Verse. 3451 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

قُلْ سِيْرُوْا فِي الْاَرْضِ فَانْظُرُوْا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَۃُ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلُ۝۰ۭ كَانَ اَكْثَرُہُمْ مُّشْرِكِيْنَ۝۴۲
Qul seeroo fee alardi faonthuroo kayfa kana AAaqibatu allatheena min qablu kana aktharuhum mushrikeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لكفار مكة «سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين» فأهلكوا بإشراكهم ومساكنهم ومنازلهم خاوية.

42

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين حالهم بظهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم هلاك أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم فقال: {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ } أي قوم نوح وعاد وثمود، وهذا ترتيب في غاية الحسن وذلك لأنه في وقت الامتنان والإحسان قال: { أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ } تفسير : [مريم: 40] أي آتاكم الوجود ثم البقاء ووقت الخذلان بالطغيان قال: { أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } تفسير : [الروم: 41] أي قلل رزقكم، ثم قال تعالى: {سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } أي هو أعدمكم كم أعدم من قبلكم، فكأنه قال أعطاكم الوجود والبقاء، ويسلب منكم الوجود والبقاء، وأما سلب البقاء فبإظهار الفساد، وأما سلب الوجود فبالإهلاك، وعند الإعطاء قدم الوجود على البقاء، لأن الوجود أولاً ثم البقاء، وعند السلب قدم البقاء، وهو الاستمرار ثم الوجود. وقوله: {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } يحتمل وجوهاً ثلاثة أحدها: أن الهلاك في الأكثر كان بسبب الشرك الظاهر وإن كان بغيره أيضاً كالإهلاك بالفسق والمخالفة كما كان على أصحاب السبت الثاني: أن كل كافر أهلك لم يكن مشركاً بل منهم من كان معطلاً نافياً لكنهم قليلون، وأكثر الكفار مشركون الثالث: أن العذاب العاجل لم يختص بالمشركين حين أتى، كما قال تعالى: { أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفال: 25] بل كان على الصغار والمجانين، ولكن أكثرهم كانوا مشركين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي قل لهم يا محمد سيروا في الأرض ليعتبروا بمن قبلهم، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل. {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} أي كافرين فأهلكوا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لكفار مكة {سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } فأُهلكوا بإشراكهم ومساكنهم ومنازلهم خاوية.

