Verse. 3457 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

اَللہُ الَّذِيْ يُرْسِلُ الرِّيٰحَ فَتُثِيْرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُہٗ فِي السَّمَاۗءِ كَيْفَ يَشَاۗءُ وَيَجْعَلُہٗ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلٰلِہٖ۝۰ۚ فَاِذَاۗ اَصَابَ بِہٖ مَنْ يَّشَاۗءُ مِنْ عِبَادِہٖۗ اِذَا ہُمْ يَسْتَبْشِرُوْنَ۝۴۸ۚ
Allahu allathee yursilu alrriyaha fatutheeru sahaban fayabsutuhu fee alssamai kayfa yashao wayajAAaluhu kisafan fatara alwadqa yakhruju min khilalihi faitha asaba bihi man yashao min AAibadihi itha hum yastabshiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا» تزعجه «فيبسطه في السماء كيف يشاء» من قلة وكثرة «ويجعله كسفا» بفتح السين وسكونها قطعا متفرقة «فترى الودق» المطر «يخرج من خلاله» أي وسطه «فإذا أصاب به» بالودق «من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون» يفرحون بالمطر.

48

Tafseer

الرازي

تفسير : بين دلائل الرياح على التفصيل الأول في إرسالها قدرة وحكمة. أما القدرة فظاهرة فإن الهواء اللطيف الذي يشقه الودق يصير بحيث يقلع الشجر وهو ليس بذاته كذلك فهو بفعل فاعل مختار، وأما الحكمة ففي نفس الهبوب فيما يفضي إليه من إثارة السحب، ثم ذكر أنواع السحب فمنه ما يكون متصلاً ومنه ما يكون منقطعاً، ثم المطر يخرج منه والماء في الهواء أعجب علامة للقدرة، وما يفضي إليه من إنبات الزرع وإدرار الضرع حكمة بالغة، ثم إنه لا يعم بل يختص به قوم دون قوم وهو علامة المشيئة. وقوله تعالى: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مّن قَبْلِهِ } اختلف المفسرون فيه، فقال بعضهم هو تأكيد كما في قوله تعالى: { أية : فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } تفسير : [الحشر:17] وقال بعضهم من قبل التنزيل من قبل المطر، والأولى أن يقال من قبل أن ينزل عليهم من قبله، أي من قبل إرسال الرياح، وذلك لأن بعد الإرسال يعرف الخبير أن الريح فيها مطر أو ليس، فقبل المطر إذا هبت الريح لا يكون مبلساً، فلما قال من قبل أن ينزل عليهم لم يقل إنهم كانوا مبلسين، لأن من قبله قد يكون راجباً غالباً على ظنه المطر برؤية السحب وهبوب الرياح فقال من قبله، أي من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب، ثم لما فصل قال: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } لما ذكر الدلائل قال لمحيي باللام المؤكدة وباسم الفاعل، فإن الإنسان إذا قال إن الملك يعطيك لا يفيد ما يفيد قوله إنه معطيك، لأن الثاني يفيد أنه أعطاك فكان وهو معط متصفاً بالعطاء، والأول يفيد أنه سيتصف به ويتبين هذا بقوله إنك ميت فإنه آكد من قوله إنك تموت {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تأكيد لما يفيد الاعتراف.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} قرأ ابن محيصِن وابن كثير وحمزة والكسائي: «الريح» بالتوحيد. والباقون بالجمع. قال أبو عمرو: وكل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد. وقد مضى في «البقرة» معنى هذه الآية وفي غيرها. «كِسَفاً» جمع كِسْفة وهي القطعة. وفي قراءة الحسن وأبي جعفر وعبد الرحمن الأعرج وابن عامر «كِسْفاً» بإسكان السين، وهي أيضاً جمع كسفة؛ كما يقال: سِدْرة وسِدْر؛ وعلى هذه القراءة يكون المضمر الذي بعده عائداً عليه؛ أي فترى الودق أي المطر يخرج من خلال الكسف؛ لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء لا غير فالتذكير فيه حَسَن. ومن قرأ: «كِسَفاً» فالمضمر عنده عائد على السحاب. وفي قراءة الضحاك وأبي العالية وابن عباس: «فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ» ويجوز أن يكون خَلَل جمع خِلال. {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ} أي بالمطر. {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} يفرحون بنزول المطر عليهم. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} أي يائسين مكتئبين قد ظهر الحزن عليهم لاحتباس المطر عنهم. و«مِنْ قَبْلِهِ» تكرير عند الأخفش معناه التأكيد؛ وأكثر النحويين على هذا القول؛ قاله النحاس. وقال قُطْرُب: إن «قبل» الأولى للإنزال والثانية للمطر؛ أي وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. وقيل: المعنى من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع، ودلّ على الزرع المطر إذ بسببه يكون. ودلّ عليه أيضاً «فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا» على ما يأتي. وقيل: المعنى من قبل السحاب من قبل رؤيته؛ واختار هذا القول النحاس، أي من قبل رؤية السحاب {لَمُبْلِسِينَ } أي ليائسين. وقد تقدم ذكر السحاب.

ابن كثير

تفسير : يبين تعالى كيف يخلق السحاب الذي ينزل منه الماء، فقال تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} إما من البحر؛ كما ذكره غير واحد، أو مما يشاء الله عز وجل، {فَيَبْسُطُهُ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ} أي: يمده فيكثره وينميه، ويجعل من القليل كثيراً، ينشىء سحابة ترى في رأي العين مثل الترس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق، وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالاً مملوءة؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف: 57] وكذلك قال ههنا: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} قال مجاهد وأبو عمرو بن العلاء ومطر الوراق وقتادة: يعني: قطعاً. وقال غيره: متراكماً؛ كما قاله الضحاك. وقال غيره: أسود من كثرة الماء، تراه مدلهماً ثقيلاً قريباً من الأرض. وقوله تعالى: {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي: فترى المطر، وهو القطر، يخرج من بين ذلك السحاب، {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي: لحاجتهم إليه يفرحون بنزوله عليهم ووصوله إليهم. وقوله تعالى: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} معنى الكلام: أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر، كانوا قنطين أزلين من نزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما جاءهم، جاءهم على فاقة، فوقع منهم موقعاً عظيماً، وقد اختلف النحاة في قوله: {مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} فقال ابن جرير: هو تأكيد، وحكاه عن بعض أهل العربية. وقال آخرون: من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبله، أي: الإنزال، لمبلسين، ويحتمل أن يكون ذلك من دلالة التأسيس، ويكون معنى الكلام: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن قبله أيضاً قد فات عندهم نزوله وقتاً بعد وقت، فترقبوه في إبانه، فتأخر، ثم مضت مدة فترقبوه فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فبعدما كانت أرضهم مقشعرة هامدة، أصبحت وقد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثَـٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ} يعني: المطر {كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} ثم نبه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي: إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} ثم قال تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} يقول تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا} يابسة على الزرع الذي زرعوه ونبت وشب واستوى على سوقه، فرأوه مصفراً، أي: قد أصفر وشرع في الفساد، لظلوا من بعده، أي: بعد هذا الحال، يكفرون، أي: يجحدون ما تقدم إليهم من النعم؛ كقوله تعالى: {أية : أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} تفسير : [الواقعة: 63 ــــ 67]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأما العذاب: فالعقيم والصرصر، وهما في البر، والعاصف والقاصف، وهما في البحر فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة الرحمة، فجعله رخاء ورحمة، وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحاً للسحاب تلقحه بحمله الماء؛ كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حركه بحركة العذاب فجعله عقيماً، وأودعه عذاباً أليماً، وجعله نقمة على من يشاء من عباده، فجعله صرصراً وعاتياً ومفسداً لما يمر عليه، والرياح مختلفة في مهابّها: صَبا ودَبور، وجَنوب وشَمال، وفي منفعتها وتأثيرها أعظم اختلاف، فريح لينة رطبة تغذي النبات وأبدان الحيوان، وأخرى تجففه، وأخرى تهلكه وتعطبه، وأخرى تسيره وتصلبه، وأخرى توهنه وتضعفه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عياش، حدثني عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : الريح مسخرة من الثانية ــــ يعني: الأرض الثانية ــــ فلما أراد أن يهلك عاداً، أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً تهلك عاداً، فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور، قال له الجبار تبارك وتعالى: لا، إذاً تكفأ الأرض وما عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه: {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ}تفسير : هذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً } تزعجه {فَيَبْسُطُهُ فِى ٱلسَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ } من قلة وكثرة {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً } بفتح السين وسكونها قطعاً متفرقة {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ } المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } أي وسطه {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ } بالودق {مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون بالمطر.

