٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : ذكر زيادة تفصيل لما يمهده المؤمن لفعله الخير وعمله الصالح، وهو الجزاء الذي يجازيه به الله والملك إذا كان كبيراً كريماً، ووعد عبداً من عباده بأني أجازيك يصل إليه منه أكثر مما يتوقعه ثم أكده بقوله: {مِن فَضْلِهِ } يعني أنا المجازي فكيف يكون الجزاء، ثم إني لا أجازيك من العدل وإنما أجازيك من الفضل فيزداد الرجاء، ثم قال تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أوعدهم بوعيد ولم يفصله لما بينا وإن كان عند المحقق هذا الإجمال فيه كالتفصيل، فإن عدم المحبة من الله غاية العذاب، وأفهم ذلك ممن يكون له معشوق فإنه إذا أخبر العاشق بأنه وعدك بالدراهم والدنانير كيف تكون مسرته، وإذا قيل له إنه قال إني أحب فلاناً كيف يكون سروره. وفيه لطيفة وهي أن الله عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبد قدم الكافر فقال: { أية : مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } تفسير : [الروم: 44] وعندما أسند الجزاء إلى نفسه قدم المؤمن فقال: {ليجزي الذين آمنوا} ثم قال تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } لأن قوله {مَن كَفَرَ } في الحقيقة لمنع الكافر عن الكفر بالوعيد ونهيه عن فعله بالتهديد وقوله: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً } لتحريض المؤمن فالنهي كالإيعاد والتحريض للتقرير والإيعاد مقدم عند الحكيم الرحيم، وأما عندما ذكر الجزاء بدأ بالإحسان إظهاراً للكرم والرحمة، فإن قال قائل هذا إنما يصح أن لو كان الذكر في كل موضع كذلك وليس كذلك فإن الله كثير من المواضع قدم إيمان المؤمن على كفر الكافر وقدم التعذيب على الإثابة، فنقول إن كان الله يوفقنا لبيان ذلك نبين ما اقتضى تقديمه، ونحن نقول بأن كل كلمة وردت في القرآن فهي لمعنى وكل ترتيب وجد فهو لحكمة، وما ذكر على خلافه لا يكون في درجة ما ورد به القرآن فلنبين من جملته مثالاً وهو قوله تعالى: { أية : يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ } تفسير : [الروم: 14، 15] قدم المؤمن على الكافر، وههنا ذكر مثل ذلك المعنى في قوله: { أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } تفسير : [الروم: 43] أي يتفرقون فقدم الكافر على المؤمن فنقول هناك أيضاً قدم الكافر في الذكر لأنه قال من قبل: { أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [الروم: 12] فذكر الكافر وإبلاسه، ثم قال تعالى: { أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } تفسير : [الروم: 14] فكان ذكر المؤمن وحده لا بد منه ليبين كيفية التفرق بمجموع قوله: {يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ } وقوله في حق المؤمن: {فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ } لكن الله تعالى أعاد ذكر المجرمين مرة أخرى للتفصيل فقال: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله. وقيل يصدّعون ليجزيهم الله؛ أي ليميّز الكافر من المسلم. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِيَجْزِىَ } متعلق بيصدعون {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضْلِهِ } يثيبهم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ } أي يعاقبهم.
ابن عطية
تفسير : اللام في قوله {ليجزي} متعلقة بـ {يصدعون} [الروم: 43]، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره ذلك أو فعل ذلك {ليجزي} وتكون الإشارة إلى ما تقرر من قوله تعالى {من كفر} [الروم: 43] {وعمل صالحاً} [الروم: 43]، وقوله تعالى، {لا يحب الكافرين} ليس الحب بمعنى الإرادة ولكنه بمعنى لا يظهر عليهم أمارات رحمته ولا يرضاه لهم ديناً ونحو هذا، ثم ذكر تعالى من آياته أشياء يقضي كل عقل بأنها لا مشاركة للأوثان فيها وهو ما في الريح من المنافع وذلك أنها بشرى بالمطر، ويذيق الله بها المطر ويلقح بها الشجر وغير ذلك ويجري بها السفن في البحر ويبتغي الناس بها فضل الله في التجارات في البحر وفي ذرو الأطعمة وغير ذلك، ثم أنس محمداً بأن ضرب له مثل من أرسل من الأنبياء، وتوعد قريشاً بأن ضرب لهم مثل من هلك من الأمم الذين أجرموا وكذبوا الأنبياء، ثم وعد محمداً وأمته النصر إذ أخبر أنه جعله {حقاً} عليه تبارك وتعالى، و {حقاً} خبر {كان} قدمه اهتماماً لأنه موضع فائدة الجملة، وبعض القراء في هذه الآية وقف على قوله {حقاً} وجعله من الكلام المتقدم ثم استأنف جملة من قوله {علينا نصر المؤمنين}، وهذا قول ضعيف لأنه لم يدر قدماً عرضه في نظم الآية.
