصلاحه في الغذاء أتم الصلاح. وقيل: الفساد المعاصي ودليله قوله تعالى {أية : والله لا يحب الفساد} تفسير : والتقدير. ظهر عقاب الفساد في البر والبحر، والظهور خروج الشيء إلى حيث يقع عليه الاحساس والعلم به بمنزلة الادراك له. وقد يظهر الشيء بخروجه عن وعاء أو وجوده عن عدم أو ظهوره بدليل. وقيل: بالعدل ينبت الله الزرع ويدر الضرع، وبالظلم يكون القحط وضيق الرزق. وقوله {بما كسبت أيدي الناس} أي جزاء على ما فعله الناس. والكسب فعل الشيء لاجتلاب نفع إلى نفس الفاعل أو دفع ضرر عنه، فالقادر لنفسه يقدر على مثله في الحالتين لاجتلاب نفع إلى غيره أو دفع ضرر عنه، غير انه لا يوصف بهذه الصفة وإن قدر على مثله. وقوله {ليذيقهم بعض الذي عملوا} معناه ليصيبهم الله بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوها من المعاصي {لعلهم يرجعون} أي ليرجعوا عنها في المستقبل، وتقديره فعل الله تعالى القحط والشدائد والجدب وقلة الثمار وهلاك النفوس عقوبة على معاصيهم ليذيقهم بذلك عقاب بعض ما عملوا من المعاصي ليرجعوا عنها في المستقبل، ليذيقهم عقابه غير انه اجري على بعض العمل لانهم بذواقهم جزاءه كأنهم ذاقوه. وهذا من الحذف الحسن، لأنه حذف المسبب وإقامة السبب الذي أدى اليه مقامه. ثم بين تعالى انه فعل بهم هذا ليرجعوا عن معاصيه إلى طاعته. ثم خاطب تعالى نبيه صلى الله عليه وآله فقال له {قل} لهم يا محمد {سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان اكثرهم مشركين} أي فكروا فيمن تقدم من الامم التي اشركت بالله أكثرهم، والمؤمنون كانوا قليلين فيهم كيف أهلكهم الله ودمر عليهم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {فأقم وجهك للدين القيم} ومعناه استقم للدين المستقيم بصاحبه إلى الجنة أي لا يعدل عنه يميناً ولا شمالا، فانك متى فعلت ذلك أداك إلى الجنة، وهو مثل قوله {أية : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} تفسير : مجانس فيه للبلاغة ومنه قوله {يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار} ومنه {يمحق الله الربا ويربي الصدقات}. {من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون} أي استقيموا على الطريق المستقيم قبل يوم القيامة الذي تتفرفون فيه فرقتين، فريق في الجنة وفريق في السعير - ذكره قتادة - وقال الحسن: الدين القيم الطاعة لله. ثم قال {من كفر} بالله وجحد نعمه {فعليه كفره} أي فعليه جزاء كفره لا يعاقب أحد بذنب غيره، كما قال {أية : ولا ترز وازرة وزر أخرى} تفسير : {ومن عمل صالحاً} يعني الايمان بالله وأفعال الطاعات {فلأنفسهم يمهدون} والتمهيد والتمكين والتوطيد نظائر أي ثواب ذلك واصل اليهم وتتمهد احوالهم الحسنة عند الله. وقوله {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} اخبار منه تعالى أنه الذي يجزي الذين يطيعون الله تعالى ويجتنبون معاصيه ثواب الجنة من فضله على خلقه {إنه لا يحب الكافرين} أى لا يريد منافعهم ولا ثوابهم، وانما يريد عقابهم جزاء على كفرهم.

الجنابذي

تفسير : {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} الفساد ضدّ الصّلاح وهو فى كلّ شيءٍ ان يكون على ما يقتضيه طبيعته، والفساد ان يكون خارجاً عمّا يقتضيه طبيعته، وقد يستعمل الفساد فى اخذ المال ظلماً وفى الجدب والمراد بظهور الفساد كثرته بحيث لم يكن من شأنه ان يكون مخفياً او غلبته على الصّلاح، او على العدل او على الرّخاء، والمراد بالبحر نفس البحر او القرى الواقعة فيها وعلى سواحلها {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} يعنى انّ الفساد فى الارض ليس الاّ بشوم اعمال الاناسىّ فيها سواء اريد بالفساد خروج الاشياء عن المجرى الطّبيعىّ او الظّلم والجدب، قال الصّادق (ع): حيٰوة دوابّ البحر بالمطر فاذا كفّ المطر ظهر الفساد فى البرّ والبحر وذلك اذا كثرت الذّنوب والمعاصى، وقال الباقر (ع): ذلك والله حين قالت الانصار: منّا اميرٌ ومنكم اميرٌ {لِيُذِيقَهُمْ} الله او الفساد {بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} اى جزاء بعض اعمالهم فانّ جزاء الكلّ لا يكون الاّ فى الآخرة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن المعاصى.

اطفيش

تفسير : {ظَهَرَ الفَسَادَ} القحط وقلة المطر وقلة الريح وكثرة الحرق والفرق وموت الناس والدواب ورجوع الغائصين من قعر البحر بلا فائدة وكثرة المضار والضلال والظلم ومن ذلك اغراق فرعون وقومه وخسف الارض بقوم لوط ورجمهم واخذ الصيحة ثمود. {فِي البَرِّ وَالبَحْرِ} وقال مجاهد المراد بالبر قرى البر وبالبحر قرى السواحل والتي في جزائره وهو قول الحسن وعن عكرمة العرب تسمي الامصار البحار وقرى في البر والبحور وقيل المراد المدائن والقرى التي على المياه الجارية والعرب تسمى المطر بحرا يقال اجدب البر وانقطعت مادة البحر وقيل البر الأرض وفسادها بقلة الامطار وغيرها والبحر معروف وقلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في البحر فتخلوا أجواف الاصداف من اللؤلؤ فان الصدف ذا المطر يرتفع على وجه الماء وينفتح وهو حيوان فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤا أنظر السوسي فانه قد ذكر ان حيوانا من البحر يعلوا الماء في ايام النسيان ويفتح فاه للمطر فما وقع فيه صار لؤلؤة واجودها ما كانت قطرة واحدة لانها تكبر ويرجع لقعر البحر فتخرج له عروق ويلتصق بالاحجار ثم يكون صدفا وما طال مكثه افسده الماء وغيّره. ومن الفساد حدوث الفتن وتغلب العدو وعن ابن عباس رضي الله عنهما الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم قال الامام الاندلسي الطرطوشي ابو بكر في كتابه ـ سراج الملوك ـ ان ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته مستخفيا فنزل على رجل له بقر فحلبت قدر قلتين فعجب الملك من ذلك وحدث نفسه بأخذها ولما راحت عليه الغد حلبت على النصف فقال له الملك: ما بال حلابها نقص رعت في غير مرعاها الاول؟ قال: لا ولكن اظن ان ملكنا قد هم بأخذها فنقص لبنها فان الملك اذا ظلم او هم بالظلم نقصت البركة، فعاهد الملك في نفسه ان لا يأخذها فحلبت قلتين فتاب وعاهد ان لا يظلم. وان من المشهور في ارض المغرب ان السلطان بلغه ان امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو وان قصبة منها تعصر قدحا فعزم على أخذه منها ثم أتاها وسألها عن ذلك فقالت: نعم ثم انها عصرت فصبت فلم تبلغ نصف القدح فقال: أين الذين كان يقال؟ فقالت: هو الذي بلغك الا ان يكون السلطان. قد عزم على اخذها فارتفعت البركة، فتاب السلطان. قال وحدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الاخبار بمصر قال كان بصيعد مصر نخلة تحمل عشرة ارداب ولم يكن في الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها السلطان فلم تحمل في ذلك العام تمرة واحدة وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد انا اعرف هذه النخلة من الغربية تحمل عشرة ارداب ستين ويبة وكان صاحبها يبيع في الغلا كل ويبة بدينار قال وشهدت انا بالاسكندرية والصعيد في الخليج انه مطلق للرعية والسمك به يغلي الماء به كثرة ويصيده الاطفال بالخرق ثم حجره السلطان ومنع الناس من صيده فذهب السمك حتى لا ترى إلا واحدة بعد اخرى الى يومنا هذا وهكذا تتعدى سرائر الملوك الى الرعية ان خيرا فخير وان شرا فشر. {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} اي بسبب ما كسبوه من المعاصي او بكسبهم وقال ابن عباس الفساد في البر قتل قابيل اخاه هابيل وفي البحر اخذ الجلندى كل سفينة غصبا وهو بضم الجيم وفتح اللام واسكان النون وفتح الدال وهو اسم لكل ملك من ملوك عمان بضم العين وتخفف الميم او بفتحها وتشديد الميم قيل كانت الارض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة الا وجد عليها ثمرا وكان ماء البحر عذبا وكان لا يصيد الاسد البقر والغنم فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض ونبت الشوك في الشجر وصار ماء البحر ملحا وقصد الحيوان بعضها بعضا وقال قتادة امتلأت الأرض ظلما وجورا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولما بعث رجع راجعون عن الظلم والضلال وقيل المراد بالناس كفار مكة ويوافق ذلك كله قوله سبحانه وتعالى {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم }تفسير : ويجوز ان يكون المعنى ظهر الشرك والمعاصي بكسب الناس ذلك المذكور ومن الشرك والمعاصي. {لِيُذِيقَهُم} وقرأ يعقوب وابن كثير بالنون. {بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} عقوبة بعض ما عملوا وتمام العقوبة في الآخرة بل من كان شقيا يعاقب في الآخرة بجميع ذنوبه الكبار والصغار واللام للعاقبة او للتعليل ووجه الأول ان ظهور الشر بسببهم ما استوجبوا به ان يذيقهم الله وبال أعمالهم فكأنهم افسدوا وتسببوا في كثرة المعاصي في الأرض لأجل ذلك ووجه الثاني ان الله قد افسد اسباب دنياهم ومحقها ليذيقهم بعض اعمالهم في الدنيا قبل ان يعاقبهم بها جميعا في الآخرة. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن الكفر والمعاصي.

