٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي جزاء كفره. {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي يوطِّئون لأنفسهم في الآخرة فراشاً ومسكناً وقراراً بالعمل الصالح؛ ومنه: مهدُ الصبيّ. والمهاد الفراشُ، وقد مهدت الفراش مَهْداً: بسطته ووطّأته. وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها. وتمهيد العذر: بسطُه وقبوله. والتمهّد: التمكن. وروى ابن أبي نجِيح عن مجاهد: «فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ» قال: في القبر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } وبال كفره وهو النار {وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } يوطئون منازلهم في الجنة.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَمْهَدُونَ} يُسَوُّون المضاجع في القبور، أو يوطئون في الدنيا بالقرآن وفي الآخرة بالعمل الصالح.
النسفي
تفسير : {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي وبال كفره {وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلأَِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } أي يسوون لأنفسهم ما يسويه لنفسه الذي يمهد لنفسه فراشه ويوطئه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مرقده من نتوء وغيره، والمعنى أنه يمهد لهم الجنة بسبب أعمالهم فأضيف إليهم. وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تجاوزه. ليجزى متعلق بـــــ {يمهدون} تعليل له وتكرير {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن {مِن فَضْلِهِ } أي عطائه. وقوله {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ } أي ومن آيات قدرته {أَن يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ } هي الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب ومنه قوله عليه السلام «حديث : اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» تفسير : وقد عدد الفوائد في إرسالها فقال {مُبَشّرٰتٍ } أي أرسلها للبشارة بالغيث {وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } ولإذاقة الرحمة وهي نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه والروح الذي مع هبوب الريح وزكاء الأرض وغير ذلك. {وليذيقكم} معطوف على {مبشرات} على المعنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم {وَلِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ } في البحر عند هبوبها {بِأَمْرِهِ } أي بتدبيره أو بتكوينه كقوله {أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً }تفسير : [يس:82] الآية. {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يريد تجارة البحر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ولتشكروا نعمة الله فيها.
اسماعيل حقي
تفسير : {من} [هركه] {كفر} بالله فى الدنيا {فعليه} لا على غيره {كفره} وبال كفره وجزاؤه وهو النار المؤبدة {ومن} [وهركه] {عمل صالحا} وحده. وعمل بالطاعة الخالصة بعد التوحيد: وبالفارسية [كار ستوده كند] {فلانفسهم} وحدها {يمهدون} اصل المهد اصلاح المضجع للصبى ثم استعير لغيره كما فى كشف الاسرار يسوّون منزلا فى الجنة ويفرشون ويهيئون: وبالفارسية [خويشتن را نشستكاه سازد دربهشت وبساط مى كستراند] ومن التمهيد تمهيد المضاجع في القبور فان بالعمل الصالح يصلح منزل القبر ومأوى الجنة. يروى ان بعض اهل القبور فى برزخ محمود مفروش فيه الريحان وموسد فيه السندس والاستبرق الى يوم القيامة وفى الحديث "حديث : ان عمل الانسان يدفن معه فى قبره فان كان العمل كريما اكرم صاحبه وان كان لئيما اسلمه" تفسير : اى ان كان عملا صالحا آنس صاحبه وبشره ووسع عليه قبره ونوره وحماه من الشدائد والاهوال وان كان عملا سيئا فزع صاحبه وروّعه واظلم عليه قبره وضيقه وعذبه وخلى بينه وبين الشدائد والاهوال والعذاب والوبال شعر : برك عيشى بكور خويش فرست كس نيارد زيس زييش فرست
الجنابذي
تفسير : {مَن كَفَرَ} بيان لتفرّقهم او بيان لعلّة تفرّقهم {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} اى يسوّون منازلهم فى الجنّة ويصلحونها بأعمالهم لانفسهم لا لغيرهم، عن الصّادق (ع) انّه قال: انّ العمل الصّالح ليسبق صاحبه الى الجنّة فيمهّد له كما يمهّد لاحدكم خادمه فراشه.
اطفيش
تفسير : {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} وبال كفره وهو النار الدائمة وهولان فيه بعض ابهام أبلغ من ان يقول فعليه النار وهؤلاء الذين استغرقوا في الكفر مع انه هو الضار لهم قد احاط بهم الضر. {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} يوطئون منازلهم في الجنة ويوطئون اجورهم وتقديم عليه ولانفسهم للحصر ويجوز ان يكون المعنى فلأنفسهم يشفقون من قولهم في المشفق ام فرشت فأنامت.
