Verse. 3460 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَلَىِٕنْ اَرْسَلْنَا رِيْحًا فَرَاَوْہُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوْا مِنْۢ بَعْدِہٖ يَكْفُرُوْنَ۝۵۱
Walain arsalna reehan faraawhu musfarran lathalloo min baAAdihi yakfuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولئن» لام قسم «أرسلنا ريحا» مضرة على نبات «فرأوهُ مصفرا لظلوا» صاروا جواب القسم «من بعده» أي بعد إصفراره «يكفرون» يجحدون النعمة بالمطر.

51

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين أنهم عند توقف الخير يكونون مبلسين آيسين، وعند ظهوره يكونون مستبشرين، بين أن تلك الحالة أيضاً لا يدومون عليها، بل لو أصاب زرعهم ريح مصفر لكفروا فهم منقلبون غير ثابتين لنظرهم إلى الحال لا إلى المآل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال في الآية الأولى {يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ } على طريقة الإخبار عن الإرسال، وقال ههنا {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا } لا على طريقة الإخبار عن الإرسال، لأن الرياح من رحمته وهي متواترة، والريح من عذابه وهو تعالى رؤوف بالعباد يمسكها، ولذلك نرى الرياح النافعة تهب في الليالي والأيام في البراري والآكام، وريح السموم لا تهب إلا في بعض الأزمنة وفي بعض الأمكنة. المسألة الثانية: سمى النافعة رياحاً والضارة ريحاً لوجوه أحدها: النافعة كثيرة الأنواع كثيرة الأفراد فجمعها، فإن كل يوم وليلة تهب نفحات من الرياح النافعة، ولا تهب الريح الضارة في أعوام، بل الضارة في الغالب لا تهب في الدهور الثاني: هو أن النافعة لا تكون إلا رياحاً فإن ما يهب مرة واحدة لا يصلح الهواء ولا ينشىء السحاب ولا يجري السفن، وأما الضارة بنفحة واحدة تقتل كريح السموم الثالث: هو أن الريح المضرة إما أن تضر بكيفيتها أو بكميتها، أما الكيفية فهي إذا كانت حارة أو متكيفة بكيفية سم، وهذا لا يكون للريح في هبوبها وإنما يكون بسبب أن الهواء الساكن في بقعة فيها حشائش رديئة أو في موضع غائر وهو حار جداً، أو تكون متكونة في أول تكونها كذلك وكيفما كان فتكون واحدة، لأن ذلك الهواء الساكن إذا سخن ثم ورد عليه ريح تحركه وتخرجه من ذلك المكان فتهب على مواضع كاللهيب، ثم ما يخرج بعد ذلك من ذلك المكان لا يكون حاراً ولا متكيفاً، لأن المكث الطويل شرط التكيف، ألا ترى أنك لو أدخلت إصبعك في نار وأخرجتها بسرعة لا تتأثر، والحديد إذا مكث فيها يذوب، فإذا تحرك ذلك الساكن وتفرق لا يوجد في ذلك الوقت غيره من جنسه، وأما المتولدة كذلك فنادرة وموضع ندرتها واحد. وأما الكمية فالرياح إذا اجتمعت وصارت واحدة صارت كالخلجان، ومياه العيون إذا اجتمعت تصير نهراً عظيماً لا تسده السدود ولا يرده الجلمود، ولا شك أن في ذلك تكون واحدة مجتمعة من كثير، فلهذا قال في المضرة ريح وفي النافعة رياح. ثم إنه تعالى لما علم رسوله أنواع الأدلة وأصناف الأمثلة ووعد وأوعد ولم يزدهم دعاؤه إلا فراراً، وإنباؤه إلا كفراً وإضراراً، قال له: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الترتيب فنقول إرشاد الميت محال، والمحال أبعد من الممكن، ثم إرشاد الأصم صعب فإنه لا يسمع الكلام وإنما يفهم ما يفهمه بالإشارة لا غير، والإفهام بالإشارة صعب، ثم إرشاد الأعمى أيضاً صعب، فإنك إذا قلت له الطريق على يمينك يدور إلى يمينه، لكنه لا يبقى عليه بل يحيد عن قريب وإرشاد الأصم أصعب، فلهذا تكون المعاشرة مع الأعمى أسهل من المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع شيئاً، لأن غاية الإفهام بالكلام، فإن ما لا يفهم بالإشارة يفهم بالكلام وليس كل ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة، فإن المعدوم والغائب لا إشارة إليهما فقال أولا لا تسمع الموتى، ثم قال ولا الأصم ولا تهدي الأعمى الذي دون الأصم. المسألة الثانية: قال في الصم {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } ليكون أدخل في الامتناع، وذلك لأن الأصم وإن كان يفهم فإنما يفهم بالإشارة، فإذا ولى ولا يكون نظره إلى المشير فإنه يسمع ولا يفهم. المسألة الثالثة: قال في الأصم {لاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَاء } ولم يقل في الموتى ذلك لأن الأصم قد يسمع الصوت الهائل كصوت الرعد القوي ولكن صوت الداعي لا يبلغ ذلك الحد فقال إنك داع لست بملجىء إلى الإيمان والداعي لا يسمع الأصم الدعاء. المسألة الرابعة: قال: {وَمَا أَنتَ بِهَادِى ٱلْعَمَىٰ } أي ليس شغلك هداية العميان كما يقول القائل فلان ليس بشاعر وإنما ينظم بيتاً وبيتين، أي ليس شغله ذلك فقوله: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } نفى ذلك عنه، وقوله: {وَمَا أَنتَ بِهَادِى ٱلْعُمْىِ } يعني ليس شغلك ذلك، وما أرسلت له. ثم قال تعالى: { أية : إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } تفسير : [النمل: 81] لما نفى إسماع الميت والأصم وأثبت إسماع المؤمن بآياته لزم أن يكون المؤمن حياً سميعاً وهو كذلك لأن المؤمن ترد على قلبه أمطار البراهين فتنبت في قلبه العقائد الحقة، ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة، وهذا يدل على خلاف مذهب المعتزلة فإنهم قالوا الله يريد من الكل الإيمان، غير أن بعضهم يخالف إرادة الله، وقوله: {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ } دليل على أنه يؤمن فيسمعه النبـي صلى الله عليه وسلم ما يجب أن يفعل فهم مسلمون مطيعون كما قال تعالى عنهم: { أية : قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } تفسير : [البقرة: 285].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً} يعني الريح، والريح يجوز تذكيره. قال محمد بن يزيد: لا يمتنع تذكير كل مؤنث غير حقيقي، نحو أعجبني الدار وشبهه. وقيل: فرأوا السحاب. وقال ابن عباس: الزرع، وهو الأثر؛ والمعنى: فرأوا الأثر مصفرًّا؛ واصفرار الزرع بعد اخضراره يدلّ على يبسه، وكذا السحاب يدلّ على أنه لا يمطر، والريح على أنها لا تُلقح {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} أي لَيَظَلُّنّ؛ وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل لما في الكلام من معنى المجازاة، والمجازاة لا تكون إلا بالمستقبل؛ قاله الخليل وغيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَئِنِ } لام قسم {أَرْسَلْنَا رِيحًا } مضرّة على نبات {فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ } صاروا جواب القسم {مِن بَعْدِهِ } أي بعد اصفراره {يَكْفُرُونَ } يجحدون النعمة بالمطر.