اطفيش

تفسير : {ظَهَر الفَسَاد في البرَّ والبَحْر} كالجدب وانقطاع مادة البحر، وموت الحيوان، كثرة الغرق والحرق، وخيبة الصائد للحوت والوحش، والغائص على اللؤلؤ، وانتقاء البركة من الاشياء، وقلة المنافع، وكثرة المضار، وقلة المطر، واذا انقطع عميت دواب البحر، وعن مجاهد البر البلاد البعيدة عن البحر، والبحر السواحل المدن التي على البحر والانهار، وعن قتادة: البر الفيافى ومواضع القبائل والصحارى، ومواضع الصمود، والبحر المدن كما قال سعد بن عبادة فى عبد الله بن ابى بن سلول: لقد اجمع اهل هذه البحيرة، يعنى المدينة، ان يتوجوه، وجوز النحاس ان يقدر فى الاية مدن البحر، واجيز ان يراد بالفساد المعاصى والظلم، والمعصية تجر المعصية، وأل فى الكل للجنس. {بمَا كَسَبت أيْدي النَّاس} بما كسبته او بكسبها، كأخذ الجلندى كل سفينة غضبا، وذلك فى البحر، وقتل قايبل هابيل، وهو اول معصية فى الارض فيما قيل، وكانت الارض روضة لا ياتى ابن آدم شجرة الا وجد عليها ثمرا، وماء البحر عذبا، ولا يفترس الاسد البقر، والذئب الغنم، ولا يضر حيوان آخر، فلما قتل هابيل تغير ذلك كله، واذا فسر الفاسد بالمعاصى، فالمراد كما مر ازدادت، او تصوير حصولها بكسبها {ليُذيقهُم بعْضَ الَّذي عملُوا} بعض جزاء ما عملوا فى الدنيا، والبعض الاخر فى الاخرة، ويعاقبهم بجميعها ايضا فى الاخرة. {لعلهَّم يرجعِون} عن عمل السوء، وعن قتادة: كان الفساد قبل ان يبعث النبى صلى الله عليه وسلم، ولما بعثه الله رجع بعض عن المعاصى، وايضا كان اول البعثة اصر قريش على الشرك والمعاصى، وآذوه صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم فأقحطوا سبع سنين لعلهم يرجعون، وحكم الآية باق الى قيام الساعة، ومن اذنب ذنبا خاصمه الثقلان والحيوانات برا وبحرا يوم القيامة، بمنع المطر لشئومه، ومن اكل الحرام فقد خان جميع الناس.

الالوسي

تفسير : {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } كالجدب والموتان وكثرة الحرق والغرق وإخفاق الصيادين والغاصة ومحق البركات من كل شيء وقلة المنافع في الجملة وكثرة المضار، وعن ابن عباس أجدبت الأرض وانقطعت مادة البحر وقالوا: إذا انقطع القطر عميت دواب البحر، وقال مجاهد: ظهر الفساد في البر بقتل ابن آدم أخاه وفي البحر بأخذ السفن غصباً، وفي رواية عن ابن عباس بأخذ جلندي كل سفينة غصباً، ولعل المراد التمثيل، وكذا يقال في قتل ابن آدم آخاه وكان أول معصية ظهرت في البر؛ قال الضحاك: كانت الأرض خضرة مونقة يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة وكان ماء البحر عذباً وكان لا يفترس الأسد البقر، ولا الذئب / الغنم فلما قتل قابيل هابيل أقشعر ما في الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحاً زعافاً وقصد الحيوان بعضه بعضاً. وذكر أن أول معصية في البحر غصب جلندي كل سفينة تمر عليه فكأن تخصيص الأمرين بالذكر لذلك، وأياً ما كان فالبر والبحر على ظاهرهما، وعن مجاهد البر البلاد البعيدة من البحر والبحر السواحل والمدن التي عند البحر والأنهار، وقال قتادة: البر الفيافي ومواضع القبائل وأهل الصحارى والعمود والبحر المدن، والعرب تسمي الأمصار بحاراً لسعتها، ومنه قول سعد بن عبادة في عبد الله بن أبـي بن سلول، ولقد أجمع أهل هذه البحيرة يعني المدينة ليتوجوه. قال أبو حيان: ويؤيد هذا قراءة عكرمة {والبحور} بالجمع ورويت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجوز النحاس أن يكون البحر على ظاهره إلا أن الكلام على حذف مضاف أي مدن البحر فهو مثل { أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82] وجوز أيضاً أن يراد بالفساد المعاصي من قطع الطريق والظلم وغيرهما، و {أل} في {ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } للجنس وكذا في {ٱلْفَسَادَ } أي ظهر جنس الفساد من الجدب والموتان ونحوهما في جنس البر وجنس البحر. {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ } أي بسبب ما فعله الناس من المعاصي والذنوب وشؤمه وهذا كقوله تعالى: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } تفسير : [الشورى: 30] وهو على التفسير الأول للفساد ظاهر وأما على تفسيره بالمعاصي فالمعنى ظهرت المعاصي في البر والبحر بكسب الناس إياها وفعلهم لها، ومعنى قوله تعالى: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } على الأول ظاهر وهو أن الله تعالى قد أفسد أسباب دنياهم ومحقها وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة لعلهم يرجعون عما هم عليه وأما على الثاني فاللام مجاز على معنى أن ظهور المعاصي بسببهم مما استوجبوا به أن يذيقهم الله تعالى وبال أعمالهم إرادة الرجوع فكأنهم إنما فسدوا وتسببوا لفشو المعاصي في الأرض لأجل ذلك. وقرأ السلمي والأعرج وأبو حيوة وسلام وسهل وروح وابن حسان وقنبل من طريق ابن مجاهد وابن الصباح وأبـي الفضل الواسطي عنه ومحبوب عن أبـي عمرو (لنذيقهم) بالنون. وظهور الفساد المذكور على ما أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة كان قبل أن يبعث النبـي صلى الله عليه وسلم فلما بعث عليه الصلاة والسلام رجع من رجع من الناس عن الضلال والظلم، وقيل: كان أوائل البعثة وذلك أن كفار قريش فعلوا ما فعلوا من المعاصي والإصرار على الشرك وإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم فدعا صلى الله عليه وسلم فاقحطوا وحل بهم من البلاء ما حل فأخبر الله سبحانه أن ذلك بسبب معاصيهم ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. وفسر هذا القائل: {ٱلنَّاسِ } بكفار قريش، وقيل: كان في زمان سابق على زمان النزول أعم من أن يكون الزمان الذي قبيل البعثة أو بعيدها أو غير ذلك، وحكم الآية عام في كل فساد يظهر إلى يوم القيامة، ومن هنا قيل: من أذنب ذنباً يكون جميع الخلائق من الإنس والدواب والوحوش والطيور والذر خصماءه يوم القيامة لأنه تعالى يمنع المطر بشؤم المعصية فيتضرر بذلك أهل البر والبحر جميعاً، وروي عن شقيق الزاهد أنه قال: من أكل الحرام فقد خان جميع الناس. ووجه تعلق الآية بما قبلها أن فيها نعي ما يعم الشرك وغيره من المعاصي / وفيما قبل نعى الشرك وفيها من تخويف المشركين ما فيها. وقال الإمام: في وجه التعلق هو أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءالِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا }تفسير : [الأنبياء: 22] وإذا كان الشرك سببه جعل الله تعالى إظهارهم الشرك مورثاً لظهور الفساد ولو فعل بهم ما يقتضيه قولهم لفسدت السماوات والأرض كما قال سبحانه: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً }تفسير : [مريم: 90] وإلى هذا أشار عز وجل بقوله سبحانه: {وَلِنِذيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ } انتهى، فتأمل وأنصف.