الماوردي

تفسير : قوله: {... وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: قطعاً، قاله قتادة. الثاني: متراكماً بعضه على بعض، قاله يحيى بن سلام. الثالث: في سماء دون سماء، قاله الضحاك. {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي من خلال السحاب. وقرأ الضحاك بن مزاحم: من خلله، وفي {الْوَدْقَ} تأويلان: أحدهما: أنه البرق، حكاه أبو نخيلة الحماني عن أبيه. الثاني: أنه المطر، قاله مجاهد والضحاك ومنه قول الشاعر: شعر : فلا مزنة ودقت ودْقُها ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : قوله: {فَانظُرْ إِلَى ءَآثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ} يعني المطر. {كَيْفَ يُحْيي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهآ} يعني بالماء حتى أنبتت شجراً ومرعى بعد أن كانت بالجدب مواتاً، قال عكرمة: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة. {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى} لأن القادر على إحياء الأرض الموات قادر على إحياء الأموات استدلالاً بالشاهد على الغائب. وتأول من تعمّق في غوامض المعاني آثار رحمة الله أنه مواعظ القرآن وحججه تحيي القلوب الغافلة. قوله: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً} فيه قولان: أحدهما: فرأوا السحاب مصفراً، لأن السحاب إذا كان كذلك لم يمطر، حكاه علي ابن عيسى وقيل إنها الريح الدبور لأنها لا تلقح. الثاني: فرأوا الزرع مصفراً بعد اخضراره، قاله ابن عباس وأبو عبيدة. {لَظَلُّواْ مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} ومعنى ظل هو أنه أوقع الفعل في صدر النهار وهو الوقت الذي فيه الظل، لأنه وقت مختص بأهم الأمور لتقديمه عن نّية من الليل. وكذلك قولهم أضحى يفعل، لكن قد يعبر بقولهم ظل يفعل عن فعل أول النهار وآخره اتساعاً لكثرة استعماله، وقلَّما يستعمل أضحى يفعل إلا في صدر النهار دون آخره. ويحتمل {يَكْفُرُونَ} هنا وجهين: أحدهما: يَشْكَونَ. الثاني: يذمّون.

ابن عطية

تفسير : "الإثارة" تحريكها من سكونها وتسييرها، وبسطه {في السماء} هو نشره في الآفاق، و"الكسف" القطع، وقرأ جمهور القراء "كسفاً" بفتح السين، وقرأ ابن عباس "كسفاً" بسكون السين وهي قراءة الحسن وأبي جعفر والأعرج وهما بناءان للجمع كما يقال وسدْر بسكون الدال بفتح الدال وسدَر بفتح الدال، وقال مكي: من أسكن السين فمعناه يجعل السحاب قطعة واحدة، و {الودق} الماء يمطر ومنه قول الشاعر: [المتقارب] شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : و {خلاله} الفطور الذي بين بعضه وبعض لأنه متخلخل الأجزاء، وقرأ الجمهور "من خِلاله" بكسر الخاء وألف بعد اللام جمع خلل كجبل وجبال، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك والحسن بخلاف عنه "من خلله" وهم اسم جنس، والضمير في {خلاله} يحتمل أن يعود على السحاب ويحتمل أن يعود على الكسف في قراءة من قرأ بسكون السين، وذكر الضمير مراعاة اللفظ لا لمعنى الجمع، كما تقول هذا تمر جيد ومن الشجر الأخضر ناراً، ومن قرأ "كسَفاً" بفتح السين فلا يعيد الضمير إلا على السحاب فقط، وقوله تعالى: {من قبله} تأكيد أفاد سرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار وذلك أن قوله {من قبل أن ينزل عليهم} يحتمل الفسحة في الزمان أي من قبل بكثير كالأيام ونحوه فجاء قوله {من قبله} بمعنى أن ذلك متصل بالمطر فهو تأكيد مفيد، وقرأ يعقوب وعيسى وأبو عمرو بخلاف عنه "ينزل" مخففة، وقرأت عامة القراء بالتثقيل في الزاي، وقرأ ابن مسعود عليهم "لمبلسين" بسقوط {من قبله} والإبلاس الكون في حال سوء مع اليأس من زوالها، ثم عجبه يراد بها جميع الناس من أجل رحمة الله وهي المطر، وقرأ أبن كثير ونافع وأبو عمرو "أثر" بالإفراد، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "آثار" بالجمع، واختلف عن عاصم، وقرأ سلام "إلى إثْر" بكسر الهمزة وسكون الثاء، وقوله {كيف يحيي} يحتمل أن يكون الضمير الذي في الفعل للأثر، ويحتمل أن يكون لله تعالى وهو أظهر، وقرأت فرقة "كيف تحيى" بالتاء المفتوحة "الأرضُ" بالرفع، وقرأ الجحدري وابن السميفع وأبو حيوة "تُحيي" بتاء مضمومة على أن إسناد الفعل إلى ضمير الرحمة "الأرض" نصباً، قال أبو الفتح: قوله "كيف تحيى" جملة منصوبة الموضع على الحال حملاً على المعنى كأنه قال محيية، وهذه الحياة والموت استعارة في القحط والإعشاب، ثم أخبر تعالى على جهة القياس والتنبيه عليه بالبعث والنشور، وقوله {على كل شيء} عموم.

ابن عبد السلام

تفسير : {كِسَفاً} قطعاً، أو متراكباً بعضه على بعض، أو في سماء دون سماء. {الْوَدْقَ} البرق، أو المطر.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً...} الآية. الإثارةُ: تَحْريكُها من سكونِها، وتَسْييرُها، وبَسْطُه في السماءِ هو نَشْرهُ في الآفاقِ, والكِسَفُ: القِطَع. وقوله: {مِّن قَبْلِهِ}: تأكيدٌ أفادَ الإعلامَ بسرعةِ تقلبِ قُلوبِ البَشَرِ من الإبلاس إلى الاستبشارِ، والإبْلاسُ: الكَوْنُ فِي حالِ سُوءٍ مَعَ اليأسِ من زوالها. وقوله تعالى: {كَيْفَ يُحْيِي} الضميرُ في {يُحْيِي} يُحْتَمَلُ أن يكونَ للأثرِ ويُحْتَمَلُ أنْ يعودَ عَلَى اللّه تعالى وهو أظهر. ثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ تقلب بني إدمَ، في أنه بعد الاستبشار بالمطر، إن بعثَ اللّه ريحاً فاصفرَّ بها النباتُ؛ ظلوا يكْفرونَ قلقاً منهم وقِلَّةٌ تسليمٍ للَّه تعالى، والضمير في {رأوه} للنباتِ واللامُ في {لئن} مؤذِنة بمجيءِ القَسَمِ وفي {لظلوا} لاَمُ القَسَم. وقوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ...} الآية: استعارةٌ للكُفَّارِ وقد تقدم بيانُ ذلك في «سورة النمل».

