Verse. 3456 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَ لَقَدْ اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا اِلٰى قَوْمِہِمْ فَجَــاۗءُوْہُمْ بِالْبَيِّنٰتِ فَانْتَـقَمْنَا مِنَ الَّذِيْنَ اَجْرَمُوْا۝۰ۭ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۴۷
Walaqad arsalna min qablika rusulan ila qawmihim fajaoohum bialbayyinati faintaqamna mina allatheena ajramoo wakana haqqan AAalayna nasru almumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات» بالحجج الواضحات على صدقهم في رسالتهم إليهم فكذبوهم «فانتقمنا من الذين أجرموا» أهلكنا الذين كذبوهم «وكان حقاً علينا نصر المؤمنين» على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين.

47

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين الأصلين ببراهين ذكر الأصل الثالث وهو النبوة فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً } أي إرسالهم دليل رسالتك فإنهم لم يكن لهم شغل غير شغلك، ولم يظهر عليهم غير ما ظهر عليك ومن كذبهم أصابهم البوار ومن آمن بهم كان لهم الانتصار وله وجه آخر يبين تعلق الآية بما قبلها وهو أن الله لما بين البراهين ولم ينتفع بها الكفار سلى قلب النبـي صلى الله عليه وسلم وقال حال من تقدمك كان كذلك وجاءوا أيضاً بالبينات، وكان في قومهم كافر ومؤمن كما في قومك فانتقمنا من الكافرين ونصرنا المؤمنين، وفي قوله تعالى: {وَكَانَ حَقّاً } وجهان: أحدهما: فانتقمنا، وكان الانتقام حقاً واستأنف وقال علينا نصر المؤمنين وعلى هذا يكون هذا بشارة للمؤمنين الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أي علينا نصركم أيها المؤمنون والوجه الثاني: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا } أي نصر المؤمنين كان حقاً علينا وعلى الأول لطيفة وعلى الآخر أخرى، أما على الأول فهو أنه لما قال فانتقمنا بين أنه لم يكن ظلماً وإنما كان عدلاً حقاً، وذلك لأن الانتقام لم يكن إلا بعد كون بقائهم غير مفيد إلا زيادة الإثم وولادة الكافر الفاجر وكان عدمهم خيراً من وجودهم الخبيث، وعلى الثاني تأكيد البشارة. لأن كلمة على تفيد معنى اللزوم يقال على فلان كذا ينبىء عن اللزوم، فإذا قال حقاً أكد ذلك المعنى، وقد ذكرنا أن النصر هو الغلبة التي لا تكون عاقبتها وخيمة، فإن إحدى الطائفتين إذا انهزمت أولاً، ثم عادت آخراً لا يكون النصر إلا للمنهزم، وكذلك موسى وقومه لما انهزموا من فرعون ثم أدركه الغرق لم يكن انهزامهم إلا نصرة، فالكافر إن هزم المسلم في بعض الأوقات لا يكون ذلك نصرة إذ لا عاقبة له.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي المعجزات والحجج النيّرات {فَٱنتَقَمْنَا} أي فكفروا فانتقمنا ممن كفر. {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} «حقًّا» نصب على خبر كان، «ونصر» اسمها. وكان أبو بكر يقف على «حَقًّا» أي وكان عقابنا حقا، ثم قال: {عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} ابتداء وخبر؛ أي أخبر بأنه لا يخلف الميعاد، ولا خُلْف في خبرنا. وروي من حديث أبي الدَّرداء قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من مسلم يَذُبّ عن عرض أخيه إلا كان حقًّا على الله تعالى أن يردّ عنه نار جهنم يوم القيامة ـ ثم تلا ـ وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين»تفسير : . ذكره النحاس والثعلبيّ والزّمخشرِيّ وغيرهم.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِٱلْبَيّنَاتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} بالتدمير. {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} إشعار بأن الانتقام لهم وإظهار لكرامتهم حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم ثم تلا ذلك» تفسير : وقد يوقف على {حَقّاً} على أنه متعلق بالانتقام. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ} متصلاً تارة. {فِى ٱلسَّمَاءِ} في سمتها. {كَيْفَ يَشَاءُ} سائراً أو واقفاً مطبقاً وغير مطبق من جانب دون جانب إلى غير ذلك. {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} قطعاً تارة أخرى، وقرأ ابن عامر بالسكون على أنه مخفف أو جمع كسفة أو مصدر وصف به. {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} المطر. {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} في التارتين. {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} يعني بلادهم وأراضيهم. {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} لمجيء الخصب. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } المطر. {مِن قَبْلِهِ} تكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالمطر واستحكام يأسهم، وقيل الضمير للمطر أو السحاب أو الإِرسال. {لَمُبْلِسِينَ } لآيسين. {فَٱنظُرْ إِلَىٰ أَثَرِ رَحْمَتَ ٱللَّهِ } أثر الغيث من النبات والأشجار وأنواع الثمار ولذلك جمعه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص. {كَيْفَ يُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} وقرىء بالتاء على إسناده إلى ضمير الرحمة. {إِنَّ ذٰلِكَ} يعني إن الذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها. {لَمُحْيِي الْمَوْتَى} لقادر على إحيائهم فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى الحيوانية، كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية، هذا ومن المحتمل أن يكون من الكائنات الراهنة ما يكون من مواد تفتت وتبددت من جنسها في بعض الأعوام السالفة. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} لأن نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على سواء. {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً} فرأوا الأثر أو الزرع فإنه مدلول عليه بما تقدم، وقيل السحاب لأنه إذا كان {مُصْفَـرّاً} لم يمطر واللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط وقوله: {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} جواب سد مسد الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال. وهذه الآية ناعية على الكفار بقلة تثبتهم وعدم تدبرهم وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله ويلتجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر والاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زرعهم بالاصفرار ولا يكفروا نعمه. {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} وهم مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم. {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} قيد الحكم به ليكون أشد استحالة، فإن الأصم المقبل وإن لم يسمع الكلام يفطن منه بواسطة الحركات شيئاً، وقرأ ابن كثير بالياء مفتوحة ورفع «ٱلصُّمُّ». {وَمَا أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ} سماهم عمياً لفقدهم المقصود الحقيقي من الأبصار أو لعمى قلوبهم، وقرأ حمزة وحده «تهدي العمي». {إِنْ تُسْمِع إِلاَّ مَن يُؤْمِن بِآيَاتِنَا} فإن إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ وتدبر المعنى، ويجوز أن يراد بالمؤمن المشارف للإِيمان. {فَهُم مُّسْلِمُونَ} لما تأمرهم به. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ} أي ابتدأكم ضعفاء وجعل الضعف أساس أمركم كقوله {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ ضَعِيفاً }تفسير : [النساء: 28] أو خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة. {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} وذلك إذا بلغتم الحلم أو تعلق بأبدانكم الروح. {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} إذا أخذ منكم السن، وفتح عاصم وحمزة الضاد في جميعها والضم أقوى لقول ابن عمر رضي الله عنهما: قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من ضعف فأقرأني من ضُعف» تفسير : وهما لغتان كالفقر والفُقر والتنكير مع التكرير لأن المتأخر ليس عين المتقدم. {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} من ضعف وقوة وشبيبة وشيبة. {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} فإن الترديد في الأحوال المختلفة مع إمكان غيره دليل العلم والقدرة. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وصارت علماً بها بالغلبة كالكوكب للزهرة. {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ} في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا والبعث وانقطاع عذابهم، وفي الحديث «حديث : ما بين فناء الدنيا والبعث أربعون»تفسير : وهو محتمل الساعات والأيام والأعوام. {غَيْرَ سَاعَةٍ} استقلوا مدة لبثهم إضافة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسياناً. {كَذٰلِكَ} مثل ذلك الصرف عن الصدق والتحقيق. {كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } يصرفون في الدنيا. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ} من الملائكة والإِنسَ. {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } في علمه أو قضائه، أو ما كتبه لكم أي أوجبه أو اللوح أو القرآن وهو قوله: {وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ}. {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} ردوا بذلك ما قالوه وحلفوا عليه. {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ } الذي أنكرتموه. {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أنه حق لتفريطكم في النظر، والفاء لجواب شرط محذوف تقديره: إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه، أي فقد تبين بطلان إنكاركم. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ تنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ} وقرأ الكوفيون بالياء لأن المعذرة بمعنى العذر، أو لأن تأنيثها غير حقيقي وقد فصل بينهما. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم أي إزالة عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إليه في الدنيا من قولهم استعتبني فلان فأعتبته أي استرضاني فأرضيته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ } بالحجج الواضحات على صدقهم في رسالتهم إليهم فكذبوهم {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } أهلكنا الذين كذبوهم {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ } كما أرسلناك إلى قومك {فَجَاءُوهُم بِٱلْبَيّنَاتِ } أي بالمعجزات، والحجج النيرات {فانتقمنا}: أي فكفروا فَٱنتَقَمْنَا {مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } أي فعلوا الإجرام، وهي الآثام {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } هذا إخبار من الله سبحانه بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، وفيه تشريف للمؤمنين ومزيد تكرمة لعباده الصالحين، ووقف بعض القراء على {حقاً} وجعل اسم كان ضميراً فيها وخبرها حقاً، أي وكان الانتقام حقاً. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، والصحيح أن نصر المؤمنين اسمها وحقاً خبرها وعلينا متعلق بـ {حقاً}، أو بمحذوف هو صفة له. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ } قرأ حمزة والكسائي وابن كثير وابن محيصن: "يرسل الريح" بالإفراد. وقرأ الباقون: {الرياح} قال أبو عمرو: كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد، وهذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سبق من أحوال الرياح، فتكون على هذا جملة: {ولقد أرسلنا} إلى قوله: {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} معترضة {فَتُثِيرُ سَحَـٰباً } أي تزعجه من حيث هو {فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَاء كَيْفَ يَشَاء } تارة سائراً وتارة واقفاً، وتارة مطبقاً، وتارة غير مطبق، وتارة إلى مسافة بعيدة، وتارة إلى مسافة قريبة، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة وفي سورة النور {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً } تارة أخرى، أو يجعله بعد بسطه قطعاً متفرقة، والكسف جمع كسفة. والكسفة: القطعة من السحاب. وقد تقدم تفسيره واختلاف القراءة فيه {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } الودق: المطر، و{من خلاله}: من وسطه. وقرأ أبو العالية والضحاك: "يخرج من خلله". {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ } أي بالمطر {مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أي بلادهم وأرضهم {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } إذا هي: الفجائية، أي فاجؤوا الاستبشار بمجيء المطر، والاستبشار: الفرح. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } أي من قبل أن ينزل عليهم المطر، وإن هي المخففة، وفيها ضمير شأن مقدر هو اسمها، أي وإن الشأن كانوا من قبل أن ينزل عليهم، وقوله: {مِن قَبْلِهِ } تكرير للتأكيد، قاله الأخفش وأكثر النحويين كما حكاه عنهم النحاس. وقال قطرب: إن الضمير في: {قبله} راجع إلى المطر، أي وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: المعنى: من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع والمطر. وقيل: من قبل أن ينزل عليهم من قبل السحاب، أي من قبل رؤيته، واختار هذا النحاس. وقيل: الضمير عائد إلى الكسف. وقيل: إلى الإرسال. وقيل: إلى الاستبشار. والراجح الوجه الأول، وما بعده من هذه الوجوه كلها ففي غاية التكلف والتعسف، وخبر كان {لَمُبْلِسِينَ } أي آيسين أو بائسين. وقد تقدّم تحقيق الكلام في هذا. {فَٱنظُرْ إِلَىٰ أَثَرِ رَحْمَتَ ٱللَّهِ } الناشئة عن إنزال المطر من النبات والثمار والزرائع التي بها يكون الخصب ورخاء العيش، أي انظر نظر اعتبار واستبصار لتستدلّ بذلك على توحيد الله، وتفرده بهذا الصنع العجيب. قرأ الجمهور: «أثر» بالتوحيد. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي: {آثار} بالجمع {كَيْفَ يُحْييِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فاعل الإحياء ضمير يعود إلى الله سبحانه، وقيل: ضمير يعود إلى الأثر، وهذه الجملة في محل نصب بانظر، أي انظر إلى كيفية هذا الإحياء البديع للأرض. وقرأ الجحدري، وأبو حيوة: "تحيي" بالفوقية على أن فاعله ضمير يعود إلى الرحمة، أو إلى الآثار على قراءة من قرأ بالجمع، والإشارة بقوله: {إِنَّ ذٰلِكَ } إلى الله سبحانه، أي إن الله العظيم الشأن المخترع لهذه الأشياء المذكورة {لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي لقادر على إحيائهم في الآخرة، وبعثهم، ومجازاتهم كما أحيا الأرض الميتة بالمطر {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } أي عظيم القدرة كثيرها. {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً } الضمير في: {فرأوه} يرجع إلى الزرع، والنبات الذي كان من أثر رحمة الله، أي فرأوه مصفراً من البرد الناشىء عن الريح التي أرسلها الله بعد اخضراره. وقيل: راجع إلى الريح، وهو يجوز تذكيره وتأنيثه. وقيل: راجع إلى الأثر المدلول عليه بالآثار. وقيل: راجع إلى السحاب لأنه إذا كان مصفراً لم يمطر، والأول أولى. واللام هي الموطئة، وجواب القسم {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ }، وهو يسدّ مسد جواب الشرط. والمعنى: ولئن أرسلنا ريحاً حارة أو باردة، فضربت زرعهم بالصفار لظلوا من بعد ذلك يكفرون بالله، ويجحدون نعمه، وفي هذا دليل على سرعة تقلبهم وعدم صبرهم، وضعف قلوبهم، وليس كذا حال أهل الإيمان. ثم شبههم بالموتى وبالصم فقال: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } إذا دعوتهم، فكذا هؤلاء لعدم فهمهم للحقائق ومعرفتهم للصواب {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاء } إذا دعوتهم إلى الحق، ووعظتهم بمواعظ الله وذكرتهم الآخرة وما فيها، وقوله: {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } بيان لإعراضهم عن الحق بعد بيان كونهم كالأموات وكونهم صمّ الآذان، قد تقدّم تفسير هذا في سورة النمل. ثم وصفهم بالعمى فقال: {وَمَا أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ } لفقدهم للانتفاع بالأبصار كما ينبغي. أو لفقدهم للبصائر {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} أي ما تسمع إلاّ هؤلاء لكونهم أهل التفكر والتدبر والاستدلال بالآثار على المؤثر {فَهُم مُّسْلِمُونَ } أي منقادون للحق متبعون له. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } ذكر سبحانه استدلالاً آخر على كمال قدرته، وهو خلق الإنسان نفسه على أطوار مختلفة، ومعنى من ضعف: من نطفة. قال الواحدي: قال المفسرون: من نطفة، والمعنى: من ذي ضعف. وقيل: المراد: حال الطفولية والصغر {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ }، وهي قوّة الشباب، فإنه إذ ذاك تستحكم القوّة وتشتدّ الخلقة إلى بلوغ النهاية {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً } أي عند الكبر والهرم {وَشَيْبَةً } الشيبة هي: تمام الضعف ونهاية الكبر. قرأ الجمهور: «ضعف» بضم الضاد في هذه المواضع. وقرأ عاصم وحمزة بفتحها. وقرأ الجحدري بالفتح في الأوّلين والضم في الثالث. قال الفراء: الضم لغة قريش والفتح لغة تميم. قال الجوهري: الضعف والضعف خلاف القوّة، وقيل: هو بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسم {يَخْلُقُ مَا يَشَاء } يعني: من جميع الأشياء، ومن جملتها القوّة والضعف في بني آدم {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ } بتدبيره {ٱلْقَدِيرُ } على خلق ما يريده، وأجاز الكوفيون: "من ضعف" بفتح الضاد والعين. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } أي: القيامة، وسميت ساعة لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ } أي يحلفون ما لبثوا في الدنيا، أو في قبورهم غير ساعة، فيمكن أن يكونوا استقلوا مدّة لبثهم، واستقرّ ذلك في أذهانهم، فحلفوا عليه وهم يظنون أن حلفهم مطابق للواقع. وقال ابن قتيبة: إنهم كذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل، وهذا هو الظاهر؛ لأنهم إن أرادوا لبثهم في الدنيا، فقد علم كل واحد منهم مقداره، وإن أرادوا لبثهم في القبور فقد حلفوا على جهالة إن كانوا لا يعرفون الأوقات في البرزخ {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } يقال: أفك الرجل: إذا صرف عن الصدق، فالمعنى: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون. وقيل: المراد يصرفون عن الحق. وقيل: عن الخير، والأوّل أولى، وهو دليل على أن حلفهم كذب. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ } اختلف في تعيين هؤلاء الذين أوتوا العلم، فقيل: الملائكة. وقيل: الأنبياء. وقيل: علماء الأمم. وقيل: مؤمنو هذه الأمة، ولا مانع من الحمل على الجميع. ومعنى في كتاب الله: في علمه وقضائه. قال الزجاج: في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ. قال الواحدي: والمفسرون حملوا هذا على التقديم والتأخير على تقدير: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله، وكان ردّ الذين أوتوا العلم عليهم باليمين للتأكيد، أو للمقابلة لليمين باليمين، ثم نبهوهم على طريقة التبكيت بأن {هَـٰذَا } الوقت الذي صاروا فيه هو {يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } أنه حق، بل كنتم تستعجلونه تكذيباً واستهزاء. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ } أي لا ينفعهم الاعتذار يومئذ ولا يفيدهم علمهم بالقيامة. وقيل: لما ردّ عليهم المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا. قرأ الجمهور: {لا تنفع} بالفوقية، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتحتية {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } يقال: استعتبته فأعتبني، أي استرضيته، فأرضاني، وذلك إذا كنت جانياً عليه، وحقيقة أعتبته أزلت عتبه، والمعنى: أنهم لا يدعون إلى إزالة عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إلى ذلك في الدنيا. {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلّ مَثَلٍ } أي من كلّ مثل من الأمثال التي تدلهم على توحيد الله وصدق رسله واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على بطلان الشرك {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِـئَايَةٍ } من آيات القرآن الناطقة بذلك، أو لئن جئتهم بآية كالعصا واليد {لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ } أي ما أنت يا محمد وأصحابك إلاّ مبطلون أصحاب أباطيل تتبعون السحر وما هو مشاكل له في البطلان {كَذٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } أي مثل ذلك الطبع يطبع الله على قلوب الفاقدين للعلم النافع الذي يهتدون به إلى الحق، وينجون به من الباطل. ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر معللاً لذلك بحقية وعد الله وعدم الخلف فيه، فقال: {فَٱصْبِرْ } على ما تسمعه منهم من الأذى وتنظره من الأفعال الكفرية فإن الله قد وعدك بالنصر عليهم وإعلاء حجتك وإظهار دعوتك ووعده حق لا خلف فيه {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ } أي لا يحملنك على الخفة، ويستفزنك عن دينك، وما أنت عليه، الذين لا يوقنون بالله، ولا يصدقون أنبياءه، ولا يؤمنون بكتبه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، يقال: استخف فلان فلاناً، أي استجهله حتى حمله على اتباعه في الغيّ. قرأ الجمهور: {يستخفنك} بالخاء المعجمة والفاء، وقرأ يعقوب وابن أبي إسحاق بحاء مهملة وقاف من الاستحقاق، والنهي في الآية من باب: لا أرينك هاهنا. وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مامن مسلم يردّ عن عرض أخيه إلاّ كان حقاً على الله أن يردّ عنه نار جهنم يوم القيامة»تفسير : ، ثم تلا: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ }. وهو من طريق شهر بن حوشب عن أمّ الدرداء عن أبي الدرداء. وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عنه في قوله: {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً } قال: قطعاً بعضها فوق بعض {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ } قال: المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } قال: من بينه. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاء } في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بدر، والإسناد ضعيف. والمشهور في الصحيحين وغيرهما أن عائشة استدلت بهذه الآية على ردّ رواية من روى من الصحابة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أهل قليب بدر، وهو من الاستدلال بالعام على ردّ الخاص، فقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إنك تنادي أجساداً بالية: «حديث : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»تفسير : وفي مسلم من حديث أنس: أن عمر بن الخطاب لما سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يناديهم، فقال: يا رسول الله، تناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ يقول الله: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ }، فقال: «حديث : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا».

ابن عبد السلام

تفسير : {نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} الأنبياء بإجابة دعائهم على مكذبيهم، أو نصرهم بإيجاب الذَّب عن أعراضهم.