ابن عطية

تفسير : ثم أخبر تعالى عن حال تقلب ابن آدم في أنه بعيد الاستبشار بالمطر أن بعث الله ريحاً فاصفر بها النبات ظلوا يكفرون قلقاً منهم وقلة توكل وتسليم لله تعالى، والضمير في {رأوه} للنبات كما قلنا أو للأثر وهو حوة النبات الذي أحييت به الأرض وقال قوم هو للسحاب، وقال قوم هو للريح، وهذا كله ضعيف، واللام في {لئن} مؤذنة بمجيء القسم، وفي {لظلوا} لام القسم، وقوله "ظلوا" فعل ماض نزله منزلة المستقبل واستنابه منابه لأن الجزاء هنا لا يكون إلا بفعل مستقبل لكن يستعمل الماضي بدل المستقبل في بعض المواضع توثيقاً لوقوعه، وقوله تعالى: {فإنك لا تسمع الموتى} الآية استعارة للكفار وقد تقدم القول على مثل هذه الآية في سورة النمل، وكلهم قرأ "ولا تُسمع" بتاء مضمومة ونصب "الصمَّ"، وقرأ ابن كثير وعباس عن أبي عمرو "يَسمع" بياء مفتوحةً الصمُّ رفعاً، وقرأ الجمهور "بهادي العمي" بالإضافة، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة "بهادٍ" بالتنوين "العميَ" نصباً، وقوله {إن تسمع إلا من يؤمن} معناه إن تسمع إسماعاً ينفع ويجدي، وأما سماع الكفرة فغير مجد فاستويا، وقوله تعالى: {عن ضلالتهم} لما كانت الهداية تتضمن الصرف عديت بـ {عن} كما تتعدى صرفت ومعنى الآية ليس في قدرتك يا محمد ولا عليك أن تهدي، وقرأ ابن أبي عبلة "من ضلالتهم".

ابن عبد السلام

تفسير : {فَرَأَؤهُ} رأوا السحاب {مُصْفَرّاً} بأنه لا يمطر، أو الزرع مصفراً بعد خضرته "ع". {لَّظَلُّواْ} أظل إذا فعل أول النهار ووقت الظل وكذلك أضحى فتوسعوا في استعمال ظَلَّ في أول النهار وآخره وقل ما يستعمل أضحى إلا في صدر النهار.

النسفي

تفسير : {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا } أي الدبور {فَرَأَوْهُ } أي أثر رحمة الله لأن رحمة الله هي الغيث وأثرها النبات. ومن قرأ بالجمع رجع الضمير إلى معناه لأن معنى آثار الرحمة النبات واسم النبات يقع على القليل والكثير لأنه مصدر سمي به ما ينبت {مُصْفَـرّاً } بعد إخضراره. وقال {مصفرا} لأن تلك صفرة حادثة. وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأن السحاب الأصفر لا يمطر. واللام في {لئن} موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، وسد مسد جوابي القسم والشرط {لَّظَلُّواْ } ومعناه ليظلن {مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } أي من بعد اصفراره أو من بعد الاستبشار، ذمهم الله تعالى بأنه إذا حبس عنهم المطر قنطوا من رحمته وضربوا أذقانهم على صدورهم مبلسين، فإذا أصابهم برحمته ورزقهم المطر استبشروا، فإذا أرسل ريحاً فضرب زروعهم بالصفار ضجوا وكفروا بنعمة الله فهم في جميع هذه الأحوال على الصفة المذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله وفضله فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها ففرحوا، وأن يصبروا على بلائه فكفروا. {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } أي موتى القلوب أو هؤلاء في حكم الموتى فلا تطمع أن يقبلوا منك {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاء } {ولا يسمع الصم} مكي {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } فإن قلت: الأصم لا يسمع مقبلاً أو مدبراً، فما فائدة هذا التخصيص؟ قلت: هو إذا كان مقبلاً يفهم بالرمز بالإشارة فإذا ولى لا يسمع ولا يفهم بالإشارة {وَمَا أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْىِ } أي عمى القلوب، {وما أنت تهدى العمي} حمزة {عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ } أي لا يمكنك أن تهدي الأعمى إلى طريق قد ضل عنه بإشارة منك له إليه {إِن تُسْمِعُ } ما تسمع {إلاَّ مَنْ يُؤمن بآياتنا فهم مسلمون} منقادون لأوامر الله تعالى.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً} لما بين أنهم عند توقف الخير يكونون مُنِيبِينَ آيِسِينَ، وعند ظهوره يكونون مستبشرين بين أن تلك الحالة أيضاً لا يدومون عليها بل لو أصاب زرعهم ريحٌ مفسِد لكفروا فهم متقلبون غير تامِّين نظرهم إلى الحالة لا إلى المآلِ. فصل سمى النافعة رياحاً، والضارة ريحاً لوجوه: أحدها: أن النافعة كثيرة الأنواع كبيرة الأفراد، فجمعها لأن في كل يوم وليلة (تَهُبُّ) نفحات من الرياح النافعة، (و) لا تهب الريح الضارة في أعوام بل الضارة لا تهب في الدهور. الثاني: أن النافعة لا تكون إلا رياحاً وأما الضارة فنفحة واحدة تقتل كريح السَّمُوم. الثالث: جاء في الحديث أن ريحاً هَبَّتْ فقال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : اللَّهم اجْعلها رِيَاحاً وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً"تفسير : . إشارة إلى قوله تعالى: {أية : يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}تفسير : [الأعراف: 57] وقوله: {أية : يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ}تفسير : [الروم: 46] وإشارة إلى قوله تعالى: فـ {أية : أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ}تفسير : [الذاريات: 41] وقوله: {أية : رِيحاً صَرْصَراً... تَنزِعُ ٱلنَّاسَ}تفسير : [القمر: 19، 20]. فصل معنى الآية ولئن أرسلنا ريحاً أي مُضرّة أفسدت الرزعَ فرأوه مصفراً بعد الخُضْرَة لظلّوا لصاروا من بعد اصفرار الزرع يكفرون يجحدون ما سلف من النعمة يعني أنهم يفرحون عند الخَصْب، ولو أرسلت عذاباً على زرعهم (جحدوا) سالِفَ نعمتي. قوله: "فَرَأَوْهُ" أي فرأوا النبات لدلالة السياق عليه أو على الأثر، لأن الرحمة هي الغيث وأثرها هو النبات وهذا ظاهر على قراءة الإفراد، وأما على قراءة الجمع فيعود على المعنى. وقيل: الضمير للسَّحَابِ. وقيل: للريح. وقرأ (جَنَاح) بْنُ حبيش مُصْفَاراً بألف و "لظلوا" جواب القسم الموطأ لَهُ "بِلَئِنْ" وهو ماض لفظاً مستقبل معنى، كقوله: {أية : مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ}تفسير : [البقرة: 145] والضمير في "من بعده" يعود على الاصفرار المدلول عليه بالصفة كقوله: شعر : 4045 - إِذَا نُهِـيَ السَّفِيـهُ جَـرَى إِلَيْـهِ ............................... تفسير : أي السَّفَهُ، لدلالة السفيه عَلَيهِ. قوله (تَعَالى:) "إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى" لما علم رسوله وجوه الأدلة ووعد وأوعد ولم يزدهم دعاؤه إلا فراراً وكفراً وإصراراً، قال: "إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى" وقد تقدم الكلام على نحو {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ} إلى آخره في الأنبياء، وفي النمل. واعلم أن إرشاد الميِّتِ محالٌ والمحالُ أبعد من الممكن ثم إرشاد الأصمِّ صعبٌ فإنه لا يسمع الكلام وإنما يفهم بالإشارة والإفهام بالإشارة صعب ثم إرشاد الأعمى أيضاً صعب وإنك إذا قلت له الطريق على يمينك يدور إلى يمينه لكنه لا يبقى عليه بل يَحيد عن قرب، وإرشاد الأصَمُ أصعب ولهذا تكون المعاشرة مع الأعمى أسْهَل من المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع لأن غايته الإفهامُ بالكلام وليس كلّ ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة، فإن المعدومَ والغائب لا إشارة إليه فقال: "إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى" (ثم قال: وَلاَ الصُمَّ وَلاَ تَهْدِي العُمْيَ) وقال في الأصم: {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ}؛ ليكون أدخل في الامتناع لأن الأصمَّ وإن كان يَفْهِم فإنما يفهم بالإشارة، (فإِذَا وَلَّى لا يكون نظره إلى المشير فامتنع إفهامه بالإشارة أيضاً) ثم قال: {وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} لما نفى استماع الميت والأصم وأثبت إسماع المؤمن بآياته لزم أن يكون المؤمن حيّاً سميعاً وهو كذلك لأن المؤمنَ ينظر في البراهين ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة ويفعل ما يجب عليه فهم مسلمون مطيعون كما قال تعالى (عنهم): {أية : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}تفسير : [البقرة: 285]. قوله: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} لما أعاد دليل الآفاق بقوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ}تفسير : [الروم: 48] أعاد دليلاً من دلائل الأنفس أيضاً وهو خلق الآدمي وذكر أحواله فقال: {خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} أي (بأذى ضعف) كقوله: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ}تفسير : [المرسلات: 20]، وقرىء: "ضُعْف" بضم الضاد، وفتحها، فالضم لُغة قريش، والفتح لغة تميم, "مِنْ ضَعْف" أي من نطفة. وتقدم الكلام في القراءتين والفرق بينهما في الأنفال، {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} (أي) من بعد ضعف الطفولية شباباً وهو وقت القوة {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً} هَرَماً "وَشَيْبَةً" والشيبة هي تمام الضعف {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}. (فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ}) فقدم العلم على القدرة، وقولِهِ من قبل: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} والعزة إشارة إلى كمال القدرة، والحكمة إشارة إلى كمال العلم، فقدم القدرة هناك على العلم؟!. فالجواب أن المذكور هناك الإعادة {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [الروم: 27] لأن الإعادة بقوله: "كُنْ فَيَكُونَ" فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الإبداء وهو أطوارٌ وأحوالٌ والعلم بكل حال حاصل فالعلم هَهُنا أظهر ثم إن قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} فيه تبشير وإنذار؛ لأنه إذا كان عالماً بأحوال الخلق يكون عالماً بأحوال المخلوق فإن علموا خيراً علمه ثم إذا كان قادراً فإذا علم الخير أثاب، وإذا علم الشر عاقب، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب اللَّذَيْن هما بالقدرة (والعلم) قدم العِلم، وأما الآية الأخرى فالعلم بتلك الأحوال قبل العقاب فقال: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