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية ومعناها صالح لعدة وجوه من الموعظة، وهي من جوامع كلم القرآن. والمقصد منها هو الموعظة بالحوادث ماضيها وحاضرها للإقلاع عن الإشراك وعن تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فأما موقعها فيجوز أن تكون متصلة بقوله قبلها {أية : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}تفسير : الآيات [الروم: 9]، فلما طولبوا بالإقرار على مَا رأوه من آثار الأمم الخالية، أو أُنكِرَ عليهم عدمُ النظر في تلك الآثار، أُتبع ذلك بما أدَّى إليه طريق الموعظة من قوله {أية : هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده}تفسير : [الروم: 27]، ومن ذكر الإنذار بعذاب الآخرة، والتذكير بدلائل الوحدانية ونِعَم الله تعالى، وتفريع استحقاقه تعالى الشكر لذاته ولأجل إنعامه استحقاقاً مستقراً إدراكه في الفطرة البشرية، وما تخلل ذلك من الإرشاد والموعظة، عاد الكلام إلى التذكير بأن ما حلّ بالأمم الماضية من المصائب ما كان إلا بما كسبت أيديهم، أي بأعمالهم، فيوشك أن يحلّ مثل ما حلّ بهم بالمخاطبين الذين كسبت أيديهم مثلَ ما كسبت أيدي أولئك. فموقع هذه الجملة على هذا الوجه موقع النتيجة من مجموع الاستدلال أو موقع الاستئناف البياني بتقدير سؤال عن سبب ما حلّ بأولئك الأمم. ويجوز أن تقع هذه الآية موقع التكملة لقوله {أية : وإذا مسّ الناسَ ضُر دَعوا ربهم}تفسير : [الروم: 33] الآية، فهي خبر مستعمل في التنديم على ما حلّ بالمكذبين المُخاطبين من ضرّ ليعلموا أن ذلك عقاب من الله تعالى فيقلعوا عنه خشية أن يحيط بهم ما هو أشد منه، كما يؤذن به قوله عقب ذلك {لعلهم يرجعون.}فالإتيان بلفظ الناس في قوله {بما كسبت أيدي الناس}إظهار في مقام الإضمار لزيادة إيضاح المقصود، ومقتضى الظاهر أن يقال «بما كسبت أيديهم». فالآية تشير إلى مصائب نزلت ببلاد المشركين وعطلت منافعها، ولعلها مما نشأ عن الحرب بين الروم وفارس، وكان العرب منقسمين بين أنصار هؤلاء وأنصارِ أولئك، فكان من جراء ذلك أن انقطعت سبل الأسفار في البر والبحر فتعطلت التجارة وقلّت الأقوات بمكة والحجاز كما يقتضيه سَوْق هذه الموعظة في هذه السورة المفتتحة بـ{أية : غُلِبَتتِ الرومُ}تفسير : [الروم: 2]. فموقع هذه الجملة على هذا الوجه موقع الاستئناف البياني لسبب مسِّ الضر إياهم حتى لجأوا إلى الضراعة إلى الله، وما بينها وبين جملة {أية : وإذا مسّ الناسَ ضرّ}تفسير : [الروم: 33] إلى آخره اعتراض واستطراد تخلل في الاعتراض. ويجوز أن يكون موقعها موقع الاعتراض بين ذكر ابتهال الناس إلى الله إذا أحاط بهم ضر ثم إعراضهم عن عبادته إذا أذاقهم منه رحمةً وبين ذكر ما حلّ بالأمم الماضية اعتراضاً ينبىء أن الفساد الذي يظهر في العالم ما هو إلا من جراء اكتساب الناس وأن لو استقاموا لكان حالهم على صلاح. و{الفساد: سوء الحال، وهو ضد الصلاح، ودل قوله: {في البر والبحر}على أنه سوء الأحوال في ما ينتفع به الناس من خيرات الأرض برها وبحرها. ثم التعريف في {الفساد}: إما أن يكون تعريف العهد لفساد معهود لدى المخاطبين، وإما أن يكون تعريف الجنس الشامل لكل فساد ظهر في الأرض برِّها وبحرِها أنه فساد في أحوال البر والبحر، لا في أعمال الناس بدليل قوله {ليذيقهم بعضَ الذي عمِلوا لعلهم يرجعون}. وفساد البر يكون بفقدان منافعه وحدوث مضارّه، مثل حبس الأقوات من الزرع والثمار والكلأ، وفي مَوتان الحيوان المنتفع به، وفي انتقال الوحوش التي تصاد من جراء قحط الأرض إلى أرضين أخرى، وفي حدوث الجوائح من جراد وحشرات وأمراض. وفساد البحر كذلك يظهر في تعطيل منافعه من قلّة الحيتان واللؤلؤ والمرجان فقد كانا من أعظم موارد بلاد العرب وكثرة الزوابع الحائلة عن الأسفار في البحر، ونضوب مياه الأنهار وانحباس فيضانها الذي به يستقي الناس. وقيل: أريد بالبر البَوادي وأهل الغمور وبالبحر المدن والقرى، وهو عن مجاهد وعكرمة وقال: إن العرب تسمي الأمصار بحراً. قيل: ومنه قول سعد بن عبادة في شأن عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول: «ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوّجوه». يعني بالبحرة: مدينة يثرب وفيه بُعد. وكأنَّ الذي دعا إلى سلوك هذا الوجه في إطلاق البحر أنه لم يعرف أنه حدث اختلال في سير الناس في البحر وقلة فيما يخرج منه. وقد ذكر أهل السير أنَّ قريشاً أصيبوا بقحط وأكلوا الميتة والعِظام، ولم يذكروا أنهم تعطلت أسفارهم في البحر ولا انقطعت عنهم حيتان البحر، على أنهم ما كانوا يعرفون بالاقتيات من الحيتان. وعلى هذه الوجوه الثلاثة يكون الباء في قوله {بما كسبت أيدي الناس} للعوض، أي جزاء لهم بأعمالهم، كالباء في قوله تعالى: {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}تفسير : [الشورى: 30]، ويكون اللام في قوله {ليذيقهم}على حقيقة معنى التعليل. ويجوز أن يكون المراد بالفساد: الشرك قاله قتادة والسدّي فتكون هذه الآية متصلة بقوله {أية : الله الذي خلقكم ثم رزقكم} تفسير : إلى قوله: {أية : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء}تفسير : [الروم: 40]، فتكون الجملة إتماماً للاستدلال على وحدانية الله تعالى تنبيهاً على أن الله خلق العالم سالماً من الإشراك، وأن الإشراك ظهر بما كسبت أيدي الناس من صنيعهم. وهذا معنى قوله في الحديث القدسي في «صحيح مسلم»: «حديث : إني خلقت عبادي حُنَفَاء كلَّهم، وأنهم أتتهم الشياطين فأجالتهم عن دينهم، وأمَرْتهم أن يشركوا بي» تفسير : الحديث. فذكر البر والبحر لتعميم الجهات بمعنى: ظهر الفساد في جميع الأقطار الواقعة في البر والواقعة في الجزائر والشطوط، ويكون الباء في قوله {بما كسبت أيدي الناس}للسببية، ويكون اللام في قوله {ليذيقهم بعض الذي عملوا}لامَ العاقبة، والمعنى: فأذقناهم بعض الذي عملوا، فجُعلت لام العاقبة في موضع الفاء كما في قوله تعالى: {أية : فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً}تفسير : [القصص: 8]، أي فأذقنا الذين أشركوا بعض ما استحقوه من العذاب لشركهم. ويجوز أن يكون المعنى أن الله تعالى خلق العالم على نظام مُحكم ملائم صالح للناس فأحدث الإنسان فيه أعمالاً سيئة مفسدة، فكانت وشائجَ لأمثالها: حديث : وهل ينبت الخطيَّ إلا وشيجُه تفسير : فأخذ الاختلال يتطرق إلى نظام العالم قال تعالى: {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات}تفسير : [التين: 4 ــــ 6]، وعلى هذا الوجه يكون محمل الباء ومحمل اللام مثل محملهما على الوجه الرابع. وأطلق الظهور على حدوث حادث لم يكن، فشبه ذلك الحدوث بعد العدم بظهور الشيء الذي كان مختفياً. ومحمل صيغة فعل {ظهر} على حقيقتها من المضي يقتضي أن الفساد حصل وأنه ليس بمستقبل، فيكون إشارة إلى فساد مشاهَد أو محقق الوقوع بالأخبار المتواترة. وقد تحمل صيغة الماضي على معنى توقع حصول الفساد والإنذار به فكأنه قد وقع على طريقة {أية : أتى أمر الله} تفسير : [النحل: 1]. وأيَّاً ما كان الفساد من معهود أو شامل، فالمقصود أن حلوله بالناس بقدرة الله كما دل عليه قوله {ليذيقهم بعض الذي عملوا}، وأن الله يقدر أسبابه تقديراً خاصاً ليجازي من يغضب عليهم على سوء أفعالهم. وهو المراد بما كسبت أيديهم لأن إسناد الكسب إلى الأيدي جرى مجرى المثل في فعل الشر والسوء من الأعمال كلها، دون خصوص ما يعمل منها بالأيدي لأن ما يكسبه الناس يكون بالجوارح الظاهرة كلها، وبالحواس الباطنة من العقائد الضالة والأدواء النفسية. و{ما} موصولة، وحذف العائد من الصلة، وتقديره: بما كسبته أيدي الناس، أي بسبب أعمالهم. وأعظم ما كسبته أيدي الناس من الأعمال السيئة الإشراك وهو المقصود هنا وإن كان الحكم عاماً. ويعلم أن مراتب ظهور الفساد حاصلة على مقادير ما كسبت أيدي الناس،حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُئِلَ: أي الذنب أعظم؟ «أن تدعُو لله نِدّاً وهو خلقك»،تفسير : وقال تعالى: {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}تفسير : [الشورى: 30] وقال: {أية : وأنْ لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً}تفسير : [الجن: 16]. ويجري حكمُ تعريف {الناس} على نحو ما يجري في تعريف {الفساد} من عهد أو عموم، فالمعهود هم المشركون وقد شاع في القرآن تغليب اسم {الناس} عليهم. والإذاقة: استعارة مكنية؛ شبه ما يصيبهم من الآلام فيُحسون بها بإصابة الطعام حاسة المطعم. ولما كان ما عملوه لا يصيبهم بعينه تعين أن بعض الذي عملوا أطلق على جزاء العمل ولذلك فالبعضية تبعيض للجزاء، فالمراد بعض الجزاء على جميع العمل لا الجزاء على بعض العمل، أي أن ما يذيقهم من العذاب هو بعض ما يستحقونه. وفي هذا تهديد إن لم يُقلعوا عن مساوىء أعمالهم كقوله تعالى: {أية : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}تفسير : [فاطر: 45]، ثم وراء ذلك عذاب الآخرة كما قال تعالى: {أية : ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} تفسير : [طه: 127]. والعدول عن أن يقال: بعض أعمالهم إلى {بعضَ الذي عملوا} للإيماء إلى ما في الموصول من قوة التعريف، أي أعمالهم المعروفة عندهم المتقرر صدورها منهم. والرجاء المستفاد من (لعلَّ) يشير إلى أن ما ظهر من فساد كاف لإقلاعهم عما هم اكتسبوه، وأن حالهم حال من يُرجى رجوعه فإن هم لم يرجعوا فقد تبين تمردهم وعدم إجداء الموعظة فيهم، وهذا كقوله تعالى: {أية : أو لا يَرْون أنهم يُفْتَنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون} تفسير : [التوبة: 126]. والرجوع مستعار للإقلاع عن المعاصي كأنَّ الذي عصى ربه عبد أبق عن سيّده، أو دابة قد أبدت، ثم رجع. وفي الحديث «حديث : الله أفرحُ بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا دابته عنده».تفسير : وقرأ الجمهور {ليذيقهم} بالياء التحتية، أي ليذيقهم الله. ومعاد الضمير قوله {أية : الله الذي خلقكم}تفسير : [الروم: 40]. وقرأه قنبل عن ابن كثير وروح عن عاصم بنون العظمة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ظهر الفساد في البر والبحر: أي ظهرت المعاصي في البر والبحر وتبعها الشر والفساد. بما كسبت أيدي الناس: أي بسبب ما كسبته أيدي الناس من ظلم واعتداء. ليذيقهم بعض الذي عملوا: أي تم ذلك وحصل ليذيقهم الله العذاب ببعض ذنوبهم. لعلهم يرجعون: كي يرجعوا عن المعاصي إلى الطاعة والاستقامة. قل سيروا في الأرض: أي قل يا رسولنا لأهل مكة المكذبين بك والمشركين بالله سيروا. عاقبة الذين من قبل: أي كيف كانت نهاية تكذيبهم لرسلهم وشركهم بربهم إنّها هلاكهم. فأقم وجهك للدين القيم: أي استقم على طاعة ربك عابداً له مبلغاً عنه منفذاً لأحكامه. لا مرد له من الله: أي لا يرده الله تعالى لأنه قضى بإِتيانه وهو يوم القيامة. يصدعون: أي يتفرقون فرقتين. يمهدون: أي يوطئون ويفرشون لأنفسهم في منازل الجنة بإِيمانهم وصالح أعمالهم. معنى الآيات: تقدم في السياق الكريم إبطال الشرك بالدليل العقلي إلا أن المشركين مصرون على الشرك وبذلك سيحصل فساد في الأرض لا محالة فأخبر تعالى عنه بقوله في هذه الآية الكريمة [41] فقال {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي انتشرت المعاصي في البر والبحر وفي الجو اليوم فعُبد غير الله واستبيحت محارمه وأوذي الناس في أموالهم وأبدانهم وأعراضهم وذلك نتيجة الإِعراض عن دين الله وإهمال شرائعه وعدم تنفيذ أحكامه. وقوله {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} أي بظلمهم وكفرهم وفسقهم وفجورهم. وقوله: ليذيقهم بعض الذي عملوا أي فما يصيبهم من جدب وقحط وغلاء وحروب وفتن إنما أصابهم الله به {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} من الشرك والمعاصي لا بكل ما فعلوا إذ لو أصابهم بكل ذنوبهم لأنهى حياتهم وقضى على وجودهم، ولكنه الرحمن الرحيم بعباده اللطيف بهم. وقوله تعالى {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} قل يا رسولنا لكفار قريش المكذبين لك المشركين بربهم: سيروا في الأرض شمالاً أو جنوباً أو غرباً فانظروا بأعينكم كيف كان عاقبة الذين كذبوا رسلهم وكفروا بربهم من قبلكم إنها كانت دماراً وهلاكاً فهل ترضون أن تكونوا مثلهم. وقوله {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} أي كان أكثر أولئك الأقوام الهالكين مشركين فالشرك والتكذيب الذي أنتم عليه هو سبب هلاكهم وخسرانهم وقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ} أي استقم يا رسولنا أنت والمؤمنون معك على الدين الإِسلامي إذ لا دين يقبل سواه فاعتقدوا عقائده وامتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه وتأدبوا بآدابه وتخلقوا بأخلاقه وأقيموا حدوده وأحلوا حلاله وحرموا حرامه وادعوا إليه وعلّموه الناس أجمعين، واصبروا على ذلك فإِن العاقبة للمتقين وقوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} أي افعلوا ذلك الذي أمرتكم به قبل مجيء يوم القيامة حيث لم يكن عمل وإنما جزاء، وقوله {لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} أي إنه لا يرده الله إذا جاء ميعاده لأنه قضى بإِتيانه لا محالة من أجل الجزاء على العمل في الدنيا. وقوله {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} أي يوم يأتي اليوم الذي لا مرد له يصدعون أي يتفرقون فرقتين كما يتصدع الجدار فرقتين فريق في الجنة وفريق في النار. وقوله: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي من كفر اليوم فعائد كفره عليه يوم القيامة، {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً} أي اليوم {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي يوطئون فرشهم في الجنة إذ عائدة عملهم الصالح تعود عليهم لا على غيرهم، وقوله {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ} أي يصدعون فرقتين من أجل أن يجزي الله تعالى أولياءه المؤمنين العاملين للصالحات من فضله إذ أعمالهم حسبها أنها زكَّت نفوسهم فتأهلوا لدخول الجنة أما النعيم المقيم فيها فهو من فضل الله فقط، وقوله {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} هذه الجملة علة لجملة محذوفة إذ التقدير، ويجزي الكافرين بعدله وهو سوء العذاب لأنه لا يحب الكافرين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) ظهور الفساد بالجدب والغّلاء أو بالحرب والأمراض يسبقه حسب سنة الله تعالى ظهور فساد في العقائد بالشرك، وفي الأعمال بالفسق والمعاصي. 2) وجوب الاستقامة على الدين الإِسلامي عقيدة وعبادة وقضاء وحكماً. 3) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحداثه ووقائعه. 4) بيان أن الله تعالى يحب المتقين ويكره الكافرين.