ابن عطية

تفسير : هذا تنبيه لقريش وأمر لهم بالاعتبار فيمن سلف من الأمم وفي سوء عواقبهم بكفرهم وإشراكهم، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بإقامة وجهه، والمعنى اجعل قصدك ومسعاك للدين أي لطريقه ولأعماله واعتقاداته، و {القيم} أصله قيوم اجتمعت الواو والياء وسبقت الياء وهي ساكنة فأبدلت الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية، ثم حذره تعالى من يوم القيامة تحذيراً يعم العالم وإياهم القصد، و {لا مرد له} معناه ليس فيه رجوع لعمل ولا لرغبة ولا عنه مدخل، ويحتمل أن يريد لا يرده راد حتى لا يقع وهذا ظاهر بحسب اللفظ، و {يصدعون} معناه يتفرقون بعد جمعهم، وهذا هو التصدع والمعنى يتفرقون إلى الجنة وإلى النار، ثم قسم الفريقين بأحكام تلحقهم من أعمال في الدنيا ثم عبر عن "الكفر" بـ"عليه" وهي تعطي الثقل والمشقة وعن العمل الصالح باللام التي هي كلام الملك، و {يمهدون} معناه يوطئون ويهيئون وهي استعارة منقولة من الفرش ونحوها إلى الأحوال والمراتب، وقال مجاهد: هذا التمهيد هو للقبر.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} ليشاهدُوا آثارَهم {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} استئنافٌ للدَّلالة على أنَّ ما أصابَهم لفشوِّ الشركِ فيما بـينَهم أو كان الشركُ في أكثرِهم وما دونه من المَعاصي في قليلٍ منهم {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ ٱلْقِيّمِ} أي البليغِ الاستقامة {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} لا يقدرُ أحدٌ على ردِّه {مِنَ ٱللَّهِ} متعلق بـيأتِى أو بمردِّ لأنه مصدرٌ والمعنى لا يردُّه الله تعالى لتعلُّقِ إرادتِه القديمةِ بمجيئِه {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} أصله يتصدَّعون أي يتفرَّقُون فريقٌ في الجَّنةِ وفريقٌ في السَّعيرِ. {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي وبالُ كفرِه وهو النَّارُ المؤبَّدة {وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي يسوون منزلاً في الجنَّة وتقديمُ الظَّرفِ في الموضعينِ للدِّلالة على الاختصاصِ {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن فَضْلِهِ} متلق بـيصدَّعُون وقيل: بـيمهدون أي يتفرَّقون بتفريقِ الله تعالى فريقينِ ليُجزي كلاً منهما بحسبِ أعمالِهم، وحيث كان جزاءُ المؤمنين هو المقصودَ بالذَّاتِ أُبرز ذلك في معرضِ الغايةِ وعبر عنه بالفضلِ لما أَنَّ الإثابةَ بطريق التفضيل لا الوجوبِ وأُشير إلى جزاءِ الفريقِ الآخرِ بقولِه تعالى {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ} فإنَّ عدمَ محبتهِ تعالى كنايةٌ عن بُغضهِ الموجبِ لغضبهِ المستتبعِ للعقوبةِ لا محالةَ {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ} أي الشَّمالَ والصَّبَا والجَنوبَ فإنَّها رياحُ الرَّحمةِ وأما الدَّبُورُ فريحُ العذابِ ومنه قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام: « حديث : اللهمَّ اجعلْهَا رياحاً ولا تجعلْها ريحاً » تفسير : وقُرىء الرِّيحَ على إرادةِ الجنسِ {مُبَشّرٰتٍ} بالمطرِ {وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ} وهي المنافعُ التَّابعةُ لها وقيل: الخصبُ التَّابعُ لنزولِ المطرِ المسبَّبِ عنها أو الرَّوح الذي هو مع هبُوبِها. واللامُ متعلقةٌ بـيرسل والجملةُ معطوفةٌ على مبشِّراتٍ على المعنى كأنَّه قيل ليبشركم بها وليذيقَكم أو بمحذوفٍ يُفهم من ذكرِ الإرسالِ تقديرُه وليذيقكم وليكون كذا وكذا يُرسلها لا لأمرٍ آخرَ لا تعلق له بمنافعِكم {وَلِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ} بسوقِها {بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} بتجارةِ البحرِ {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ولتشكروا نعمةَ الله فيما ذُكر من الغاياتِ الجليلةِ.

القشيري

تفسير : {سِيرُواْ} بالاعتبار، واطلبوا الحقَّ بنعت الأفكار. {فَٱنْظُرُواْ} كيف كانت حال مَنْ تقدَّمكم من الأشكال والأمثال، وقيسوا عليها حُكْمَكُم في جميع الأحوال. {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} كانوا أكثرَهم عدداً، ولكن كانوا في التحقيق أَقلَّهم وزناً وقَدْراً.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد {سيروا} ايها المشركون وسافروا {فى الارض} فى ارض الامم المعذبة {فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} اى آخر من كان قبلكم والنظر على وجهين يقال نظر اليه اذا نظر بعينه ونظر فيه اذا تفكر بقلبه وههنا قال فانظروا ولم يقل اليه اوفيه ليدل على مشاهدة الآثار ومطالعة الاحوال {كان اكثرهم مشركين} اى كان اكثر الذين من قبل مشركين فاهلكوا بشركهم وهو استئناف للدلالة على ان ما اصابهم لفشوّ الشرك فيما بينهم او كان الشرك فى اكثرهم ومادونه من المعاصى فى قليل منهم فاذا اصابهم العذاب بسبب شركهم ومعاصيهم فليحذر من كان على صفتهم من مشركى قريش وغيرهم ان اصروا على ذلك.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} يا محمّد (ص) {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} كانوا يعملون السّيّئات فأذاقهم الله بعض جزائها حتّى تعتبروا بذلك وتتيقّنوا بانّ الاعمال لا تكون بلا جزاءٍ لا فى الدّنيا ولا فى الآخرة، وقد سبق مكرّراً تفسير الارض بارض العالم الصّغير والعالم الكبير وارض القرآن والاخبار والسّير الماضية {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} يعنى انّ شركهم ابتلاهم بسوء العاقبة فى الدّنيا والآخرة فانتهوا عن الشّرك واحذروا عن سوء عاقبته.