ابو السعود

تفسير : {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ} أي الأثرَ المدلُولَ عليه بالآثارِ فإنَّه اسمُ جنسٍ يعمُّ القليلَ والكثيرَ {مُصْفَـرّاً} بعد خُضرتِه وقد جُوِّز أنْ يكونَ الضَّميرُ للسَّحابِ لأنَّه إذا كان مُصفرَّاً لم يُمطر ولا يخفى بعدُه. واللامُ في لئن موطِّئةٌ للقسمِ دخلتْ على حرفِ الشَّرطِ والفاءُ في فَرأَوه فصيحة واللامُ في قولِه تعالى: {لَّظَلُّواْ} لامُ جوابِ القسمِ السادِّ مسدَّ الجوابـينِ أي وبالله لئنْ أرسلنا ريحاً حارةً أو باردةً فضربتْ زرْعَهُم بالصَّفارِ فرأَوَه مُصفرَّاً ليظلنَّ {مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} من غيرِ تلعثُمٍ وفيه منْ ذمِّهم بعد تثبـيتِهم وسرعةِ تزلزلِهم بـين طَرَفيْ الإفراطِ والتَّفريطِ ما لا يخفى حيثُ كان الواجبُ عليهم أن يتوكلوا على الله تعالى في كل حال ويلجؤوا إليه بالاستغفار إذا احتبسَ عنهم القطرُ ولا ييأسوا من رَوحِ الله تعالى ويـبادرُوا إلى الشُّكرِ بالطَّاعةِ إذا أصابَهم برحمتِه ولا يفرِّطوا في الاستبشارِ وأنْ يصبرُوا على بلائِه إذا اعترى زرعَهم آفةٌ ولا يكفرُوا بنعمائِه فعكسُوا الأمرَ وأبَوا ما يُجديهم وأَتَوا بما يُرديهم {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} لما أنَّهم مثلُهم لا نسدادِ مشاعرِهم عن الحقِّ {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} تقيـيدُ الحكم بما ذُكر لبـيانِ كمالِ سُوء حالِ الكفرةِ والتنبـيه على أنَّهم جامعُون لخصلتي السُّوءِ نبوِّ أسماعِهم عن الحقَّ وإعراضِهم عن الإصغاءِ إليهِ ولو كانَ فيهم إحداهُما لكفاهُم ذلك فكيفَ وقد جمعُوهما فإنَّ الأصمَّ المقبلَ إلى المتكلِّمِ ربَّما يفطَنُ من أوضاعِه وحركاتِه لشىءٍ من كلامِه وإنْ لم يسمعْهُ أصلاً وأمَّا إذا كانَ مُعرضاً عنه فلا يكادُ يفهمُ منه شيئاً. وقُرىء بالياءِ المفتوحةِ ورفعِ الصُّمِّ {وَمَا أَنتَ بِهَادِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ} سمُّوا عُمياً إما لفقدِهم المقصودِ الحقيقيِّ من الإبصارِ أو لعَمَى قلوبِهم. وقُرىء تهدِي العميَ {إِن تُسْمِعُ} أي ما تُسمِعُ {إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} فإنَّ إيمانَهم يدعُوهم إلى التَّدبرِ فيها وتلقِّيها بالقَبُولِ إو إلاَّ من يُشارفُ الإيمانَ بها ويُقبل عليها إقبالاً لائقاً {فَهُم مُّسْلِمُونَ} مُنقادُون لما تأمرُهم به من الحقِّ.