ابن عادل

تفسير : قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} أي تنشره وتبْسطه في السَّمَاء كيف يشاء سيره يوماً أو يومين وأكثر على ما يشاء و "يَجْعَلُهُ كِسَفاً" قطعاً متفرقة، {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} وسطه {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ} بِالوَدقِ {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي يفرحون بالمطر. قوله: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} أي وقد كانوا من قبل أن ينزل عليهم. وقيل: وما كانوا (إلا) "مُبْلِسِينَ" أي آيسين. قوله: "مِنْ قَبْلِهِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه تكرير "لِمنْ قَبْلِ" الأولى على سبيل التوكيد. والثاني: أن يكون غير مُكَرَّر؛ وذلك (أن يجعل) الضمير في "قبله" للسَّحَاب، وجاز ذلك لأنه اسم جنس يجوز تذكيره وتأنيثه، أو للريح فتتعلق ("مِن" الثانية) بيُنَزِّل. وقيل: يجوز عود الضمير على "كِسَفاً" كذا أطلق أبو البقاء، وأبو حيان، وهذه بقراءة من سَكَّنَ السِّينَ. وقد تقدمت قراءات "كسفاً" في "سُبْحَانَ". وقد أبدى الزمخشريُّ وابنُ عَطِيَّةَ (فائدة التوكيد المذكور فقال ابن عطية) أفاد الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإِبلاس إلى الاسْتِبْشَار، وذلك أن قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} يحتمل الفُسْحَةَ في الزمان أي من قبل أن ينزل بكثيرٍ كالأيام ونحوه، فجاء قوله: "مِنْ قَبْلِهِ" (بمعنى) أن ذلك متصلٌ بالمطر، فهذا تأكيد مفيد. وقال الزمخشري: ومعنى التأكيد فيه الدلالة على أنَّ عَهْدَهُمْ بالمطر قد نَفَدَ فاستحكم بأسُهُم وتمادى إبلاسهم، فكان استبشارهم على قدر اغتمامهم بذلك، وهو كلام حسن، إِلاَّ أنَّ أبَا حَيَّان لم يَرْتَضِهِ منهما فقال: ما ذكراه من فائدة التأكيد غير ظاهر فإنما هو لمجرد التوكيد ويفيد رفع المجاز انتهى. قال شهاب الدين ولا أدري عَدَمُ الظُّهُورِ لِمَاذَا. قال قُطْرُبٌ: وإنْ كَانُوا من قبل التَّنْزِيل من قبلِ المَطَرِ، وقيل التقدير من قبل إنْزَالِ المَطَرِ من قبل أن يزرعوا، ودل المطر على الزرع لأنه يخرج بسبب المطر ودل على ذلك قوله: "فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً" يعني الزرع قال أبو حَيَّانَ: وهذا لا يستقيم؛ (لأن) {مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ} متعلق "بمبلسين"، (ولا يمكنُ من قبل الزرع أن يتعلق "بمبلسين")؛ لأن حَرْفَيْ جَرٍّ لا يتعلقان بعامل واحد إلا بوَسَاطَةِ حرف العَطْفِ (أ) والبَدَل، وليس هنا عطف والبدل لا يجوز إذْ إنزالُ الغَيْثِ ليس هو الزرع ولا الزرع بعضه، وقد يتخيل فيه بدل الاشتمال بتكلف إما لاشتمالِ (الإنزال) على الزرع بمعنى أن الزرع يكون ناشئاً عن الإنزال فكأن الإنزال مشتملٌ عليه، وهذا على مذهب من يقول الأول مشتمل على الثاني. وقال المبرد الثاني السَّحَاب؛ لأنهم لما رأوا السَّحاب كانوا راجين المَطَرَ انتهى يريد من قبل رؤية السحاب ويحتاج أيضاً إلى حرف عطف ليصح تعلق الحرفين بمبلسين. (وقال الرُّمانِيُّ من قبل الإِرسال)، وقال الكِرْمَانِيُّ: من قبل الاسْتِبْشَار؛ لأنه قرنه بالإبلاس، ولأنه (مَنَّ) عليهم بالاستبشار ويحتاج قولهما إلى حرف العطف لما تقدم، وادعاء حرف العطف ليس بالسهل فإن فيه خلافاً بعضهم يَقِيسُه، وبعضُهم لا يَقِيسُه، هذا كله في المفردات، أما إذا كان في الجمل فلا خلاف في اقتياسه. وفي حرف عبد الله بن مسعود: وإنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ ينزل عَلَيْهِمْ لَمُبُلِسِينَ غير مكرر. قوله: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ} قرأ أبنُ عامر والأخوانِ وحَفْصٌ بالجمع والباقون بالإفراد, (وَسلاَّمٌ) بكسر الهمزة، وسكون الثاء وهي لغة فيه. وقرأ العامة "كَيْفَ يُحْيِي" بياء الغيبة، أي أثر الرحمة فيمن قرأ بالإفراد، ومن قرأ بالجمع فالفعل مسند لله تعالى وهو يحتمل في الإِفْرَادِ والجَحْدَرِيُّ وأَبو حَيْوَة وابْنُ السَّمَيْقع "تُحْيِي" بتاء التأنيث وفيها تخريجان أظهرهما: أن الفاعل عائد على الرحمة. والثاني: قاله أبو الفضل عائد على "أَثَرِ" وأنث "أثر" لاكتسابه بالإضافة التأنيث كنظائر (له) تقدمت، وَرُدَّ عليه بأن شرط ذلك كون المضاف (بمعنى المضاف) إليه أو من سببه لا أجنبياً، وهذا أجنبي و "كَيْفَ يُحْيِي" معلق "لانْظُرْ" وهو في محل نصب على إسقاط الخافض. وقال أبو الفتح: الجملة من "كَيْفَ يُحْيي" في موضع نصب على الحال حملاً على المعنى انتهى. وكيف تقع جملة الطلب حالاً؟ وأراد برحمة الله هنا المطر أي انْظُرْ إلى حسن تأثيره في الأرض كيف يحيي الأرض بعد موتها؟!. قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي إن ذَلك الذي يُحيِي الأرض لمُحْيِي الموتى، فأَتَى باللام المؤكدة لاسم الفاعل.

