Verse. 3459 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

فَانْظُرْ اِلٰۗى اٰثٰرِ رَحْمَتِ اللہِ كَيْفَ يُـحْىِ الْاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِہَا۝۰ۭ اِنَّ ذٰلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتٰى۝۰ۚ وَہُوَعَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۵۰
Faonthur ila athari rahmati Allahi kayfa yuhyee alarda baAAda mawtiha inna thalika lamuhyee almawta wahuwa AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فانظر إلى أثر» وفي قراءة آثار «رحمة الله» أي نعمته بالمطر «كيف يحيي الأرض بعد موتها» أي يبسها بأن تنبت «إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيءٍ قدير».

50

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ} يعني المطر؛ أي انظروا نظر استبصار واستدلال؛ أي استدلوا بذلك على أن من قدر عليه قادر على إحياء الموتى. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي: «آثَارِ» بالجمع. الباقون بالتوحيد؛ لأنه مضاف إلى مفرد. والأثر فاعل «يُحْيي» ويجوز أن يكون الفاعل اسم الله عز وجل. ومن قرأ: «آثَارِ» بالجمع فلأن رحمة الله يجوز أن يراد بها الكثرة؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34]. وقرأ الجحدرِي وأبو حيوة وغيرهما: «كَيْفَ تُحْيي الأَرْضَ» بتاء؛ ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرحمة؛ لأن أثر الرحمة يقوم مقامها فكأنه هو الرحمة؛ أي كيف تحيي الرحمة الأرض أو الآثار. «ويحيي» أي يحيي الله عز وجل أو المطر أو الأثر فيمن قرأ بالياء. و{كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ} في موضع نصب على الحال على الحمل على المعنى لأن اللفظ لفظ الاستفهام والحال خبر؛ والتقدير: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها. {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} استدلال بالشاهد على الغائب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثَٰرِ } وفي قراءة أثر {رَحْمَتِ ٱللَّهِ } أي نعمته بالمطر {كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } أي يبسها بأن تنبت {إِنَّ ذَٰلِكَ} المحيي الأرض {لَمُحْىِ ٱلْمَوْتىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَحْمَتِ اللَّهِ} المطر.

التستري

تفسير : قوله: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ}[50] قال: ظاهرها المطر، وباطنها حياة القلوب بالذكر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ...} [الآية: 50]. قال سهل: بظاهرها المطر وباطنها القلوب وحياتها بالذكر. وقال الجنيد - رحمة الله عليه -: مثل فضل الله على عباده مثل غيث السماء أنزله أحيا به ميت الأراضين كذلك يُحيى الله بالسنة الحكمة ما مات من قلوب أهل الغفلة وهو قوله: {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ} أى لمحيى الأنفس الميتة بالشهوات والقلوب الميتة بالغفلة بأنوار معرفته وآثار هدايته.

القشيري

تفسير : يحيي الأرضَ بأزهارها وأنوارها عند مجيء الأمطار لِيُخْرِجَ زَرْعَها وثمارَها، ويحيي النفوس بعد نَفْرَتِها، ويوفقها للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطانُ الرِّفاق بصادق إقدامهم، وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم، ويحيي القلوبَ بعد غفلتها بأنوار المحاضرات، فتعود إلى استدامة الذكر بحُسْنِ المراعاة، ويهتدي بأنوار أهلها أهلُ العسر من أصحاب الإرادات، ويحيي الأرواح بعد حَجْبَتِها - بأنوار المشاهدات، فتطلع شموسُها عن بُرْجِ السعادة، ويتصل بمشامِّ أسرار الكافة نسيمُ ما يفيض عليهم من الزيادات، فلا يبقى صاحبَ نَفَسٍ إلا حَظِيَ منه بنصيب، ويُحْيي الأسرارَ، وقد تكون لها وَقْفَةٌ في بعض الحالات - فتنتفي بالكلية آثارُ الغيرية، ولا يَبْقى في الدار ديَّار ولا من سكانها آثار؛ فسَطَواتُ الحقائق لا تثبت لها ذَرَّةٌ من صفات الخلائق، هنالك الولاية لله.. سقط الماء والقطرة، وطاحت الرسوم والجملة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} ان الله سبحانه يزين الارض بانوار فعله فينبت الحضر يورد الورد ويضى الزهر والنبات ويتجلى من انوار صفته فيها لا عين العارفين الذين شاهدوا الله بنعت الحسن وصفهم الانس بالورد والريحان والسماع ووجوه الحسان الا ترى الى النبى صلى الله عليه وسلم كيف اشار بقوله النظر الى الوجه الحسن يزيد فى البصر وقال النظر الى الخضرة والماء الجارى يزيد بالبصر قيل اى يحيى الانفس الميت والشهوات والقلوب الميتة بالغفلات بانوار معرفته وأثار هدايته قال الاستاذ يحيى الارواح بعد حجبتها بانوار المشاهدات فيطلع شموسها من برج السعادات ويتصل بمشام الكافة نسيم ما نقص عليهم من الزيادات فلا يبقى صاحب يقين الا حظى منه بنصيب.

