Verse. 3461 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

فَاِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتٰى وَلَا تُسْمِـــعُ الصُّمَّ الدُّعَاۗءَ اِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِيْنَ۝۵۲
Fainnaka la tusmiAAu almawta wala tusmiAAu alssumma aldduAAaa itha wallaw mudbireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإنك لا تُسمع الموتى ولا تُسمع الصم الدعاء إذا» بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء «ولَّوْا مدبرين».

52

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} أي وَضَحت الحجج يا محمد؛ لكنهم لإلْفِهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولهم وعمِيت بصائرهم، فلا يتهيأ لك إسماعهم وهدايتهم. وهذا ردّ على القدرية. {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} أي لا تُسمع مواعظَ الله إلا المؤمنين الذين يصغون إلى أدلة التوحيد وخَلقتُ لهم الهدايةَ. وقد مضى هذا في «النمل» ووقع قوله: {أية : بِهَادِي ٱلْعُمْيِ}تفسير : [النمل: 81] هنا بغير ياء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها، ولا تبلغ كلامك الصم الذين لا يسمعون، وهم مع ذلك مدبرون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق، وردهم عن ضلالتهم، بل ذلك إلى الله، فإنه تعالى بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى: {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِـأَيَـٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} أي: خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتبعونه، وهذا حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} تفسير : [الأنعام: 36] وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بهذه الآية: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام، ومعاتبته إياهم، وتقريعه لهم، حتى قال عمر: يا رسول الله ما تخاطب من قوم قد جيّفوا؟ فقال: «حديث : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون» تفسير : وتأولته عائشة على أنه قال: «حديث : إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق»تفسير : . وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته؛ تقريعاً وتوبيخاً ونقمة. والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر؛ لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححاً له عن ابن عباس مرفوعاً: «حديث : ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام».تفسير : وثبت عنه صلى الله عليه وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه، فيقول المسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب، لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحي له، ويستبشر، فروى ابن أبي الدنيا في كتاب (القبور) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده، إلا استأنس به، وردّ عليه حتى يقوم»تفسير : وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إذا مر الرجل بقبر يعرفه، فسلم عليه، رد عليه السلام، وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن رجل من آل عاصم الجحدري قال: رأيت عاصم الجحدري في منامي بعد موته بسنتين، فقلت: أليس قد مِتَّ؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابي، نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني، فنتلقى أخباركم قال: قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات، قد بليت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعلم بها عشية الجمعة، ويوم الجمعة كله، ويوم السبت إلى طلوع الشمس: قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته. قال: وحدثنا محمد بن الحسين، حدثنا بكر بن محمد، حدثنا حسن القصاب، قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتي أهل الجبان، فنقف على القبور، فنسلم عليهم، وندعو لهم، ثم ننصرف، فقلت ذات يوم: لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين؟ قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة، ويوماً قبلها، ويوماً بعدهاـ قال: ثنا محمد، ثنا عبد العزيز بن أبان قال: ثنا سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبراً يوم السبت قبل طلوع الشمس، علم الميت بزيارته، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة. ثنا خالد بن خداش، ثنا جعفر بن سليمان عن أبي التياح يقول: كان مطرف يغدو، فإذا كان يوم الجمعة أدلج قال: وسمعت أبا النياح يقول: بلغنا أنه كان ينزل بغوطة، فأقبل ليلة حتى إذا كان عند المقابر يقوم، وهو على فرسه، فرأى أهل القبور، كل صاحب قبر جالساً على قبره، فقالوا: هذا مطرف يأتي يوم الجمعة، ويصلون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول فيه الطير. قلت: وما يقولون؟ قال: يقولون: سلام عليكم؛ حدثني محمد بن الحسن ثنا يحيى بن أبي بكر، ثنا الفضل بن الموفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبي، جزعت عليه جزعاً شديداً، فكنت آتي قبره في كل يوم، ثم قصرت عن ذلك ما شاء الله، ثم إني أتيته يوماً، فبينا أنا جالس عند القبر، غلبتني عيناي، فنمت، فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج، وكأنه قاعد في قبره، متوشح أكفانه، عليه سحنة الموتى، قال: فكأني بكيت لما رأيته، قال: يا بني ما أبطأ بك عني؟ قلت: وإنك لتعلم بمجيئي؟ قال: ما جئت مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فأسرّ بك، ويسرّ من حولي بدعائك قال: فكنت آتيه بعد ذلك كثيراً. وحدثني محمد، حدثنا يحيى بن بسطام، ثنا عثمان بن سويد الطفاوي، قال: وكانت أمه من العابدات، وكان يقال لها: راهبة، قال: لما احتضرت، رفعت رأسها إلى السماء فقالت: يا ذخري، وذخيرتي من عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني عند الموت، ولا توحشني، قال: فماتت، فكنت آتيها في كل جمعة، فأدعو لها، وأستغفر لها، ولأهل القبور، فرأيتها ذات يوم في منامي، فقلت لها: يا أمي كيف أنتِ؟ قالت: أي بني إن للموت لكربة شديدة، وإني بحمد الله لفي برزخ محمود، يفرش فيه الريحان، ونتوسد السندس والإستبرق إلى يوم النشور، فقلت لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قلت: وما هي؟ قالت: لا تدع ما كنت تصنع من زياراتنا والدعاء لنا؛ فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك، يقال لي: يا راهبة هذا ابنك قد أقبل، فأسرّ، ويسرّ بذلك من حولي من الأموات. حدثني محمد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن سليمان، حدثنا بشر بن منصور قال: لما كان زمن الطاعون، كان رجل يختلف إلى الجبان، فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى، وقف على المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقبل حسناتكم، لا يزيد على هؤلاء الكلمات قال: فأمسيت ذات ليلة، وانصرفت إلى أهلي، ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو، قال: فبينا أنا نائم، إذا بخلق قد جاؤوني، فقلت: ما أنتم؟ وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر، قلت: وما حاجتكم؟ قالوا: إنك قد عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك، قلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها، قال: قلت: فإني أعود لذلك، قال: فما تركتها بعد، وأبلغ من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه. قال عبد الله بن المبارك: حدثني ثور بن يزيد عن إبراهيم عن أيوب قال: تعرض أعمال الأحياء على الموتى، فإذا رأوا حسناً، فرحوا واستبشروا، وإن رأوا سوءاً قالوا: اللهم راجع به. وذكر ابن أبي الدنيا عن أحمد بن أبي الحواري قال: ثنا محمد أخي قال: دخل عباد بن عباد على إبراهيم بن صالح وهو على فلسطين، فقال: عظني، قال: بم أعظك؟ أصلحك الله، بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عملك؟ فبكى إبراهيم حتى أخضل لحيته. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني محمد بن الحسين، ثني خالد بن عمرو الأموي، ثنا صدقة بن سليمان الجعفري، قال: كانت لي شرة سمجة، فمات أبي فتبت وندمت على ما فرطت، ثم زللت أيما زلة، فرأيت أبي في المنام، فقال: أي بني ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض علينا، فنشبهها بأعمال الصالحين، فلما كانت هذه المرة، استحييت لذلك حياء شديداً، فلا تخزني فيمن حولي من الأموات؛ قال: فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في دعائه في السحر ــــ وكان جاراً لي بالكوفة ــــ: أسألك إيابة لا رجعة فيها ولا حور، يا مصلح الصالحين ويا هادي المضلين ويا أرحم الراحمين. وهذا باب فيه آثار كثيرة عن الصحابة. وكان بعض الأنصار من أقارب عبد الله بن رواحة يقول: اللهم إني أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد الله بن رواحة، كان يقول ذلك بعد أن استشهد عبد الله. وقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلِّم محال، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل اللهاَ لنا ولكم العافية، فهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويُخاطب ويعقل ويردّ، وإن لم يسمع المسلِّم الردَّ، واللهُ أعلم