الهواري

تفسير : قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ} كان عاقبتهم أن دمر الله عليهم ثم صيرهم إلى النار {كان أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ} أي: فأهلكناهم بشركهم. قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ} أي: الإِسلام {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ} أي: يوم القيامة {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} أي: يتفرّقون، فريق في الجنة وفريق في السعير. قوله: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي: يُثاب عليه النار {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي: يوطئون في الدنيا القرارَ في الآخرة بالعمل الصالح. ذكروا أن الله يقول للمؤمنين يوم القيامة: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم. قوله: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ} أي: بفضله يدخلهم الجنة. قال: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} أي: لا يثيب الكافرين بالجنة.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} لكفار مكة. {سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ} تحققوا مصداق ذلك فانا اهلكناهم لشركهم ومعاصيهم وطهرنا منهم الأرض وخرجنا ديارهم ولهم العذاب الدائم. {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشرِكِينَ} فكان سبب اهلاكهم فشو الشرفي اكثرهم وسائر المعاصي في قليلهم وكما يكون الاهلاك بالشرك يكون يمادونه او اراد ان سبب الاهلاك فشو الشرك فعم المشرك والعاصي والجملة مستأنفة.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} لقومك {سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} من الهلاك بالمعاصى الشرك وما دونه {كان أكثرهُم مُشْركين} اهلك اكثرهم بالاشراك، والقليل بما دونه، او اهلكوا بكثرة الشرك، واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ } مسوق لتأكيد تسبب المعاصي لغضب الله تعالى ونكاله حيث أمروا بأن يسيروا فينظروا كيف أهلك الله تعالى الأمم وأذاقهم سوء العاقبة بمعاصيهم ويتحققوا صدق ما تقدم، وقوله تعالى: {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } استئناف للدلالة على أن الشرك وحده لم يكن سبب تدمير جميعهم بل هو سبب للتدمير في أكثرهم وما دونه من المعاصي سبب له في قليل منهم. وجوز أن يكون للدلالة على أن سوء عاقبتهم لفشو الشرك وغلبته فيهم ففيه تهويل لأمر الشرك بأنه فتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة.

ابن عاشور

تفسير : لما وعظهم بما أصابهم من فساد الأحوال ونبههم إلى أنها بعض الجزاء على ما كسبت أيديهم عرَّض لهم بالإنذار بفساد أعظم قد يحلّ بهم مثله وهو ما أصاب الذين من قبلهم بسبب ما كانوا عليه من نظير حال هؤلاء في الإشراك فأمرهم بالسير في الأرض والنظر في مصير الأمم التي أشركت وكذبت مثل عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم لأن كثيراً من المشركين قد اجتازوا في أسفارهم بديار تلك الأمم كما قال تعالى {أية : وإنكم لتَمُرُّون عليهم مُصْبِحين وبالليل أفلا تعقلون} تفسير : [الصافات: 137 ــــ 138]. فهذا تكرير وتأكيد لقوله السابق {أية : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}تفسير : [الروم: 9]، وإنما أعيد اهتماماً بهذه العبرة مع مناسبة قوله {أية : ليذيقهم بعض الذي عملوا} تفسير : [الروم: 41]. والعاقبة: نهاية الأمر. والمراد بالعاقبة الجنس، وهو متعدد الأفراد بتعدد الذين من قبل، ولكل قوم عاقبة. وجملة {كان أكثرهم مشركين} واقعة موقع التعليل لجملة {كيف كان عاقبة الذين من قبل}، أي سبب تلك العاقبة المنظورة هو إشراك الأكثرين منهم، أي أن أكثر تلك الأمم التي شوهدت عاقبتُها الفظيعة كان من أهل الشرك فتعلمون أن سبب حلول تلك العاقبة بهم هو شركهم، وبعض تلك الأمم لم يكونوا مشركين وإنما أصابهم لتكذيبهم رسلهم مثل أهل مدين قال تعالى: {أية : أكُفَّارُكُم خيرٌ من أولئكم}تفسير : [القمر: 43].