اسماعيل حقي

تفسير : {فانظر الى آثار رحمة الله} الخطاب وان توجه نحو النبى عليه السلام فالمراد به جميع المكلفين والمراد برحمة الله المطر لانه انزله برحمته على خلقه. والمعنى فانظروا الى آثار المطر من النبات والاشجار وانواع الثمار والازهار والفاء للدلالة على سرعة ترتب هذه الاشياء على تنزيل المطر {كيف يحيى} اى الله تعالى {الارض} بالآثار {بعد موتها} اى يبسها. قال فى الارشاد كيف الخ فى حيز النصب بنزع الخافض وكيف معلق لانظراى فانظروا الى الاحياء البديع للارض بعد موتها والمراد بالنظر التنبيه على عظيم قدرته وسعة رحمته مع ما فيه من تمهيد امر البعث {ان ذلك} العظيم الشأن الذى قدر على احياء الارض بعد موتها {لمحيى الموتى} لقادر على احيائهم فى الآخرة فانه احداث لمثل ما كان من مواد ابدانهم من القوى الحيوانية كما ان احياء الارض احياء لمثل ما كان فيها من القوى النباتية {وهو على كل شى قدير} اى مبالغ فى القدرة على جميع الاشياء التى من جملتها احياء قالب الانسان بعد موته فى الحشر ومن احياء قلبه بعد موته فى الدنيا لان نسبة قدرته الى جميع الممكنات على سواء رجع كل شئ الى قدرته فلم يعظم عليه شئ فقدره الله الكاملة بخلاف قدرة العبد فانها مستفادة من قدرة الله تعالى شعر : تعالى الله زهى قيوم ودانا توانايى ده هر ناتوانا تفسير : وسيجئ ان الانسان خلق من ضعف فالله تعالى اقدره وقواه. اعلم ان الله سبحانه زين الارض بآثار قدرته وانوار فعله وحكمته فانبت الخضرة واضاء الزهر وتجلى فى صورها لا عين العارفين الذين شاهدوا الله تعالى بنعت الحسن ولذا قال الشيخ المغربى شعر : مغربى زان ميكند بكلشن كاندر او هرجه را رنكى وبويى هست رنك وبوى اوست تفسير : وسأل بنوا اسرائيل موسى عليه السلام هل يصبغ ربك قال نعم يصبغ الوان الثمار والرياحين الاحمر والاصفر والابيض والصباغ يقدر بان يسود الابيض ولا يقدر بان يبيض الاسود والله تعالى يبيض الشعر الاسود والقلب الاسود ومن احسن من الله صبغة. خرج ابو حفص قدس سره الى البستان ائتمارا بقوله تعالى {فانظر الى آثار رحمة الله} فاضافه مجوسى فى بستان له فلما علم ان قلوب اصحابه نظرت الى بستان المجوسى قال اقرأوا {أية : كم تركوا من جنات وعيون} تفسير : الآية ولما اراد ان يخرج ابو حفص اسلم المجوسى وثمانية عشر من اولاده واقربائه فقال ابو حفص اذا خرجتم لاجل التفرج فاخرجوا هكذا اشار قدس سره الى ان هذا الخروج ليس مع النفس والهوى والا لم يكن له اثر محمود. ثم انه يلزم للإنسان ان ينظر بعين ظاهره الى زهرة الدنيا وبعين قلبه الى فنائها ويعتبر ايام الربيع بانواع الاعتبار وفى الحديث "حديث : اذا رأيتم الربيع فاذكروا النشور" تفسير : اى فان خروج الموتى من القبور كخروج النبات من الارض فيلزم ان يذكره عند رؤية الربيع ويذكر شمس القيامة عند اشتداد الحر وفى الحديث "حديث : اذا كان اليوم حارا فاذا قال الرجل لا اله الا الله ما اشد حر هذا اليوم اللهم اجرنى من حرجهنم قال الله تعالى لجهنم ان عبدا من عبيدى استجاربى من حرك وانا اشهدك انى قد اجرته واذا كان اليوم شديد البرد فاذا قال العبد لا اله الا الله ما اشد برد هذا اليوم اللهم اجرنى من زمهرير جهنم قال الله تعالى ان عبدا من عبيدى استجاربى من زمهريرك وانى اشهدك انى قد اجرته" قالوا وما زمهرير جهنم قال "بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة برده" تفسير : اى يتفرق ويتفسخ. وينبغي ان يذكر بكاء العصاة على الصراط عند رؤية نزول المطر من السماء. قالت رابعة القيسية