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاءَ إِذَا } بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء {وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} فيه قولان: أحدهما: أن الموتى الكفار الذين يموتون على الكفر وهم الصم الذين تولوا عن الهدى فلم يسمعوه، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أن هذا مثل ضربه الله للكافرين كما أن الميت إذا خوطب لم يسمع والأصم إذا دعي لم يسمع كذلك الكافر لا يسمع الوعظ لأن الكفر قد أماته والضلال قد أصمه. قوله: {وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِرِينَ} فالأصم لا يسمع الدعاء مقبلاً ولا مدبراً ولكن إذا دعي مقبلاً فقد يفهم الإشارة وإن لم يسمع الصوت، فإذا دعي مدبراً فهو لا يفهم الإشارة ولا يسمع الصوت فلذلك صارت حاله مدبراً أسوأ، فذكره بأسوأ أحواله. وقيل إنها نزلت في بني عبد الدار.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمَوْتَى} الذين ماتوا كفاراً و {الصُّمَّ} الذين تولوا عن الهدى فلم يسمعوه، أو مَثَّل الكافر في أنه لا يسمع بالميت والأصم لأن كفره قد أماته وضلاله قد أصمه. {مُدْبرِينَ} لأن المدبر لا يفهم بالإشارة وإن كان الأصم لا يسمع مقبلاً ولا مدبراً قيل نزلت في بني عبد الدار.