البقاعي

تفسير : ولما أقام سبحانه الدليل على البعث وإقامة الوجود بتصريفه الرياح كيف يشاء وأتبعه آية التسلية والتهديد، وكان عذاب المذكورين فيها بالريح أو ما هي سببه أو لها مدخل فيه، أتبع ذلك الإعلام بأنه مختص بذلك سبحانه تنبيهاً على عظيم آية الرياح للخص على تدبرها، مؤكداً لأمر البعث ومصرحاً به، فقال ثانياً الكلام عن مقام العظمة الذي اقتضته النقمة إلى الاسم الأعظم الجامع الذي نظره إلى النعمة أكثر من نظره إلى النقمة: {الله} أي وحده {الذي يرسل} مرة بعد أخرى لأنه المتفرد بالكمال فلا كفوء له: {الرياح} مضطربة هائجة بعد أن كانت ساكنة، وفي قراءة الجمهور بالجمع خلافاً لابن كثير وحمزة والكسائي تنبيه على عظيم الصنع في كونه يفعل ما ذكره بأي ريح أراد {فتثير سحاباً} لم يكن له وجود. ولما أسند الإثارة إلى الرياح، نزع الإسناد إليها في البسط والتقطيع فإنه لم يجعل فيه قوة شيء من ذلك ليعلم أن الكل فعله فقال: {فيبسطه} بعد اجتماعه {في السماء} أي جهة العلو. ولما كان أمر السحاب في غاية الإعجاب في وجوده بعد أن لم يكن وأشكاله وألوانه وجميع أحواله في اجتماعه وافتراقه وكثافته وما فيه من مطر ورعد وبرق وغير ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى، أشار سبحانه إلى ذلك بأداة الاستفهام وإن كانوا قد عدوها هنا شرطية فقال: {كيف} أي كما {يشاء} أي في ناحية شاء قليلاً تارة كمسيرة ساعة أو يوم، وكثيراً أخرى كمسيرة أيام على أوضاع مختلفة تدلك قطعاً على أنه فعله وحده باختياره لا مدخل فيه لطبيعة ولا غيرها. ولما كان المراد بذلك كونه على هيئة الاتصال، دل عليه بقوله: {ويجعله} أي إذا أراد {كسفاً} أي قطعاً غير متصل بعضها ببعض اتصالاً يمنع نزول الماء {فترى} أي بسبب إرسال الله له أو بسبب جعله ذا مسامٌ وفرج يا من أهلية الرؤية، أو يا أشرف خلقنا الذي لا يعرف هذا حق معرفته سواه {الودق} أي المطر المتقاطر القريب الواسع {يخرج من خلاله} أي السحاب الذي هو اسم جنس في حالتي الاتصال والانفصال. ولما كان سبحانه قد سبب عن ذلك سرور عباده لما يرجون من أثره وإن كانوا كثيراً ما يشاهدون تخلف الأثر لعوارض ينتجها سبحانه، قال مسبباً عن ذلك مشيراً بأداة التحقق إلى عظيم فضله وتحقق إنعامه: {فإذا أصاب} أي الله {به من} أي أرض من {يشاء} ونبه على أن ذلك فضل منه لا يجب عليه لأحد أصلاً شيء بقوله: {من عباده} أي الذين لم تزل عبادته واجبة عليهم، وهم جديرون بملازمة شكره، والخضوع لأمره، خاصاً لهم بقدرته واختياره، وبين خفتهم بإسراعهم إلى الاستبشار مع احتمال العاهات، جامعاً رداً على معنى "من" أو على " العباد" لأن الخفة من الجماعة أفحش فقال: {إذا هم يستبشرون*} أي يظهر عليهم البشر، وهو السرور الذي تشرق له البشرة حال الإصابة ظهوراً بالغاً عظيماً بما يرجونه مما يحدث عنه من الأثر النافع من الخصب والرطوبة واللين؛ ثم بين طيشهم وعجزهم بقوله: {وإن} أي والحال أنهم {كانوا} في الزمن الماضي كوناً متمكناً في نفوسهم، وبين رب يأسهم من استبشارهم دلالة على سرعة انفعالهم وكثرة تقلبهم بالجار، فقال: {من قبل أن ينزل} أي المطر بأيسر ما يكون عليه سبحانه {عليهم} ثم أكد عظم خفتهم وعدم قدرتهم بقوله: {من قبله} أي الاستبشار سواه من غير تخلل زمان يمكن أن يدعي لهم فيه تسبب في المطر {لمبلسين*} أي ساكتين على ما في أنفسهم تحيراً ويأساً وانقطاعاً، فلم يكن لهم على الإتيان بشيء من ذلك حيلة، ولا لمعبوداتهم صلاحية له باستقلال ولا وسيلة. ولما انكشف بذلك الغطاء، وزاحت الشبه، أعرض سبحانه عنهم على تقدير أن يكون "ترى" لمن فيه أهلية الرؤية إيذاناً بأنه لا فهم لهم ملتفتاً إلى خلاصة الخلق الصالح للتلقي عنه قائلاً مسبباً عن ذلك: {فانظر} ولما كان المراد تعظيم النعمة، وأن الرزق أكثر من الخلق، عبر بحرف الغاية إشارة إلى تأمل الأقصى بعد تأمل الأدنى فقال: {إلى آثار} ولما لم يكن لذلك سبب سوى سبق رحمته لغضبه قال: {رحمت الله} للجامع لمجامع العظة، وأظهر ولم يضمر تنبيهاً على ما في ذلك من تناهي العظمة في تنوع الزروع بعد سقيا الأرض واهتزازها بالنبات واخضرار الأشجار واختلاف الثمار، وتكون الكل من ذلك الماء. ولما كان هذا من الخوارق العظيمة، ولكنه قد تكرر حتى صار مألوفاً، نبه على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال: {كيف يحيي} أي هذا الأثر أو الله مرة بعد أخرى {الأرض} بإخراج ما ذكر منها. ولما كانت قدرته على تجديد إحيائها دائة - على ما أشار إليه المضارع ودعا إليه مقصود السورة، أشار إلى ذلك أيضاً بترك الجار فقال: {بعد موتها} بانعدام ذلك. ولما كان هذا دالاً على القدرة على إعادة الموتى ولا بد لأنه مثله سواء، فإن جميع ما لا ينبته الآدميون يتفرق في الأرض بعد كونه هشيماً تذروه الرياح، ويتفتت بحيث يصير تراباً، فإذا نزل عليه الماء عاد كما كان أو أحسن قال: {إن ذلك} أي العظيم الشأن الذي قدر على هذا {لمحيي الموتى} كلها من الحيوانات والنباتات، أي ما زال قادراً على ذلك ثابتاً له هذا الوصف ولا يزال {وهو} مع ذلك {على كل شيء} من ذلك وغيره {قدير*} لأن نسبة القدرة منه سبحانه إلى كل ممكن على حد سواء. ولما كان تكرار مشاهدتهم لمثل هذا الاقتدار لا يفيدهم علماً بالله تعالى، دل على ذلك بقوله، لافتاً الكلام إلى سياق العظمة تنبيهاً على عظيم عفوه سبحانه مع تمام القدرة، مؤكداً له غاية التأكيد، تنبيهاً على أنه ليس من شأن العقلاء عدم الاستفادة بالمواعظ، معبراً بأداة الشك، تنبيهاً على أن إنعامه أكثر من انتقامه، مؤكداً بالقسم لإنكارهم الكفر: {ولئن أرسلنا} بعد وجود هذا الأثر الحسن {ريحاً} عقيماً {فرأوه} أي الأثر، ويجوز أن يكون الضمير للريح من التعبير بالسبب عن المسبب {مصفراً} قد ذبل وأخذ في التلف من شدة يبس الريح إما بالحر أو البرد {لظلوا} أي لداموا وعزتنا لها يجددون الكفر أبداً وإن كان "ظل" معناه: دام نهاراً، وعبر بالماضي موضع المستقبل نحو "ليظللن والله" تأكيداً لتحقيقه، ولعله عبر بالظلول لأن مدة النوم لا تجديد فيها للكفر، ولذلك أتى فيها بحرف التبعيض حيث قال: {من بعده} أي بعد اصفراره {يكفرون*} بيأسهم من روح الله وجحودهم لما أسلف إليهم من النعم بعد ما تكرر من تعرفه سبحانه إليهم بالإحسان، بعد ما التقت حلقتا البطان، وكان وكان فلا هم عند السراء بالرحمة شكروا، ولاعند الضراء بالنقمة صبروا، بل لم يزيدوا هناك على الاستبشار، ولا نقصوا هنا شيئاً من تجديد الكفر والإصرار، فلم يزالوا لعدم استبصارهم على الحالة المذمومة، ولم يسبقوا في إزاله النقم، ولا إنالة النعم، فكانوا أضل من النعم.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ يرسل الله الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين - طرف السماء حين يلتقيان - فتخرجه ثم تنشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ يرسل الله الريح، فتحمل الماء من السحاب، فتمر به السحاب، فتدر كما تدر الناقة، وثجاج مثل العزالي غير أنه متفرق‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏فيبسطه في السماء‏} ‏ قال‏:‏ يجمعه ويجعله ‏ {‏كسفا‏}‏ قال‏:‏ قطعا‏ً.‏ وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {ويجعله كسفا‏ً}‏ قال‏:‏ قطعاً يجعل بعضها فوق بعض ‏{‏فترى الودق‏} ‏ قال‏:‏ المطر ‏ {‏يخرج من خلاله‏}‏ قال‏:‏ من بينه‏. وأخرج الفريابي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏فترى الودق‏}‏ قال‏:‏ القطر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏{‏ويجعله كسفاً‏} ‏ قال‏:‏ سماء دون سماء وفي قوله {‏لمبلسين‏}‏ قال‏:‏ القنطين‏.

القشيري

تفسير : يرسل رياح عَطْفِه وجُودِه مبشراتٍ بوَصْلِه وجوده، ثم يُمطِر جودَ غيبِه على أسرارهم بلُطْفِه، ويطوي بساطَ الحشمة عن ساحات قُرْبِه، ويضرب قبابَ الهيبة بمشاهد كَشْفِه، وينشر عليهم أزهارَ أُنْسِه، ثم يتجلَّى لهم بحقائق قُدْسِه، ويسقيهم بيده شرابَ حُبِّه، وبعد ما محاهم عن أوصافهم أصحاهم - لا بهِم - ولكنْ بِنَفْسه، فالعبارات عن ذلك خُرْسٌ، والإشارات دونها طُمْسٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {الله الذى يرسل الرياح} رياح الرحمة كالصبا ونحوها {فتثير سحابا} يقال ثار الغبار والسحاب انتشر ساطعا وقد اثرته. قال فى تاج المصادر: الانارة [برانكيختن كرد وشورانيدن زمين وميغ آوردن باد]. والسحاب اسم جنس يصح اطلاقه على سحابة واحدة وما فوقها. قال فى المفردات اصل السحب الجر ومنه السحاب اما الجر الريح له او لجره الماء. والمعنى فتنشره تلك الرياح وتزعجه وتخرجه من اماكنه: وبالفارسية [برانكيزد آن بادهان ابررا] واضاف الاثارة الى الرياح وانما المثير هو الله تعالى لانها سببها والفعل قد ينسب الى سببه كما ينسب الى فاعله {فيبسطه} [بس خداى تعالى بكستراند سحاب را] يعنى يجعله متصلا تارة {فى السماء} فى سمتها {كيف يشاء} سائرا وواقفا مسيرة يوم او يومين او اقل او اكثر من جانب الجنوب او ناحية الشمال او سمت الدبور او جهة الصبا الى غير ذلك {ويجعله كسفا} تارة اخرى اى قطعا: بالفارسية: [باره باره هر قطعه در طرفى] جمع كسفة وهى قطعة من السحاب والقطن ونحو ذلك من الاجسام المتخلخلة كما فى المفردات {فترى الودق} اى المطر يا محمد ويا من من شأنه الرؤية. قيل الودق فى الاصل ما يكون خلال المطر كانه غبار وقد يعبر به عن المطر {يخرج} بالامر الالهى {من خلاله} فرج السحاب وشقوقه فى التارتين: يعنى [در وقتى كه متصل است ودر وقتى كه متفرق]. قال الراغب الخلل فرجة بين الشيئين وجمعه خلال نحو خلل الدار والسحاب وقيل السحاب كالغربال ولولا ذلك لافسد المطر الارض ـ روى ـ عن وهب بن منبه ان الارض شكت الى الله عز وجل ايام الطوفان لان الله تعالى ارسل الماء بغير وزن ولا كيل فخرج الماء غضبا لله تعالى فخدش الارض وخددها: يعنى [خراشيدروى زمين را وسوراخ كردش] فقالت يا رب ان الماء خددنى وخدشنى فقال الله تعالى فيما بلغنى والله اعلم انى ساجعل للماء غربالا لا يخدّدك ولا يخدشك فجعل السحاب غربال المطر {فاذا اصاب به من يشاء من عباده} الباء للتعدية والضمير للودق. والمعنى بالفارسية [بس جون بر ساند خداى تعالى بارانرا در اراضى وبلاد هركه خواهد زبندكان خود {اذاهم} [آنكاه ايشان] {يستبشرون} [شادمان وخوشدل ميشوند] اى فاجأوا الاستبشار والفرح بمجيئ الخصب وزوال القحط