ما سمعت الاذان الا ذكرت منادى يوم القيامة وما رأيت الثلوج الا ذكرت تطاير الكتب وما رأيت الجراد الا ذكرت الحشر. وان يذكر حمرة وجوه المشتاقين عند رؤية الريحان الاحمر. وبياض وجه المؤمنين عند رؤية الابيض. وصفرة وجوه العصاة عند رؤية الاصفر. وغبرة وجوه الشبان والنسوان الحسان فى القبر بعد سبعة ايام عند رؤية الريحان الا كهب وهو ماله لون غبرة. وفى كشف الاسرار [كل زرد طبيبى است براى شفاى عالم واو وخود بيمار. كل سرخ كويى مست است ازديدار اوهمه هشيار كشته واودر خمار. كل سييد كويى ستم رسيده ايست ازدست روزكار جوانى بباد داده وعمر رسيده بكنار دروقت اعتدال سال دو آفتاب برآيد آزمطلع غيب يكى خورشيد جمال فلكى ويكى خورشيد جمال ملكى آن يكى بركل تابد كل شكفته كردد اين يكى بردل تابددل افروخته كردد جون كل شكفته شد بلبل برو عاشق شود دل كه افروخته شد نظر خالق درو حاضر بود. كل باخر بريزد بلبل درهجراو ماتم كيرد. دل كربماند حق تعالى اورا در كنف الطاف وكرم كيرد: قلب المؤمن لا يموت ابدا] شعر : جشمى كه تراديد شد از درد معاف جانى كه ترا يافت شد ازمرك مسلم تفسير : وخرج ابن السماك قدس سره ايام الربيع فنظر الى الانوار فصاح وقال يامنور الاشجار بانواع الانوار نور قلوبنا بذكرك وحسن طاعتك. وبعض الصالحين كانوا يبكون ايام الربيع شوقا الى الله تعالى ومنهم من يبكى خوفا من الفراق ـ حكى ـ ان الشيخ الشلبى قدس سره خرج يوما فوجده اصحابه تحت شجرة يبكى فقيل له فى ذلك قال مررت بهذه الشجرة فقطع منها غصن الارض وهو بعد اخضر لا خبر له بقطعه من اصله فقلت يا نفس ماذا انت صانعة ان لو قطعت من الحق ولا علم لك بذك فجلس اصحابه يبكون. ويقال الربيع يدل على نعيم الجنة وراحتها والانسان الكامل فى الربيع يظهر تأسفا وحسرة فلا يدرى سبب ذلك وذلك ان الارواح كلها كانت فى صلب آدم عليه السلام حين كان فى الجنة فلما تفرقت فى أنفس اولاده فاذا رأت شبه الجنة او زهرة او طيبا ذكرت نعيم الجنة فاسفت على مفارقتها وجزعت على الخروج منها. ونظر بعض العلماء الى الورد فبكى وقال ان الميت يبكى فى الارض الا بياض عينيه فاذا جاء الربيع وانفتح الورد انشق بياض عينيه واذا تزوجت امرأته انشق قلبه بنصفين. ويقال فى الآية كيف يحيى الارض يعنى نفس المؤمن بعد يبوستها من الطاعات ـ روى ـ فى الخبر (من احيى ارضا ميتة فهى له) فالله تعالى احيى نفس المؤمن وقلبه فهو له لا للشيطان كذلك التائب اذا حيى نفسه بالطاعة فهو للجنة لا للنار. ويقال يحيى النفوس بعد فترتها بصدق الارادات ويحيى القلوب بعد غفلتها بانوار المحاضرات ويحيى الارواح بعد حجبتها بدوام المشاهدات شعر : اموت اذا ذكرتك ثم احيى فكم احيى عليك وكم اموت تفسير : والقلب بستان العارف وجنته وحياته بمعرفة الله تعالى فمن نظر الى انواره استغنى عن العالم وازهاره: وفى المثنوى شعر : صوفئ در باغ از بهر كشاد صوفيانه روى بر زانو نهاد بس فرو رفت او بخود اندر نغول شد ملول از صورت خوابش فضول كه جه خسى آخر اندر رز ذمكر اين درختان بين وآثار خضر امر حق بشنكه كفت است انظروا سوى اين آثار رحمت آر رو كفت آثار ش دلست اى بو الهوس آن برون آثار آثارست وبس باغها وميوها اندر دلست عكس لطف آن برين آب وكلست جون حيات ازحق بكيرى اى روى بس غنى كردى زكل دردل روى تفسير : نسأل الله تعالى ان يفتح بصائرنا لمشاهدة آثار رحمته ومطالعة انوار صفاته ويأذن لنا فى دخول بستان اسرار ذاته والانتقال الى حرم هويته من حريم آياته وبيناته انه مفيض الخير والمراد ومحيى الفؤاد