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءوهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } أي فآمن بهم قوم وكفر بهم قوم، ويدل على هذا الإضمار قوله {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } أي كفروا بالإهلاك في الدنيا {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } أي وكان نصر المؤمنين حقاً علينا بإنجائهم مع الرسل. وقد يوقف على {حقاً} ومعناه وكان الانتقام منهم حقاً ثم يبدأ {علينا نصر المؤمنين} والأول أصح {ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ } {الريح} مكي {فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ } أي السحاب {فِى ٱلسَّمَاء } أي في سمت السماء وشقها كقوله {أية : وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَاء} تفسير : [إبراهيم: 24] {كَيْفَ يَشَاء } من ناحية الشمال أو الجنوب أو الدبور أو الصبا {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً } قطعاً جمع كسفة أي يجعله منبسطاً يأخذ وجه السماء مرة ويجعله قطعاً متفرقة غير منبسطة مرة. {كسفا} يزيد وابن ذكوان {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ } المطر {يَخْرُجُ } في التارتين جميعاً {مِنْ خِلاَلِهِ } وسطه {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ } بالودق {مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } يريد إصابة بلادهم وأراضيهم {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } المطر {مِن قَبْلِهِ } كرر للتأكيد كقوله: {أية : فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا }تفسير : [الحشر: 17] ومعنى التوكيد فيها الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم بأسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك {لَمُبْلِسِينَ } آيسين {فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءاثَـٰرِ } شامي وكوفي غير أبي بكر. وغيرهم {أَثَرِ } {رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } أي المطر {كَيْفَ يُحْيىِ ٱلأَرْضِ } بالنبات وأنواع الثمار {بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ } أي الله {لمحيي الموتى} يعني أن ذلك القادر الذي يحيـــــي الأرض بعد موتها هو الذي يحيـــــي الناس بعد موتهم، فهذا استدلال بإحياء الموات على إحياء الأموات {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } أي وهو على كل شيء من المقدورات قادر وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏"‏حديث : ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة‏. ثم تلا ‏{‏وكان حقاً علينا نصر المؤمنين‏}‏ ‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ} كما أرسلناك إلى قومِك {فَجَاؤُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي جاء كلُّ رسول قومَه بما يخصُّه من البـيِّنات كما جئتَ قومَك ببـيِّناتك. والفاءُ في قولِه تعالى: {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} فصيحةٌ، أي فكذَّبُوهم فانتقمنَا منهم وإنَّما وضعَ موضعَ ضميرِهم الموصولُ للتنبـيه على مكانِ المحذوفِ والإشعارِ بكونِه علَّةً للانتقامِ وفي قوله تعالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} مزيدُ تشريفٍ وتكرمةٍ للمؤمنينَ حيثُ جُعلوا مستحقِّين على الله تعالى أنْ ينصرَهم، وإشعارٌ بأنَّ الانتقامَ من الكفرةِ لأجلهِ وقد يُوقف على حقَّاً على أنَّه متعلق بالانتقامِ، ولعلَّ توسيط الآيةِ الكريمةِ بطريقِ الاعتراضِ بـين ما سبقَ وما لحقَ من أحوالِ الرِّياحِ وأحكامِها لإنذارِ الكَفَرةِ وتحذيرِهم عن الإخلالِ بمواجبِ الشُّكرِ المطلوبِ بقولِه تعالى لعلَّكم تشكرُون بمقابلةِ النعمِ المعدودةِ المنوطةِ بإرسالِها كيلا يحلَّ بهم مثلُ ما حلَّ بأولئك الأممِ من الانتقامِ. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ} استئنافٌ مسوقٌ لبـيانِ ما أُجمل فيما سبقَ من أحوالِ الرِّياحِ {فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ} متصلاً تارةً {فِى ٱلسَّمَاء} في جوِّها {كَيْفَ يَشَاء} سائراً وواقفاً مُطبقاً وغيرَ مطبقٍ من جانبٍ دون جانبٍ إلى غيرِ ذلك. {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} تارةً أُخرى أي قِطعاً. وقُرىء بسكونِ السِّينِ على أنَّه مخففٌ، جمعُ كِسْفة أو مصدرٌ وصفَ به {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} المطرَ {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} في التارتين. {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} أي بلادَهم وأراضيَهم {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} فاجؤا الاستبشارَ بمجيء الخِصْبِ {وَإِن كَانُواْ} إنْ مخففة من إنَّ وضميرُ الشَّأنِ الذي هُو اسمُها محذوفٌ أي وإنَّ الشَّأنَ كانَوا {مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} أي المطرُ {مِن قَبْلِهِ} تكريرٌ للتَّأكيدِ والإيذانِ بطولِ عهدِهم بالمطرِ واستحكامِ يأسِهم منه، وقيل الضَّميرُ للمطرِ أو السَّحابِ أو الإرسالِ وقيل: للكسف على القراءةِ بالسكون وليس بواضحٍ وأقربُ من ذلك أنْ يكونَ الضَّميرُ للاستبشارِ، ومن متعلقة بـينزل لتفيد سرعةَ تقَلبِ قلوبِهم من اليأسِ إلى الاستبشار بالإشارةِ إلى غايةِ تقاربِ زمانيهما ببـيانِ اتصالِ اليأسِ بالتنزيلِ المتصلِ بالاستبشارِ وبشهادةِ إذا الفجائية {لَمُبْلِسِينَ} خبرُ كانُوا، واللامُ فارقةٌ، أي آيسينَ {فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ} المترتبةِ على تنزيلِ المطرِ من النباتِ والأشجارِ وأنواعِ الثمارِ. والفاءُ للدِّلالةِ على سرعةِ ترتبها عليهِ. وقُرىء أثرِ بالتوَّحيدِ. وقولُه تعالى: {كَيْفَ يُحْيي} أي الله تعالى {ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} في حيِّزِ النِّصبِ بنزعِ الخافضِ. وكيفَ معلِّقٌ لانظرْ أي فانظُرْ إلى إحيائِه البديعِ للأرضِ بعد موتِها وقيلَ: على الحاليَّةِ بالتَّأويلِ وأيَّاً ما كان فالمُرادُ بالأمرِ بالنَّظرِ التنبـيهُ عَلَى عظمِ قُدرتِه تعالى وسَعَةِ رحمتِه مع ما فيه من التَّمهيدِ لما يعقبُه مِنْ أمرِ البعثِ، وقُرىء تُحيـي بالتَّأنيثِ على الإسنادِ إلى ضميرِ الرَّحمةِ {إِنَّ ذٰلِكَ} العظيمَ الشَّأنِ الذي ذُكر بعضُ شؤونه {لَمُحْيِى ٱلْمَوْتَى} لقادرٌ على إحيائِهم فإنَّه إحداثٌ لمثلِ ما كانَ في موادِّ أبدانِهم من القُوى الحَيَوانيَّةِ كما أنَّ إحياءَ الأرضِ إحداثٌ لمثلِ ما كانَ فيها منَ القُوى النباتيَّةِ أو لمحيـيهم ألبتةَ. وقولُه تعالى {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} تذيـيلٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبلَه أي مبالغٌ في القُدرةِ على جميعِ الأشياءِ التي من جملتها إحياؤُهم لما أنَّ نسبةَ قُدرتِه إلى الكُلِّ سواءٌ.