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {اللهُ الذي يُرسل الرياحَ} الأربع. وقرأ المكي: بالإفراد. {فتُثير} أي: تزعج {سحاباً فيبسُطُه في السماء} أي: يجعله منبسطاً، متصلاً بعضه ببعض في سَمت السماء، كقوله: {أية : وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [إبراهيم: 24]، أي: جهته. فيبسطها في الجو {كيف يشاء}؛ سائراً أو واقفاً، مطبقاً وغير مطبق. من ناحية الشمال أو الجنوب، أو الدََّبُورِ، أو الصَّبَا، {ويجعله كِسَفا} أي: قطعاً متفرقة. والحاصل: أنه تارة يبسطه متصلاً مطبقاً، وتارة يجعله قطعاً متفرقة، على مشيئته وحكمته. {فترى الوَدْقَ} ؛ المطر {يَخْرجُ من خِلاله}؛ وسطه. {فإِذا أصاب به}؛ بالودق {من يشاء من عباده}، يريد إِصابةَ بلادهم وأراضيهم, {إذا هم يستبشرون}؛ يفرحون بالخصب، {وإن كانوا من قبل أن يُنَزَّل عليهم} المطر {من قبله لمُبلسينَ}؛ آيسين، وكرر "من قبله"؛ للتوكيد، وفائدته: الإعلام بسرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار، أو: على أن عهدهم بالمطر قد تطاول؛ فاستحكم يأسُهُم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. {فانظرْ إلى آثار رحمةِ الله} أي: المطر {كيف يُحيي الأرضَ} بالنبات وأنواع الثمار {بعد موتها}؛ يبسها {إن ذلك} أي: القادر عليه {لمحيي الموتى}؛ فكما أحيا الأرض بعد يبسها, يحيي الأجساد بعد رميمها، {وهو على كل شيءٍ قدير}, وهذا من جمل مقدوراته تعالى. الإشارة: الله الذي يرسل رياح الواردات الإلهية، فتنزعج سحاب الآثارعن عين الذات العلية، فتبقى شمس العرفان، ليس دونها سحاب، فيبسطه في سماء القلوب كيف يشاء، فيقع الاحتجاب لبعضها، ويصرفه عمن يشاء فيقع التجلي والظهور، ويجعله كسفاً لأهل الاستشراف، فتارة ينجلي عنهم سحاب الآثار، فيشاهدون الأنوار، وتارة تغطيهم سُحب الآثار، فيشاهدون الأغيار، فترى مَطَرَ خَمْرَةِ الفناءِ تخرج من خلاله، فإذا أصاب به من يشاء من عباده، إذا هم يستبشرون بأنوار معرفته وأسرار ذاته. وقد كانوا قبل ذلك مبلسين، آيسين، حين كانت نفوسهم غالبةً عليهم. فانظر كيف أحيا أرض قلوبهم بعد موتها بالجهل والغفلة. وهذا مثال من كان منهمكاً ثم سقط على شيخ ذي خمرة أزلية، فسقاه حتى حَيِيَ بمعرفة الله. قال القشيري: الله الذي يرسل رياح عَطْفِه وجُودِه، مبشراتٍ بجوده ووَصْله، ثم يُمْطِر جودَ غيثِه على أسراره، ويطوي بساطَ الحشمة عن مناجاة قُرْبِه، وبضرب قبابَ الهيبة بمشاهد كَشْفِه، وينشر عليهم أزهار أُنْسِه، ثم يتجلَّى لهم بحقائق قُدْسِه، ويسقيهم بيده شراب حُبِّه. وبعد ما محاهم عن أوصافهم؛ أصحاهم، لا بهم، ولكنْ بِنَفْسه. والعبارات عن ذلك خُرْسٌ، والإشارات، دونه، طُمْسٌ. وقال في قوله تعالى: {فانظر إلى آثار رحمة الله...} الآية: يحيي الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجيء أمطارها، ليُخرجَ زَرْعَها وثمارَها، ويحي النفوس بعد تَفْرِيقها، ويوفقه للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطان الوفاق بصدق إقدامهم, وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم, وتحيي القلوبُ, بعد غفلتها, بأنواع المحاضرات, فتعود إلى استدامة الذكر بحُسْنِ المراعاة, ويهتدي بأنوار أهلها أهلُ العصر من أهل الإرادات, ويحيي الأرواح بعد حجْبتَها بأنوار المشاهدات, فتطلع شموسُها من بُرْجِ السعادة, ويتصل, بمشامِّ أسرار الكافة نسيمُ ما يُفيض عليهم من الزيادات, فلا يبقى صاحبُ نَفَسٍ إلا حَظِيَ منه بنصيب, ويُحْيي الأسرارَ بأنوار المواجهات. وما كان لها إلا وَقْفَةٌ في بعض الحالات, فتنتفي, بالكلية, آثارُ الغَيْرِيَّةِ, ولا يَبْقَى في الديار ديَّار, ولا من سكانها آثار, وسَطَواتُ الحقائق لا تثبت لها ذَرَّةٌ من صفات الخلائق؛ هنالك الولاية لله الحق.. انتهى المراد منه مع زيادة بيان. ثم ذكر الجوائح، وما ينشأ من أهل الغفلة عند ظهورها، فقال: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ...}

الجنابذي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} جملة مستأنفة فى مقام التّعليل {فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ} الله {فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ} سائراً وواقفاً، سريعاً وبطيئاً، غليظاً ورقيقاً، ذا مطر وثلجٍ وبردٍ وخالياً عن ذلك {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} قطعاً متراكمة بعد بسطه او يبسطه تارةً ويجعله كسفاً اخرى {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} اى المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} يعنى بلادهم {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} بمجيء الخصب.

اطفيش

تفسير : {اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ} تحرك وتزعج. {سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ} اي فوقهم تارة متصلا كيف يشاء مسيرة يوم او يومين او اقل او اكثر وسائرا وواقفا الى غير ذلك. {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} قطعا متفرقة تارة اخرى وقرأ ابن عامر (كسفا) باسكان السين مخففا او جمع كسفة او مصدرا وصف به مبالغة او تأويلا بوصف او بتقدير مضاف. {فَتَرَى الوَدْقَ} المطر. {يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} من وسطه متى كان مبسوطا ومتى كان كسفا. {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ} بالودق. {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} يفرحون به او يذكره بعض لبعض فرحا والمراد اذا اصاب به ارض من يشاء.

اطفيش

تفسير : {الله الذي} مبتدأ وخبر {يُرسِل الرياحَ فتثيرُ} تنهض {سَحاباً فيبسطه} اى الله بسطا تاما متصلا {في السَّماءِ} فى الهواء فوقكم تارة {كيف يشاءُ} غليظا او رقيقا سائرا او واقفا مطبقا وغير مطبق: ومن اى جانب شاء، وليس كيف هنا للاستفهام، فليس كيف يشاء انشاء، بل معناه بسطا شاءه، والجملة حال بلا تأويل {ويجْعَله} تارة {كسفاً} قطعا {فَتَرى} بعينك يا من يصلح للرؤية {الوَدق} المطر {يخْرُج} فى تارة بسطه، وفى تارة جعله كسفا {من خلاله} فرجه جمع فرجة، وجمع خلل، والهاء للسحاب، لانه يذكر ويؤنث، لانه اسم جنس {فإذا أصاب به} اى بالودق او بالسحاب {من يشاء من عباده} اصاب بلادهم {إذا هُم يسْتَبِشرون} باصابته ارضهم، لانهم يسقى حرثهم واشجارهم ودوابهم، او بالخضب المترتب عليه بعد طمعا فى سعة الرحمة.

الالوسي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ } استئناف مسوق لبيان ما أجمل فيما سبق من أحوال الرياح {فَتُثِيرُ سَحَـٰباً } تحركه وتنشره {فَيَبْسُطُهُ } بسطاً تاماً متصلاً تارة {فِى ٱلسَّمَاء } في سمتها لا في نفس السماء بالمعنى المتبادر {كَيْفَ يَشَاء } سائراً وواقفاً مطبقاً وغير مطبق من جانب دون جانب إلى غير ذلك فالجملة الإنشائية حال بالتأويل {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً } أي قطعاً تارة أخرى. وقرأ ابن عامر بسكون السين على أنه مخفف من المفتوح، أو جمع كسفة أي قطعة أو مصدر كعلم وصف به مبالغة أو بتأويله بالمفعول أو بتقدير ذا كسف. {فَتَرَى } يا من يصح منه الرؤية {ٱلْوَدْقَ } أي المطر / {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي فرجه جمع خلل في التارتين الاتصال والتقطع فالضمير للسحاب وهو اسم جنس يجوز تذكيره وتأنيثه، وجوز على قراءة {كِسَفًا } بالسكون أن يكون له، وليس بشيء. {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} بلادهم وأراضيهم، والباء في {بِهِ} للتعدية {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} فاجؤا الاستبشار بمجىء الخصب.