الجنابذي

تفسير : تعميم بعد التّحضيض للتّأكيد.

الهواري

تفسير : قال: {فَانظُرْ إلَى ءَاثَارِ رَحْمَتِ اللهِ} يعني المطر {كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} يعني النبات الذي أنبته الله بذلك المطر. قال: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: فالذي أنبت هذا النبات بهذا المطر قادر على أن يبعث الخلق يوم القيامة. قال: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً} فأهلكنا به ذلك الزرع {فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّوا} أي: لصاروا {مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد ذلك المطر {يَكْفُرُونَ}. قال: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى} يعني الكفار الذين يموتون على كفرهم، {وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}. يقول: إن الصمّ لا يسمعون الدعاء إذا ولوا مدبرين. وهذا مثل الكفار، أي: إنهم إذا تولوا عن الهدى لم يسمعوه سمع قبول. قال: {وَمَآ أَنتَ بِهَادِ العُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ} يعني الكفار العمي عن الهدى {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} وهذا سمع قبول. يقول: لن يقبل منك إلا من يؤمن بآياتنا {فَهُم مُّسْلِمُونَ}. قوله: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ} يعني ضعف نطفة الرجل {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} يعني شبابه {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ}. قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ} أي: يحلف المشركون {مَا لَبِثُوا} أي: في الدنيا وفي قبورهم {غَيْرَ سَاعَةٍ}. قال الله: {كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} أي: يُصدّون في الدنيا عن الإِيمان والبعث. قال: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ} [وهذا من مقاديم الكلام، يقول: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإِيمان لقد لبثتم إلى يوم القيامة] أي: لبثهم الذي كان في الدنيا وفي قبورهم إلى أن بعثوا. قال: {فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي: لا تعلمون أن البعث حق.

اطفيش

تفسير : {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ} وهي الغيث واثره هو النبات والاشجار وانواع الثمار وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص (آثار) بمد الهمزة والثاء جمعا. {كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} وقرأ ابو حيوة (كيف تحيي) بالفوقية ففيه ضمير الرحمة. {إِنَّ ذَلِكَ} الذي أحيا الأرض بعد موتها. {لَمُحْيي المَوْتَى} فان من قدر على احياء الارض قادر على احياء الموتى قال القاضي: فانه احداث لمثل ما كان في مواد ابدانهم من القوى كما ان احياء الارض احداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية هذا ومن المحتمل ان يكون من الكائنات الواهبة ما يكون من مواد ما تفتت وتبدلت من جنسها في بعض الاعوام السالفة. {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لأن نسبة قدرته الى جميع الممكنات سواء.

اطفيش

تفسير : {فانْظُر} الفاء للسببية، والدلالة على سرعة تاثر الارض وشجرها ونباتها وثمارها بالودق، كأنه متصل به بلا فصل مدة، والمراد بالامر بالنظر: التنبيه على عظم قدرته، وسعة رحمته سبحانه وتعالى وعز وجل، مع التمهيد للاستدلال بالبعث {آثار رحْمة الله} من خروج النبات، واخضرار ما يبس، وقوة ما ضعف، وازدياد ما قوى، واحوال الثمار {كيف يُحيْي الأرض بعْدَ موتها} الجملة بدل من آثار معلق عنه، انظر بكيف اى الى احيائه الارض احياء بديعا {إنَّ ذلك} العلى الشأن {لمحْيي المَوْتى} من الثقلين وغيرهما، كما احيا الارض سواء بقى بعض ذلك الفانى او لم يبقى، ولا يحتاج الى آلة ولا عادة ولا شئ يبنى عليه. {وهُوَ عَلى كلِّ شئ} اراده فعله او لم يفعله من الممكنات، واما المحال فهو تعالى الذي جعله محالا، يتنزه عنه {قديرٌ ولئن أرسلنا ريحاً} بعد اخضراره {فرأوه مُصفراً لظلوا} اى راوا النبات المفهوم من المقام، او المعبر عند بالاثر، او المدلول عليه به، قيل: او السحاب، لانه اذا اصفر لم يمطر، او الريح والاخيران ضعيفان، والاخير اضعف، والريح لا ترى بالعين، بل ترى لصفرة معها فى الاجسام، كالتراب الذي تثير، واللام دليل على قسم محذوف اى ووالله، او وبالله، او وبنا سد مسد جواب ان، وجواب الشرط مستقبل، وهو فى معنى نون التوكيد، من حيث انه جواب للقسم، كأنه قيل: ليظلن {من بعْده} بعد الارسال، او بعد اصفرار النبات، وقيل: بعد استبشارهم {يَكْفُرون} سراعا، ومصرحين لانهم فرحوا جدا بالودق، وكأنهم جزموا بنفعه، ولم يتوكلوا على الله عز وجل، فاشتد انقطاع النفع على قدر شدة فرحهم وجزعهم، فهم افرطوا فى الفرح والجزع، والواجب ان لا يشتد فرحهم، ولا يجزموا، لان الامر بيد الله تعالى، ولا يعلمون الغيب، فان تخلف رجاؤهم استغفروا ورجوه بعد، وبادروا للطاعة وصبروا.