القشيري

تفسير : أرسلنا من قبلك رسلاً إلى عبادنا، فَمَنْ قابلهم بالتصديق وصل إلى خلاصة التحقيق، ومَنْ عارضَهم بالجحود أذقناهم عذابَ الخلود، فانتقمنا من الذين أجرموا، وأخذناهم من حيث لم يحتسبوا، وشَوَّشْنا عليهم ما أَمَّلوا، ونقضنا عليهم ما استطابوا وتَنَعَّموا، وأخذنا بخناقهم فحاق بهم ما مكروا. {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} بتوطئتهم بأعقاب أعدائهم، ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى رقيناهم فوق رقابهم، وخرَّبنا أوطانَ أعدائهم، وهدَّمنا بنيانهم، وأخمدنا نيرانَهم، وعَطَّلْنا عنهم ديارَهم، ومَحَوْنا بقَهْرِ التدمير آثارَهم، فظَلَّتْ شموسهُم كاسفة، ومكيدةُ قَهْرِنا لهم بأجمعهم خاسفة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا الى قومهم} كما ارسلناك الى قومك {فجاؤهم بالبينات} الباء تصلح للتعدية والملابسة اى جاء كل رسول قومه بما يخصه من الدلائل الواضحة على صدقه فى دعوى الرسالة كما جئت قومك بالبراهين النيرة {فانتقمنا من الذين اجرموا} النقمة العقوبة ومنها الانتقام وهو بالفارسية [كينه كشيدن] والفاء فصيحة اى فكذبوهم فانتقمنا من الذين اجرموا من الجرم وهو تكذيب الانبياء والاصرار عليه اى عاقبناهم واهلكناهم وانما وضع الموصول موضع ضميرهم للتنبيه على مكان المحذوف وللاشعار بكونه علة للانتقام {وكان حقا} [سزاوار] {علينا} قال بعضهم واجبا وجوب كرم لا وجوب الزام. وفى الوسيط واجبا وجوباهو اوجبه على نفسه. وفى كشف الاسرار هذه كما يقال علىّ قصد هذا الامر اى انا افعله وحقا خبر كان واسمه قوله {نصر المؤمنين} وانجاؤهم من شر اعدائهم ومما اصابهم من العذاب نصر عزيز وانجاء عظيم. وفيه اشعار بان الانتقام للمؤمنين واظهار لكرامتهم حيث جعلوا مستحقين على الله ان ينصرهم وفى الحديث "حديث : ما من امرئ مسلم يرد عن عرض اخيه الا كان حقا على الله ان يرد عنه نار جهنم" تفسير : ثم تلا قوله تعالى {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} ـ حكى ـ عن الشيخ ابى على الرودبارى قدس سره انه ورد عليه جماعة من الفقراء فاعتل واحد وبقى فى علته اياما فمل اصحابه من خدمته وشكوا ذلك الى الشيخ ابى على ذات يوم فخالف الشيخ نفسه وحلف ان لا يتولى خدمته غيره فتولى خدمته بنفسه اياما ثم مات ذلك الفقير فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه فلما اراد ان يفتح رأس كفنه عند اضجاعه فى القبر رآه وعيناه مفتوحتان اليه وقال له يا ابا على لا نصرنك بجاهى يوم القيامة كما نصرتنى فى مخالفتك نفسك. ففى القصة امور. الاول ان احباب الله احياء فى الحقيقة وان ماتوا وانما ينقلون من دار الى دار. والثانى ما اشار اليه النبى عليه السلام بقوله "حديث : اتخذوا الايادى عند الفقراء قبل ان تجيئ دولتهم فاذا كان يوم القيامة يجمع الله الفقراء والمساكين فيقال تصفحوا الوجوه فكل من اطعمكم لقمة او سقاكم شربة او كساكم خرقة او دفع عنكم غيبة فخذوا بيده وادخلوه الجنة"تفسير : . والثالث ان الشفاعة من باب النصرة الالهية. وفى الآية تبشير للنبىعليه السلام بالظفر فى العاقبة والنصر على من كذبه وتنبيه للمؤمنين على ان العاقبة لهم لانهم هم المتقون وقد قال تعالى {أية : والعاقبة للمتقين} شعر : سروش عالم غيبم بشارتى خوش داد كه كس هميشه بكيتى دزم نخواهد ماند تفسير : وفى التأويلات النجمية قوله {ولقد ارسلنا من قبلك رسلا الى قومهم} يشير به الى المتقدمين من المشايخ المنصوبين لتربية قومهم من المريدين ودلالتهم بالتسليك الى حضرة رب العالمين {فجاؤهم بالبينات} على لسان التحقيق فى بيان الطريق لاهل التصديق فمن قابلهم بالتصديق وصل الى خلاصة التحقيق ومن عارضهم بالانكار والجحود ابتلاهم بعذاب الخلود فى الابعاد والجمود وذلك قوله {فانتقمنا من الذين اجرموا} اى انكروا {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} المتقربين الينا بان ننصرهم بتقربنا اليهم انتهى اللهم اجعلنا من المنصورين مطلقا ووجهنا الى نحو بابك صدقا وحقا انك انت الناصر المعين ومحول القلوب الى جانب اليقين

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (حقاً): خبر "كان"، و(نصر): اسمها. أو: (حقاً): خبر "كان"، واسمها: ضمير الانتقام، فيوقف عليه، و(علينا نصر): مبتدأ وخبر. يقول الحق جل جلاله: {ولقد أرسلنا مِن قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءهم بالبينات}؛ بالمعجزات البينات الواضحات، فكذبوهم؛ {فانتقمنا من الذين أجرموا} بالتدمير، {وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين} أي: وكان نصر المؤمنين، بإنجائهم من العذاب، حقاً واجباً علينا بإنجاز وعدنا؛ إحساناً. أو: وكان الانتقام من المجرمين حقاً لا شك فيه، ثم علينا، من جهة الإحسان، نصر المؤمنين. قال البيضاوي: فيه إشعار بأن الانتقام لهم - أي: من عدوهم - إظهار لكرامتهم، حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم. وعنه. صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ يردّ عن عِرْضِ أَخِيه، إلا كان حقاً على الله أن يردّ عنْه نارَ جهنم" تفسير : ، ثم تلا الآية. أي: {وكان حقاً علينا..} إلخ. الإشارة: هكذا جرت سُنَّة الله تعالى، مع خواصه، أن ينتقم ممن آذاهم، ولو بعد حين. وقد يكون الانتقام باطناً، بنقص الإيمان وقساوة القلب، وهو أقبح. قال القشيري: فانتقمنا من الذين أجرموا، وأخذناهم من حيث لا يحتسبوا، وشَوَّشْنا عليهم ما أمَّلوا؛ ونقصنا عليهم ما استطابوا وتَنَعَّموا. {وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين}. وَطِئَهُمْ أَعْدَاؤُهُمْ بأعقابهم فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى رَقَّيْنَاهُمْ فوق رقابهم، وخرَّبنا أوطانهم، وهدَّمنا بنيانهم، وأخمدنا نيرانهم، وعَطَّلْنا عليهم ديارَهم، ومحونا، بقهْر التدمير، آثارَهم، فظَلتْ شموسُهم كاسفة، ومكيدةُ قهْرنا لهم، بأجمعهم، خاسفة. هـ. ثم برهن على ذلك، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ...}