ابن عاشور

تفسير : جاءت هذه الجملة على أسلوب أمثالها كما تقدم في قوله {أية : هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} تفسير : [الروم: 27]، وجاءت المناسبة هنا لذكر الاستدلال بإرسال الرياح في قوله {أية : ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات} تفسير : [الروم: 46] استدلالاً على التفرّد بالتصرف وتصوير الصنع الحكيم الدال على سعة العلم، ثم أعقب بالاستدلال بإرسال الرياح توسلاً إلى ذكر إحياء الأرض بعد موتها المستدَلّ به على البعث، فقد أفادت صيغة الحصر بقوله {الله الذي يرسل الرياح} أنه هو المتصرف في هذا الشأن العجيب دون غيره، وكفى بهذا إبطالاً لإلهية الأصنام، لأنها لا تستطيع مثل هذا الصنع الذي هو أقرب التصرفات في شؤون نفع البشر. والتعبير بصيغة المضارع في: "يُرسل، وتُثير، ويَبسطه، ويَجعله" لاستحضار الصور العجيبة في تلك التصرفات حتى كأنَّ السامع يشاهد تكوينها مع الدلالة على تجدد ذلك. {وجمع الرياح} لِما شاع في استعمالهم من إطلاقها (بصيغة الجمع) على ريح البشارة بالمطر لأن الرياح التي تثير السحاب هي الرياح المختلفة جهات هبوبها بين: جَنوب وشَمَال وصَبا ودبور، بخلاف اسم الريح المفردة فإنه غلب في الاستعمال إطلاقه على ريح القوة والشدة لأنها تتصل واردةً من صوب واحد فلا تزال تشتد. ورويحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت الريح قال: «اللهم اجعلها رياحاً لا ريحاً»تفسير : . وقد تقدم قوله تعالى {أية : وتَصْرِيف الرِّيَاح} تفسير : في سورة البقرة (164). والإثارة: تحريك القارّ تحريكاً يضطرب به عن موضعه. وإثارة السحاب إنشاؤه بما تحدثه الرياح في الأجواء من رطوبة تحصل من تفاعل الحرارة والبرودة. والبسط: النشر. والسماء: الجو الأعلى وهو جو الأسحِبة. و{كيف} هنا مجردة عن معنى الاستفهام، وموقعها المفعولية المطلقة من {يبسطه} لأنها نائبة عن المصدر، أي: يَبسطه بسطاً كيفيته يشاؤها الله، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} تفسير : في سورة آل عمران (6). وتقدم أن من زعم أنها شرط لم يصادف الصواب. و{كِسَفاً} بكسر ففتح في قراءة الجمهور جمع كِسْف بكسر فسكون، ويُقال: كِسْفة بهاء تأنيث وهو القطعة. وقد تقدم في قوله تعالى {أية : أوْ تَسْقُط السَّماء كَما زَعمت علينَا كِسْفاً} تفسير : في سورة الإسراء (92). وتقدم الكِسْف في قوله {أية : فأسقط علينا كِسفاً من السَّماء إنْ كُنْت مِن الصَّادِقين} تفسير : في سورة الشعراء (187). والمعنى: أنه يبسط السحاب في السماء تارة، أي يجعله ممتداً عاماً في جو السماء وهو المدجن الذي يظلم به الجو ويقال المغلق، ويجعله كسفاً (أي تارة أخرى) كما دلت عليه المقابلة، أي: يجعله غمامات لأن حالة جعله كسفاً غير حالة بسطه في السماء، فتعين أن يكون الجمع بينهما في الذكر مراداً منه اختلاف أحوال السحاب. والمقصود من هذا: أن اختلاف الحال آية على سعة القدرة. والخطاب في {فترى الوَدْق} خطاب لغير معيّن وهو كل من يتأتى منه سماع هذا وتتأتى منه رؤية الودق. والودق: المطر. وضمير {خلاله} للسحاب بحالتيه المذكورتين وهما حالة بسطه في السماء وحالة جعله كسفاً فإن المطر ينزل من خلال السحاب المغلق والغمامات. والخلال: جمع خَلَل بفتحتين وهو الفرجة بين شيئين. وتقدم نظير هذه الجملة في سورة النور (43). وذكر اختلاف أحوال العباد في وقت نزول المطر وفي وقت انحباسه بين استبشار وإبلاس إدماج للتذكير برحمة الله إياهم وللاعتبار باختلاف تأثرات نفوسهم في السراء والضراء، وفي ذلك إيماء إلى عظيم تصرف الله في خِلقة الإنسان إذ جعله قابلاً لاختلاف الانفعال مع اتحاد العقل والقلب كما جعل السحاب مختلف الانفعال من بسط وتقطع مع اتحاد الفعل وهو خروج الودق من خلاله. و{إنْ} في قوله {وإن كانوا} مخفَّفة مهملة عن العمل، واللام في قوله {لَمُبْلِسِين} اللام الفارقة بين {إنْ} المخففة و{إنْ} الشرطية. والإبلاس: يأس مع انكسار. وقوله {مِنْ قَبْلِه} تكرير لقوله {أية : من قبلِ أن ينزّل عليهم} تفسير : [الروم: 49] لتوكيد معنى قبلية نزول المطر وتقريره في نفوس السامعين. قال ابن عطية: أفاد التأكيد الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار اهــــ. يعني أن إعادة قوله {مِنْ قَبْله} زيادة تنبيه على الحالة التي كانت من قبل نزول المطر. وقال في «الكشاف»: «فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول فاستحكم إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم» اهــــ. يعني أن فائدة إعادة {من قبله} أن مدة ما قبل نزول المطر مدة طويلة فأشير إلى قوتها بالتوكيد. وضمير {قبله} عائد إلى المصدر المأخوذ من {أن ينزل عليهم} أي تنزيله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فتثير سحاباً: أي تحركه وتهيجه فيسير وينتشر. ويجعله كسفا: أي قطعا متفرقة في السماء هنا وهناك. فترى الودق: أي المطر يخرج من خلال السحاب. إذا هم يستبشرون: أي فرحون بالمطر النازل لسقياهم. لمبلسين: أي قنطين آيسين من إنزاله عليهم. إن ذلك لمحيي الموتى: أي القادر على إنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وهو الله تعالى. فرأوه مصفرا: أي رأوا النبات والزرع مصفراً للجائحة التي أصابته وهي ريح الدبور المحرقة. لظلوا من بعده يكفرون: أي أقاموا بعد هلاك زروعهم ونباتهم يكفرون نعم الله عليهم السابقة. إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا: أي ما تسمع إلا المؤمنين بآيات الله. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مظاهر قدرة الله تعالى في الكون قال تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} أي ينشئها ويبعث بها من أماكن وجودها فتثير تلك الرياح سحاباً أي تزعجه وتحركه فيبسطه تعالى في السماء كيف يشاء من كثافة وخفّة وكثرة وقلة، {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} أي قطعاً فترى أيها الرائي الودق أي المطر يخرج من خلاله أي من بين أجزاء السحاب. وقوله {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ} أي بالمطر {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ} أي المصابون بالمطر في أرضهم. {يَسْتَبْشِرُونَ} أي يفرحون. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} أي المطر {مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} أي مكتئبين حزينين قانطين وقوله تعالى {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ} أي فانظر يا رسولنا إلى آثار رحمة الله أي إلى آثار المطر كيف ترى الأرض قد اخضرت بعد يبس وحييت بعد موت. فإِذا رأيت ذلك علمت أن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الموتى من قبورهم وذلك يوم القيامة وقوله {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تعليل لعظم قدرته وأنه قادر على إحياء الموتى وعلى فعل كل شيء أراده. وقوله {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً} أي وعزتنا وجلالنا لئن أرسلنا ريحا فيه إعصار فيه نار فأحرقت تلك النباتات وأيبستها فرآها أولئك الذين هم بالأمس فرحون فرح بطر بالغيث {يَكْفُرُونَ} بربهم أي يقولون: ما هو كفر من ألفاظ السخط وعدم الرضا وذلك لجهلهم وكفرهم. وقوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} أي إنك يا رسولنا لا تقدر على هداية هؤلاء الكافرين لأنهم صم لا يسمعون وعمي لا يبصرون لما ران على قلوبهم من الذنوب فعطل حواسهم وأنت بحكم بشريتك وقدرتك المحدودة لا تستطيع إسماع الموتى كلامك فيفهموه ويعملوا به كما لا تستطيع إسماع الصم نداءك إذا هم ولَّوا مدبرين إذ لو كانوا مقبلين عليك قد تفهمهم ولو بالإِشارة أما إذا ولَّوا مدبرين عنك فلا يمكن إسماعهم. إذاً فهون على نفسك ولا تحزن عليهم. وقوله: {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ} أي إنك ما تسمع سماع قبول وانقياد وإدراك إلاّ من يؤمن بآياتنا أي إلا المؤمنين الذين آمنوا بآيات الله وعرفوا حججه فآمنوا به ووحدوه فهم مسلمون أي منقادون خاضعون مطيعون فهؤلاء في إمكانك إسماعهم وهدايتهم بإِذن الله إلى ما يكملهم ويسعدهم في الدارين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة والحجج العقلية. 2) بيان كيفية إنشاء السحاب ونزول المطر وهو مظهر من مظاهر القدرة والعلم الإِلهي. 3) بيان حال الكافر في أيام الرخاء وأيام الشدة فهو في الشدة يقنط وفي الرخاء يكفر، وذلك لفساد قلبه بالجهل بالله تعالى وآياته. 4) الاستدلال بالمحسوس الحاضر على المحسوس الغيبي. 