القطان

تفسير : الفساد: الخلل والاضطراب وإلحاق الضرر بالغير، والجدب والقحط والظلم والبغي. لعلّهم يرجعون: لعلهم يتوبون. لا مردّ له: لا يقدر احد ان يرده. يصّدّعون: يتصدعون، يتفرقون. يمهَدون: مهد الفراش: وطأهُ، ومهد لنفسه خيرا: هيأه. يبيّن الله تعالى هنا ان الفسادَ يظهر في الأرض متمثِّلاً بالظلم والبغي والبؤس والفقر والقلق والحيرة، وذلك بسبب ما كسَبت أيدي الناس من الذنوب، وتركِهم لأوامر الله، والبعدِ عن دينهم. إذن فإن الفساد في العباد إنما كان نتيجةَ أفعالهم. من ثَم أرشدهم الله الى ان من كان قبلَهم ممّن كانت أفعالُهم كأفعالهم - قد أصابهم الله بعذاب من عنده، وصاروا مثلا لمن بعدهم وعبرة لمن خلفهم فقال: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} قل يا ايها النبي للمشركين: سيروا في نواحي الأرض، فانظُروا كيف كانت نهايةُ الذين مضَوا قبلكم؟ لقد أهلكهم الله وخرّب ديارهم لأن اكثرهم كانوا مشركين مثلكم. {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} اسلك ايها الرسول الطريقَ المستقيم الذي رسمه لك ربك، وهو الدين الكامل، من قبلِ ان يأتي يوم لا يستطيع احد ان يرده، هو يوم الحساب. يومئذ يتفرق الناس بحسب اعمالهم {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الشورى:7]. ثم بين أن ما ناله كل منهم من الجزاء كان نتيجةً حتمية لعمله فقال: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} إنهم يهيّئون لأنفسهم الخيرَ وهم في الجنة خالدون. {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} وهذا سيكون يوم القيامة، حيث يلاقي كل انسانٍ ما عمله حاضراً. قراءات: قرأ ابن كثير ويعقوب: لنذيقهم بالنون. والباقون: ليذيقهم بالياء.

د. أسعد حومد

تفسير : (41) - ظَهَرَ الفَسَادُ فِي العَالَمِ بالفِتَنِ والحُروبِ والاضْطِرابَات.. وذَلكَ بِسَببِ مَا اقتَرَفَهَ النَّاسُ مِنَ الظُّلمِ، وانتِهَاكِ الحُرُمَاتِ، والتَّنَكُّرِ لِلدِّينِ، وَنِسيَانِ يومِ الحِسَابِ فانْطَلَقَت النُّفُوسُ مِنْ عِقَالِها، وَعَاثَتْ فِي الأَرضِ فَسَاداً بِلاَ وَازِعٍ وَلاَ رَقيبٍ منْ ضَميرٍ أَوْ وُجدَانٍ أو حَيَاءٍ أَو حِسَابٍ لدِينٍ، فَأَذَاقَهُم اللهُ جزاءَ بعضِ ما عَمِلُوا مِنَ المَعَاصِي والآثَامِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ، وَيَكُفُّونَ عَنِ الضَّلالِ والغِوايةِ، وَيَتَذَكَّرُونَ يومَ الحِسَابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ظهر: بان ووضح. والظهور: أن يُبين شيء موجود بالفعل لكنَّا لا نراه، وما دام الحق سبحانه قال: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ ..} [الروم: 41] فلا بُدَّ أن الفساد كان موجوداً، لكن أصحاب الفساد عمُّوه وجَنُّوه إلى أن فقس وفرخ في المجتمع. والفساد لا يظهر إنما يظهر أثره، أتذكرون الزلزال الذي حدث والذي كشف الفساد والغش والتدليس بين المقاول والمهندس، وكانت المباني قائمة والفساد مستتراً إما لغفلتنا عنه، أو لتواطئنا معه، أو لعدم اهتمامنا بالأشياء إلى أن طمَّتْ المسائل، ففضح الله الأرض بالزلزال، ليكشف ما عندنا من فساد. فإذا ازداد الغش، وانتشر وفَاقَ الاحتمال لا بُدَّ أن يُظهره الله للناس، فلم يَعُدْ أحد قادراً على أن يقف في وجه الفساد، أو يمنعه؛ لذلك يتدخَّل الحق سبحانه، ويفضح أهل الفساد ويذيقهم آثار ما عملت أيديهم. وتأتي ظهر بمعنى "الغلبة" كما في قوله تعالى: {أية : فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} تفسير : [الصف: 14] أي غالبين. وفي سورة التحريم: {أية : وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ..} تفسير : [التحريم: 4]. وبمعنى "العلو" في قوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً} تفسير : [الكهف: 97]. فالمعنى {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ ..} [الروم: 41] أي: غلب الصلاح وعلا عليه، والكون خلقه الله تعالى على هيئة الصلاح، وأعدّه لاستقبال الإنسان إعداداً رائعاً، وللتأكد من صِدْق هذه المسألة انظر في الكون وأجناسه وأفلاكه وأجوائه، فلن ترى فساداً إلا فيما تتناوله يد الإنسان. أما ما لا تتناوله يد الإنسان، فلا ترى فيه خللاً؛ لأن الله خلقه منسجمَ الأجناس منسجمَ التكوين: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40]. فهل خلقنا الحق سبحانه وخلق اختيارنا لنفسد في الكون؟ لا، إنما هو ابتلاء الاختيار حين ينزل عليك المنهج ويجعله قانوناً لحركتك بافعل ولا تفعل، وما لم أقُل فيه (افعل) أو (لا تفعل) فأنت حر فيه، فلا يحدث من الفعل أو من عدمه ضرر في الكون، أمّا أنا فقد قلت افعل في الذي يحصل منه ضرر بعدم فعله، وقلت لا تفعل في الذي يحصل ضرر من فعله. فالفساد يأتي حين تُدخِل يدك في شيء وأنت تطرح قانون الله في افعل ولا تفعل، أما الصلاح فموجود وفيه مناعة يكافح بها الفساد، فإنْ علا تيار الفساد وظهر على الصلاح وغلبه بان للناس. وعندها يُنبِّهنا الحق سبحانه بالأحداث تطرقنا وتقول لنا: انظروا إلى مَنْ خالف منهج الله ماذا حدث له؛ لذلك في أعقاب الأحداث نزداد عشقاً لله، وحباً لطاعته، وترى الناس (تمشي على العجين متلخبطه)، لكن سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه من الإهمال والغفلة، على حَدِّ قول الشاعر: شعر : تُروِّعنا الجناَئِزُ مُقْبِلاتٍ ونلهُو حِين تَذهَبُ مُدبراتِ كَروْعَةِ ثُلَّةٍ لمغَارِ ذِئْبٍ فَلما غابَ عادتْ راتعاتِ تفسير : فالحق يقول: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ ..} [الروم: 41] أي: غلب على قانون الصلاح الذي أقام الله عليه نظام هذا الكون، الذي لو نالتْه يد الإنسان لَفسد هو الآخر، كما قال سبحانه: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..} تفسير : [المؤمنون: 71]. فظواهر الكون أشياء وقضايا لكل العامة، ومن الحكمة ألاّ تنالها يد الإنسان؛ لأن الله تعالى يريد للكون البقاء، ولم يأْتِ أوان انتهائه، لذلك الحق سبحانه يجعل فينا مناعة تجعلنا نقبل الفساد إلى حين، إلى أن يصل إلى درجة التشبُّع، فتتفجر الأوضاع. فقوله: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ ..} [الروم: 41] نتيجة لدعوته صلى الله عليه وسلم؛ لأن كلمة (ظهر) تدل على أن شيئاً وقع، فكأنه يقول لنا: إنْ كررتم الفساد والغفلة تكرَّر ظهور الفساد، فهو يعطينا مُلخصاً لما حدث بالفعل من عداوتهم لرسول الله، ومقاطعته وعزله وإغراء السفهاء منهم للتحرش به، ثم عداوة أصحابه وإجبارهم على الهجرة إلى الحبشة حتى لا يستقر لهم قرار بمكة. لذلك دعا عليهم رسول الله: "حديث : اللهم اشْدُد وطأتك على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" تفسير : فأصابهم الجَدْب والقحط، حتى رُوِي أنهم كانوا يذهبون للبحر لصيد السمك، فيبتعد عنهم ولا يستقيم لهم فيعودون كما أتوا. وهذا معنى {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ..} [الروم: 41]. ثم يوضح الحق سبحانه سبب هذا الفساد: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ..} [الروم: 41] فتلحظ هنا أن الحق سبحانه لما يذكرالرحمة لا يذكر عِلَّتها، لكن يذكر عِلَّة الفساد؛ لأن الرحمة من الله سبحانه أولاً وأخيراً تفضُّل، أما الأخذ والعذاب فبَعدله تعالى؛ لذلك يُبِّين لك أنك فعلت كذا، وتستحق كذا، فالعلَّة واضحة. هناك قضية أخرى أحب أن أوضحها لكم، وهي أن الحق سبحانه يعامل خَلْقه معاملته في الجزاء، فالله يقول: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ..} تفسير : [الأنعام: 160]. إذن: فالحسنة الواحدة تستر عشر سيئات، وكذلك في جسم الإنسان، فيقول بعض علماء وظائف الأعضاء والتشريح: إن الكلية بها مليون خلية يعمل منها العُشْر بالتبادل، فمجموعة تعمل، والباقي يرتاح وهكذا. فانظر كم ترتاح الخلية حتى يأتي عليها الدور في العمل. فكأن ربنا - سبحانه وتعالى - خلق لها العشر يقوم مقام المليون؛ لذلك قالوا لو أن في أحد الدواوين عشرة موظفين، منهم واحد محسن، يستر إساءة الباقين، وكثيراً ما تلاحظ هذه الظاهرة في دواوين الحكومة، فترى غالبية الموظفين منشغلين: هذا يقرأ الجرائد، وهذا يشرب الشاي، وآخر لم يأْتِ أصلاً. وخلف كومة من الملفات تجد موظفاً نحيلاً غارقاً في العمل، يقصده الجميع، ويتحمل هو تقصير الآخرين، ويؤدي عنهم، وبه تسير دفَّة الأمور، لكن إنْ فقدنا هذا أيضاً، فلا بُدَّ أن تأتي {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ ..} [الروم: 41] إذن: إن رأيت الفساد فاعلم أنه نتيجة إهمال وغفلة فاقت كل الحدود. وما دام الحق سبحانه قال: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ..} [الروم: 41] فلا بُدّ أن الفساد جاء من ناحيتهم، وبالله هل اشتكينا أزمة في الهواء مثلاً؟ لكن نشتكي تلوث الهواء بما كسبتْ أيدي الناس، أمّا حين نذهب إلى الخلاء حيث لا يوجد الإنسان، نجد الهواء نقياً كما خلقه الله. الحق سبحانه تكفَّل لنا بالغذاء فقال: {أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} تفسير : [فصلت: 10] لكنا نشتكي أزمة طعام، لماذا؟ لأن الطعام يحتاج إلى عمل، ونحن تكاسلنا، وأسأنا التصرُّف في الكون، إما بالكسل والخمول عن استخراج خيرات الأرض وأقواتها، وإما بالأنانية حيث يضِنُّ الواجد على غير الواجد. وقد قرأنا مثلاً أن أمريكا تسكب اللبن في البحر، وتعدم الكثير من المحصولات، وفي العالم أُناس يموتون جوعاً، إذن: هذه أنانية، أما التكاسل فقد حدث منا في الماضي. وانظر الآن إلى صحرائنا التي كانت جرداء قاحلة، كيف اخضرت الآن، وصارت مصدراً للخيرات لما اهتممنا بها ويسَّرنا ملكيتها للناس، فإنْ ضنَّتْ الأرض في منطقة ما فقد جعل الله لنا سعة في غيرها، فالخالق سبحانه لم يجعل الأرض لجنس ولا لوطن، إنما جعلها مشاعاً لخَلْق الله جميعاً. واقرأ قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..} تفسير : [النساء: 97]. ولذلك قلت في هيئة الأمم: إن في القرآن آية واحدة، لو أخذ العالم بها لضمنت له الرخاء والاستقرار والأمان، إنها قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10] فالأرض كل الأرض للأنام كل الأنام، لكن الواقع خلاف ذلك، فقد وضعوا للأرض حدوداً، وأقاموا عليها الحواجز والأسوار، فإنْ أردتَ التنقّل من قطر إلى آخر تجشَّمت في سبيل ذلك كثيراً من المشاق في إجراءات وتأشيرات .. إلخ. وكانت نتيجة ذلك أن يوجد في الكون رجال ازدحموا بلا أرض، وفي موضع آخر أرض بلا رجال، ولو حدث التكامل بين هذه وتلك لاستقامت الأمور. إذن: الذين وضعوا الحدود والحواجز في أرض الله أخذوها لأنفسهم، فلم تَعُدْ أرض الله الواسعة التي تستقبل خَلْق الله من أي مكان آخر، إنما جعلوها أرضهم، وأخضعوها لقوانينهم هم، وتعجب حين تتأمل حدود الدول على الخريطة، فهي متداخلة، فترى جزءاً من هذه الدولة يدخل في نطاق دولة أخرى، على شكل مثلث مثلاً، أو تمتد أرض دولة في دولة أخرى على شكل لسان أو مناطق متعرجة، فماذ دُمْتم قد وضعتم بينكم حدوداً، فلماذا لا تجعلونها مستقيمة؟ وكأن واضعي هذه الحدود أرادوها بُؤراً للخلاف بين الدول، ولا يخلو هذا التقسيم من الهوى والعصبيات القبلية والجنسية والقومية والدينية، لكن لو أخذنا بقول ربنا: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن: 10] لما عانينا كل هذه المعاناة. وقوله تعالى: {كَسَبَتْ ..} [الروم: 41] عندنا: كسب واكتسب، الغالب أن تكون كسب للحسنة، واكتسب للسيئة؛ لأن الحسنة تأتي من المؤمن طبيعة بدون تكلُّف أو افتعال، فدلَّ عليها بالفعل المجرد (كسب). أما السيئة، فعلى خلاف الطبيعة، فتحتاج منك إلى تكلُّف وافتعال، فدلَّ عليها بالفعل المزيد الدال على الافتعال (اكتسب). أَلاَ ترى أنك في بيتك تنظر إلى زوجتك وبناتك كما تشاء، أما الأجنبية فإنك تختلس النظرات إليها وتحتال لذلك؟ فكل حركاتك مفتعلة، لماذا؟ لأنك تفعل شيئاً محرماً وممنوعاً، أما الخير فتصنعه تلقائياً وطبيعياً بلا تكلُّف. كما أن الحسنة لا تحتاج منك إلى مجهود، أمّا السيئة فتحتاج إلى أنْ تُجنِّد لها كل قواك، وأن تحتاط، كالذي يسرق مثلاً، فيحتاج إلى مجهود، وإلى محاربة لجوارحه؛ لأنها على الحقيقة تأبى ما يفعل. ومع ذلك نلحظ قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ ..} تفسير : [البقرة: 81]. فجعل السيئة كَسْباً لا اكتساباً. قالوا: لأن السيئة هنا صارت عادة عنده، وسهلت عليه حتى صارت أمراً طبيعياً يفعله ولا يبالي كالذي يفعل الحسنة، وهذا النوع والعياذ بالله أحب السيئة وعشقها، حتى أصبح يتباهى بها ولا يسترها ويتبجح بفعلها. وهذا نسميه (فاقد)، فقد أصبح الشر والفساد حرفة له، فلا يتأثر به، ولا يخجل منه كالذي يقبل الرِّشْوة، ويفرح لاستقبالها، فإن سألته قال لك: وماذا فيها؟ أنا لا أسرق الناس. وقوله تعالى: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ ..} [الروم: 41] الإذاقة هنا عقوبة، لكنها عقوبة الإصلاح كما تعاقب ولدك وتضر به حرصاً عليه، وسبق أن قلنا: إنه لا ينبغي أن نفصل الحدث عن فاعله، فقد يعتدي ولد على ولدك، فيجرحه فتذهب به للطبيب، فيجرحه جرحاً أبلغ، لكن هذا جرح المعتدي، وهذا جرح المداوي. وحين يُذيق الله الإنسانَ بعض ما قدَّمت يداه يوقظه من غفلته، ويُنبِّه فيه الفطرة الإيمانية، فيحتاط للأمر ولا يهمل ولا يقصر، وتظل عنده هذه اليقظة الإيمانية بمقدار وَعْيه الإيماني، فواحد يظلّ يقظاً شهراً، ثم يعود إلى ما كان عليه، وآخر يظل سنة، وآخر يظل عمره كله لا تنتابه غفلة. وقد أذاق اللهُ أهلَ مكة عاقبة كفرهم حتى جاعوا ولم يجدوا ما يأكلونه إلا دَمَ الإبل المخلوط بوبرها، وهو العِلْهِز. وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] لأن الكلام هنا في الدنيا، وهي ليستْ دار جزاء، فالحق يُذيقهم بعض أعمالهم ليلتفتوا إليه سبحانه، ويتوبوا ويعودوا إلى حظيرة الإيمان؛ لأنهم عبيده، وهو سبحانه أرحم بهم من الوالدة بولدها. والحق سبحانه ساعة يقول {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ ..} [الروم: 41] أي: على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُبيِّن لنا أن الرسل إنما جاءوا لإنقاذ البشرية من هذا الفساد، لكن ما دام الأمر عُلِّل فالأمر يدور مع العلة وجوداً وعدماً، فكلما ظهر الفساد حلَّتْ العقوبة، فخذوها في الكون آية من آيات الله إلى قيام الساعة. فظهر الفساد قديماً {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 40]. لكن هذا الأخْذ كان قبل سيدنا رسول الله في الأمم السابقة، وكان هلاك استئصال؛ لأن الرسل السابقين لم يُكلَّفوا بالمحاربة لأجل نَشْر دعوتهم، فما عليهم إلا نشر الدين وتبليغه، مع التأييد بالمعجزات، فإنْ تأبَّى عليهم أقوامهم تولَّى الحق سبحانه عقابهم، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أكرمها الله بألاَّ يعاقبها بعذاب الاستئصال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الأنفال: 33]. ثم سيظهر الفساد حديثاً وسيحدث العقاب. إذن: ليست الأمة الإسلامية بِدَعاً في هذه المسألة. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما شنَّع على المشركين في عبادتهم لغير الله، ذكر في هذه الآيات الأسباب الموجبة للمحنة والابتلاء وهي الكفر، وانتشار المعاصي، وكثر الفجور والموبقات، التي بسببها نقل الخيرات وترتفع البركات، وضرب الأمثال بهلاك الأمم السابقة، تنبيهاً لقريش وأمراً لهم بالاعتبار بمن سبقهم من المشركين المكذبين كيف أهلكهم الله بسبب طغيانهم وإِجرامهم. اللغَة: {يَصَّدَّعُونَ} يتفرقون يقال: تصدَّع القوم إِذا تفرقوا ومنه الصداع لأنه يُفرِّق شعب الرأس {يَمْهَدُونَ} يجعلون لهم مهداً ويوطئون لهم مسكناً، والمهاد: الفراش {كِسَفاً} جمع كسفة وهي القطعة {ٱلْوَدْقَ} المطر {مُبْلِسِينَ} يائسين مكتئبين قد ظهر الحزن عليهم من شدة اليأس {يُؤْفَكُونَ} يصرفون، والإِفك: الكذب {يُسْتَعْتَبُونَ} يقال: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني. التفسِير: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} أي ظهرت البلايا والنكبات في بر الأرض وبحرها بسبب معاصي الناس وذنوبهم قال البيضاوي: المراد بالفساد الجدب وكثرة الحرق والغرق، ومحق البركات، وكثرةُ المضار بشؤم معاصي الناس أو بكسبهم إِياه وقال ابن كثير: أي بانَ النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بها جميعاً في الآخرة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لعلهم يتوبون ويرجعون عمّا هم عليه من المعاصي والآثام {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: سيروا في البلاد فانظروا إلى مساكن الذين ظلموا كيف كان آخر أمرهم وعاقبة