القشيري

تفسير : إذا انسدَّت البصيرةُ عن الإدراك دام العمى على عموم الأوقات.. كذلك مَنْ حَقَّتْ عليهم الشقاوةُ جَرَّته إلى نفسها - وإنْ تَبَوَّأَ الجنةَ منزلاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه} اللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط والريح ريح العذاب كالدبور ونحوها والفاء فصيحة والضمير المنصوب راجع الى اثر الرحمة المدلول عليه بالآثار دلالة الجمع على واحدة او النبات المعبر عنه بالآثار فانه اسم جنس يعم القليل والكثير. والمعنى وبالله لئن ارسلنا ريحا مضرة حارة او باردة فافسدت زرع الكفارة فرأوه {مصفرا} من تأثير الريح اى قد اصفر بعد خضرته وقرب من الجفاف والهلاك. والاصفرار بالفارسية [زرد شدن] والصفرة لون من الالوان التى بين السواد والبياض وهو الى البياض اقرب {لظلوا} اللام لام جواب القسم الساد مسد الجوابين ولذلك فسر الماضى بالاستقبال اى يظلون وظل بالفتح اصله العمل بالنهار ويستعمل فى موضع صار كما فى هذا المقام. والمعنى الفارسية [هرآينه باشند] {من بعده} اى بعد اصفرار الزرع والنبت {يكفرون} من غير توقف وتاخير يعنى ان الكفار لا اعتماد لهم على ربهم فان اصابهم خير وخصب لم يشكروا الله ولم يطيعوه وافرطوا فى الاستبشار وان نالهم ادنى شئ يكرهونه جزعوا ولم يصبروا وكفروا سالف النعم ولم يلتجئوا اليه بالاستغفار وليس كذلك حال المؤمن فانه يشكر عند النعمة ويصبر عند المحنة ولا ييأس من روح الله ويلتجئ اليه بالطاعة والاستغفار ليستجلب الرحمة فى الليل والنهار: وفى المثنوى شعر : جون فرود آيد بلا بى دافعى جون نباشد ازتضرع شافعى جز خضوع وبندكى واضطرار اندرين حضرت ندارد اعتبار جونكه غم بينى تو استغفار كن غم بامر خالق آمد كار كن تفسير : وفى الآية اشارة الى ان ريح الشقاوة الازلية اذا هبت من مهب القهر والعزة على زروع معاملات الاشقياء وان كانت مخضرة اى على وفق الشرع تجعلها مصفرة يابسة تذروها الرياح كاعمال المنافق فيصيرون من بعد الايمان التقليدى بالنفاق يكفرون بالله وبنعمته وهذا الكفر اقبح من الكفر المتعلق بالنعمة فقط نعوذ بالله من درك الشقاء وسوء الحال وسيآت الاقوال والافعال

ابن عجيبة

تفسير : قلت: اجتمع القسم والشرط، فذكر جواب القسم وأغنى عن جواب الشرط. والضمير في (رأوه): يعود على النبات المفهوم مما تقدم من أحياء الأرض، أو: على السحاب. يقول الحق جل جلاله: {و} الله {لئن أرسلنا ريحاً} عاصفة على ما نبت في الأرض من الزروع وسائر الأشجار، الذي هو أثر رحمة الله، {فَرَأَوْه} أي: ما نبت في الأرض، {مُصْفَرّاً} يابساً {لظلُّوا} أي: ليظلون {من بعده} أي من بعد اصفراره {يكفرون}، ويقولون: ما رأينا خيراً قط، فينسون النعم السابقة بالنقم اللاحقة. وهذه صفة أهل الغفلة، وأما أهل اليقظة؛ فيشكرون في أوقات النعم، ويصبرون ويرضون في أوقات النقم، وينتظرون الفرح بعد الشدة، واليسر بعد العسر، غير قَانِطِينَ ولا ضَجِرين. أو: ولئن أرسلنا ريحاً؛ لتعذيبهم، فرأوا سحابة صفراء، لأنَّ اصفراره علامة على أنه لا مطر فيه، لظلوا، أي: للجوا من بعد ذلك على كفرهم وطغيانهم، لانهماكهم. قال البيضاوي: وهذه الآية ناعية على الكفار، لقلة تثبيتهم، وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم، لعدم تفكرهم، وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله، ويلتجئوا إليه؛ بالاستغفار، إذا احتبس القطر عنهم، ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر واستدامة الطاعة، إذا أصابهم برحمته, ولم يبطروا بالاستبشار، وأن يصبروا على بلائه؛ إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولم يكفروا نعمه. هـ. قال النسفي: ذمهم الله تعالى بأنهم، إذا حبس عنهم المطر، قنطوا من رحمته، وضربوا أذقانهم على صدورهم، مبلسين، فإذا أصابهم برحمته، ورزقهم المطر، استبشروا، فإذا أرسل الله ريحاً فضرب زروعهم بالصفار ضجّوا، وكفروا بنعمه، وهم في جميع هذه الأحوال على صفة مذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله. فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها صفة مذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله، فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها، ففرحوا وبطروا، وأن يصبروا على بلائه، فكفروا. هـ. وهذه حال من مات قلبه، قال تعالى: {فإنك لا تُسمع الموتى} أي: موتى القلوب، وهؤلاء في حكم الموتى؛ فلا تطمع أن يقبلوا منك، {ولا تُسمع الصمَّ الدعاءَ} أي: لا تقدر أن تُسْمِعَ من كان كالأصم دعاءك إلى الله، او: لا يقدرون أن يسمعوا منك، {إِذا ولوا مدبرين}، فإن قلت: الأصم لا يسمع؛ مقبلاً أو مدبراً، فما فائدة التخصيص؟ قلت: هو إذا كان مُقبلاً يفهم بالرمز والإشارة، فإذا ولّى فلا يفهم، ولا يسمع، فيتعذر إسماعه بالكلية. قاله النسفي. {وما أنت بهادِ العُمي} أي: عُمْي القلوب. وقرأ حمزة: "ومات أنت تهدي العمي"، {عن ضلالتهم} أي: لا تقدر أن تهدي الأعمى عن طريقه إذا ضلّ عنه، بالإشارة إليه، {إنْ}؛ ما {تُسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}؛ منقادون لأوامر الله ونواهيه. الإشارة: من أصول طريقة التصوف: الرجوع إلى الله في السراء والضراء، فالرجوع في السراء: بالحمد والشكر، وفي الضراء: بالرضا والصبر. قال القشيري: {فإنك لا تُسمع الموتى..} إلخ: مَنْ فَقَدَ الحياةَ الأصلية؛ لم يَعِشْ بالرُّقَى والتمائم, وإذا كان في السريرة طَرَشٌ عن سماء الحقائق، فَسَمْعُ الظواهر لا يفيد إلا تأكيد الحُجَّة، وكما لم يُسمع الصمّ الدعاء، فكذلك لا يمكنه أن يهدي العُمْيَ عن ضلالتهم. هـ. ولما ذكر شيئاً من دلائل الأكوان، ذكر شيئاً من دلائل الأنفس، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ...}