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} كما أرسلناك الى قومك فجئتهم بالبيّنات فكذّب الاقوام رسلهم كما كذّبك قومك {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ} من اقوام الرّسل فليحذر قومك من تكذيبك ومن انتقامنا، واصبر انت والمؤمنون على اذاهم فانّا ننصركم وننتقم من المجرمين {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} ومن كان حقّاً على الله ان ينصره على عدوّه فلا يحزن من معاداة احدٍ وهو تسلية تامّة للمؤمنين وتقوية لقلوبهم وتفخيم لشأنهم من حيث انّه تعالى جعلهم ذوى حقّ عليه؛ عن النّبىّ (ص): حديث : ما من امرءٍ مسلمٍ يردّ عن عرض اخيه الاّ كان حقّاً على الله ان يردّ عنه نار جهنّم يوم القيامة تفسير : ثمّ قرأ: وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين، وعن الصّادق (ع) قال: حسب المؤمن نصره ان يرى عدوّه يعمل بمعاصى الله.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالبَيِّنَاتِ} فكذبوهم. {فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} كذبوا مقتضى الظاهر فانتقمنا منهم واقيم الظاهر مقام المضمر اشعارا بأن الاجرام سبب الانتقام والاصل فانتقمنا من الذين اجرموا منهم. {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ} بالانتقام من اعدائهم وهذه بشارة للنبي صلى الله عليه سلم والمؤمنين بأن ينصرهم كما نصر من قبله على المكذبين قيل: بواسطة الدعاء وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من امرء مسلم يرد عن عرض أخيه إِلا كان حقا على الله أَن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة تلا {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ} ورواه ابو الدرداء إلا رد الله عن وجهه النار يوم القيامة "تفسير : ولم يذكر انه تلا الآية وحقا خبر كان ونصر اسمه وعلينا متعلق بحقا او نعمت له او خبر ثان ويجوز كون اسم كان ضمير الانتقام وحقا خبره فيوقف عليه وعلينا نصر مبتدأ وخبره.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ } اعتراض لتسليته صلى الله عليه وسلم بمن قبله على وجه يتضمن الوعد له عليه الصلاة والسلام والوعيد لمن عصاه، وفي ذلك أيضاً تحذير عن الإخلال بمواجب الشكر. والمراد بقومهم أقوامهم والإفراد للاختصار حيث لا لبس والمعنى ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى أقوامهم كما أرسلناك إلى قومك {فَجَاءوهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } أي جاء كل قوم رسولهم بما يخصه من البينات كما جئت قومك ببيناتك {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ } الفاء فصيحة أي فآمن بعض وكذب بعض فانتقمنا، وقيل: أي فكذبوهم فانتقمنا منهم ووضع الموصول موضع ضميرهم للإشعار بالعلة والتنبيه على مكان المحذوف، وجوز أن تكون تفصيلاً للعموم بأن فيهم مجرماً مقهوراً ومؤمناً منصوراً {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } فيه مزيد تشريف وتكرمة للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم وإشعار بأن الانتقام لأجلهم، والمراد بهم ما يشمل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وجوز تخصيص ذلك بالرسل بجعل التعريف عهدياً. وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا، وفي بعض الآثار ما يشعر بعدم اختصاصه بها وأنه عام لجميع المؤمنين فيشمل من بعد الرسل من الأمة. أخرج ابن أبـي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبـي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا عليه الصلاة والسلام {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}»تفسير : وفي هذا إشعار بأن {حَقّاً } خبر كان و{نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الاسم كما هو الظاهر، وإنما أخر الاسم لكون ما تعلق به فاصلة وللاهتمام بالخبر إذ هو محط الفائدة على ما في «البحر». قال ابن عطية: ووقف بعض القراء على {حَقّاً } على أن اسم كان ضمير الانتقام أي وكان الانتقام حقاً وعدلاً لا ظلماً، ورجوعه إليه على حد {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة: 8] و {عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } جملة مستأنفة وهو خلاف الظاهر المؤيد بالخبر وإن لم يكن فيه محذور من حيث المعنى.

ابن عاشور

تفسير : هذه جملة معترضة مستطرَدة أثارها ذكر سير الفلك في عداد النعم فعُقب ذلك بما كان سير الفلك فيه تذكير بنقمة الطوفان لقوم نوح، وبجعل الله الفلكَ لنجاة نوح وصالحي قومه من نقمة الطوفان، فأريد تحذير المكذبين من قريش أن يصيبهم ما أصاب المكذبين قبلهم، وكان في تلك النقمة نصر المؤمنين، أي نصر الرسل وأتباعهم؛ ألا ترى إلى حكاية قول نوح: {أية : ربّ انصرني بما كذبون} تفسير : في سورة المؤمنين (26)، وقوله تعالى هنا: {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}. والواو اعتراضية وليست للعطف. والانتقام: افتعال من النَّقْم وهو الكراهية والغضب، وفعله كضرب وعلم قال تعالى {أية : وما تنقِم منا} تفسير : [الأعراف: 126]. وفي المثل: "مثَله كمثل الأرقم إن يُقتل يَنقَم ــــ بفتح القاف ــــ وإن يترك يَلْقم". والانتقام: العقوبة لمن يفعل ما لا يرضي كأنه صيغ منه الافتعال للدلالة على حصول أثر النقم، وقد تقدم عند قوله تعالى: {وما تنقم منا} وقوله {أية : فانتقمنا منهم} تفسير : في سورة الأعراف (136). وكلمة {حقاً علينا} من صيغ الالتزام، قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {أية : حقيقٌ عليّ أن لا أقول على الله إلاَّ الحق}تفسير : [الأعراف: 105]، وهو محقوق بكذا، أي: لازم له، قال الأعشى:شعر : لمحقوقة أن تستجيبي لصوته تفسير : فإن وعد الصادق حق. قال تعالى: {أية : وعداً علينا إنّا كُنّا فاعلين}تفسير : [الأنبياء: 104]. وقد اختصر طريق الإفصاح عن هذا الغرض أعني غرض الوعد بالنصر والوعيد له فأُدرج تحت ذكر النصر معنَى الانتصار، وأدرج ذكر الفريقين: فريق المصدقين الموعود، وفريق المكذبين المتوعَّد، وقد أُخلي الكلام أولاً عن ذكرهما. وعن أبي بكر شعبة راوي عاصم أنه كان يقف على قوله {حَقّاً} فيكون في {كان} ضمير يعود على الانتقام، أي وكان الانتقامُ من المجرمين حقاً، أي: عدلاً، ثم يستأنف بقوله {علينا نصرُ المؤمنين} وكأنه أراد التخلص من إيهام أن يكون للعباد حق على الله إيجاباً فراراً من مذهب الاعتزال وهو غير لازم كما علمت. قال ابن عطية: وهو وقف ضعيف، وكذلك قال الكواشي عن أبي حاتم.