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا كله من حالهم في سرعة الحزن والفرح في حالتي الشدة والرخاء وإصرارهم على تجديد الكفر دليلاً على خفة أحلامهم، وسوء تدبرهم، فإنهم لا للآيات المرئية يعون، ولا للمتلوة عليهم يسمعون، سبب عن ذلك التعريف بأن أمرهم ليس لأحد غيره سبحانه وهو قد جعلهم أموات المعاني، فقال ممثلاً لهم بثلاثة أصناف من الناس، وأكده لأنهم ينكرون أن يكون حالهم كذلك والنبي صلى الله عليه وسلم شديد السعي في إسماعهم والجهد في ذلك: {فإنك} أي استدامتهم لكفرهم هذا تارة في الرخاء وتارة في الشدة وقوفاً مع الأثر من غير نظر ما إلى المؤثر وأنت تتلو عليهم آياته، وتنبههم على بدائع بيناته بسبب أنك {لا تسمع الموتى} أي ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم، فلا نظر ولا سمع، أو موتى القلوب، إسماعاً ينفعهم، لأنه مما اختص به سبحانه، وهؤلاء منهم من هم مثل الأموات لأن الله تعالى قد ختم على مشاعرهم {ولا تسمع} أي أنت في قراءة الجماعة غير ابن كثير {الصم} أي الذين لا سمع لهم أصلاً، وذكر ابن كثير الفعل من سمع ورفع الصم على أنه فاعل، فكان التقدير: فإن من مات أو مات قلبه ولا يسمع ولا يسمع الصم {الدعاء} إذا دعوتهم، ثم لما كان الأصم قد يحس بدعائك إذا كان مقبلاً بحاسة بصره قال: {إذا ولوا} وذكر الفعل ولم يقل: ولت، إشارة إلى قوة التولي لئلا يظن أنه أطلق على المجانبة مثلاً، ولذا بنى من فاعله حالاً هي قوله: {مدبرين*}. ولما بدأ بفاقد حاسة السمع لأنها أنفع من حيث إن الإنسان إنما يفارق غيره من البهائم بالكلام، أتبعها حاسة البصر مشيراً بتقديم الضمير إلى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في هدايتهم اجتهاد من كأنه يفعله بنفسه تدريباً لغيره في الاقتصاد في الأمور فقال: {وما أنت بهاد العمي} أي بموجد لهم هداية وإن كانوا يسمعون، هذا في قراءة الجماعة غير حمزة، وجعله حمزة فعلاً مضارعاً مسنداً إلى المخاطب من هدى، فالتقدير: وما أنت تجدد هداية العمي {عن ضلالتهم} إذا ضلوا عن الطريق فأبعدوا وإن كان أدنى ضلال - بما أشار إليه التأنيث، وإن أتعبت نفسك في نصيحتهم، فإنهم لا يسلكون السبيل إلا وأيديهم في يدك ومتى غفلت عنهم وأنت لست بقيوم رجعوا إلى ضلالهم، فالمنفي في هذه الجملة في قراءة الجمهور ما تقتضيه الاسمية من دوام الهداية مؤكداً، وقراءة حمزة ما يقتضيه المضارع من التجدد وفي التي قبلها ما تقتضيه الفعليه المضارعة من التجدد ما دام مشروطاً بالإدبار، وفي الأولى تجدد السماع مطلقاً فهي أبلغ ثم التي بعدها، فممثول الصنف الأول من لا يقبل الخير بوجه ما مثل أبي جهل وأبيّ بن خلف، والثاني من قد يقارب مقاربة ما مثل عتبة بن ربيعة حين كان يقول لهم: خلو بين هذا الرجل وبين الناس، فإن أصابوه فهو ما أردتم وإلا فعزه عزكم، والثالث المنافقون، وعبر في الكل بالجمع لأنه أنكأ - والله الموفق. ولما كان ذلك كناية عن إيغالهم في الكفر، بينه ببيان أن المراد موت القلب وصممه وعماه لا الحقيقي بقوله: {إن} أي ما {تسمع إلا من يؤمن} أي يجدد إيمانه مع الاستمرار مصدقاً {بآياتنا} أي فيه قابلية ذلك دائماً، فهو يذعن للآيات المسموعة، ويعتبر بالآيات المصنوعة، وأشار بالإفراد في الشرط إلى أن لفت الواحد عن رأيه أقرب من لفته وهو مع غيره، وأشار بالجمع في الجزاء إلى أن هذه الطريقة إن سلكت كثر التابع فقال: {فهم} أي فتسبب عن قبولهم لذلك أنهم {مسلمون} أي منقادون للدليل غاية الانقياد غير جامدين مع التقليد. ولما دل سبحانه على قدرته على البعث بوجوه من الدلالات، تارة في الأجسام، وتارة في القوى، وأكثر على ذلك في هذه السورة من الحجج البينات، وختم لأنه لا يبصر هذه البراهين إلا مَنْ حسنت طويته، فلانت للأدلة عريكته، وطارت في فيافي المقادير بأجنحة العلوم فكرته