ابن عادل
تفسير : قوله: "لِيَجْزِيَ" في مُتَعَلَّقِهِ أوجه: أحدها: "يمهدون". والثاني: "يَصِّدَّعُونَ". والثالث: محذوف. (و) قال ابن عطية: تقديره: "ذلك لِيَجْزِيَ" وتكون الإشارة إلى (ما تقدر مِنْ) قوله: "من كفَر ومَنْ عَمِلَ". هَذا قوله وجعل أبو حيان قسيم قوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ} محذوفاً لدلالة قوله {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} عليه هذا إذا علقت اللام بـ "يَصَّدَّعُونَ" أو بذلك المحذوف، قال: تقديره "ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله والكافرين بعدله". فصل قال ابن عباس: "ليجزي الذين آمنوا وعملوا ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم". قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} لما ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه سببب العمل الصالح لأن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضَاً ويذكر لإضراره سبباً لئلا يتوهم (بِهِ) الظلم فقال: {يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} قيل: بالمطر كما قال تعالى: {أية : بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}تفسير : [النمل: 63]، أي قبل الفطرة، وقيل مبشرات بصلاح الأَهْوِية والأحوال؛ فإن الرياح لو لم تَهُبّ لظهر الوباء والفساد وقرأ العامة: "الرياح" جميعاً لأجل "مبشرات"، والأعمش بالإفراد، وأراد الجنس لأجل "مبشرات". قوله: "وَلِيُذِيقَكُمْ" إما عطف على معنى مبشرات لأن الحال والصفة يُفْهمان العلة فكان التقدير: "ليبشّر وليذيقكم" وإما أن يتعلق بمحذوف أي وليذيقكم أَرْسَلَها، وإما أن يكون الواو مزيدة على رأي فتتعلق اللام بأن يرسل. قوله: {وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ} (نعمته) بالمطر أو الخَصْب {وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ} لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه بقوله "بأَمْرِهِ" أي الفعل ظاهر عليه ولكنه بأمر الله، والمعنى في ولتجري الفلك في البحر بهذه الرياح بأمره وكذلك لما قال: "وَلتَبْتَعوا" مسنداً إلى العباد ذكر بعده "مِنْ (فَضْلِهِ)". أي لا استقلال لغيره بشيء، والمعنى لتطلبوا من رزقه بالتجارة في البحر "ولعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" هذه النعم. فصل قال تعالى: "ظهر الفساد - ليذيقهم بعض الذي عملوا" (وقال ههنا: {وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} فخاطبهم ههنا تشريفاً، ولأن رحمته قريب من المحسنين والمحسنين قريب فيخاطب والمسمّى مُبْعَد فلم يُخَاطَبْ وقال هناك: {أية : بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ}تفسير : [الروم: 41) فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم، وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته فقال: "من رحمته"؛ لأن الكريم لا يذكر لرحمته وإحسانه عوضاً فلا يقول أعطيتك لأنك فعلت كذا بل يقول هذا لك مني، وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد عندي، وأيضاً فلو قال: أرسلت بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة، وأما إذا قال من رحمته كان غاية البشارة وأيضاً فلو قال: بما فعلتم لكان ذلك موهماً لنُقْصَان ثوابهم في الآخرة، وأما في حق الكفار فإذا قال بما فعلتم إنما عن نُقْصَانِ عقابهم وهو كذلك وقال هناك: "لعلهم يَرْجِعُونَ" وقال ههنا: ولعلكم تشكرون، قالوا وإشارة إلى توفيقهم للشكر في النعم فعطف على النعم. (قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} لما بين الأصلين) بالبراهين ذكر الأصل الثالث وهو النبوة فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً} أي إرسالهم دليل رسالتك فإنهم لم يكن لهم شُغْلٌ غير شُغْلِكَ ولم يظهر عليهم غير ما أظهر عليك، ومن آمن بهم كان له (الانتصار) ومن كَذَّبهم أَصَابَهُمْ البَوَارُ، وفي تعلق الآية وجه آخر وهو أن الله لما بين بالبراهين ولم ينتفع بها الكفار سَلَّى قلب النبي عليه (الصلاة و) السلامَ وقال: حالك كحال من تقدمكم كان كذلك وجاءُوا بالبينات أيضاً: أي بالدلائل والدّلاَلاَتِ الواضحات على صدقهم وكان في قومهم كافرٌ ومؤمنٌ كما في قومك {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} عذبنا الذين كذبوهم ونصرنا المؤمنين. (قوله:) وَكَانَ حَقّاً، وقف بعضهم على "حقاً" وابْتَدَأَ بما بعده فجعل اسم "كان" مضمراً فيها و "حقاً" خبرها، أي وكان الانتقام حقّاً، قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأنه لم (يَدْرِ) قدر ما عرضه في نظم الآية يعني الوقف على "حقاً"؛ وجعل بعضهم "حقاً" منصوباً على المصدر واسم كان ضمير (الأمر والشأن) و "علينا" خبر مقدم، و "نصر" اسم مؤخر، وجعل بعضهم "حقاً" خبرها و "علينا" متعلق "بحقاً"، أو بمحذوف صفة له، فعلى الأول يكون بشارة للمؤمنين الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - أي علينا نَصْرُكُمْ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ ونصرهم إنجاؤهم من العذاب، وعلى الثاني معناه وكان حقاً علينا؛ أي نصر المؤمنين كان حقاً علينا.