5) بيان أن الكفار أموات، ولذا هم لا يسمعون ولا يبصرون وأن المؤمنين أحياء لأنهم يسمعون ويبصرون، إذ الحياة لها آثارها في الجسم الحي والموت كذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلرِّيَاحَ} {خِلاَلِهِ} (48) - يُرْسِلُ اللهَ تَعَالَى الرِّياحَ فَتُنَشِئُ سَحَاباً فَيَنْشُرُهُ في السَّمَاءِ أوْ يَجْمَعُهُ، أَوْ يَجْعَلُهُ قِطَعاً (كِسَفاً)، فَتَرى قَطَرَاتِ المَاءِ (الوَدْقَ) تَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِ السَّحَابِ، فإِذا أَصَابَ المَطَرُ مَنْ أَرادَهُمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ فَرِحُوا بِهِ، واستَبْشَرُوا بالخَيرِ والخِصْبِ. فَتُثِيرُ سَحَاباً - فَتُنْشِئُهُ وَتُحَرِّكُهُ وَتَنْشُرُهُ. يَجْعَلُهُ كِسَفاً - قِطَعاً مُتَفَرِّقَةً. الوَدْقَ - المَطَرَ. مِنْ خِلاَلِهِ - مِنْ فُرَجِهِ وَوَسَطِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه يعطينا هنا مذكرة تفصيلية لعملية حركة الرياح، وسَوْق السحاب، وإنزال المطر، وكلمة الرياح إذا جُمعَتْ دلَّتْ على الخير كما في قوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ..} تفسير : [الحجر: 22]. أي: تُلقِّح النباتات فتأخذ من الذكَر، وتضع في الأنثى، فيحدث الإثمار، ومن عجيب هذه العملية أن ترى الذكر والأنثى في العود الواحد كما في نبات الذرة مثلاً، ففي (الشُّوشة) أعلى العود حبات اللقاح الذكر، وفي الشعيرات التي تخرج من الكوز متصلة بالحبات توجد أعضاء الأنوثة، ومع حركة الرياح تتناثر حبات اللقاح من أعلى وتنزل على هذه الشعيرات، فتجد الشعيرة التي لُقحت تنمو الحبة المتصلة بها، أما الأخرى التي لا يصلها اللقاح فتموت. ولذلك نلحظ أن العيدان التي في مهبِّ الريح أو ناحية بحري أقلّ محصولاً من التي تليها، لماذا؟ لأن الرياح تحمل حبَّات لقاحها إلى العيدان الأخرى التي تليها، فيزداد محصولها. فإذا كانت بعض النباتات نعرف فيها الذكر من الأنثى كالنخيل، والجميز مثلاً، فأين الذكر والأنثى في القمح، أو في الجوافة، أو في الموز. ولما درسوا حبوب اللقاح هذه وجدوا أن كل حبة مهما صَغُرت فيها أهداب دقيقة مثل القطيفة تتناثر مع الرياح، ويحملها الهواء إلى أماكن بعيدة؛ لذلك ترى الجبال والصحراء تخضرّ بعد نزول المطر، فمَنْ بذر فيها هذه البذور؟ إنها الرياح اللواقح بقدرة الخالق عز وجل. ولنا وَقْفة عند قوله تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ..} تفسير : [الشورى: 33] أي: السفن التي تسير بقوة الرياح تظل راكدة على صفحة الماء لا يحركها شيء، فإنْ قُلْت: كيف نفهم هذا المعنى الآن مع تقدم العلم الذي سيَّر السفن بقوة البخار والديزل أو الكهرباء، واستغنى عن الرياح؟ ونقول: الرياح من معانيها الهواء، وهي أيضاً تعني القوة مطلقاً، كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 46] أي: قوتكم، فالريح تعني القوة على أيِّ وضع، سواء أسارتْ بالرياح أو بالآلة، فهو سبحانه قادر على أنْ يُسكنها. لذلك تجد أن الرياح بمعنى القوة لها قوة آنية، وقوة آتية، آنية يعني الآن، وآتية تأتي فيما بعد، وكذلك كل إنسان وكل شيء في الكون له نَفَس وريح وكيماوية خاصة به تميزه عن غيره وهذه مهمة كلاب البوليس التي تشم رائحة المتهمين والمجرمين في قضايا المخدرات مثلاً، فالشخص له رائحة الآن وهو موجود، وله رائحة تظلّ في المكان حتى بعد أنْ يفارقه. لذلك يُعلِّمنا القرآن أن الريح هو أثبت الآثار في الإنسان، واقرأ في ذلك قوله تعالى عن يوسف ويعقوب عليهما السلام: {أية : ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ..} تفسير : [يوسف: 93]. وكان يوسف في مصر، ويعقوب في أرض فلسطين، فلما فصلت العير بقميص يوسف، وخرج من نطاق المباني التي ربما حجزتْ الرياح، قال يعقوب {أية : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ..} تفسير : [يوسف: 94] على بُعْد ما بينهما من المسافات. وإذا أُفردت الرياح دلَّتْ على الشر، ومعنى الرياح أن تأتي ريح من هنا وريح من هنا .. فتأتيك بالأكسوجين أينما كان، وتحمل إليك عبير العطور في الكون، فهي إذن تأتيك بالفائدة. وقلنا: إن الأشياء الثابتة اكتسبتْ الثبات من وجود الهواء في كُلِّ نواحيها وجهاتها، ولو فرَّغْتَ الهواء من ناحية من نواحي إحدى العمارات لانهارتْ في الحال، كذلك الريح إنْ جاءت مفردة فهي مدمرة، وفيها العطب كما في قوله تعالى: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ} تفسير : [الذاريات: 41] . وقال: {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6]. فقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ ..} [الروم: 48] فإرسال الرياح في ذاته نعمة {فَتُثِيرُ سَحَاباً ..} [الروم: 48] إثارة السحاب أي: تهيجه وتحركه، وهذه نعمة أخرى. والسحاب عبارة عن الماء المتبخِّر من الأرض، وتجمُّع بعضه على بعض في طبقات الجو، وماء المطر ماء مُقطر بقدرة الله، كما نُجِري نحن عملية التقطير في المعامل مثلاً، فيأتينا المطر بالماء العَذْب النقي الزلال الذي قطرته لنا عناية الخالق سبحانه دون أنْ ندري. وإذا كان تقطير كوب واحد يحتاج إلى كل هذه العمليات، وكل هذه التكلفة، فما بالك بماء المطر؟ وسبق أنْ قُلْنا: إن من حكمة الخالق سبحانه أنْ جعل ثلاثة أرباع اليابسة ماء لتتسع رقعة البَخْر ليكفي الربع الباقي، وضربنا لتوضيح ذلك مثلاً بكوب الماء حين تتركه على المنضدة مثلاً، وحين تسكبه في أرض الغرفة، ففي الحالة الأولى يظل الماء فترة طويلة؛ لأن البَخْر قليل، أما في الأخرى فإنه سرعان ما يتبخر. ثم يقول سبحانه: {فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ ..} [الروم: 48] وانظر إلى طلاقة المشيئة، فالمطر يصرفه الله كيف يشاء إلى الأماكن التي تحتاج إلى مطر، ومن العجيب أن الله تعالى حين يريد أن يرزق إنساناً ربما يرزقه من سحاب لا يمر على بلده، وانظر مثلاً إلى النيل، من أين يأتي ماؤه؟ وأين سقط المطر الذي يروي أرض النيل من أوله إلى آخره؟ ومعنى {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ..} [الروم: 48] كسفا: جمع كِسْفة، وهي القطعة {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ ..} [الروم: 48] المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ..} [الروم: 48] أي: من بين هذه السحب. {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48] والإصابة قد تكون مباشرة، فيهطل المطر عليهم مباشرة، وقد تكون غير مباشرة بأنْ تكون الأرض منحدرة، فينزل المطر في مكان ويسقي مكاناً آخر، بل ويحمل إليه الخِصْب والنماء، كما كان النيل في الماضي يحمل الطمي من الحبشة إلى السودان ومصر. وكان هذا الطمي يستمر مع الماء طوال مجرى النيل وإلى دمياط، فلماذا لم يترسب طوال هذه المسافات؟ لم يترسب بسبب قوة دفع الماء وشدة انحداره، بحيث لا يستقر هذا الطمي ولا يترسب. وقوله: {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48] لأن الرياح حين تمر عليهم تُبشِّرهم بالمطر، وحين ينزل المطر يُبشِّرهم بالزرع والنماء والخِصْب والخير، كما قال تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [الحج: 5]. وأذكر وأنا صغير وبلدنا على النيل، والنيل من أمامها متسع، وبه عدة جزر يزرعها الناس، فأذكر أننا كنا نزرع الذرة، وجاء الفيضان فأغرقه وهو ما يزال أخضر لم ينضج بَعْد، وكان الناس يذهبون إليه ويجمعونه بالقوارب، ورأيت النساء تزغرد والفرحة على الوجوه، فكنت أسأل أبي رحمه الله: النيل أغرق الزرع. فلماذا تزغرد النساء؟ فكان والدي يضحك ويقول: تزغرد النساء لأن النيل أغرق الزرع، وهذا هو مصدر الخير، وسبب خصوبة الأرض، فلما كبرتُ وقرأت قصيدة أحمد شوقي رحمه الله في النيل: شعر : مِنْ أيِّ عَهْدٍ في القُرَى تتدفَّقُ وبأيِّ كَفٍّ في المدائن تُغدِق الماءُ تُرسِلُه فيصبح عَسْجداً والأرض تُغرقُها فيحيَا المغرَق تفسير : لما قرأتُ هذه القصيدة عرفت لماذا كانت النساء تزغرد حين يُغرق النيلُ الزرعَ. والاستبشار لنزول المطر يأتي على حسب الأحوال، فإن جاء بعد يأس وقحط وجفاف كانت الفرحة أكبر، والاستبشار أبلغ حيث يأتي المطر مفاجئاً {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48] أما إنْ جاء المطر في الأحوال العادية فإن الاستبشار به يكون أقلَّ. ثم يقول سبحانه: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : {فَتُثِيرُ سَحَاباً} معناه تُهيجُهُ. تفسير : وقوله تعالى: {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} معناه المَطرُ. {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} معناه من وسَطِهِ.