اطفيش
تفسير : {مَنْ كَفَر فَعَليْه كُفْره} عقاب كفره، او الكفر اسم للعقاب مجازا، اذ هو مسبب العقاب ولازمه، وروعى لفظ من، فأفرد الضمير اهانة لهم، واشارة الى ان لا قدر لهم مع كثرتهم، وجمع فى قوله تعالى: {ومنَ عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون} مراعاة لمعناها الى كثرة قدرهم عند الله وعظمته، مع قلتهم، وهو انسب للفاصلة شبه تقديم العمل الصالح فى الدنيا للاخرة، بتوطئة الفراش لجامع النفع على الاستعارة الاصلية فى المهد، واشتق منه على التبعية يمهد، او يشبه احوال احد الجانبين باحوال الاخر، فتكون الاستعارة تمثيلة، او يشبه عاملى الصالحات بالذين يرحمون انفسهم بما امكن فى الدنيا، ورمز الى ذلك بالتمهيد على الاستعارة بالكناية، او التمهيد الشفقة، وذلك للقبر والاخرة معا، او المراد لها، وتقديم لانفسهم للفاصلة والاختصاص: ومقتضى قوله من كفر ان يقال: ومن آمن فلانفسهم، ولكن ذكرهم بالعمل الصالح عمل القلب والجوارح.
الالوسي
تفسير : {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي وبال كفره وهي النار المؤبدة ففي الكلام مضاف مقدر أو الكفر مجاز عن جزائه بل عن جميع المضار التي لا ضرر وراءها، وإفراد الضمير باعتبار لفظ {مِنْ } وفيه إشارة إلى قلة قدرهم عند الله تعالى وحقارتهم مع ما علم من كثرة عددهم، وجمعه في قوله تعالى: {وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلأَِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} باعتبار معناها، وفيه مع رعاية الفاصلة إشارة إلى كثرة قدرهم وعظمهم عند الله تعالى، و {يَمْهَدُونَ } من مهد فراشه وطأه أي يوطؤون لأنفسهم كما يوطىء الرجل لنفسه فراشه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينبيه وينغص عليه مرقده من نتوء أو قضض أو بعض ما يؤذي الراقد فكأنه شبه حالة المكلف مع عمله الصالح وما يتحصل به من الثواب ويتخلص من العقاب بحالة من يمهد فراشه ويوطؤه ليستريح عليه ولا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه، وجوز أن يكون المعنى فعلى أنفسهم يشفقون على أن ذلك من قولهم في المثل للمشفق أم فرشت فأنامت فيكون الكلام كناية إيمائية عن الشفقة والمرحمة والأول أظهر، والظاهر أن هذه التوطئة لما بعد الموت من القبر وغيره، وأخرج جماعة عن مجاهد أنه قال: فلأنفسهم يمهدون أن يسوون المضاجع في القبر وليس بذاك. وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص وقيل: للاهتمام، ومقابلة {مَن كُفِرَ} ـ بمن عمل صالحاً ـ لا بمن آمن إما للتنويه بشأن الإيمان بناءً على أن المراد بالعمل الصالح وإما لمزيد الاعتناء بشأن المؤمن العامل بناءً على أن المراد بالعمل الصالح ما يشمل العمل القلبـي والقالبـي ويشعر بأن المراد بمن عمل صالحاً المؤمن العامل قوله تعالى: {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ...}
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة تتنزل منزلة البيان لإجمال الجملة التي قبلها وهي {أية : فأقم وجهك للدّين القيم}تفسير : [الروم: 43]، إذ التثبيت على الدين بعد ذكر ما أصاب المشركين من الفساد بسبب شركهم يتضمن تحقير شأنهم عند الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فبين ذلك بأنهم لا يَضرون بكفرهم إلا أنفسهم، والذي يكشف هذا المعنى تقديم المسند في قوله {فعليه كفره} فإنه يفيد تخصيصه بالمسند إليه، أي فكفره عليه لا عليك ولا على المؤمنين، ولهذا ابتدىء بذكر حال من كَفر ثم ذُكر بعدَه {من عمل صالحاً}. واقتضى حرف الاستعلاء أن في الكفر تبعة وشدة وضَرّاً على