البقاعي
تفسير : ولما فرغ من بيان تصدعهم، ذكر علته فقال: {ليجزي} أي الله سبحانه الذي أنزل هذه السورة لبيان أنه ينصر أولياءه لإحسانهم لأنه مع المحسنين، ولذلك اقتصر هنا على ذكرهم فقال: {الذين آمنوا} أي ولو على أدنى الوجوه {وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} ولما كانت الأعمال نعمة منه، فكان الجزاء محض إحسان، قال: {من فضله}. ولما كان تنعيمهم من أعظم عذاب الكافرين الذين كانوا يهزؤون بهم ويضحكون منهم، علله بقوله على سبيل التأكيد لدعوى من يظن أن إقبال الدنيا على العصاة لمحبة الله لهم: {إنه لا يحب الكافرين*} أي لا يفعل مع العريقين في الكفر فعل المحب، فلا يسويهم بالمؤمنين، وعلم من ذلك ما طوى من جزائهم، فالآية من وادي الاحتباك، وهو أن يؤتي بكلامين يحذف من كل منهما شيء ويكون نظمهما بحيث يدل ما أثبت في كل على ما حذف من الآخر، فالتقدير هنا بعد ما ذكر من جزاء الذين آمنوا أنه يحب المؤمنين ويجزي الذين كفروا وعملوا السيئات بعدله لأنه لا يحب الكافرين، فغير النظم ليدل مع دلالته كما ترى على ما حذف على أن إكرام المؤمنين هو المقصود بالذات، وهو بعينه إرغام الكافرين، وعبر في شق المؤمنين بالمنتهى الذي هو المراد من محبة الله لأنه أسرّ. وفي جانب الكافرين بالمبدأ الذي هو مجاز لأنه أنكأ وأضر. ولما ختم في أول السورة الآيات الدالة على الوحدانية المستلزمة للبعث لأن به تمام ظهور الحكمة، وانكشاف غطاء القلوب عن صفات العظمة، بأن قيام السماء والأرض بأمره وأتبع ذلك ما اشتد التحامه به، وختمه ببعض الكافرين بعد ذكر يوم البعث، أتبعه ذكر ما حفظ به قيام الوجود، وهو الرياح، يجعلها سبباً في إدرار النعم التي منها ما هو أعظم أدلة البعث وهو النبات، وهي بجملتها دليل ذلك وسبب القرار في البر والسير في البحر الموصل لمنافع بعض البلاد إلى بعض، وبذلك انتظم الأمر لأهل الأرض، فاستعمل المؤمن منهم ما رزقه سبحانه من العقل في النظر في ذلك حتى أداه إلى شكره فأحبه، واقتصر الكافر على الدأب فيما يستجلب به تلك النعم ويستكثرها، فأبطره ذلك فأوصله إلى كفره فأبغضه، والرياح أيضاً أشبه شيء بالناس، منها النافع نفعاً كبيراً، ومنها الضار ضراً كثيراً، فقال: {ومن آياته} أي الدلالات الواضحة الدالة علم كمال قدرته وتمام علمه الدال على أنه هو وحده الذي أقام هذا الوجود، وكما أنه أقامه فهو يقيم وجوداً آخر هو زبدة الأمر، ومحط الحكمة، وهو أبدع من هذا الوجود، يبعث فيه الخلق بعد فنائهم، ويتجلى لفصل القضاء بينهم، فيأخذ بالحق لمظلومهم من ظالمهم، ثم يصدعهم فيجعل فريقاً منهم في الجنة دار الإعانة والكرامة، وفريقاً في السعير غار الإهانة والملامة {أن يرسل الرياح} على سبيل التجدد والاستمرار، وهي ما عدا الدبور المشار في الحديث الشريف إلى الاستعاذة منها "حديث : اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً"تفسير : وقد تقدم من شرحي لها عند {أية : من يرسل الرياح بشراً} تفسير : في [النمل: 63] ما فيه كفاية، وفي جمعها المجمع عليه هنا لوصفها بالجمع إشارة إلى باهر القدرة، فإن تحويل الريح الواحدة من جهة إلى أخرى أمر عظيم لا قدرة لغيره عليه في الفضاء الواسع، وكذا إسكانه، فكيف إذا كانت رياح متعاكسة، ففي إثارتها كذلك ثم إسكانها من باهر القدرة ما لا يعلمه إلا أولو البصائر {مبشرات} أي لكم بكل ما فيه نفعكم من المطر والروح وبرد الأكباد ولذة العيش. ولما كان التقدير: ليهلك بها من يشاء من عباده، أو ليدفع عنكم ما يحصل بفقدها من نقمته من الحر، وما يتبعه من انتشار المفسدات، واضمحلال المصلحات، وطواه لأن السياق لذكر النعم، عطف عليه قوله مثبتاً اللام إيضاحاً للمعطوف عليه: {وليذيقكم} وأشار إلى عظمة نعمة بالتبعيض في قوله: {من رحمته} أي نعمه من المياه العذبة والأشجار الرطبة، وصحة الأبدان، وخصب الزمان، وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا خالقها، ولا يتصورها حق تصورها إلا من فقد الرياح، من