الالوسي

تفسير : {فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثَـٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ } المترتبة على تنزيل المطر من النبات والأشجار وأنواع الثمار، والفاء للدلالة على سرعة ترتبها عليه. وقرأ الحرميان وأبو عمرو وأبو بكر {أَثَرِ } بالإفراد وفتح الهمزة والثاء. وقرأ سلام {أَثَرِ } بكسر الهمزة وإسكان الثاء، وقوله تعالى: {كَيْفَ يُحْىِ } أي الله تعالى {ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } في حيز النصب بنزع الخافض و {كَيْفَ } معلق لأنظر أي فانظر لإحيائه تعالى البديع للأرض بعد موتها، وقال ابن جني: على الحالية بالتأويل أي محيياً، وأياً ما كان فالمراد بالأمر بالنظر التنبيه على عظيم قدرته تعالى وسعة رحمته عز / وجل مع ما فيه من التمهيد لما يعقبه من أمر البعث. وقرأ الجحدري وابن السميقع وأبو حيوة {تُحْىِ } بتاء التأنيث والضمير عائد على الرحمة، وجوز على قراءة الحرميين ومن معهما أن يكون الضمير للأثر على أنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وليس بشيء كما لا يخفى. {إِنَّ ذٰلِكَ } العظيم الشأن {لَمُحْىِ الْمَوْتَىٰ} لقادر على إحيائهم فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى الحيوانية كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية، وقيل: يحتمل أن يكون النبات الحادث من أجزاء نباتية تفتت وتبددت واختلطت بالتراب الذي فيه عروقها في بعض الأعوام السالفة فيكون كالإحياء بعينه بإعادة المواد والقوى لا بإعادة القوى فقط، وهو احتمال واهي القوى بعيد، ولا نسلم أن المسلم المسترشد يعلم وقوعه، وقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله أي مبالغ في القدرة على جميع الأشياء التي من جملتها إحياؤهم لما أن نسبة قدرته عز وجل إلى الكل سواء.

ابن عاشور

تفسير : رتب على ما تقرر من استحضار صورة تكوين أسباب المطر واستبشار الناس بنزوله بعد الإبلاس، أن اعتُرض بذكر الأمر بالنظر إلى أثر الرحمة وإغاثة الله عباده حين يحيي لهم الأرض بعد موتها بالجفاف. والأمر بالنظر للاعتبار والاستدلال. والنظر: رؤية العين. وعبر عن الجفاف بالموت لأن قوام الحياة الرطوبة، وعبر عن ضده بالإحياء. والخطاب بــــ {انظر} لغير معين ليعم كل من يتأتى منه النظر مثل قوله {أية : فترى الودق} تفسير : [الروم: 48]. و{رحمة الله}: هي صفته التي تتعلق بإمداد مخلوقاته ذوات الإدراك بما يلائمها ويدفع عنها ما يؤلمها وذلك هو الإنعام. وأثر الشيء: ما ينشأ عنه مما يدل عليه. فرحمة الله دلت عليها الآثار الدالة على وجوده وتصرفه بما فيه رحمة للخلق. و{كيف} بَدل من {أثر} أو مفعول لــــ {انْظُرْ} أي: انظر هيئة إحياء الله الأرض بعد موتها، تلك الحالة التي هي أثر من آثار رحمته الناس على حدّ قوله {أية : أفلا ينظرون إلى الإبل كيفَ خُلِقت}تفسير : [الغاشية: 17] إذ جعلوا {كيف} بدلاً من الإبل بدل اشتمال وإن أباه ابن هشام في «مغني اللبيب». وقد مضى عند قوله {أية : ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظلّ} تفسير : في سورة الفرقان (45)، وتقدم آنفاً في قوله {أية : فيبسطه في السماء كيف يشاء} تفسير : [الروم: 48]. وأطلق على إنبات الأرض إحياء وعلى قحولتها الموتُ على سبيل الاستعارة. وجملة {إن ذلك لمحيي الموتى} استئناف وهو إدماج؛ أدمج دليل البعث عقب الاعتبار بإحياء الأرض بعد موتها. وحرف التوكيد يفيد مع تقرير الخبر زيادة معنى فاء التسبب كقول بشار:شعر : بَكِّرَا صاحِبَيَّ قبل الهجير إن ذاك النجاح في التبكير تفسير : إذ التقدير: فالنجاح في التبكير، كما تقرر غير مرة. واسم الإشارة عائد إلى اسم الله تعالى بما أُجري عليه من الإخبار بإحياء الأرض بعد موتها ليفيد اسم الإشارة معنى أنه جدير بما يرد بعده من الخبر عن المشار إليه. فالمعنى: أن الله الذي يحيي الأرض بعد موتها لمحيي الموتى، تقريباً لتصور البعث. وعدل عن الموصول إلى الإشارة للإيجاز، ولما في الإشارة من التعظيم. وذُيل ذلك بقوله {وهو على كل شيء قدير} فإنه يعم جميع الأشياء والبعثُ من جملتها إذ ليس هو إلا إيجادَ خَلق وهو مقدور لله تعالى كما أنشأ الخلق أول مرة. والشبه تام، لأن إحياء الأرض إيجاد أمثال ما كان عليها من النبات فكذلك إحياء الموتى إيجاد أمثالهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم {إلى أثَر} بالإفراد. وقرأه الباقون {إلى ءَاثار} بصيغة الجمع.