الطوسي

تفسير : ست آيات مدني وخمس في ما عداه عد المدني {يقسم المجرمون} ولم يعده الباقون. قرأ ابن كثير {ولا تسمع} بفتح التاء {الصم} رفعاً الباقون - بضم التاء - {الصم} نصباً. وهذا مثل ضربه الله للكفار، والمعنى كما إنك يا محمد لا تسمع الميت لتعذر استماعه فكذلك لا تسمع الكفار. والمعنى انه لا ينتفع بسماعه، لانه لا يعمل به، فاذا كان كذلك فالمعنيان متقاربان، لان المعنى إنك لا تسمع الكافر ما في القرآن من حكمة وموعظة، كما لا تسمع الاصم المدبر عنك. وضم التاء ونصب الميم أحسن لتشاكل ما قبله من اسناد الفعل اليك أيها المخاطب وحكم المعطوف يجب ان يكون مشاكلاً حكم المعطوف عليه. وقرأ عاصم وحمزة {من ضعف} بفتح الضاد في الثلاثة. الباقون بالضم فيهن، وهما لغتان. يقول الله سبحانه {ولئن أرسلنا ريحاً} مؤذنة بالهلاك {فرأوه مصفراً} فالهاء يجوز أن يكون كناية عن السحاب، وتقديره فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك كان غير ممطر، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى الزرع، وتقديره، فرأوا الزرع مصفراً - والثاني قول الحسن - وجواب لئن في الشرط أغنى عنه جواب القسم، لأن المعنى ليظلن كما أن {أرسلنا} بمعنى أن يرسل فجواب القسم قد ناب عن الأمرين. وكان أحق بالحكم لتقدمه على الشرط ولو تقدم الشرط لكان الجواب له، كقولك: ان أرسلنا ريحاً ظلوا والله يكفرون. و (الاصفرار) لون بين الحمرة والبياض، وهو من النبات الذي يصفر بالربح للجفاف ويحول عن حال الأخضرار، فيصير إلى الهلاك ويقنط صاحبه الجاهل بتدبير ربه في ما يأخذ به من الشدة بأمره تارة والرخاء أخرى ليصح التكليف بطريق الترغيب والترهيب، ومعنى (ظل يفعل) أي جعل يفعل في صدر النهار، وهو الوقت الذي فيه إلى ظل الشمس. و (أضحى يفعل) نظير ظل يفعل إلا أنه كثر حتى صار بمنزلة (جعل يفعل). ثم قال لنبيه {إنك} يا محمد {لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين} شبه الكفار في ترك تدبرهم لما يدعوهم اليه النبي صلى الله عليه وآله تارة بالأموات وتارة بالصم، لأنهم لا ينتفعون بدعاء داع، لانهم لا يسمعونه، وكذلك من يسمع ولا يصغى ولا يفكر فيه، ولا يتدبره فكأنه لم يسمعه. وقوله {إذا ولوا مدبرين} معناه إذا أعرضوا عن أدلتنا وعن الحق ذاهبين إلى الضلال غير طالبين لسبيل الرشاد. ولذلك لزمهم الذم وصفة النقص. وقوله {وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم} معناه ليس في هؤلاء حيلة أن يقبلوا الهداية فصار العمي بالضلال صنفين احدهما - يطلب الهداية فهو يجدها عندك. والآخر لا يطلب الهداية، فليس فيه حيلة. ثم قال {إن} يعني ليس تسمع إلا من يصدق بآياتنا وأدلتنا لانهم المنتفعون بدعائك واسماعك {فهم مسلمون} لك ما تدعوهم اليه. ثم قال {الله الذي خلقكم من ضعف} وفيه لغتان - الضم، والفتح - مثل الفقر والفقر، والكره والكره، والجهد والجهد، والمعنى انه خلقهم ضعفاء لانهم كانوا نطفاً، فحولهم إلى أن صاروا أحياء أطفالا لا قدرة لهم {ثم جعل} لهم {من بعد ضعف} أي من بعد هذا الضعف {قوة} إذا شبوا وترعرعوا وكملوا {ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة} في حال الشيخوخة والشيب {يخلق ما يشاء} كيف يشاء {وهو العليم} بما فيه مصالح خلقه قادر على فعله فهو يفعل بحسب ما يعلمه من مصالحهم. ثم اخبر تعالى عن حال الكفار أنهم {يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون} انهم {ما لبثوا غير ساعة} وقيل: في قسمهم بذلك مع أن معارفهم ضرورية قولان: احدهما - قال ابو بكر بن الاخشاد: ذلك يقع منهم قبل اكمال عقولهم. ويجوز قبل الالجاء ان يقع منهم قبيح. والثاني - قال الجبائي: ان المراد أنه منذ ما انقطع عنا عذاب القبر {كذلك كانوا يؤفكون} أي يكذبون لأنه اخبار عن غالب الظن بما لا يعلمون قال: ولا يجوز أن يقع منهم القبيح في الآخرة، لان معارفهم ضرورة. وقيل: {كذلك كانوا يؤفكون} في دار الدنيا ويجحدون البعث والنشور مثل ما حلفوا أنهم لم يلبثوا إلا ساعة، قال الفراء: وتقديره كما كذبوا في الدنيا بالبعث كذلك يكذبون بقولهم ما لبثنا غير ساعة. ومن استدل بذلك على نفي عذاب القبر فقد أبطل، لأن المراد أنهم ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر إلا ساعة.

الجنابذي

تفسير : {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا} على الزّروع وسائر النّبات والاشجار الّتى هى آثار رحمة الله وبها احياء الارض {رِيحاً فَرَأَوْهُ} اى اثر رحمة الله او السّحاب {مُصْفَرّاً} يعنى مصفّر الاوراق بالرّيح الحارّ او خالياً من المطر {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} بالله وانعامه من حيث انّهم لا يتفكّرون انّه تعالى رحيم بعباده ولا يفعل بهم ما يفعل الاّ لغايةٍ راجعةٍ اليهم وانّه ليس منه الاّ الرّحمة ولكن قد تصير الرّحمة فى بعض القوابل نقمة وليست الاّ من قبل القابل.