وجود الروح وزكاء الأرض وإزالة العفونة من الهواء والإعانة على تذرية الحبوب وغير ذلك، وأشار إلى عظمة هذه النعمة وإلى أنها صارت لكثرة الإلف مغفولاً عنها بإعادة اللام فقال: {ولتجري الفلك} أي السفن في جميع البحار وما جرى مجراها عند هبوبها. ولما أسند الجري إلى الفلك نزعه منها بقوله: {بأمره} أي بما يلائم من الرياح اللينة، وإذا أراد أعصفها فأغرقت، أو جعلها متعاكسة فحيرت ورددت، حتى يحتال الملاحون بكل حيلة على إيقاف السفن لئلا تتلف. ولما كان كل من مجرد السير في البحر والتوصل به من بلد إلى بلد نعمة في نفسه، عطف على {لتجري} قوله، منبهاً بإعادة اللام إيضاحاً للمعطوف عليه على تعظيم النعمة: {ولتبتغوا} أي تطلبوا طلباً ماضياً بذلك السير، وعظم ما عنده بالتبعيض في قوله: {من فضله} مما يسخر لكم من الريح بالسفر للمتجر من بلد إلى بلد والجهاد وغيره {ولعلكم} أي ولتكونوا إذا فعل بكم ذلك على رجاء من أنكم {تشكرون*} ما أفاض عليكم سبحانه من نعمه، ودفع عنكم من نقمه. ولما كان التقدير: فمن أذاقه من رحمته، ومن كفر أنزل عليه من نقمته، وكان السياق كله لنصر أوليائه وقهر أعدائه، وكانت الرياح مبشرات ومنذرات كالرسل، وكانت موصوفة بالخير كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها "فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة" وكانت في كثرة منافعها وعمومها إن كانت نافعة، ومضارها إن كانت ضارة، أشبه شيء بالرسل في إنعاش قوم وإهلاك آخرين، وما ينشأ عنها كما ينشأ عنهم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه: البخاري في العلم، ومسلم في المناقب "حديث : مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكانت طائفة منها طيبة فقبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" تفسير : ولما كان الأمر كذلك، عطف على قوله: "ينصر من يشاء" وقوله: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى} أو على ما تقديره تسبيباً عن قوله: {فأقم وجهك للدين القيم}: فلقد أرسلناك بشيراً لمن أطاع بالخير، ونذيراً لمن عصى بالشر، قوله مسلياً لهذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، وأتباعه، ولفت الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء سياق الانتقام لها، وأكد إشارة إلى أن الحال باشتداده وصل إلى حالة اليأس، أو لإنكار كثير من الناس إرسال البشر: {ولقد أرسلنا} بما لنا من العزة. ولما كانت العناية بالإخبار بأن عادته ما زالت قديماً وحديثاً على نصر أوليائه، قال معلماً بإثبات الجار أن الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل، أو أن الكلام في خصوص الأمم المهلكة: {من قبلك} مقدماً له على {رسلاً} أوللتنبيه على أنه خاتم النبيين بتخصيص إرسال غيره بما قبل زمانه، وقال: {إلى قومهم} إعلاماً بأن بأس الله إذا جاء لا ينفع فيه قريب ولا بعيد، وزاد في التسلية بالتذكير إشارة إلى شدة أذى القوم لأنبيائهم حيث لم يقل "إلى قومها". ولما كان إرسال الله سبباً لا محالة للبيان الذي لا لبس معه قال: {فجاءوهم بالبينات} فانقسم قومهم إلى مسلمين ومجرمين {فانتقمنا} أي فكانت معاداة المسلمين للمجرمين فينا سبباً لأنا انتقمنا بما لنا من العظمة {من الذين أجرموا} لأجرامهم، وهو قطع ما أمرناهم بوصله اللازم منه وصل ما أمروا بقطعه، فوصلوا الكفر وقطعوا الإيمان، فخذلناهم وكان حقاً علينا قهر المجرمين، إكراماً لمن عادوهم فينا، وأنعمنا على الذين آمنوا فنصرناهم. ولما كان محط الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به، قدمه تعجيلاً للسرور وتطييباً للنفوس فقال: {وكان} أي على سبيل الثبات والدوام {حقاً علينا} أي بما أوجبناه لوعدنا الذي لا خلق فيه {نصر المؤمنين*} أي العريقين في ذلك الوصف في الدنيا والآخرة، فلم يزل هذا دأبنا في كل ملة على مدى الدهر، فإن هذا من الحكمة التي لا ينبغي إهمالها، فليعتد هؤلاء لمثل هذا، وليأخذوا لذلك أهبته لينظروا من المغلوب وهل ينفعهم شيء؟ والآية من الاحتباك: حذف أولاً الإهلاك الذي هو أثر الخذلان لدلالة النصر عليه، وثانياً الإنعام لدلالة الانتقام عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ليجزى الذين آمنوا} به فى الدنيا {وعملوا الصالحات} وهى ما اريد به وجه الله تعالى ورضاه {من فضله} [ازبخشش خود] متعلق بيجزى وهو متعلق بيصدعون اى يتفرقون بتفريق الله تعالى فريقين ليجزى كلامنهما بحسب اعمالهم وحيث كان جزاء المؤمنين هو المقصود بالذات ابرز ذلك فى معرض الغاية وعبر عنه بالفضل لما ان الاثابة عند اهل السنة بطريق التفضيل لا الوجوب كما عند المعتزلة واشير الى جزاء الفريق الآخر بقوله {انه لا يحب الكافرين} فان عدم محبته تعالى كناية عن بغضه الموجب لغضبه المستتبع للعقوبة لا محالة. قال بعضهم [دوست نميدارد كافر انرا تابا مؤمنان جمع كند بلكه ايشانرا جدا ساخته بدوزخ فرستد] ـ روى ـ ان الله تعالى قال لموسى عليه السلام ما خلقت النار بخلامنى ولكن اكره ان اجمع اعدائى واوليائى فى دار واحدة نسأل الله تعالى دار اوليائه ونستعيذ به من دار اعدائه. وفى التأويلات اشارات. منها ان النظر بالعبرة من اسباب الترقى فى طريق الحق وذلك ان بعض السلاك استحلوا بعض الاحوال فسكنوا اليها وبعضهم استحسنوا بعض المقامات فركنوا اليها فاشركوا بالالتفات الى ما سوى الحق تعالى فمن نظر من اهل الاستعداد الكامل الى هذه المساكنات والركون الى الملائمات يسير على قدمى الشريعة والطريقة لكى يقطع المنازل والمقامات ويجتهد فى ان لا يقع فى ورطة الفترات والوقفات كما وقع بعض من كان قبله فحرم من الوصول الى دائرة التوحيد الحقانى شعر : اى برادر بى نهايت در كهيست هو كجا كه ميرسى بالله مأيست تفسير : ومنها انه لا بد للطالب من الاستقامة وصدق التوجه وذلك بالموافقة بالاتباع دون الاستبداد برأيه على وجه الابتداع ومن لم يتأدب بشيخ كامل ولم يتلقف كلمة التوحيد ممن هو لسان وقته كان خسرانه اتم ونقصانه اعم من نفعه شعر : زمن اى دوست اين يك بند بيذير برو فتراك صاحب دولتى كير كه قطره تا صدف را درنيابد نكردد كوهر وروشن نتابد تفسير : ومنها ان من انكر على اهل الحق فعليه جزاء انكاره وهو الحرمان من حقائق الايمان والله تعالى لا يحب المنكرين اذلوا حبهم لرزقهم الصدق والطلب ولما وقعوا بالخذلان فى الانكار والكفران شعر : مغزرا خالى كن ازانكار يار تاكه ريحان يابد ازكلز اريار تفسير : وفى الحديث "حديث : الاصل لا يخطئ" تفسير : وتأويله ان اهل الاقرار يرجع الى صفات اللطف واهل الانكار الى صفات القهر لان اصل خلقة الاول من الاولى والثانى من الثانية شعر : شراب داد خدا مرمرا وسركه ترا جوقسمت است جه جنكست مرمرا وترا تفسير : نسأل الله العشق والاشتياق والسلوك الى طريقة العشاق ونعوذ بالله من الزيغ والضلال على كل حال.
الجنابذي
تفسير : {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} علّة لاقم وجهك او للقيّم او ليأتى يوم او لقوله لا مردّ له او ليصدّعون والمراد بالايمان الايمان العامّ الحاصل بالبيعة العامّة النّبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة، وبالعمل الصّالح الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدعوة الباطنة، او المراد بالايمان الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الولويّة ويكون قوله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} اشارة الى العمل بما أخذ عليه فى عهده وبيعته {مِن فَضْلِهِ} يعنى لا يكون جزاؤهم بسبب عملهم فانّه لا يدخل احد الجنّة بعمله بل يكون بمحض فضله {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} سوق العبارة كان مقتضياً ان يقول: ويجزى الّذين كفروا لكنّه عدل الى هذا اشارةً الى انّ جزاء الكافرين ليس من الغايات بالذّات انّما هى من تبعة اعمالهم وكفرهم وقد مضى مكرّراً انّ امثال هذا يستعمل فى معنى ببعضهم وان كان بمفهومه اعمّ منه.