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاقِبَةُ} (42) - وَلَمَّا كَانَ ظُهُورُ الفَسَادِ مِنْ نَتِيجَةِ أَعْمَالِ العِبَادِ وَتَقْصِيرِهِمْ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِم، وَفي حَقِّ خَالِقِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ شَرْعَ اللهِ، فَقَدْ لَفَتَ اللهُ تَعَالى أَنْظَارَ العِبادِ إِلى مَا حَلَّ بالأُمَمِ المُفْسِدَةِ السَّالِفَةِ، وَكَيفَ دَمَّرَهُمُ اللهُ وَلَمْ يُبْقِ مِنْهُم أحَداً، فَقَالَ تَعَالى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لهؤلاءِ المُشرِكينَ مِنْ قَومِكَ: سِيرُوا فِي أرضِ اللهِ الواسِعَة، فَانظُرُوا إِلى مَسَاكِنِ الذينَ كَفَرُوا باللهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، كَيفَ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً لأنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ باللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : السير: الانتقال من حيز مكاني إلى حيز آخر، وسبق أنْ قلنا: إن النظرة السطحية في ظاهر الأمر أن السير يكون على الأرض لا فيها؛ لأننا نسكن على الأرض لا فيها، لكن الحق سبحانه يُبصرنا بقوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [الروم: 42] أن الأرض ليست هي اليابسة والماء على سطح الكرة الأرضية، أما الأرض فتشمل غلافها الجوي لذلك يدور معها وهو إكسير الحياة فيها؛ فلا حياة لها إلا به. إذن: فهواء الأرض من الأرض، وهو أهم الأقوات للأحياء عليها، فحين يقول تعالى: {أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} تفسير : [فصلت: 10] فالهواء داخل فيها، لذلك قال {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [الروم: 42]. وقلنا: لو أنك استقرأتَ أجناس الوجود لوجدت أنك الجنس الأعلى في الكون، وكل الأجناس تحتك تخدمك، فأنت تنتفع بالحيوان وبالنبات وبالجماد، فأدنى الأجناس في الكون وهو الجماد له مهمة يؤديها. فأنت أيها الإنسان الذي كرَّمك الله على كل أجناس الوجود إذا لم تبحث لك عن مهمة تؤديها في الحياة، ودور تقوم به، فأنت أقل منزلةً من أدنى الأجناس وهو الجماد، إذا لم تبحث بعقلك عن شيء ترتبط به يناسب سيادتك على مَنْ دونك، فأنت أتفه من الحجر؛ لأن الحجر له مهمة يؤديها، وأنت لا مهمةَ لك. لكن هذا الجنس الأدنى إنْ أراد سبحانه أعطاه عزة فوق السيد المخدوم وهو الإنسان، ففي فَرْض الحج يُسَنُّ لك أن تُقبِّل هذا الحجر، وتسعى جاهداً لكي تُقبِّله، وتأمل الإنسان - وهو سيد هذا الوجود - وهو يحاول أنْ يُقبِّل الحجر، ويغضب إنْ لم يتمكن من ذلك. وتأمل الردَّ من دولة الأحجار على مَنْ عبدها من دون الله: شعر : عَبَدُونَا ونَحْنُ أعبَدُ لله منَ القائمين بالأسْحارِ تَخِذُوا صَمْتنَا عَليْنَا دَليلاً فَغدوْنَا لَهُم وقُودَ النارِ قَدْ تجنَّوا جَهْلاً كما قَدْ تجنَّوْه علَى ابْن مريم والحَوارِيَ للمغَالِي جَزَاؤه والمغَالَى فيهِ تُنجِيهِ رَحْمةُ الغفَّارِ تفسير : ثم يقول سبحانه: {فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ ..} [الروم: 42] فالسير في الأرض يكون إما للسياحة والتأمل في آيات الله في كونه، لذلك يستخدم فيها الفاء {فَٱنْظُرُواْ ..} [الروم: 42] أو يسير في الأرض لطلب الرزق. وفي آية أخرى: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 11] والمعنى: سيروا في الأرض للاستثمار، وطلب القوت، وقضاء المصالح، لكن لا يفوتكم النظر والتأمل في آيات الله وفي مخلوقاته لتأخذوا منها العبرة والعظة. ومعنى: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ ..} [الروم: 42] أي الذين ظهر الفساد بينهم، فأذاقهم الله الألم بما كسبتْ أيديهم، فهذه ليست عندك وحدك، إنما حدثتْ في الأمم السابقة، كما قال سبحانه: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الصافات: 137]. فهناك مدائن صالح والأحقاف وعاد وثمود والفراعنة .. إلخ انظر ما حلَّ بهم بعد الحضارة والنضارة، بعد ما توصلوا إليه من علم التحنيط الذي لم يعرف العلم أسراره حتى الآن، ويضعون مع جثث الموتى حبوب القمح أو الشعير، فتظل على حالها، بحيث إذا زُرِعت بعد آلاف السنين تنبت. إنها قدرة علمية فائقة، ومع ذلك ما استطاعت هذه الحضارة أن تحمي نفسها من الاندثار، وإذا كان القرآن قد قال عن الحضارة الفرعونية {أية : وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ} تفسير : [الفجر: 10] فقد قال عن إرم {أية : ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [الفجر: 8]. فأيُّ حضارة هذه؟ وأين هي الآن؟ طمرتها رمال الأحقاف، ودفنتها تحت أطباق الثرى، ولا تعجب من ذلك، ففي هذه المنطقة إنْ هبَّتْ عاصفة واحدة، فإنها تغطي قافلة كاملة بجمالها ورجالها تحت الأرض، فما بالك بالعواصف منذ قرون طوال؛ لذلك نجد كل الآثار يتم التنقيب عنها حَفْراً. إذن: فالحضارات مع عظمها لم تستطع أنْ تحمي نفسها من الزوال، وهذا دليل على وجود قوة أعلى منها تزيلها وتقضي عليها. وقوله تعالى: {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} [الروم: 42] أي: أن القليل منهم لم يكُنْ مشركاً، قالوا: هذه القِلّة هم الصبيان والمجانين، ومن ليس له إرادة حرة، وإن أخذت هذه القلة مع الكثرة المشركة، فإن الله إنما أراد بهم خيراً؛ لأن مثواهم إلى الجنة بغير حساب. لذلك لما تكلمنا عن موسى والعبد الصالح في سورة الكهف: لما قتل الخضر الغلام تعجَّب موسى، ففي المرة الأولى خرق السفينة واعتدى على مِلْك، أما في هذه المرة فقد أزهق روحاً؛ لذلك قال في الأولى {أية : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} تفسير : [الكهف: 71] أي: عجيباً، أما في الثانية فقال: {أية : لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 74]. ثم بيَّن الخضر الحكمة من قتل الغلام فقال: إن له أبوين صالحين، وفي علم الله تعالى أنه سيفسد عليهما دينهما؛ لأن الفتنة تأتي الإنسان غالباً من الزوجة أو من الولد، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ..} تفسير : [التغابن: 14] لماذا؟ لأنهما يحملانك على ما لا تطيق، ويضطرانك ربما للسرقة أو للرشوة لتوفر لهما ما يلزمهما، ولأن الفساد يأتي من ناحيتهما قال سبحانه: {أية : مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} تفسير : [الجن: 3] يعني: طمئنوا عبادي، فلا أحد يؤثر على إرادتي. إذن: فالخضر صنع الجميل بالوالدين، حيث أنقذهما من هذا الابن، وصنع أيضاً جميلاً بالغلام حيث قتله قبل سِنِّ التكليف، وجعل مصيره إلى الجنة، وربما لو تركه لكان كافراً بالله عاقاً لوالديه، وهذا كله إنما جرى بأمر الله وحكمه: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ..} [الكهف: 82]. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه في هذه المسألة بداية من {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [الروم: 41] ثم إنزال العقاب بهم جزاء ما عملتْ أيديهم وأجبتُك في دعوتك عليهم. كل ذلك إنما يعني أنني أُقوِّي مركزك، ولن أتخلى عنك، وما دام الأمر كذلك فإياك أن يُؤثِّر فيك مكرهم أو تركن إلى أحد منهم ممَّنْ قالوا لك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، لكن يقول الحق سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : والأمر بالسير في الأرض يدخل فيه السير بالأبدان والسير في القلوب للنظر والتأمل بعواقب المتقدمين. { كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ } تجدون عاقبتهم شر العواقب ومآلهم شر مآل، عذاب استأصلهم وذم ولعن من خلق اللّه يتبعهم وخزي متواصل، فاحذروا أن تفعلوا فعالهم يُحْذَى بكم حذوهم فإن عدل اللّه وحكمته في كل زمان ومكان.