د. أسعد حومد

تفسير : {آثَارِ} {رَحْمَتِ} {يُحْيِيِ} {لَمُحْييِ} (50) - فَانْظُرِ يَا مُحَمَّدُ إِلى الآثَارِ التِي يُحْدِثُها نُزُولُ المَطَرِ، فَتَحيَا بِهِ الأرضُ، وتُنْبِتُ الزُّرُوعَ، والنَّبَاتَ والخُضْرَةَ والثِّمَارَ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَوَاتاً. وَالذِي قَدِرَ عَلَى إِحْيَاءِ الأَرْضِ المَوَاتِ لَقَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ المَوتَى مِن قُبُورِهِمْ يَومَ الحَشْرِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَقَدْ أَوْجَدَ اللهُ الكَوْنَ وَمَا فِيهِ وَمَنْ فِيهِ مِنْ عَدَمٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأن الحق سبحانه أراد أنْ يستدلَّ بالمحَسِّ المنظور في الكون على ما يريد أنْ يخبرنا به من الغيب من أمور البعث والآخرة؛ لذلك يعلل بقوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50] فذكر مع الأرض الفعل المضارع يحيي، والفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار وهذه عملية مُحسَّة لنا. أما في إحياء الموتى فجاء بالاسم محيي، والاسم يفيد ثبوت الصفة؛ ليؤكد إحياء الموتى، ومعلوم أن الموت لا يشك فيه أحد؛ لأنه مُشَاهد لنا، أما البعث فهو محلُّ شكٍّ لدى البعض لأنه غيب. ومع ذلك يقول تعالى عن الموت: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} تفسير : [المؤمنون: 15]، فيؤكد هذه القضية مرة بإنْ، ومرة باللام، والموت شيء واقع لا ننكره، فلماذا كل هذا التأكيد؟ قالوا: نعم هو واقع لا نشك فيه، لكنه واقع مغفول عنه، فكأن الغفلة عنه كالإنكار، ولو كنتم متأكدين منه ما غفلتم عنه. فلما ذكر البعث قال: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون: 16] فأكدها بمؤكد واحد، مع أنه محلُّ شكٍّ، فكأنه لما قامت الأدلة عليه كان ينبغي ألاَّ يشك فيه؛ لذلك لم يؤكده كما أكَّد الموت، ولما غفلنا عن الأدلة كان واجباً أنْ يُؤكِّد الموت، فأكَّد الموت، ولم يؤكد البعث. ومعنى {فَٱنظُرْ ..} [الروم: 50] الأمر بالنظر هنا ليس (فنطزية) ولا (للفرجة) أو التسلية، لأننا نقول: هذا الأمر فيه نظر يعني: محلاً للبحث والتقصي لنصل إلى وجه الحق فيه، بترجيح بعض الأدلة على بعض. إذن: (فانظر) أي: نظر اعتبار وتأمل؛ لأننا نريد أن نقيس الغائب عنا والذي نريد أن نخبر به من أمور الآخرة بالمنظور لنا من إحياء الأرض بعد موتها. ففي الآية دليل جديد من أدلة قدرة الحق ووحدانيته، وهو دليل كوني نراه جميعاً، والحق سبحانه يُلوِّن الأدلة ليلفت المخلوق إلى عظمة الخالق ليؤمن به إلهاً واحداً قاهراً قيوماً مقتدراً، وهذه الأدلة حجة تضيء العقل، وآيات في الكون تبرهن على الصِّدق، وأمثال يضربها للناس في الكون وفي أنفسهم، ووعد لمن آمن، ووعيد لمن خالف. وهنا أيضاً دليل كوني مشهود في الكون، فالذي أحيا الأرض الميتة كما تشاهدون (لمحي الموتى) في الآخرة كما يخبركم، وجاء بصيغة اسم الفاعل الدال على ثبوت صفة الإحياء قبل أنْ يُحيي، كما نقول: فلان شاعر فلم يكتسب هذه الصفة لأنه قال شعراً، إنما هو إنما هو شاعر قبل أن يقول، كذلك الخالق سبحانه (محي) قبل أن يوجد منه الفعل، وقادر قبل أنْ يخلق مقدوراً له، وخالق قبل أنْ يخلق خَلْقاً، فبالصفة فيه سبحانه خلق. ولكي نُقرِّب الشبه بين إحياء الأرض بالنبات وإحياء الموتى يوم القيامة نقول: لو نظرنا إلى الإنسان لوجدنا هذا الهيكل الضخم الذي يزن إلى مائة كيلو أو يزيد، أصل تكوينه ميكروب لا يُرَى بالعين المجردة، حتى قالوا: إن أنسال العالم كله من الحيوان المنوي يمكن أنْ توضع في حجم كستبان الخياطة، إذا ملىء نصفه من المني، ثم يأخذ هذا الحيوان المنوي