اطفيش
تفسير : {لِيَجْزِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} متعلق بيتصدعون او بيمهدون. {مِن فَضْلِهِ} اي ليجزيهم بأشياء عظيمة من فضله ومن بمعنى الباء وعلى الاول فالحذف للتفخيم وذلك بعد جزاء العمل لان الفضل تبع للجزاء لا يكون الا اذا كان ما هو لا بد منه وهو قول ابن عباس ذكروا ان الله يقول للمؤمنين يوم القيامة (ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم) ويجوز ان يكون الفضل العطاء لان الفضول والفواضل هي الاعطية عند العرب كما تطلق عن الزيادة كذا قيل والاولى ان المراد الجزاء بأعمالهم وان قوله {مِن فَضْلِهِ} دليل على ان الجزاء بفضل محض فان المطيع لو حوسب لم تف طاعته بأقل قليل من الشكر على اعانته عليها وعلى سائر النعم ولم يقل ليجزيهم ليدل بالصلة ان سبب الافلاح والجزاء الايمان وعمل الصالحات لا غير ذلك. {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الكَافِرِينَ} بل يبغضهم ويعاقبهم ولا محبة الا للمؤمنين وفي ذكر انه لا يحب الكافرين تعريض بأنه يحب المؤمنين وتعريض بأنه يعاقبهم ففيه التعرض لجزاء الكفار تلويحا لا تصريحا وانما صرح بجزاء المؤمنين لا نه المقصود بالذات.
اطفيش
تفسير : {ليجْزي الَّذين آمنُوا وعَملُوا الصالحات من فَضْله} تعليل لقوله: (يصدعون) على ان التصدع تصدع فريق الى الجنة، وفريق الى النار، فذكر فريق الجنة بهذا، وفريق النار بقوله: {إنَّه لا يحب الكافرين} فان عدم جبهم المراد به بعضهم، فكانه قيل: وليعاقب الكافرين ويجوز ان يكون ليجزى تعليلا ليمهدون مع وضع الظاهر موضع المضمر، ليذكرهم بلفظ العمل الصالح، وليشير الى انه لا يفلح عند الله عز وجل الا ذو العمل الصالح، ولا عمل صالحا للكافر، وان كان فكالعدم، فلم يذكرهم به كما ذكر المؤمنين بالعمل الصالح، بل ذكرهم بالكفر، وقدم الكفر حين اسند الكفر والايمان الى العبيد، وقدم المؤمن عند اسناد الجزاء لنفسه اذ قوله: "أية : من كفر" تفسير : [الروم: 44] تحذير للمكلف، وقوله: "أية : ومن عمل" تفسير : [الروم: 44] ترغيب، لان الانقاذ مقدم عند الحكيم الرحيم، وعند الجزاء ابتداء بالاحسان اظهارا للكرم، والاثابة تفضل محض من الله عز وجل، وقيل: من فضله من زيادته على ما يستحقه عمله.
الالوسي
تفسير : {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن فَضْلِهِ } فإنه علة ليمهدون وأقيم فيه الموصول مقام الضمير تعليلاً للجزاء لما أن الموصول في معنى المشتق والتعليق به يفيد علية مبدأ الاشتقاق، وذكر {مِن فَضْلِهِ } للدلالة على أن الإثابة تفضل محض؛ وتأويله بالعطاء أو الزيادة على ما يستحق من الثواب عدول عن الظاهر، وجوز أن يكون ذلك علة ليصدعون والاقتصار على جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات والاكتفاء بفحوى قوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فإن عدم المحبة كناية عن البغض في العرف وهو يقتضي الجزاء بموجبه فكأنه قيل: وليعاقب الكافرين. وفي «الكشاف» «أن تكرير {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده تعالى إلا المؤمن الصالح، وقوله تعالى: {إِنَّهُ} الخ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس» ويعني بذلك كل كلامين يقرر الأول الثاني وبالعكس سواء كان صريحاً وإشارة أو مفهوماً ومنطوقاً وذلك كقول ابن هانىء:شعر : فما جازه جود ولا حل دونه ولكن يصير الجود حيث يصير تفسير : وبيانه فيما نحن فيه أن قوله تعالى: {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} يدل بمنطوقه على ما قرر على اختصاصهم بالجزاء التكريمي وبمفهومه على أنهم أهل الولاية والزلفى، وقوله سبحانه: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } لتعليل الاختصاص يدل بمنطوقه على أن عدم المحبة يقتضي حرمانهم وبمفهومه على أن الجزاء لأضدادهم موفر فهو جل وعلا محب للمؤمنين، وذكر العلامة الطيبـي الظاهر أن قوله تعالى: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ ٱلْقِيّمِ }تفسير : [الروم: 43] الآية بتمامها كالمورد للسؤال والخطاب لكل أحد من المكلفين وقوله تعالى: {أية : مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } تفسير : [الروم: 44] الآية وارد على الاستئناف منطو على / الجواب فكأنه لما قيل: أقيموا على الدين القيم قبل مجىء يوم يتفرقون فيه فقيل: ما للمقيمين على الدين وما على المنحرفين عنه وكيف يتفرقون؟ فأجيب من كفر فعليه كفره الآية، وأما قوله سبحانه: {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية فينبغي أن يكون تعليلاً للكل ليفصل ما يترتب على ما لهم وعليهم لكن يتعلق بيمهدون وحده لشدة العناية بشأن الإيمان والعمل الصالح وعدم الإعباء بعمل الكافر ولذلك وضع موضعه {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ } انتهى فلا تغفل. وفي الآية لطيفة نبه عليها الإمام قدس سره وهي أن الله عز وجل عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبيد قدم الكافر وعندما أسند الجزاء إلى نفسه قدم المؤمن لأن قوله تعالى: {مَن كَفَرَ } وعيد للمكلف ليمتنع عما يضره لينقذه سبحانه من الشر وقوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً }تفسير : [الروم: 44] تحريض له وترغيب في الخير ليوصله إلى الثواب، والإنقاذ مقدم عند الحكيم الرحيم وأما عند الجزاء فابتدأ جل شأنه بالإحسان إظهاراً للكرم والرحمة. هذا ولما ذكر سبحانه ظهور الفساد والهلاك بسبب المعاصي ذكر ظهور الصلاة ولم يذكر عز وجل أنه بسبب العمل الصالح، لأن الكريم يذكر لعقابه سبباً لئلا يتوهم منه الظلم ولا يذكر ذلك لإحسانه فقال عز من قائل: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرّيَـٰحَ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ } {ٱلصَّالِحَاتِ} {ٱلْكَافِرِينَ} (45) - وَيَجْمَعُ اللهُ تَعَالى الخَلائِقَ يَومَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُفَرِّقُهُمْ بِحَسَبِ هذهِ الأعمالِ، فأمَّا الذينَ آمنوُا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيَجزِيهِمْ مِنْ فَضْلِهِ، فَيُضَاعِفُ لهُمْ رَبُّهُمُ الحَسَنَاتِ، وأَمّا الكَافِرونَ فإِنَّهُمْ يَلْقَونَ جَزَاءَهُمْ العَادِلَ، بِلاَ جَوْرٍ وَلا ظُلْمٍ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالى لا يُحِبُّ الكَافِرينَ، ولكِنّهُ لا يَجْزِيهِمْ إِلا بالعَدْلِ التَّامِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وذكر هنا الإيمان فقال {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [الروم: 45] ثم {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [الروم: 45] حتى لا يظن أحد أن العمل الصالح ربما يُغني عن الإيمان. وهذه مسألة شغلتْ كثيراً من الفلاسفة، يقولون: كيف أن الرجل الكافر الذي يعمل الصالحات لا يُجازى عليها؟ نقول له: أُجر ويُجازى على عمله الصالح لكن في الدنيا؛ لأنه لم يعمل لله، بل عمل للشهرة وللصيت، وقد أخذ منها تكريماً وشهرة وتخليداً لِذكْراه وأقيمت لهم التماثيل .. إلخ، أما جزاء الآخرة فلمَنْ عمل العمل لوجه الله خالصاً. والقرآن يُنبِّهنا إلى هذه المسألة يقول: إياكم أنْ تُغَشُّوا بمن يعمل الأعمال للدنيا: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. وجاء في الحديث: "حديث : فعلتَ ليُقال وقد قيل" تفسير : نعم بنيت مسجداً، لكن كتبت عليه: بناه فلان، وشرَّف الافتتاح فلان .. الخ فماذا تنتظر بعد ذلك، إن ربك يريد العمل الخالص لوجهه تعالى، كما جاء في الحديث "حديث : ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما فعلت يمينه ". تفسير : فقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [الروم: 45] يدل على أن العمل الصالح إنْ كان صالحاً بحقٍّ يفيد صاحبه في الدنيا، لكن لا يفيده في الآخرة إلا أن يكون صادراً عن إيمان بالله، ثم يربط الإيمان بالعمل الصالح حيث لا يغني أحدهما عن الآخر. وقوله تعالى: {مِن فَضْلِهِ ..} [الروم: 45] أي: تفضُّلاً من الله، حتى لا ينخدع أحد بعمله، ويظن أنه نجا به، وهذه المسألة موضع نقاش بين العلماء يقولون: مرة يقول القرآن {مِن فَضْلِهِ ..} [الروم: 45] ومرة يقول: {أية : ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 32] أي: أنها حق لكم بما قدَّمتم من عمل، فهل الجنة حق للمؤمنين أم فضل من الله؟ ونقول: العمل الذي يطلبه الله تكليفاً من المؤمنين به يعود على مَنْ؟ يعود على الإنسان، ولا يستفيد الله منه بشيء؛ لأن له تعالى صفات الكمال المطلق قبل أن يخلق الخَلْق. لذلك قال في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلكي قدر جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من مُلْكي قدر جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسألني كُلٌّ مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمغرز إبرة إذا غمسه أحدكم في بحر، ذلك أنِّي جَوَاد ماجد واجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردتُه أن أقول له: كُنْ فيكون ". تفسير : ويقول سبحانه: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ..} تفسير : [النحل: 96]. إذن: فالأعمال التكليفية لخير الإنسان نفسه، وإنْ كانت في الظاهر تقييداً لحريته، فهو مثلاً يريد أنْ يسرق ليزيد ماله، فنأخذ على يديه، ونمنعه ونقول له: تنبَّه أننا منعناك من السرقة وأنت واحد، ومنعنا الناس جميعاً أنْ يسرقوا منك، فأنت إذن المستفيد من منهج الله، فلا تنظر إلى ما أخذه منك التكليف، ولكن انظر إلى ما أعطاك هذا التكليف من الغير. وما دام التكليف كله في مصلحتك ولخيرك أنت، فإنْ أثابك الله عليه بعد ذلك فهو فضل من الله عليك، كما تقول لولدك مثلاً؛ إنْ تفوقتَ سأعطيك كذا وكذا مع أنه المستفيد من التفوق، فتكون الجائزة بعد ذلك فضلاً. كذلك الحق تبارك وتعالى يحب عبده أنْ يتقن عمله، وأن يجتهد فيه؛ لذلك يعطيه مكافأة عليه مع أننا المستفيدون منه. ويقول سبحانه: {أية : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ ..} تفسير : [النور: 25] فجعله حقاً عليه سبحانه، كما قال: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} تفسير : [الروم: 47]. ولو بحثنا كلمة "حق" فلسفياً لوجدنا أن كل حق لك يقابله واجب على غيرك، فلا يكون حقاً لك إلا إذا كان واجباً على غيرك، فحقُّك هنا واجب إذن على الله تعالى، لكن الواجب يقتضي مُوجباً فمَنْ أوجب على الله؟ لا أحد؛ لأنه سبحانه أوجبه على نفسه. إذن: فالحق الذي جعله لك تفضُّلاً منه سبحانه، والحق في أنه جعل لك حقاً، كالذي ليس له حق في الميراث، فيتفضل عليه واحد في التركة ويجعل له وصية يكتبها له، فتصير حقاً واجباً، له أن يطالب الورثة به شرعاً؛ لأن المورِّث تفضَّل وجعله حقاً له. ثم يقول سبحانه: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} [الروم: 45] نلحظ في الآية أنها تتحدث عن جزاء المؤمنين، فما مناسبة ذِكْر الكافرين هنا؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أنْ يلفت نظر عبده الكافر إلى الإيمان ومزاياه، كأنه يقول له: تعال إلى الإيمان لتنال هذا الجزاء. ومثال ذلك - ولله المثَل الأعلى - رجل عنده ثلاثة أولاد وَعَدهم بهدية لكل مَنْ ينجح في دراسته، فجاء آخر العام ونجح اثنان، وأخذ كل منهما هديته، وتألم الوالد للثالث الذي أخفق وتمنى لو كان مثل أخويْه. وكذلك الحق سبحانه لا يحب الكافرين؛ لأنه يحب أن يكون الخَلْق جميعاً مؤمنين لينالوا جزاء الإيمان؛ لأن الجميع عباده، وهو سبحانه أرحم بهم من الوالدة بولدها، وهم خِلْقته وصَنْعته، وهل رأيتم صانعاً حطم صنعته وكسرها، إذن: فالله تعالى حريص على عباده حتى الكافر منهم. وجاء في الحديث القدسي: "حديث : قالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كِسَفاً على ابن آدم، فقد طَعِم خيرك، ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب ائذن لي أنْ أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أن أخرَّ على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أُغرِق ابن آدم، فقط طَعِم خيرك ومنع شكرك. فماذا قال الرب الخالق للجميع؟ قال: "دعوني ومن خلقتُ، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". تفسير : لذلك يفرح الله تعالى بتوبة عبده حين يعود إليه بعد إعراض، ويضرب لنا سيدنا رسول الله مثلاً لتوضيح هذه المسألة فيقول: "حديث : لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم وقع على بعيره، وقد أضله في فلاة ". تفسير : فالله لا يحب الكافرين لأنهم لم يكونوا أهلاً لتناول هذا الفضل، وما ذاك إلا لأنه سبحانه مُحِبٌّ لهم حريص على أن ينالهم خيره وعطاؤه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):