تكذيبهم للرسل، ألم يخرب الله ديارهم ويجعلهم عبرةً لمن يعتبر {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} أي كانوا كافرين بالله فأُهلكوا {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ} أي فتوجَّه بكليتك إلى الدين المستقيم دين الإِسلام، واستقم عليه في حياتك قال القرطبي: أي أقم قصدك واجعلْ جهتك اتباع الدين القيم يعني الإِسلام {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} أي من قبل أن يأتي ذلك اليوم الرهيب، الذي لا يقدر أحدٌ على ردِّه، لأن الله قضى به وهو يوم القيامة {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} أي يومئذٍ يتفرقون، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي من كفر بالله فعليه أوزار كفره مع خلوده في النار المؤبدة {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي ومن فعل خيراً وأطاع الله فلأنفسهم يقدّمون الخير ويلقون ما تقر به أعينهم في دار النعيم قال القرطبي: أي يوطئون لأنفسهم في الآخرة فراشاً ومسكناً وقراراً بالعمل الصالح، ومهَّدت الفراش أي بسطته ووطأته {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ} أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله الذي وعد به عباده المتقين {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا يحب الكافرين بل يمقتهم ويبغضهم، يجازي المؤمنين بفضله، والكافرين بعدله {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} أي ومن آياته الدالة على كمال قدرته أن يرسل الرياح تسوق السحاب مبشرة بنزول المطر والإِنبات والرزق {وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ} أي ولينزل عليكم من رحمته الغيث الذي يجيي به البلاد والعباد {وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ} أي ولتسير السفن في البحر عند هبوب الرياح بإِذنه وإِرادته {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي ولتطلبوا الرزق بالتجارة في البحر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي ولتشكروا نعم الله الجليلة عليكم {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} تسلية للرسول وتأنيس له بقرب النصر أي ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلاً كثيرين إِلى قومهم المكذبين كما أرسلناك رسولاً إلى قومك {فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي جاءوهم بالمعجزات الواضحات والحجج الساطعات الدالة على صدقهم {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} أي فكذبوهم فانتقمنا من الكفرة المجرمين {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} أي كان حقاً واجباً علينا أن ننصر المؤمنين على الكافرين، والآية اعتراضية جاءت بين الآيات المفصّلة لأحكام الرياح تسليةً للنبي عليه السلام قال أبو حيان: والآية اعتراضٌ بين قوله {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} وبين قوله {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} جاءت تأنيساً للرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له، ووعداً له بالنصر، ووعيداً لأهل الكفر ثم ذكر تعالى الحكمة من هبوب الرياح وهي إِثارة السحب وإِخراج الماء منه فقال {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} أي يبعث الرياح فتحرك السحاب وتسوقه أمامها {فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ} أي فينشره في أعالي الجو كيف يشاء خفيفاً أو كثيفاً، مطبقاً أو غير مطبق {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} أي ويجعله أحياناً قطعاً متفرقة {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي فترى المطر يخرج من بين السحاب {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي فإِذا أنزل ذلك الغيث على من يشاء من خلقه إِذا هم يسرون ويفرحون بالمطر {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} أي وإِن كانوا قبل نزول المطر عليهم يائسين قانطين، قال البيضاوي: والتكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالمطر واستحكام يأسهم {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} أي فانظر أيها العاقل نظر تدبر واستبصار إلى ما ينشأ عن آثار نعمة الله بالمطر من خضرة الأشجار، وتفتح الأزهار، وكثرة الثمار، وكيف أن الله يجعل الأرض تنبت بعد أن كانت هامدة جامدة؟ {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي إِنَّ ذلك القادر على إِحياء الأرض بعد موتها هو الذي يحيي الناس بعد موتهم {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي مبالغ في القدرة على جميع الأشياء، لا يعجزه شيء {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً} أي ولئن أرسلنا على الزرع بعد خضرته ونموه ريحاً ضارة مفسدة فرأوا الزرع مصفراً من أثر تلك الريح {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} أي لمكثوا بعد اصفراره يجحدون النعمة، فشأنهم أنهم يفرحون عند الخصب، فإِذا جاءتهم مصيبة في زرعهم جحدوا سابق نعمة الله عليهم، ثم نبه تعالى إِلى أن هؤلاء الكفار كالأموات لا ينفع معهم نصح ولا تذكير فقال {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} أي فإِنك يا محمد لا تسمع الأموات ولا تسمع من كان في أذنيه صممٌ تلك المواعظ المؤثرة، ولو أن أصمَّ ولّى عنك مدبراً ثم ناديته لم يسمع فكذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع قال المفسرون: هذا مثلٌ ضربه الله للكفار فشبههم بالموتى وبالصم والعمي {وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ} أي ولست بمرشد من أعماه الله عن الهدى {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ} أي ما تسمع إِلا من يصدق بآياتنا فهم الذين ينتفعون بالموعظة لخضوعهم وانقيادهم لطاعة الله {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} أي الله الذي خلقكم أيها الناس من أصل ضعيف وهو النطفة، وجعلكم تتقلبون في أطوار "الجنين، الوليد، الرضيع، المفطوم" وهي أحوال في غاية الضعف، فصار كأن الضعف مادة خلقتكم {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} أي ثم جعل من بعد ضعف الطفولة قوة الشباب {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} أي ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الهرم والشيخوخة، {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي يخلق ما يشاء من ضعف وقوة، وشبابٍ وشيب {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} أي وهو العليم بتدبير الخلق، القدير على ما يشاء قال أبو حيان: وجعل الخلق من ضعف لكثرة ضعف الإِنسان أول نشأته وطفولته، ثم حال الشيخوخة والهرم، والترداد في هذه الهيئات شاهد بقدرة الصانع وعلمه {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} أي ويوم تقوم القيامة ويُبعث الناس للحساب يحلف الكافرون المجرمون بأنهم ما مكثوا في الدنيا غير ساعة قال البيضاوي: وإِنما استقلوا مدة لبثهم في الدنيا بالنسبة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسياناً منهم {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} أي كذلك كانوا في الدنيا يصرفون من الحق إلى الباطل، ومن الصدق إلى الكذب {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} أي وقال العقلاء من أهل الإِيمان والعلم رداً عليهم وتكذيباً لهم: لقد مكثتم فيا كتبه الله في سابق علمه إِلى يوم البعث الموعود {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي فهذا يوم البعث الذي كنتم تنكرونه، ولكنكم لم تصدقوا به لتفريطكم في طلب الحق واتباعه، قال تعالى {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ} أي ففي ذلك اليوم لا ينفع الظالمين اعتذارهم {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا يقال لهم أرضوا ربكم بتوبة أو طاعة، لأنه قد ذهب أوان التوبة {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي ولقد بينا في هذا القرآن العظيم ما يحتاج الناس إِليه من المواعظ والأمثال والأخبار والعبر مما يوضّح الحقَّ ويزيل اللبس {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} أي ووالله لئن جئتهم يا محمد بما اقترحوا من الآيات كالعصا والناقة واليد ليقولنَّ المشركون من قومك لفرط عنادهم ما أنت وأصحابك إِلا قوم مبطلون، تُدجلون علينا وتكذبون {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي مثل ذلك الطبع على قلوب الجهلة المجرمين، يختم الله على قلوب الكفرة الذين لا يعلمون توحيد الله ولا صفاته {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي فاصبر يا محمد على تكذيبهم وأذاهم فإِن وعد الله بنصرتك وإِظهار دينك حقٌ لا بدَّ من إِنجازه {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} أي لا يحملنك على الخفة والقلق جزعاً مما يقوله أولئك الضالون الشاكون، ولا تترك الصبر بسبب تكذيبهم وإٍيذائهم. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {ٱلْبَرِّ.. وَٱلْبَحْرِ}. 2- المجاز المرسل بإطلاق الجزء وإِرادة الكل {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ}. 3- جناس الاشتقاق {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ}. 4- الاستعارة اللطيفة {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} شبَّه من قدَّم الأعمال الصالحة بمن يمهد فراشه ويوطئه للنوم عليه لئلا يصيبه في مضجعه ما يؤذيه وينغص عليه مرقده. 5- أسلوب الإِطناب {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ..} الآية وذلك لتعداد النعم الكثيرة وكان يكفي أن يقول: {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} ولكنه أسهب تذكيراً للعباد بالنعم. 6- جناس الاشتقاق {أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً}. 7- الإِيجاز بالحذف {فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱنتَقَمْنَا} حذف منه فكذبوهم واستهزءوا بهم. 8- الاستعارة التصريحية {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} شبه الكفار بالموتى وبالصم في عدم إِحساسهم وسماعهم للمواعظ والبراهين بطريق الاستعارة التصريحية. 9- الطباق بين {ضَعْفٍ.. قُوَّةً}. 10- صيغة المبالغة {ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} لأن معناه المبالغ في العلم والقدرة. 11- الجناس التام {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} المراد بالساعة أولاً القيامة وبالثانية المدة الزمنية فبينهما جناس كامل، وهذا من المحسنات البديعية. تنبيه: الصحيح أن الميت يسمع لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما أنتم بأسمع منهم"تفسير : وقوله "حديث : وإِن الميت ليسمع قرع نعالهم"تفسير : وأما قوله تعالى {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} المراد منه سماع التدبير والاتعاظ، والله أعلم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} في البَرِّ: ابن آدم الذي قَتَلَ أَخاهُ. وفي البحرِ: الغَنيُ الذي كَان يأكلُ السفينةَ غصباً. وقال: البحرُ كُلُّ قَريةٍ عَامرةٍ. وكانت العَربُ تُسمى الأَمصارَ بَحراً. تفسير : وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} معناه يَتُوبونَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أسباب فساد الاستعداد بقوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الروم: 41] يشير إلى بر النفس وبحر القلب، وفساد النفس بأكل الحرام وارتكاب المحظورات وتتبع الشهوات وفساد القلب بالعقائد السوء ولزوم الشبهات والتمسك بالأهواء والبدع والاتصاف بالأوصاف الذميمة وحب الدنيا وزينتها وطلب شهواتها ومتابعتها ومن أعظم فساد القلب عقد الإصرار على المخالفات كما أن من أعظم الخيرات صحة العزم على التوبة إلى الحق والإعراض عن الباطل، ومن حملة فساد القلب التأويلات بغير الحق والانحطاط إلى الرخص من غير قيام حجة والعلو في الدعاوى من غير استحياء من الله وإظهار المعالي رياءً وسمعةً. وبقوله: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} [الروم: 41] يشير إلى أن الناس خلقوا على فطرة الإسلام مستعدين لكسب الخير والشر، إلا أن لله القدر وخلق الأفعال، وللعبد الكسب دون الخلق قوله: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} [الروم: 41] أي: ليذيقهم بعض جزاء ما عملوا من الذنوب والإعراض بالبأساء والضراء والمصائب، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] من الغفلات وتتبع الشهوات وتتبع الأوقات إلى الله وطلبه، والجهد في عبوديته وتعظيم الشرع والتأسف على ما فاتهم من الحق. ثم دلهم على إصلاح ما أفسدوه بقوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [الروم: 42] يشير إلى السير في أرض البشرية على قدمي الشريعة والطريقة بقطع المنازل وسلوك المقامات {فَٱنْظُرُواْ} [الروم: 42] بنظر الاعتبار وطلبوا الحق بنعت الأفكار {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} [الروم: 42] مدعي الطلب وأصحاب الرياضات، فتعرفوا أموالهم قياساً على أموالكم فيما يعتريكم من العثرات والوقعات والساكنات والركون إلى الإيمان ليتحقق عندكم بأن {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} [الروم: 42]، إذا استجلى بعضكم بعض الأحوال فسكنوا إليها واستحسن بعضهم بعض المقامات فركنوا إليها، فأشركوا بالالتفات إلى ما سوى الحق تعالى فيعتبروا عن حالهم وتمسكوا بقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ} [الروم: 43] بصدق التوجه إلى الله والثبات عليه من غير السكون من شيء من المنازل والركون إلى شيء من الدارين، ومن عرف التوجه أن يكون بالموافقة والاتباع دون الاستبداد برأيه على وجه الاتباع، ومن لم يتأدب بشيخ كامل، ولم يتلقف كلمة التوحيد ممن هو لسان وقته كان خسرانه أتم، ونقصانه أعم في نفسه. {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} [الروم: 43] يعني: يوم القيامة {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43] أي: فرقاً وأحزاباً يشير به إلى العزل عن الارتقاء لعدم استعداد الترقي من مقام إلى مقام آخر، فيكون فريق فيه أهل الدركات وفريق فيه أهل الدرجات، وفريق أهل الفرقات، وفريق أهل القربات، وفريق أهل الوصلات. {مَن كَفَرَ} [الروم: 44] أنكر على أهل الحق {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} [الروم: 44] أي ما حرمانه عن هذا الحديث بموجبه إنكاره {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً} [الروم: 44] للترقي أي: يصلح للترقي في المقامات وكشف الأحوال {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] قاعدة نيل المقاصد والمطالب. {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ} [الروم: 45] أي: من المواهب التي زيادة على جزاء الإيمان والعمل الصالح الذي من المكاسب، وجزاء المكاسب من المخلوقات والزيادة وهي الرؤية التي هي من المواهب ما يتعلق بالفضل الرباني وهي غير مخلوقة، كما قال تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26] وهي الرؤية وهي من الفضل لا من الكسب كقوله: {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} [فاطر: 30]. ثم قال: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} [الروم: 45] إذا لم يرزقهم الإيمان ليقعوا في الكفر بالخذلان يشير إلى منكري أهل الحق أنه ما أحبهم إذ لم يرزقهم الصدق والطلب، فوقعوا بالخذلان في الإنكار والكفران.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: استعلن الفساد في البر والبحر أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها. هذه المذكورة { لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا } أي: ليعلموا أنه المجازي على الأعمال فعجل لهم نموذجا من جزاء أعمالهم في الدنيا { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن أعمالهم التي أثرت لهم من الفساد ما أثرت، فتصلح أحوالهم ويستقيم أمرهم. فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 765 : 5 - سفين عن ليث عن مجاهد في قوله {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} قال، في البر قتل بن آدم، وفي البحر أخذ السفينة غصبا. [الآية 41].

همام الصنعاني

تفسير : 2283- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}: [الآية: 41]، قَالَ: هو الشرك امتلأت الأرض ضلالة وظلماً، و{ٱلْبَرِّ} أهل البوادي {وَٱلْبَحْرِ} أهل القرى {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: [الآية: 41].