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (47) - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا، يَا مُحَمَّدُ، قَبْلَكَ رُسُلاً إِلى أَقْوامِهِمْ بالدَّلاَئلِ الوَاضِحَاتِ عَلَى أَنَّهُمْ رُسُلُ اللهِ، وأَنَّهُمْ مُرْسَلُونَ إِليهمْ لدَعْوَتِهِمْ إِلى عبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، فَكَذَّبَتِ الأَقْوامُ رُسُلَها، فانتَقَمْنا مِنَ الكَافِرينَ الذينَ اجْتَرَحُوا السِّيِّئاتِ، وَنجَّينا الذينَ آمنُوا باللهِ، واسْتَجَابُوا لدَعْوةِ رُسُلِهِ وقدْ أَوْجَبنا عَلَى أَنْفُسِنا نَصرَ المُؤْمِنينَ، وَكَذَلِكَ نَفْعَلُ، فَلاَ تَبْتَئِسْ يَا مُحَمَّدُ لما تَرَاهُ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْمِكَ لَكَ، وَمِنْ إِيذَائِهِمْ إِيَّاكَ، فَسَنَنْصُرُكَ عَليهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: يا محمد، إنْ كنتَ تعبت في الدعوة، ولقيت من صناديد قريش عنتاً وعناداً وإيذاءً ومكراً وتبييتاً، فنحن مع ذلك نصرناك، وخُذْ لك أسوة في إخوانك من الرسل السابقين، فقد تعرَّضوا لمثل ما تعرضتَ له، فهل أسلمنا رسولنا لأعدائه؟ إذن: اطمئن، فلن ينال هؤلاء منك شيئاً. ومعنى {فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ..} [الروم: 47] أي: الآيات الواضحات التي تثبت صدقهم في البلاغ عن الله، ومع ذلك لم يؤمنوا وكذَّبوا {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ ..} [الروم: 47] وهنا إيجاز لأمر يُفهم من السياق، فلم يقُل القرآن أنهم كذبوا، إنما جاء بعاقبة التكذيب {فَٱنتَقَمْنَا ..} [الروم: 47]. وهذا الإيجاز واضح في قصة هدهد سليمان، في قوله تعالى: {أية : ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} تفسير : [النمل: 28] ثم أتبعها مباشرة: {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 29] وحذف ما بين العبارتين من أحداث تُفهَم من السياق، وهذا مظهر من مظاهر بلاغة القرآن الكريم. وتكذيب الأمم السابقة للآيات التي جاءتهم على أيدي الرسل دليل على أنهم أهل فساد، ويريدون أن ينتفعوا بهذا الفساد، فشيء طبيعي أنْ يعاندوا الرسل الذين جاءوا للقضاء على هذا الفساد، وأنْ يضطهدوهم، فيغار الله تعالى على رسله {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ ..} [الروم: 47]. ثم يقرر هذه القضية: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} [الروم: 47] وما كان الله تعالى ليرسل رسولاً، ثم يُسلِمه لأعدائه، أو يتخلى عنه؛ لذلك قال سبحانه في موضع آخر: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. وسبق أنْ قُلْنا: لا ينبغي أن تبحث في هذه الجندية: أصادق هذا الجندي في الدفاع عن الإسلام أم غير صادق؟ إنما انظر في النتائج، إنْ كانت له الغلبة فاعلم أن طاقة الإيمان فيه كانت مخلصة، وإنْ كانت الأخرى فعليه هو أن يراجع نفسه ويبحث عن معنى الانهزام الذي كان ضد الإسلام في نفسه، لأنه لو كان من جُنْد الله بحق لتحقق فيه {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173] ولا يُغلب جند الله إلا حين تنحلّ عنهم صفة من صفات الجندية. وتأمل مثلاً ما حدث في غزوة أحد، حيث انهزم المسلمون - وإنْ كانت كلمة الهزيمة هنا ليست على سبيل التحقيق لأن المعركة كانت سجالاً، وقد انتصروا في أولها، لكن النهاية لم تكُنْ في صالحهم؛ لأن الرماة خالفوا أمر رسول الله، والهزيمة بعد هذه المخالفة أمر طبيعي. وهل كان يسرُّك أيها المسلم أنْ ينتصر المسلمون بعد مخالفتهم أمر رسولهم؟ والله لو انتصروا مع مخالفتهم لأمر رسولهم لهانَ كل أمر لرسول الله بعدها، ولقالوا: لقد خالفنا أمره وانتصرنا. إذاً فمعنى ذلك أن المسلمين لم ينهزموا، إنما انهزمت الانهزامية فيهم، وانتصر الإسلام بصِدْق مبادئه. كذلك في يوم حنين الذي يقول الله فيه {أية : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 25] حتى أن الصِّديق نفسه يقول: لن نُغلَب اليوم عن قلة، فبدأت المسألة بالهزيمة، لكن الأمر كما تقول (صعبوا على ربنا) فأنزل السكينة عليهم، وشاء سبحانه أن يسامحهم في هذه الزلَّة مراعاة لخاطر أبي بكر. فقوله تعالى {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} [الروم: 47] نعم، نصر المؤمنين حَقٌّ على الله، أوجبه سبحانه على نفسه، فهو تفضُّل منه سبحانه، كما يتفضل الموصِي بماله على الموصَى له. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ } في الأمم السابقين { رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ } حين جحدوا توحيد اللّه وكذبوا بالحق فجاءتهم رسلهم يدعونهم إلى التوحيد والإخلاص والتصديق بالحق وبطلان ما هم عليه من الكفر والضلال، وجاءوهم بالبينات والأدلة على ذلك فلم يؤمنوا ولم يزولوا عن غيهم، { فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا } ونصرنا المؤمنين أتباع الرسل. { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } أي: أوجبنا ذلك على أنفسنا وجعلناه من جملة الحقوق المتعينة ووعدناهم به فلا بد من وقوعه. فأنتم أيها المكذبون لمحمد صلى اللّه عليه وسلم إن بقيتم على تكذيبكم حلَّت بكم العقوبة ونصرناه عليكم.