الأعقم

تفسير : {ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً} وهو العاصف، وقيل: رأوا سحاباً مصفَّراً لا مطر فيه {لظلّوا من بعده يكفرون} أي داموا على كفرهم ولم يرضوا بقضاء الله {فإنك لا تسمع الموتى} فيه تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتمهيلاً بعذره يعني إنك كما تعجز عن استماع الموتى تعجز عن استماع هؤلاء {ولا تسمع الصم الدعاء} أي لا تملك إسماع الصم كذلك هؤلاء لأنهم بمنزلة الصم حين تهدي كذلك هؤلاء {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا} لأنه ينتفع بما يتلى عليه ويتدبره {فهم مسلمون} أي منقادون لله بما يتدبرون ويعلمون، ثم عاد إلى ذكر الأدلة فقال سبحانه: {الله الذي خلقكم من ضعف} أي أوجدكم من نطفة {ثم جعل من بعد ضعف قوة} أي شباباً {ثم جعل من بعد قوة ضعفاً} وهو حال الكبر والهرم {يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} القادر على تصريفهم كيف يشاء وتقليبهم من حال إلى حال {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون} أي يحلفون إظهار المذلة والصِّغَر {ما لبثوا غير ساعة} قيل: في القبور، وقيل: بعد انقطاع عذاب القبر، وفيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وفي الحديث: "حديث : ما بين فناء الدنيا إلى البعث أربعون" تفسير : لا يعلم أهي أربعون سنة أم أربعون ألف سنة؟ وذلك وقت يقضون فيه وتنقطع عبراتهم، وقيل: في الدنيا وذلك لما عاينوا أمر الآخرة كأنهم قالوا ما الدنيا في الآخرة إلا ساعة {كذلك كانوا يؤفكون} يكذبون بالدنيا حيث أخبروا عما لم يعلموا {وقال الذين أوتوا العلم والإِيمان} القائلون هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون {لقد لبثتم في كتاب الله} في اللوح المحفوظ أو في علم الله وقضائه {إلى يوم البعث}، قيل: ظنوا أن العذاب يتأخر عنهم عدة قليلة فبيّن لهم العلماء ان العذاب لا يتأخر عنهم {فهذا يوم البعث} حق {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون} بأن يردوا إلى الدنيا ليتوبوا، وقيل: لأن يقبل معاذيرهم {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} يعني أنه بالغ في البيان، وتصريف الآيات والأدلة، وضرب الأمثال، والوعد والوعيد، فلم ينقادوا ولا يطيعوا والله أعلم {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون}، قيل: الطبع سمةٌ يجعلها الله تعالى على قلوب الكافرين {فاصبر إن وعد الله حق} في نصرك وإظهار دينك، قوله تعالى: {ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون} ولا يحملنك على الخفَّة والقلق جزعاً مما يقولون ويفعلون فإنهم ضالّون شاكون، وقوله: {لا يوقنون} بما أخبر الله تعالى به.

اطفيش

تفسير : {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا} اي رأو الأثر او الزرع المدلول عليه بما تقدم او الضمير عائد لاثر رحمة لله وهو النبات ومن قرأه {أية : إلى آثار رحمة الله }تفسير : بالجمع فانما رجع الضمير اليه مفردا مذكرا على قراءته لأن آثار الرحمة النبات والنبات يقال للقليل والكثير لانه قيل مصدر في الأصل وقيل الضمير للسحاب لانه اذا كان مصفرا لم يمطر وعبر بالاصفرار لا بالصفرة المناسبة حدوث صفرته واللام تمهد الجواب للقسم وتدل على تقدير القسم قبل اداة الشرط ولا تخلوا مع ذلك من توكيد. {لَّظَلُّوا} اللام للتأكيد في جواب القسم وجوابه مغن عن جواب الشروط لذا كان معناه الاستقبال كما ان الماضي الذي هو جواب الشرط مستقبل قال بن هشام قال الكوفيون والبصريون حق الماضي المثبت المجاب به القسم ان يقرن باللام وقد يحذفان وقد يحذف احدهما قال قوم ومنه. {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكفُرُونَ} وهو سهو لأن ضلوا مستقبل لأنه مرتب على الشرط وساد مسد جوابه فلا سبيل فيه الى قد اذ المعنى لكن النون لا تدخل في الماضي وقيل يقدر للشرط جواب والمذكور جواب القسم من استعمال الماضي للاستقبال بمعونة سياق الشرط. {مِن بَعْدِهِ يَكفُرُونَ} بسخط القضاء وبغير ذلك. ونسوا سالف نعمتي والهاء للاصفرار او للريح او المطر وفي ذلك تقبيح لاحوال الكفار وتحذير عنها اذا كانوا يقنطون اذا حبس المطر واذا ارسل اليهم فرحوا وبطروا واذا ضرب الريح زرعهم كفروا والواجب عليهم التوبة والاستغفار والرضى والرجا اذا حبس والشكر اذا ارسل والصبر على البلاء اذا ضرب الريح زرعهم فضادوا ذلك لقلة تدبرهم.