ورويته، وصل بذلك دليلاً جامعاً بين القدرة على الأعيان والمعاني إبداء وإعادة، ولذلك لفت الكلام إلى الاسم الجامع ولفته إلى الخطاب للتعميم والاستعطاف بالتشريف، فقال مؤكداً إشارة إلى أن ذلك دال على قدرته على البعث ولا وهم ينكرونها، فكأنهم ينكرونه، فإنه لا انفكاك لأحدهما عن الآخر: {الله} أي الجامع لصفات الكمال وحده. ولما كان تعريف الموصول ظاهراً غير ملبس، عبر به دون اسم الفاعل فقال: {الذي خلقكم} أي من العدم. ولما كان محط حال الإنسان وما عليه أساسه وجبلته الضعف، وأضعف ما يكون في أوله قال: {من ضعف} أي مطلق - بما أشارت إليه قراءة حمزة وعاصم بخلاف عن حفص بفتح الضاد، وقوى بما أشارت إليه قراءة الباقين بالضم، أو من الماء المهين إلى ما شاء الله من الأطوار، ثم ما شاء الله من سن الصبي. ولما كانت تقوية المعنى الضعيف مثا إحياء الجسد الميت قال: {ثم جعل} عن سبب وتصيير بالتطوير في أطوار الخلق بما يقيمه من الأسباب، ولما كان ليس المراد الاستغراق عبر بالجار فقال: {من بعد} ولما كان الضعف الذي تكون عنه القوة غير الأول، أظهر ولم يضمر فقال: {ضعف قوة} بكبر العين والأثر من حال الترعرع إلى القوة بالبلوغ إلى التمام في أحد وعشرين عاماً، وهو ابتداء سن الشباب إلى سن الاكتمال ببلوغ الأشد في اثنين وأربعين عاماً فلو لا تكرر مشاهدة ذلك لكان خرق العادة في إيجاده بعد عدمه مثل إعادة الشيخ شاباً بعد هرمه {ثم جعل من بعد قوة} في شباب تقوى به القلوب، وتحمى له الأنوف، وتشمخ من جرائه النفوس {ضعفاً} رداً لما لكم إلى أصل حالكم. ولما كان بياض الشعر يكون غالباً من ضعف المزاج قال: {وشيبة} وهي بياض في الشعر ناشىء من برد في المزاج ويبس يذبل بهما الجسم، وينقص الهمة والعلم، وذلك بالوقوف من الثالثة والأربعين، وهو أول سن الاكتهال وبالأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى. ولما كانت هذه هي العادة الغالبة وكان الناس متفاوتين فيها، وكان من الناس من يطعن في السن وهو قوي، أنتج ذلك كله - ولا بد - التصرف بالاختيار مع شمول العلم وتمام القدرة فقال: {يخلق ما يشاء} أي من هذا وغيره {وهو العليم} أي البالغ العلم فهو يسبب ما أراد من الأسباب لما يريد إيجاده أو إعدامه {القدير*} فلا يقدر أحد على إبطال شيء من أسبابه، فلذلك لا يتخلف شيء أراده عن الوقت الذي يريده فيه أصلاً، وقدم صفة العلم لاستتباعها للقدرة التي المقام لها، فذكرها إذن تصريح بعد تلويح، وعبارة بعد إشارة. ولما ثبتت قدرته على البعث وغيره، عطف على قوله أول السورة {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} أو على ما تقديره: فيوم يريد موتكم تموتون، لا تستأخرون عن لحظة الأجل ولا تستقدمون، قوله: {ويوم تقوم الساعة} أي القيامة التي هي إعادة الخلائق الذين كانوا بالتدريج في ألوف من السنين لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى في أقل من لمح البصر، ولذا سميت بالساعة إعلاماً بيسرها عليه سبحانه {يقسم المجرمون} أي العريقون في الإجرام جرياً منهم على ديدن الجهل في الجزم بما لم يحيطوا به علماً: {ما} أي إنهم ما {لبثوا} في الدنيا والبرزخ {غير ساعة} أي قدر يسير من ليل أو نهار. ولما كان هذا أمراً معجباً لأنه كلام كذب بحيث يؤرث أشد الفضيحة والخزي في ذلك الجمع الأعظم مع أنه غير مغنٍ شيئاً، استأنف قوله تنبيهاً على أنه الفاعل له: فلا عجب {كذلك} أي مثل ذلك الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها {كانوا} في الدنيا كوناً هو كالجبلة {يؤفكون*} أي يصرفون عن الصواب الذي منشأه تحري الصدق والإذعان للحق إلى الباطل الذي منشأه تحري المغالبة بصرفنا لهم، فإنه لا فرق في قدرتنا وعلمنا بين حياة وحياة، ودار ودار، ولعله بنى الفعل للمجهول إشارة إلى سهولة انقيادهم إلى الباطل مع أيّ صارف كان.