الكافر، لأن (عَلى) تقتضي ذلك في مثل هذا المقام، كما اقتضى اللام في قوله {فلأنفسهم يمهدون} أن لِمجرورها نفعاً وغنماً، ومنه قوله تعالى: {أية : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}تفسير : [البقرة: 286]. وقال توبة بن الحُمَيِّر:شعر : وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تُقاها أو عليها فجورها تفسير : وأفرد ضمير {كفره} رعياً للفظ {مَن}. وهذا التركيب من جوامع الكلم لدلالته على ما لا يحصى من المضارّ في الكفر على الكافر وأنه لا يَضُر غيره، مع تمام الإيجاز، وهو وعيد لأنه في معنى: من كفر فجزاؤه عقاب الله، فاكتفي عن التصريح بذلك اكتفاء بدلالة (على) من قوله {فعليه كفره} وبمقابلة حالهم بحال من عمل صالحاً بقوله {ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات من فضله}. وأما قوله {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} فهو بيان أيضاً لما في جملة {أية : فأقم وجهك للدّين القيّم} تفسير : [الروم: 43] من الأمر بملازمة التحلّي بالإسلام وما في ذلك من الخير العاجل والآجل مع ما تقتضيه عادة القرآن من تعقيب النذارة بالبشارة والترهيب بالترغيب فهو كالتكملة للبيان. وإنما قوبل {من كَفر} بــــ {من عَمِل صَالِحاً} ولم يقابل بــــ(مَن ءامن) للتنويه بشأن المؤمنين بأنهم أهل الأعمال الصالحة دون الكافرين. فاستغني بذكر العمل الصالح عن ذكر الإيمان لأنه يتضمنه، ولتحريض المؤمنين على الأعمال الصالحة لئلا يتّكلوا على الإيمان وحده فتفوتهم النجاة التامة. وهذا اصطلاح القرآن في الغالب أن يَقرن الإيمان بالعمل الصالح كما في قوله تعالى قبل هذه الآية: {أية : ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يُحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاءِ الآخرة فأولئك في العذاب مُحضَرون} تفسير : [الروم: 14 ــــ 16] حتى توهمت المعتزلة والخوارج أن العمل الصالح شرط في قبول الإيمان. وتقديم {فلأنفسهم} على {يمهدون} للاهتمام بهذا الاستحقاق وللرعاية على الفاصلة وليس للاختصاص. و{يمهدون} يجعلون مِهاداً، والمهاد: الفراش. مثلت حالة المؤمنين في عملهم الصالح بحال من يتطلب راحة رقاده فيوطىء فراشه ويسويه لئلا يتعرض له في مضجعه من النتوء أو اليبس ما يستفز منامه. وتقديم {لأنفسهم} على {يمهدون} للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بذكر أنفس المؤمنين لأن قرينة عدم الاختصاص واضحة. وروعي في جمع ضمير {يمهدون} معنى {مَن} دون لفظها مع ما تقتضيه الفاصلة من ترجيح تلك المراعاة. ويتعلق {ليجزي الذين ءامنوا} بــــ {يمهدون} أي يمهدون لعلة أن يجزي الله إياهم من فضله. وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله {الذين ءامنوا وعملوا الصالحات} للاهتمام بالتصريح بأنهم أصحاب صلة الإيمان والعمل الصالح وأن جزاء الله إياهم مناسب لذلك لتقرير ذلك في الأذهان، مع التنويه بوصفهم ذلك بتكريره وتقريره كما أنبأ عن ذلك قوله عقبه {إنه لا يحب الكافرين}. وقد فهم من قوله {مِنْ فَضْلِهِ} أن الله يجازيهم أضعافاً لرضاه عنهم ومحبته إياهم كما اقتضاه تعليل ذلك بجملة {إنه لا يحب الكافرين} المقتضي أنه يحب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فحصل بقوله {إنه لا يحب الكافرين} تقرير بَعد تقرير على الطرد والعكس فإن قوله {ليجزي الذين ءامنوا} دل بصريحه على أنهم أهل الجزاء بالفضل، ودل بمفهومه على أنهم أهل الولاية. وقوله {إنه لا يحب الكافرين} يدل بتعليله لما قبله على أن الكافرين محرومون من الفضل، وبمفهومه على أن الجزاء