الالوسي

تفسير : {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً } أي النبات المفهوم من السياق كما قال أبو حيان، أو الأثر المدلول عليه بالآثار أو النبات المعبر عنه بل على ما قاله بعضهم، والنبات في الأصل مصدر يقع على القليل والكثير ثم سمي به ما ينبت، وقال ابن عيسى: الضمير للسحاب لأنه إذا كان مصفراً لم يمطر، وقيل: للريح وهي تذكر وتؤنث، وكلا القولين ضعيفان كما في «البحر». وقرأ جناح بن حبيش {مصفاراً} بألف بعد الفاء، واللام في {لَئِنْ } موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط، والفاء في {فَرَأَوْهُ } فصيحة. واللام في قوله تعالى: {لَّظَلُّواْ } لام جواب القسم الساد مسد الجوابين؛ والماضي بمعنى المستقبل كما قاله أبو البقاء ومكي وأبو حيان وغيرهم، وعلل ذلك بأنه في المعنى جواب {إِن} وهو لا يكون إلا مستقبلاً، وقال الفاضل اليمني: إنما قدروا الماضي بمعنى المستقبل من حيث أن الماضي إذا كان متمكناً متصرفاً ووقع جواباً للقسم فلا بد فيه من قد واللام معاً فالقصر على اللام لأنه مستقبل معنى وفيه نظر، وقدروه بمضارع مؤكد بالنون أي وبالله تعالى لئن أرسلنا ريحاً حارة أو باردة فضربت زرعهم بالصفار فرأوه مصفراً بعد خضرته ونضارته ليظلن {مِن بَعْدِهِ } أي من بعد الإرسال أو من بعد اصفرار زرعهم، وقيل: من بعد كونهم راجين مستبشرين {يَكْفُرُونَ } من غير تلعثم نعمة الله تعالى، وفيما ذكر من ذمهم (بعدم تثبتهم) وسرعة تزلزلهم بين طرفي الإفراط والتفريط ما لا يخفى حيث كان الواجب عليهم أن يتوكلوا على الله سبحانه في كل حال ويلجؤا إليه عز وجل بالاستغفار إذا احتبس عنهم المطر ولا ييأسوا من روح الله تعالى ويبادروا إلى الشكر بالطاعة إذا أصابهم جل وعلا برحمته ولا يفرطوا في الاستبشار وإن يصبروا على بلائه تعالى إذا اعترى زرعهم آفة ولا يكفروا بنعمائه جل شأنه فعكسوا الأمر وأبوا ما يجديهم وأتوا بما يؤذيهم، ولا يخفى ما في الآيات من الدلالة على ترجيح جانب الرحمة على جانب العذاب فلا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : وإن كانوا من قبل أن يُنزل عليهم من قبلِه لمُبْلسين} تفسير : [الروم: 49] وما بينهما اعتراض واستطراد لغرض قد علمته آنفاً. وهذه الجملة سيقت للتنبيه على أن الكُفران مطبوع في نفوسهم بحيث يعاودهم بأدنى سبب فهم إذا أصابتهم النعمة استبشروا ولم يشكروا وإذا أصابتهم البأساء أسرعوا إلى الكفران فصُوّر لكفرهم أعجبُ صورة وهي إظهارهم إياه بحدثان ما كانوا مستبشرين منه إذ يكون الزرع أخضر والأمل في الارتزاق منه قريباً فيصيبه إعصار فيحترق فيضجّون من ذلك وتكون حالهم حالة من يكفر بالله وتجري على أقوالهم عبارات السخط والقنوط، كما قال بعض رجّاز الأعراب إذ أصاب قومَه قحط: شعر : ربَّ العباد ما لنا وما لكْ قد كنتَ تسقينا فما بدا لكْ أنزِل علينا الغيثَ لاَ أبا لكْ تفسير : فالضمير المنصوب في {رأوه} عائد إلى {أية : أثر رحمة الله} تفسير : [الروم: 50] وهو الزرع والكلأ والشجر. والاصفرار في الزرع ونحوه مؤذن بيبسه، وسموا صُفَاراً بضم الصاد وتخفيف الفاء: داء يصيب الزرع. والمُصْفَر: اسم فاعل مقتضٍ الوصف بمعناه في الحال، أي فرأوه يَصير أصفر، فالتعبير بــــ {مصفراً} لتصوير حدثان الاصفرار عليه دون أن يقال: فرأوه أصفر. وظل: بمعنى صار، والإتيان بفعل التصيير مع الإخبار عنه بالمضارع لتصوير مبادرتهم إلى الكفر ثم استمرارهم عليه. والحاصل أن المعنى أنه يغلب الكفر على أحوالهم. واعلم أن الإتيان بالأفعال الثلاثة ماضية لأن وقوعها في سياق الشرط يمحضها للاستقبال، فأوثرت صيغة المضي لأنها أخف والمتكلم مخيَّر في اجتلاب أيّ الصيغتين مع الشرط، مثل قوله {أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله}تفسير : [الإسراء: 88] بصيغة المضارع لأن المقام للنفي بـــ{لا وهي لا تدخل على الماضي المسند إلى مفرد إلا في الدعاء.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 51- وأقسم: لئن أرسلنا ريحاً مضرة بالنبات فرأوه مصفراً بسببها، لصاروا من بعد اصفراره يجحدون النعمة ويكفرون بالله. 52- فلا تحزن من عنادهم وعدم استجابتهم لك، فأنت لا تستطيع أن تُسمع الموتى دعاءك، ولا أن تُسمع الصم نداءك، إذا زادوا على صممهم بأن فروا عنك معرضين. 53- وهؤلاء كالعمى لإغلاقهم قلوبهم عن الاستجابة للهدى، وأنت لا تستطيع هداية من فقدوا البصر والبصيرة وتحول بينهم وبين كفرهم، وإنما تسمع سماع فهم وقبول من تهيأت قلوبهم لتلقى الإيمان. فهؤلاء ينقادون للحق متى ظهر. 54- الله الذى خلقكم من نطفة فنشأتم ضعافا، ثم جعل لكم من بعد هذا الضعف قوة بنموكم وبلوغكم حد الرشد، ثم جعل لكم من بعد هذه القوة ضعف الشيخوخة والشيب، يخلق ما يشاء وهو العليم بتدبير خلقه القدير على إيجاد ما يشاء. 55- ويوم تقوم الساعة يحلف الكافرون أنهم ما لبثوا فى الدنيا أو فى قبورهم غير ساعة، ومثل ذلك الصَرّفِ كانت تَصْرِفُهُمْ الشياطين فى الدنيا عن الحق إلى الباطل. 56- وقال الذين آتاهم الله العلم من الأنبياء والملائكة والمؤمنين: لقد لبثتم فى حكم الله وقضائه إلى يوم البعث. فهذا يوم البعث الذى أنكرتموه، ولكنكم كنتم فى الدنيا لا تعلمون أنه حق، لجهالتكم وإعراضكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَئِنْ} (51) -وَإِذا أَرْسَلَ اللهُ رِيحاً بَارِدَةً، أَو رِيحاً حَارَّةً لَفَحَتْ زُرُوعَهُمْ وَثِمَارَهُمْ، فَأَتْلَفَتْها فَاصْفَرَّتْ مِنْ بَعْدِ خُضْرَةٍ، وذَوَتْ مِنْ بعدِ نُضْرَةٍ، لَتَبَدَّلَتْ َفَرْحَتُهُمْ حُزناً، ولا نْقَلَبَ رَجَاؤُهُمْ قُنُوطاً وَكُفْراً وجُحُوداً بِأَنْعُمِ اللهِ السَّالِفَةِ لاضْطِرابِ عَقِيدَتِهِمْ وَتَشَكُّكِهِمْ، فالمؤْمِنُ مِنْ وَاجِبِهِ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ في كُلِّ حِينٍ، وَفي كُلِّ حَالٍ، وأَنْ يَشْكُرَهُ أَبداً وَدَائِماً. فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً - فَرَأَوا النَّبَاتَ مُصْفَرّاً بعدَ الخُضْرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لك أن تلحظ الفرق بين أسلوب هذه الآية {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً ..} [الروم: 51] والآية السابقة {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ ..} تفسير : [الروم: 48] فيرسل: مضارع دالٌّ على الاستمرار، والرياح كما قلنا لا تُستعمل إلا في الخير، فكأن إرسال الرياح أمر متوافر، وكثيراً ما يحدث فضلاً من الله وتكرُّماً. أما هنا، وفي الحديث عن الريح، وسبق أن قُلْنا: إنها لا تستعمل إلا في الشر، فلم يقُلْ يرسل، بل اختار (إن) الدالة على الشك، والفعل الماضي الدال على الانتهاء لماذا؟ لأن ريح الشر نادراً ما تحدث، ونادراً ما يُسلِّطها الله على عباده، فمثلاً ريح السَّمُوم تأتي مرة في السنة، كذلك الريح العقيم جاءتْ في الماضي مرة واحدة، كذلك الريح الصرصر العاتية. إذن: فهي قليلة نادرة، ومع ذلك إنْ أصابتهم يجزعون وييأسون، وهذا لا ينبغي منهم، أليست لهم سابقة في عدم اليأس حين يئسوا من إرسال الرياح، فأرسلها الله عليهم ومن إنزال المطر فأنزله الله لهم، فلماذا القنوط والرب موجود؟ ومعنى {فَرَأَوْهُ ..