السيوطي

تفسير : أخرج مسلم وابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر أياماً حتى جيفوا، ثم أتاهم فقام يناديهم، فقال‏: يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة‏؛‏ هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏؟‏ فسمع عمر رضي الله عنه صوته فجاء فقال‏:‏ يا رسول الله تناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون‏؟‏ يقول الله ‏ {إنك لا تسمع الموتى‏} ‏ فقال‏: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال ‏"حديث : ‏هل وجدتم ما وعد ربكم حقا‏ً؟‏ ثم قال‏: إنهم الآن يسمعون ما أقول‏. فذكر لعائشة رضي الله عنها فقالت‏:‏ إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأت ‏{‏إنك لا تسمع الموتى‏} حتى قرأت الآية "‏‏. تفسير : ‏وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة رضي الله عنهما‏‏ "‏حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالْعَرَصَةِ ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه قالوا‏:‏ ما ترى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركى فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم‏.‏ يا فلان بن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله‏؟‏ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏؟‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها‏:‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: إنهم لأسمع لما أقول منكم‏"تفسير : ‏ قال قتادة‏:‏ أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندما‏ً. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت هذه الآية في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بدر ‏ {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين‏}‏‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} [الآية: 52]. قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: لن يسمع دعاءك إلا من أسمعناه فى الأزل خطابنا ووفقناه لجواب الخطاب على الصواب فإذا سمع خطابك أجابك بالجواب الأول لأن الخطابين واحد أحدهما بسبب وواسطة والآخر عن المسبب والمشاهدة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ}. مَنْ فَقَدَ الحياةَ الأصلية لم يَعِشْ بالرُّقَى والتمائم، وإذا كان في السريرة طَرَشٌ عن سماع الحقيقة فَسَمْعُ الظاهر لا يفيده آكَدُ الحُجَّة. وكما لا يُسْمِعُ الصُّمَّ الدعاءَ فكذلك لا يمكنه أن يهدي العُمْىَ عن ضلالتهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فانك لا تسمع الموتى} اى من كان من الكفار كما وصفنا فلا تطمع يا محمد فى فهمهم مقالتك وقبولهم دعوتك فانك لا تسمع الموتى. والكفار فى التشبيه كالموتى لانسداد مشاعرهم عن الحق وهم الذين علم الله قبل خلقهم انهم لا يؤمنون به ولا برسله. وفى الآية دليل على ان الاحياء قد تسمون امواتا اذا لم يكن لهم منفعة الحياة. قال امير المؤمنين على كرم الله وجهه مات خزان الاموال وهم احياء والعلماء باقون ما بقى الدهر اجسادهم مفقودة وآثارهم بين الورى موجودة. واعلم ان الكفر موت القلب كما ان العصيان مرضه فمن مات قلبه بالكفر بطل سمعه بالكلية فلا ينفعه النصح اصلا ومن مرض قلبه بالعصيان فيسمع سمعا ضعيفا كالمريض فيحتاج الى المعالجة فى ازالته حتى يعود سمعه الى الحالة الاولى ثم اشار تعالى الى تشبيه آخر بقوله {ولا تسمع الصم} جمع اصم والصمم فقدان حاسة السمع وبه شبه من لا يصغى الى الحق ولا يقبله كما فى المفردات {الدعاء} اى الدعوة: وبالفارسية [خواندن] {اذا ولوا} اعرضوا عن الداعى حال كونهم {مدبرين} تاركين له وراء ظهورهم فارين منه وتقييد لحكم باذا الخ لبيان كمال سوء حال الكفرة والتنبيه على انهم احداهما لخصلتى السوء بنبوّ اسماعهم عن الحق واعراضهم عن الاصغاء اليه ولو كان فيهم احدا هما لكفتهم فكيف وقد جمعوهما فان الاصم المقبل الى التكلم ربما يتفطن منه بواسطة اوضاعه وحركات فمه واشارات يد ه ورأسه شيئا من كلامه وان لم يسمعه اصلا واما اذا كان معرضا عنه يعنى: [كرى كه يشت برمتكلم دارد] فلا يكاد يفهم منه شيئا ثم اشار الى تشبيه آخر بقوله