من الغذاء من الرزق فينمو ويكبر في الحجم فقط، لكن تظل الشخصية كما هي. فإذا مات الإنسان يبْلَى هذا الجسد، ويتحلل إلا عظمة الذنب، فتبقى لا تتحلل ولا تأكلها الأرض لتكون هي البذرة التي تنبت الإنسان بقدرة الله يوم القيامة؛ لذلك جاء في حديث إحياء الموتى يوم القيامة؛ "حديث : فينبتون كما ينبت البقل ". تفسير : ففي هذه العظمة الصغيرة كل صفات الإنسان وخصائصه، ومنها يعود كما كان قبل الموت، كما نرى حبة السمسم مثلاً، فهي رغم صِغَرها إلا أنها تحمل كل خصائص هذا النبات كلها، إذن: صِغَر الحجم دليل على القدرة، فإذا ما وضعت هذه الحبة الصغيرة في البيئة المناسبة تأخذ الغذاء من التربة ومن الهواء وتنمو وتكبر، وهذا النمو وهذا الكبر لا يعطي شخصية جديدة إنما الشخصية ثابتة، إنما يعطي تكبيراً لها فحسب. لذلك لما شرَّحوا الأرنب وجدوه صورة طبق الأصل من تشريح الإنسان، بمعنى أن فيه كل جوارح الإنسان وكل أجهزته، حتى البعوضة في حجمها الضئيل فيها كل الأجهزة، لكن أين جهازها الهضمي وجهازها الدموي وجهازها العصبي والسمبتاوي والبولي .. الخ، فدقَّة هذه المخلوقات دليل على القدرة. وفي حضارتنا الحالية نجد أن من علامات التقدم العلمي أنْ نُصغِّر الكبير إلى أقصى درجة ممكنة، وانظر مثلاً إلى الراديو أول ما اخترعوه كان في حجم النورج، أما الآن فهو في حجم علبة الكبريت. إذن: فالعظمة أن تضع كل الأجهزة في هذا الحجم الصغير، أو تجعلها كبيرة فوق العادة وفوق القدرة، كما في ساعة "بج بن" مثلاً. لذلك نرى الخالق سبحانه خلق الشيء الدقيق المتناهي في الصِّغَر، بحيث لا يُدرك بالعين المجردة، ومع ذلك يحتوي على كل خصائص الشيء الكبير، وخلق من المخلوقات الضخم الذي لا تستطيع أن تحدَّه. إذن: حينما ينمو الشيء لا يزداد خصائص جديدة، إنما تكبُر عنده نفس الخصائص ونفس المشخَّصات الأصلية فيه. وسبق أنْ قُلْنا: لو أن إنساناً يزن مثلاً مائة كيلو أصابه مرض والعياذ بالله أفقده نصف وزنه، نقول: أين ذهب هذا النقص؟ ذهب إلى فضلات نزلتْ منه؛ لأن الإنسان ينمو حينما يكون الداخل إليه من الغذاء أكثر من الخارج منه من الفضلات، فإنْ تساوى يقف عند حَدٍّ معين لا يزيد ولا ينقص. فإذا سخر الله لهذا المريض طبيباً يداويه، فإنه يستعيد عافيته إلى أنْ يعود إلى وزنه الطبيعي مائة كيلو كما كان، فهل عاد إليه ما فقده في نقص الوزن، أم عاد إليه مثله من عناصر الغذاء والتكوين؟ عاد إليه مثل الذي فقده. إذن: فالشخصية هي هي باقية لا تتغير مع النقص أو الزيادة. كذلك فالشخصية أو الخصائص موجودة في هذا الميكروب الدقيق أو في هذه الحبة الصغيرة، إلى أنْ تُوضع في بيئتها المناسبة، فتعطي نفس الشخصية أو نفس الخصائص لنوعها، حتى قالوا: إن قدماء المصريين وضعوا مع الموتى بعض الحبوب، وحفظوها طوال آلاف السنين، بحيث إذا وُضِعت الحبة منها في التربة المناسبة فإنها تنبت. فإذا كان الإنسان يستطيع أن يستنبت الحبة بعد بضعة آلاف من السنين، أيكون عزيزاً على الله أنْ يستنبت بذرة الإنسان، ويُحيي الذرة الباقية منه في الأرض حين ينزل عليها المطر بأمره تعالى يوم القيامة؟ ثم إن الحبة الواحدة التي يستنبتها الإنسان تعطيه آلافاً من نوعها، أما بذرة الإنسان والذرة الباقية منه فتعطي شخصاً واحداً لا غير، أيصعب هذا على القدرة الإلهية. لذلك يحثُّنا الحق سبحانه على التأمل في قوله {فَٱنظُرْ ..} [الروم: 50] لا نظر عين، ولكن نظر تأمُّل وتعقُّل واستنباط، وربنا ينعى علينا الغفلة في التأمل، فيقول سبحانه: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. ونسمي الجدل لإظهار الحقائق (مناظرة)، يناظر كل مِنَّا الآخر، لا نظرَ عين، ولكن نظر عَقْل واستنباط. {فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ ..} [الروم: 50] أي: الذي أحياها {لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ ..} [الروم: 50] وما دام قد ثبتتْ له صفة الإحياء، فإذا أخبرك بأنه يُحيي الموتى، فصدِّق وخُذْ مما شاهدته دليلاً على ما غاب عنك. ثم يختم الحق سبحانه هذه الآية بصفة أخرى تؤكد صفة الخَلْق والإحياء {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50] فغير أنه سبحانه حيٌّ ومحيي له سبحانه صفات الكمال، والقدرة على كل شيء علماً وقدرةً وحكمة وبَسْطاً وقبضاً ونفعاً وضراً .. إلخ. فبعد أنْ ذكر الحدث في الفعل المضارع الدال على الاستمرار {يُحْيِ ..} [الروم: 50] ذكر الاسم الدال على ثبوت الصفة {لَمُحْيِ ..} [الروم: 50] ثم جاء بكل صفات الكمال في {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50]. يريد الله أن يبين أن الإنسان كنود، وأنه خُلِق جزوعاً، إنْ مسَّه الشر يجزع، وإنْ مسه الخير يمنع، فلما كان يائساً من الهواء يهبُّ عليه أرسل الله إليه الرياح، وبعد أنْ كان يائساً من قطرة الماء أنزل الله عليه المطر مدراراً، فهل أخذ في باله هذا العطاء، بحيث إذا أصابه يأس من شيء طلب فرجه من الله، وأزاح اليأس عن نفسه وقال: إن لي رباً ألجأ إليه، ولا ينبغي لي أن أقنط وهو موجود؟ فالذي فرج عليك من يأس الرياح ومن يأس المطر قادر أنْ يُفرِّج عنك كل كَرْب؛ لذلك ينبغي أن يكون شعار كل مؤمن: لا كرْبَ وأنت ربٌّ، ما دام لك ربٌّ فلا تهتم ولا تيأس، فليستْ مع الله مشكلة المشكلة ألاَّ يكون لك ربٌّ تلجأ إليه. وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر المؤمن له رَبٌّ يلجأ إليه إنْ عزَّتْ عليه الأسباب، أما الكافر فما أشقاه، فإنْ ضاقت به الأسباب لا يجد صدراً حنوناً يحتويه، فيلجأ في كثير من الأحوال إلى الانتحار. لذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبه أمر يقوم إلى الصلاة، وكان يقول: "حديث : ارحنا بها يا بلال" تفسير : ففي الصلاة تختلي بربك وخالقك، وتعرض عليه حاجتك، وتستمد منه العون والقوة. كذلك يُعلِّمنا هذا الدرس نبي الله موسى - عليه السلام - فحينما خرج ببني إسرائيل وأدركه فرعون وقومه، فوجدوا أنفسهم محاصرين، البحر من أمامهم والعدو من خلفهم، قالوا لموسى {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] وهذا منطق البشر وواقع الأشياء، لكن كان لموسى منطق آخر ينطلق فيه من وجود رَبٍّ قادر يلجأ إليه في وقت الشدة فيفرجها عنه. فقال موسى بملء فيه (كلا) قالها على سبيل اليقين قَوْلة الواثق من أن ربه لن يتخلى عنه، لم يقُلْها برصيد من عنده، إنما برصيد إيمانه في الله {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] وهذا هو المَفْزَع لكل مؤمن. لِمَ لا، وأنت إنْ كانت لديك قضية ترتاح إنْ وكَّلْتَ فيها محامياً يدافعَ عنك، فما بالك إنْ وكَّلت رب الأرض والسماء، فكان هو سبحانه المحامي والقاضي والشاهد والمنفِّذ للحكم؟ وأنت ترى القاضي في الدنيا يحكم ببينة قد يُدلِّس فيها ويحكم، ويحكم بإقرار لا يستطيع أنْ ينتزعه من صاحبه، أو بشهادة الشهود، وقد يكونون شهودَ زور، ثم هو بعد ذلك لا يملك تنفيذ حكمه، فهناك سلطة قضائية تحكم وسلطة تنفيذية تنفذ، حتى السلطة التنفيذية يستطيع المجرم أن يفلت منها. أما في محكمة العدل الإلهي، فقاضيها هو الحق - سبحانه وتعالى - فلا يحتاج إلى بينة أو إقرار أو شهود، ولا يستطيع أحد أنْ يُدلِّس عليه سبحانه، أو أنْ يُفِلت من حكمه؛ لذلك قال تعالى عن نفسه: {أية : وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 87]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً ...}.