} [الروم: 51] أي: رأوا الزرع الذي كان أخضر نضراً {مُصْفَرّاً ..} [الروم: 51] أي: متغيراً ذابلاً {لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} [الروم: 51] يكفرون باليأس الذي يعزل الحق سبحانه عن الأحداث، مع أن لهم سابقة، وقد يئسوا وفرَّج الله عليهم. ذلك لأن الإنسان لا صبرَ له على البلاء، فإنْ أصابه سرعان ما يجزع، ولو قال أنا لي رب أفزع إليه فيرفع عني البلاء، وأن له حكمة سأعرفها لاستراحَ ولهانَ عليه الأمر. ولك أنْ تسأل: لماذا قال القرآن {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا ..} [الروم: 51] ولم يقُلْ وإن؟ قالوا: هذه اللام الزائدة يُسمُّونها اللام الموطئة للقسم، فتقدير الكلام: والله لئن أرسلنا، فالواو هنا واو القسم واللام مُوطِّئة له، وللحق سبحانه أن يقسم بما يشاء على ما يشاء، وكل قسم يحتاج إلى جواب، تقول: والله لأضربنَّك. كذلك الشرط في (إن) يحتاج إلى جواب للشرط، والحق سبحانه هنا مزج بين القسَم والشرط في جملة واحدة، فإنْ قلت فالجواب هنا للقسَم أم للشرط؟ قالوا: فطنة العرب تأبى أنْ يوجد جوابان في جملة واحدة، فيأتي السياق بجواب واحد نستغني به عن الجواب الآخر، والجواب يكون لما تقدَّم، فإنْ تقدم القسَم فالجواب للقسم، وإنْ تقدَّم الشرط فالجواب للشرط. وهنا {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً ..} [الروم: 51] قدم القسم؛ لأن التقدير: والله لئن أرسلنا ريحاً.. وكلمة {لَّظَلُّواْ ..} [الروم: 51] مأخوذة من الظل وظلَّ فعل مَاضٍ ناقص مثل بات يعني في البيتوتة، وأضحى يعني: استمر في وقت الضحى، وأمسى في وقت المساء، كذلك ظلَّ أي: استمر في الوقت الذي فيه ظِلٌّ يعني: طوال النهار، إذن: نأخذ الزمن من المشتق منه. ثم يقول الحق سبحانه: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً} أخبر تعالى عن تقلب ابن آدم في أنه بعد الاستبشار بالمطر بعث الله ريحاً فاصفر بها النبات فظلوا يكفرون قلقاً منهم والريح الذي يصفر بها النبات صرصور أو هما مما يصبح به النبات هشيماً والحرور جنب الشمال إذا عصفت والضمير في فرأوه عائد على ما يفهم من سياق الكلام وهو النبات واللام في ولئن مؤذنة بقسم محذوف وجوابه لظلوا وهو مما وضع فيه الماضي موضع المستقبل إتساعاً تقديره ليظللن والضمير في بعده عائد على الإِصفرار أي من بعد إصفرار النبات يجحدون نعمته وتقدم الكلام على قوله: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} إلى قوله: {فَهُمْ مُّسْلِمُونَ} في أواخر النمل إلا أن هنا الربط بالفاء في قوله: فإِنك. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} الآية لما ذكر من دلائل الآفاق ما ذكر ذكر شيئاً من دلائل الأنفس وجعل الخلق من ضعف لكثرة ضعف الإِنسان أول نشأته وطفوليته كقوله تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}تفسير : [الأنبياء: 27] والقوة التي تلت الضعف هي رعرعته ونماؤه وقوته إلى فصل الاكتهال والضعف الذي بعد القوة هو حال الشيخوخة والهرم وقرىء: ضعف بضم الضاد وفتحها ما لبثوا في الدنيا استقلوها لما عاينوا من أمر الآخرة واخبارهم بذلك هو على جهة التقول بغير علم أي على جهة النسيان والكذب. {يُؤْفَكُونَ} أي يصرفون عن قول الحق والنطق بالصدق. و{ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون. {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} فيما وعد به في كتابه من الحشر والبعث والعلم يعم الإِيمان وغيره ولكن نص على هذا الخاص تشريفاً وتنبيهاً على محله من العلم وقيل في كتاب الله في اللوح المحفوظ. {فَيَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ يقع ذلك من أقسام الكفار وقول أولي العلم لهم. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} في إزالة ما سألوه مما هم فيه. {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا} إشارة إلى إزالة الأعذار والإِتيان بما فوق الكناية من الإِنذار. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ} أي مثل هذا الطبع يطبع الله أي يختم على قلوب الجهلة الذين قد حتم عليه بالكفر في الأزل وأسند الطبع إلى ذاته تعالى إذ هو فاعل ذلك ومقدره ثم أمره تعالى بالصبر عليهم وعلى عداوتهم وقواه بتحقيق الوعد بأنه لا بد من إيجاده والوفاء به ونهاه عن الإِهتزاز لكلامهم والتحرك فإِنهم لا يقين لهم ولا بصيرة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أموات الأحياء من غير الأحياء بقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} [الروم: 51] يشير إلى ريح الشقاوة الأزلية إذا هبت عن مهب القهر والعزة على زرع معاملة الأشقياء، وإن كانت مخضرة أي على وفق الشرع نجعلها مصفرة يابسة تذروها الرياح كأعمال المنافق وخلوا بعد الإيمان التقليدي بالنفاق يكفرون بالله وبنعمه. وبقوله: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} [الروم: 52] يشير إلى أن الكفر موت القلب كما أن العصيان مرض فمن مات قلبه بالكفر بطل سمعه فلا تنفعه لصمه وهو معنى قوله: {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} [الروم: 52] يعني: إذا كان في السرية صم عن سماع الحقيقة فسماع الظاهر لا يفيده إلا تأكيد الحجة، {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} [الروم: 52] معرضين عن الحق، وكما لم يسمع الصم الدعاء فلم يمكنه أن يهدي العمي {وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ} [الروم: 53] عن ضلالتهم لأنهم موتى عن الحياة الحقيقية فالميت لا يبصر شيئاً كما {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} لأن الإيمان حياة القلب، فإذا كان القلب حياً يكون له السمع والبصر واللسان. ثم فسر المؤمن الحقيقي بقوله: {فَهُمْ مُّسْلِمُونَ} [الروم: 53] أي: مستسلمون لأحكام الشريعة وآداب الطريقة في التوجه إلى عالم الحقيقة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حالة الخلق وأنهم مع هذه النعم عليهم بإحياء الأرض بعد موتها ونشر رحمة اللّه تعالى لو أرسلنا على هذا النبات الناشئ عن المطر وعلى زروعهم ريحا مضرة متلفة أو منقصة، { فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا } قد تداعى إلى التلف { لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } فينسون النعم الماضية ويبادرون إلى الكفر. وهؤلاء لا ينفع فيهم وعظ ولا زجر { فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ } وبالأولى { إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ } فإن الموانع قد توفرت فيهم عن الانقياد والسماع النافع كتوفر هذه الموانع المذكورة عن سماع الصوت الحسي. { وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ } لأنهم لا يقبلون الإبصار بسبب عماهم فليس منهم قابلية له. { إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } فهؤلاء الذين ينفع فيهم إسماع الهدى المؤمنون بآياتنا بقلوبهم المنقادون لأوامرنا المسلمون لنا، لأن معهم الداعي القوي لقبول النصائح والمواعظ وهو استعدادهم للإيمان بكل آية من آيات اللّه واستعدادهم لتنفيذ ما يقدرون عليه من أوامر اللّه ونواهيه.