موفور للمؤمنين فضلاً وأن العقاب مُعيّن للكافرين عدلاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {صَالِحاً} (44) - مَنْ كَفَرَ بِاللهِ تَعَالَى، وَعَمِلَ السَّيِّئَاتِ فَعَليهِ وَحْدَهُ وِزْرُ كُفْرِهِ، وآثامُ جُحُودِهِ بِنِعَمِ اللهِ. وَمَنْ آمَنَ باللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً، وَأَطَاعَ اللهَ فِيما أَمَرَ، وابتَعَدَ عَمّا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ فَيكُونُ كَمَنْ مَهَّدَ لِنَفْسِهِ الفِرَاشَ وَوَطَّأَهُ، حَتَّى لا يُقَضَّ مَضْجَعُهُ، وَيَكُونُ في الآخِرةِ مِنَ الفَائِزينَ (أَوْ يكُونُ كَمَنْ مَهَّدَ لِنَفْسِهِ طَريقَ الجَنَّةِ). يَمْهَدُونَ - يُوطِئُونَ الفِرَاشَ - أَوْ طَريقَ الجَنَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما دامت القيامة أمراً لا مردَّ له من الله، فلننتبه للعواقب، ولنحسب لها حساباً، فمَنْ كفر فعليه كفره، عليه لا له، وهذه قضية تقتضي أن نقول في مقابلها: ومَنْ آمن فله إيمانه. بعد أن بيَّن الدلائل الواضحة على واحديته في الكون، وأحديته في ذاته سبحانه، وبيَّن الأدلة الكونية بكُلِّ صورها برهاناً وحجةً، وضرب أمثالاً وتفصيلاً بعد ذلك قال: سأقول لكم أنكم أصبحتم مختارين أي: خلقتُ فيكم الاختيار في التكليف حتى لا أقهر أحداً على الإيمان بي. وخَلْق الاختيار في التكليف بعد القهر في غير التكليف يدلُّ على أن الله تعالى لا يريد من عباده قوالب تأتمر بأمر القهر، ولكنه يريد أنْ يجذب الناس بمحبوبيتهم للواحد الأحد. وإلا فكان من الممكن أن يخلقهم جميعاً مهتدين، وأنْ يخلقهم على هيئة لا تتمكّن من الكفر، وتسير إلى الطاعة مرغمة، كما قال سبحانه حكاية عن السماء والأرض: {أية : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11] وذلك يُفسِّر لنا أمانة خَلْق الاختيار في الناس. والحق - سبحانه وتعالى - حينما تكلم عن هذه المسألة بوضوح قال: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 72] والإباء هنا ليس إباءَ تكبُّر على مراد الله، إنما وضعوا أنفسهم في الموضع الطبيعي، فقالوا: لا لحمل الأمانة؛ لأننا لا نأمن أنفسنا ولا نضمنها عند الأداء. والإنسان كذلك ابن أغيار، فقد يحمل الأمانة، ويضمن أداءها في وقت التحمل، لكنه لا يضمن نفسه عند الأداء، وسبق أن مثَّلْنا لذلك بمَنْ يقبل الأمانة، ويرحب بها عند التحمل، ثم تطرأ عليه من أحداث الحياة ما يضطره لأنْ يمدَّ يده إلى هذه الأمانة وإنْ كان في نيته الأداء، لكن يأتي وقته فلا يستطيع، وآخر يُقدِّر هذه المسئولية ويرفض تحمل الأمانة، وهذا هو العاقل الذي يُقدِّر الظروف وتغيّر الأحوال. ومعلوم أن الأمانة لا تُوثَّق، فإنْ كتبتَ وشهد عليها فإنها لم تَعُدْ أمانة، فالأمانة إذن مردُّها لاختيار المؤتمن إنْ شاء أقرَّ بها، وإنْ شاء أنكرها. فالحق سبحانه قال حكاية عن السماوات والأرض والجبال {أية : فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 72] لأنهم يُقدِّرون مسئوليتها، أما الإنسان فقد تعرَّض لحملها وقال: عندي عقل أفكر به، وأختار بين البدائل، وسوف أؤدي، فضمن وقت التحمل، لكنهن لا يضمن وقت الأداء، فظلم نفسه وجهل حقائق الأمور. {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72] ظلوماً لنفسه، جهولاً بما يمكن أنْ يطرأ عليه من الأغيار. وما دام الإنسان ابن أغيار، فإنه لا يثبت على حال؛ لذلك قلنا: إذا صعد الإنسان الجبل إلى قمته وهو ابن أغيار فليس أمامه إلا أنْ ينزل، والعقلاء يخافون أنْ تتم لهم النعمة؛ لأنه ليس بعد التمام إلا النقصان، كما قال الشاعر: شعر : إِذَا تَمَّ شيء بَدا نَقْصُه ترقَّبْ زَوَالاً إذَا قِيلَ تَمّ تفسير : فإذا قلت: لماذا خلق الله الاختيار في الإنسان ولم يخلقه في الأجناس التي تخدمه من جماد ونبات وحيوان؟ نقول: كُنْ دقيقاً، وافهم أنها أيضاً خُيّرت بقوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 72]. إذن: هذه الأجناس أيضاً خُيِّرت، لكنها اختارت اختياراً واحداً يكفيها كل الاختيارات، فقالت: نريد يا رب أنْ نكون مقهورين لكل ما تريد. ولما كنا مختارين أعطانا الله تعالى هذه القضية: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ..} [الروم: 44] وكلمة (عَلَيْه) تفيد الدَّيْن والوِزْر، و (له) تفيد النفع، فإذا جئنا بالمقابل بقول: ومَنْ آمن فله إيمانه، كما في: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13-14]. لكن القرآن لم يَأْت بهذا المقابل، إنما عَدَل إلى مسألة أخرى: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] فلماذا؟ قالوا: لأن فائدة الإيمان أن تعتقد بوجود إله قادر واحد هو الله فتؤمن به، فإذا ما أمرك تطيع، فعِلَّة الإيمان التكليف؛ لذلك حين تبحث أيَّ تكليف إياك أنْ تنظر إلى عِلَّته فتقول: كلفني بكذا لكذا، فعِلَّة التكليف وحكمته عنده تعالى. فإذا قلنا مثلاً: حكمة الصيام أنْ يشعر الغنيُّ ويذوق ألم الجوع فيعطف على الفقير، فهل يعني هذا أن الفقير المعدَم لا يصوم؟ إذن: ليست هذه حكمة الصيام، والأصوب أنْ تقول: أصوم؛ لأن الله أراد مني أن أصوم، وحكمة الصيام عنده هو. ومثَّلنا لذلك ولله تعالى المثل الأعلى: أنت حين تشكو مرضاً أو ألماً تسأل عن الطبيب الماهر والمتخصص حتى تنتهي إليه، وعندها تنتهي مهمة عقلك، فتضع نفسك بين يديه يفحصك ويُشخِّص مرضك، ويكتب لك الدواء، فلا تعارضه في شيء، ولا تسأله لماذا كتب هذا الدواء. فإذا سألك زائر مثلاً: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ لا تقول: لأن من خصائصه كذا، ومن تفاعلاته كذا، إنما تقول: لأن الطبيب وصفه لي، مع أن الطبيب بشر قد يخطىء، وقد يكتب لك دواءً، أو يعطيك حقنة ترديك، ومع ذلك تُسلِّم له بما يراه مناسباً لك، فإذا كنت لا تناقش الطبيب وهو خطأ، فكيف تناقش الله فيما فرضه عليك وتطلب علَّة لكل شيء؟ ولا يناقش في عِلَل الأشياء إلا المساوى، فلا يناقش الطبيبَ إلى طبيبٌ مثله، كذلك يجب أنْ نُسلِّم لله تعالى بعلل الأشياء وحكمتها إلى أنْ يوجد مُسَاوٍ له سبحانه يمكن أنْ يناقشه. والحق سبحانه يُبيِّن لنا عِلَّة الإيمان - لا الإيمان في ذاته - إنما ما يترتب عليه من طاعة أوامر هذا الإله، وعلى طاعة هذه الأوامر الأوامر يترتب صلاح الكون، بدليل أن الله يطلب من المؤمنين أنْ ينشروا الدعوة، وأن يُبلِّغوها، وأن يحاربوا مَنْ يعارضها ويمنعهم من نشرها. فما شُهِر السيف في الإسلام إلا لحماية بلاغ الدعوة، فإنْ تركوك وشأنك فدَعْهم، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام ظل بها أصحاب ديانات أخرى على دياناتهم، وهذا دليل على أن الإسلام لم يُرغِم أحداً على اعتناقه. لكن ما دام الإسلام قد فتح البلاد فلا بُدَّ أنْ تكون له الغَلَبة، وأنْ يسير الجميع معه في ظِلِّ منهج الله، فيكون للكافرِ ولغير ذي الدين ما لصاحب الدين. فكأن الحق سبحانه يريد لقوانينه أنْ تحكم آمنت به أو لم تؤمن؛ لأن صلاح الكون لا يكون إلا بهذه القوانين. إذن: فأنت حُرٌّ، تؤمن أو لا تؤمن، لكن مطلوب ممَّنْ آمن أنْ يحمي الدعوة في البلاغ، ثم يترك الناس أحراراً، مَنْ آمن فبها ونعمت، ومَنْ أبى نقول له: لك ما لنا، وعليك ما علينا. إذن: فأصل الإيمان لصلاح الخلافة، ولا يهتم الله سبحانه بأنك تؤمن أو لا تؤمن، ما دام منهج الخلافة قائماً، وهذا المنهج يعود نفعه على المؤمن وعلى الكافر، فإذا كان الإيمان يُربِّي الإنسان على ألاّ يفعل إلا خيراً وصلاحاً، فالكافر لا بُدَّ وأن يستفيد من هذا الصلاح. وهل قال الشرع للمؤمن: لا تسرق من المؤمن؟ لا إنما أيضاً لا تسرق من الكافر .. الخ، فالكل أمام منهج الله سواء. وفي القرآن آية ينبغي أنْ نتنبه لها، ونعرف غير المؤمنين بها، ليعلموا أن الإيمان إنما يحمي مصلحة الناس جميعاً، إنها قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً * وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ..} تفسير : [النساء: 105-106] يعني: إنْ خطر لك أن تكون لصالح الخائن، استغفر الله من هذا {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} تفسير : [النساء: 107] ولو كان مؤمناً به. ولهذه الآية قصة مشهورة هي قصة اليهودي زيد بن السمين، وقد جاءه طعمة بن أبيريق - وكان مؤمناً - وقال: يا زيد خُذْ هذه الدرع أمانة عندك فقبله زيد، وإذا بالدرع مسروق قد سرقه ابن أبيريق من قتادة بن النعمان ووضعه في جوال من الدقيق، فكان على الدرع آثار الدقيق، فلما بحث ابن النعمان عن دِرْعه دَلّه أثر الدقيق على بيت ابن السمين اليهودي فاتهمه بسرقته. ثم جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم في أمره، فقصَّ عليه ما كان من أمر ابن أبيريق، وأنه وضعه عنده على سبيل الأمانة. وعندها عَزَّ على المسلمين أن يسرق واحد منهم، وأن يأخذها اليهود ذِلّة في حَقِّهم، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يدير الأمر في رأسه، فإنْ حكم على المسلم أخذها اليهود حجة، وإنْ حكم للمسلم كانت عيباً وسُبَّة في الدين، فأسعفه ربه بهذه الآية: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105] فقال: بين الناس لا بين المؤمنين فحسب. ومعنى {أية : وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105] البعض يقولون: لا تخاصم الخائن حتى لا يضطهدك، إنما المراد: لا تكُنْ خصيماً لصالحه. {أية : وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ..} تفسير : [النساء: 106] إنْ طرأتْ عليك مسألة الإسلام وصورته بين غير المسلمين؛ لأن الله في مبدأ الإصلاح لا يحب كل خوَّان أثيم. ولو أن غير المسلمين تنبهوا إلى هذه القضية، وعلموا أن الله تعالى عدل الحكم للمؤمنين، وأعلنه لرسول الله، وقرر أن الحق هو الحق، والكل أمامه سواء المؤمن وغير المؤمن لعلموا أن الإسلام هو الدين الحق ولأقبلوا عليه، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عادى ذمياً فأنا خصيمه يوم القيامة ". تفسير : لأنك إنْ عاديتَه واضطهدته أو هددتْه في حياته، أو في عِرْضه، أو في ماله لصارتْ حجة له في ألاَّ يؤمن، وله أنْ يقول: إذا كان هذا هو حال المؤمنين، فما الميزة في الإسلام حتى أعتنقه؟ بل من مصلحتي أنْ أبتعد عنه، لكن إنْ عاملتَه بالحق وبالخير والحسنى لعطفته إلى الإسلام، وجعلته يُؤنِّب نفسه ألاَّ يكون مسلماً. لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - جاءه رجل فاشتمَّ منه أنه غير مسلم، فلما سأله قال: أنا مجوسي فردَّ الباب في وجهه، فانصرف الرجل، وإذا بإبراهيم - عليه السلام - يتلقى الوحي من الله: يا إبراهيم لم تقبل أنْ تُضيِّفه لأنه على غير دينك، وأنا قبلته طوال عمره في مُلْكي وهو كافر بي. فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به واسترضاه، فقال الرجل: وماذا جرى لقد طردتني ونهرتني منذ قليل؟ فقال: إن ربي عاتبني في أمرك، فقال الرجل: إنَّ رباً يعاتب أنبياءه بشأن أعدائه لحقيق أن يُعبد. لا إله إلا الله، إبراهيم رسول الله. إذن: نفهم من هذا أن العمل الصالح هو مطلوب الإيمان، وإذا آمنتَ بإله لتأخذ الحكم منه وأنت مطمئن أنه إله حق، فلا يهم بعد ذلك أنْ تؤمن أو لا تؤمن المهم قاعدة الصلاح في الكون وفي حركة الحياة؛ لذلك لم يقل ومَنْ آمن فله إيمانه، كأن المراد بالإيمان العمل {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] لأنه لا يعمل صالحاً إلا إذا كان مؤمناً. ونلحظ هنا أن الآية تتحدث عن صيغة المفرد: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً ..} [الروم: 44] ثم يتحول إلى صيغة الجمع {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] ولم يقُلْ: فهو يمهد لنفسه، فلماذا؟ قالوا: لأن الذي يعمل الصالح لا يعمله لذاته، إنما له ولذريته من بعده، كما جاء في قوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ..} تفسير : [الطور: 21] إذن: ساعةَ تكلم عن الإيمان جاء بالمفرد، وساعةَ تكلم عن الجزاء جاء بصيغة الجمع. كما أن العمل الصالح يأتي من ذات الإنسان، ويستقبله هو من غيره، وكلمة (مَنْ) هنا تصلح للمفرد وللمثنى وللجمع بنوعية، وتحل محلَّ جميع الأسماء الموصولة تقول: من جاءك فأكرمه، ومَنْ جاءتك فأكرمها، ومَنْ جاءاك فأكرمهما، ومَنْ جاءوك فأكرمهم .. الخ. كذلك في هذه الآية استعمل مَنْ للدلالة على المفرد، وعلى الجمع. وتأمَّل قوله تعالى: {أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [النور: 61] وهل يُسلِّم الإنسان على نفسه؟ قالوا: نعم لأن المؤمنين شيء واحد، إذا سلَّمْتَ على أحدهم فكأنك سلَّمت على الجميع، وأيضاً إذا قُلْت لصاحبك السلام عليكم يردُّ عليك: وعليكم السلام، فكأنك سلَّمْتَ على نفسك. ومعنى {يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] مأخوذة من المهْد، وهو فراش الطفل، والطفل لا يُمَهده ولا يُسوّيه ويُهيِّئه، ولا بُدَّ له من صدر حنون يُسوِّي له مهده، ويفرشه ويُعده، فكأن الذي يعمل الصالح في الدنيا يُمهِّد لنفسه فراشاً في الآخرة، كما يحكي أبو منصور بن حازم عن أبي عبد الله بن الحسين يقول: العمل الصالح يسبق صاحبه إلى الجنة ليمهد له فراشه، كما يمهد الخادم لأحدكم فراشه. لذلك سبق أن قلنا: إن الذين يؤثرون على أنفسهم يؤثرون من الفانية ليُدَّخر لهم في الباقية، وحديث : سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أُهديت له الشاة، وعاد ليسأل أم المؤمنين عائشة عنها فقال لها: "ماذا صنعت بالشاة؟" فقالت: ذهبتْ كلُّها إلا كتفها، يعني: تصدَّقَتْ بها إلا كتفها، فقال سيدنا رسول الله: "بل، بقيت كلها إلا كتفها" ". تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : يا بْن آدم، تقول: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما لبسْتَ فأبليتَ، أو أكلتَ فأفنيتَ، أو تصدَّقْتَ فأبقيت ". تفسير : والإمام علي رضي الله عنه يسأله أحدهم: أنا من أهل الدنيا، أم من أهل الآخرة؟ فقال الإمام: الجواب عندك أنت، فقال: كيف؟ قال: هَبْ أنه دخل عليك شخص بهدية، وآخر يطلب منك صدقة فلأيِّهما تبشُّ؟ إنْ كنت تبش لصاحب الهدية فأنت من أهل الدنيا وأن كنت تبشّ لطالب الصدقة فأنت من أهل الآخرة. ذلك لأن الإنسان يحب ما يعمر له محبوبه، فإنْ كان من أهل الدنيا يحب ما يعمرها له، وإنْ كان من أهل الآخرة يحب مَنْ يعمر له آخرته. ثم يعلل الحق سبحانه لماذا يمهدون لأنفسهم: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي يَعملونَ.