الجيلاني

تفسير : فكيف لا يقبل منهم أولئك البعداء، المنكرون المسرفون وحي العحق إياهم وإلهامهم عليه، مع أنه {ٱللَّهُ} الجامع لجميع مراتب الأسماء والصفات الظاهرة، المتجلي على مقتضاها بالاستقلال إرادةً واختياراً {ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ} المنتشئة من محض فضله وجوده بلا سبق سبب يوجبها، وعلة تقتضيها على ما جرى عليه عادته سبحانه في سائر الموجودات {فَتُثِيرُ} وتحرك أجزاء البخار والدخان، ويمتزج بعضها مع بعض فتركمها وتكشفها حتى صارت {سَحَاباً} هامراً {فَيَبْسُطُهُ} سبحانه {فِي} جو {ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ} عرضاً وطولاً، سائراً وواقفاً، مطبقاً وغير مطبقٍ، إلى غير ذلك من الأوضاع الممكنة الورود عليها. {وَ} بعدما مهدة سبحانه وبسطه {يَجْعَلُهُ كِسَفاً} أي: قطعاً مختلفة {فَتَرَى} أيها الرائي {ٱلْوَدْقَ} المطر {يَخْرُجُ} ويفيض {مِنْ خِلاَلِهِ} وفتوقه بعدما تكوَّن فيه بقدرة الله من اجتماع أجزاء الأبخرة والأدخنة المتصاعدة الممتزجة، المتراكمة المتكاثفة، المتفاعلة بعضها مع بعض إلى أن صارت ماء فتقطر وتسيل {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ} أراضي {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} عنايةً منه سبحانه إياهم، وتفضلاً عليهم {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48] أي: فوجئوا بنزوله إلى أنواع الاستبشار والابتهاج، والفرح والسرور متفائلين بنزوله إلى الخصب والرخاء، وأنواع البهجة والصفاء. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} المطر {مِّن قَبْلِهِ} أي: من قبل ثوران الأبخرة والأدخنة، وانعقاد السحب وتراكمها منها {لَمُبْلِسِينَ} [الروم: 49] آيسين قانطين؛ لطول عهد عدم نزوله إياهم. {فَٱنظُرْ} أيها المؤمن المعتبر، الناظر بنور الله {إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ} وكمال فضله وجوده {كَيْفَ يُحْيِ} ويخضر {ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} أي: جمودها ويبسها، وعدم نضارتها ونزاهتها، ويظهر أنواع الأزهار والأثمار عنايةً منه سبحانه لعباده، وفضلاً لهم؛ ليتزودوا بها ويسلكوا سبيل هدايته وتوحيده {إِنَّ ذَلِكَ} القادر المقتدر بالإرادة التامة و الاختيار الكامل {لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ} ومخرجها ألبتة من قبورها وقت تعلق إرادته بإحيائها {وَ} كيف لا {هُوَ} بذاته {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة حضرة علمه وإرادته {قَدِيرٌ} [الروم: 50] على الوجه الأتم الأكمل بلا فتور وقصور؟!. {وَ} من عدم رسوخهم في الدين القويم، وقلة تثبتهم على الصراط المستقيم {لَئِنْ أَرْسَلْنَا} عليهم {رِيحاً فَرَأَوْهُ} أي: ما هبت عليه من الزروع {مُصْفَرّاً} من أثرها بعدما كان مخضراً؛ يعني: لا يربى زروعهم ولا ينميها، بل يضعفها ويرديها، مع أن إضرارها واصفرارها أيضاً إما هو بشؤم ما اقترفوا من المعاصي والآثام {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ} أي: صاروا وأخذوا بعد اصفراره {يَكْفُرُونَ} [الروم: 51] بالله وبنعمه، وينكرون بعموم فضله وكرمه، مع أن أخذهم بالبأساء والضراء؛ إنما هو ليتضرعوا نحوه، ويلتجئوا إليه منيبين خاشعين خاضعين؛ ليكشف عنهم ما يضرهم؛ إذ لا كاشف إلا هو، ولا منجي لهم سواه. وبالجملة: هم من خبث طينتهم، وجمود قريحتهم أموات حقيقة ومعنى، وإن كانوا من الأحياء صورة، لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبشأنهم، ولا تجتهد إلى إهدائهم وتكميلهم {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} أي: ليس في وسعك وطاقتك إسماع الموتى، بل ما عليك إلا التبليغ والدعوة {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} الجبلي {ٱلدُّعَآءَ} والدعوة، سيما {إِذَا وَلَّوْاْ} وانصرفوا عنك {مُدْبِرِينَ} [الروم: 52] معرضين منكرين لك، مكذبين رسالتك ودعوتك. {وَ} كيف تجتهد وتسعى يا أكمل الرسل في حصول ما هو خارج عن وسعك وطاقتك مع أنك لا تُؤم به؟! إذ {مَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ} إذ هم مجبولون على الغواية الجبلية في أصل فطرتهم، فقادون بصائر قلوبهم المدركة دلائل التوحيد وشواهد الوحدة الذاتية، ولا يتأتى لك أن تهديهم إلى طريق التوحيد وترشدهم إليه {إِن تُسْمِعُ} بتبليغك وإرشادك {إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} ونوفقهم على الإيمان بمقتضى ما ثبت وجرى في لوح قضائنا وحضرة عملنا {فَهُمْ} بعدما سبقت العناية منا إياهم {مُّسْلِمُونَ} [الروم: 53] منقادون لك، مسلمون منك جميع ما بلغت لهم من شعائر الدين، ودلائل التوحيد واليقين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن كمال قدرته وتمام نعمته أنه { يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا } من الأرض، { فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ } أي: يمده ويوسعه { كَيْفَ يَشَاءُ } أي: على أي حالة أرادها من ذلك ثم { يَجْعَلُهُ } أي: ذلك السحاب الواسع { كِسَفًا } أي: سحابا ثخينا قد طبق بعضه فوق بعض. { فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ } أي: السحاب نقطا صغارا متفرقة، لا تنزل جميعا فتفسد ما أتت عليه. { فَإِذَا أَصَابَ بِهِ } بذلك المطر { مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يبشر بعضهم بعضا بنزوله وذلك لشدة حاجتهم وضرورتهم إليه فلهذا قال: { وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنزلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ } أي: آيسين قانطين لتأخر وقت مجيئه، أي: فلما نزل في تلك الحال صار له موقع عظيم [عندهم] وفرح واستبشار. { فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج كريم. { إِنَّ ذَلِكَ } الذي أحيا الأرض بعد موتها { لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فقدرته تعالى لا يتعاصى عليها شيء وإن تعاصى على قدر خلقه ودق عن أفهامهم وحارت فيه عقولهم.