الجيلاني
تفسير : {مَن كَفَرَ} فيما مضى {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي: وبال كفره وفسقه ملازم معه يدخله في النار، ويخلده فيها مهاناً {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً} فيما مضى {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] أي: فهم بإيمانهم وعملهم الصالح يمهدون، ويبسطون لأنفسهم منزلاً ومهاداً في الجنة هم فيها خالدون. والسر في قيام الساعة والنشأة الأخرى: {لِيَجْزِيَ} سبحانه {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وأيقنوا بتوحيده وبجميع ما جاء من عنده على رسله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقبولة عنده امتثالاً لما أُمروا به على ألسنة رسله {مِن فَضْلِهِ} أي: يجزيهم من محض فضله ولطفه معهم، ومحبته إياهم بأضعاف ما استحقوا بأعمالهم وإيمانهم، ويجزي الكافرين أيضاً بمقتضى عدله بمثل ما اقترفوا من الكفر والشرك وأنواع الظلم والظلال {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} [الروم: 45] المصرين على الكفر والضلالن سيما بعد إرساله سبحانه إليهم منْ يصلحهم ويهديهم إلى صراط مستقيم، فكذبوه وأنكروا له عناداً واستكباراً. {وَمِنْ} جملة {آيَاتِهِ} سبحانه الدالة على كمال رأفته ورحمته للمؤمنين المتحققين لمرتبة التوحيد، المتمكنين بمقر الوحدة الذاتية: {أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ} المشتملة لأنواع الروح والراحة، المهبة من نفحات النفسات الرحمانية؛ ليتعرضوا لها ويستنشقوا منها فيضان آثار اللطف والجمال، مع كونها {مُبَشِّرَاتٍ} لمزيد فضله وطوله، ونزول أنواع رحمته وجوده {وَلِيُذِيقَكُمْ} ويفيض عليكم {مِّن} سعة {رَّحْمَتِهِ} ما ينجيكم ويخلصكم من لوازم بشريتكم وناستوكم {وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ} أي: سفن تعيناتكم الجارية في بحر الوجود {بِأَمْرِهِ} وعلى مقتضى مشيئته وإرادته {وَلِتَبْتَغُواْ} وتطلبوا بعدما فوضتم أموركم إليه واتخذتموه وكيلاً {مِن} موائد {فَضْلِهِ} وإحسانه، وعوائد كرمه وجوده ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر {وَ} إنما فعل معكم سبحانه هذه الكرامات {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الروم: 46] رجاء أن تشكروا نعمه، وتفوزوا بمزيد كرمه، وتتحقوا بمقام معرفته وتوحيده الذي جبلتم لأجله. ثمَّ قال سبحانه مقسماً تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإزالةً لهمه وحزنه من تكذيب الجهلة المسرفين، المشركين بالله، المستهزئين مع رسوله: {وَ} الله {لَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} يا أكمل الرسل {رُسُلاً} مبشرين ومنذرين {إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} الذين ظهرتْ عليهم أمارات الكفر والطغيان، وعلامات الكفر والعدوان {فَجَآءُوهُم} مؤيَّدين من عندنا {بِٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحة، والمعجزات اللائحة، ففاجئوا على تكذيبهم عناداً واستكباراً بلا تدبر وتأمل منهم في آياتهم وبيناتهم {فَٱنتَقَمْنَا} بمقتضى قهرنا وجلالنا {مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} بالجرائم العظام، سيما تكذيب الرسل - عليهم السلام - {وَ} كيف لا ننتقم عنهم بتكذيبهم رسلنا، مع أنه {كَانَ حَقّاً عَلَيْنَا} بمقتضى ما ثبت في لوح قضائنا، وحضرة علمنا {نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} [الروم: 47] أي: نصر الرسل والمؤمنين بهم، وتغليبهم على الكفارين بعدما امتثلوا لأوامرنا، و اجتنبوا عن نواهينا، وبلَّغوا جميع ما أمرناهم وأوحيناهم إلى ما أرسلناهم، فكذبوهم ولم يقبلوا منهم؟!.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):