الجنابذي

تفسير : {فَـ} هم ليسوا احياءً بالحيٰوة الانسانيّة ولا سامعين ولا مبصرين بالسّمع والبصر الانسانيّين و {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} عن الحيٰوة الانسانيّة فلا تحزن على عدم سماعهم ولا تلومنّ نفسك فى عدم هدايتهم {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} يعنى انّ حيٰوتهم حيٰوة حيوانيّة وانّهم صمّ عن السّماع الانسانىّ {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} يعنى انّ الصّمّ اذا كانوا مقبلين يمكن افهامهم بالاشارة وهؤلاء صمّ وكانوا مدبرين ولو كانوا مقبلين يفهّمهم الله كما قيل: شعر : نى غلط كفتم كه كركر سرنهد بيش وحى كبر يا سمعش دهد

اطفيش

تفسير : {فَإِنَكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى} الكفار الذين يموتون على كفرهم شبههم بالموتى لانهم لا ينتفعون بالسمع فسمعهم كلا سمع كما ان الموتى لا يسمعون بل قد يسمع الميت على ما ذكر في كتب الفقه والحديث فالآية على الغالب ادل او دليل على عدم صحة ما في كتب الفقه والحديث او الميت ولو سمع فكأنه غير سامع لانه لا ينتفع بالسمع ويعمل به او سماع الميت بالروح لا بالاذن والمفعول الثاني محذوف اي لا تسمعهم الكلام. {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ} جمع اصم وهو الذي خلق لا يسمع شبه به الكافر فانه ولو سمع باذنيه ولكن لا ينتفع بالسمع فكأنه كالاصم غير سامع. {الدُّعَآءَ} النداء مفعول ثان ويجوز تنازع الفعلين فيه ولا يخفى ما في ذلك من المبالغة اذ شبههم بالاصم ولم يشبههم ممن ثقل سمعه وزاد المبالغة بتقييد الصم بأن يكونوا مدبرين في قوله {إِذَا وَلَّوُا مُدْبِرِينَ}. فإن الأصم المقبل وان لم يسمع الكلام يتفطن له بواسطة الحركة تفطنا ما.

اطفيش

تفسير : {فإنك لا تُسمعُ الموتى} اى لا بد من كفرهم اذا راوه مصفرا او مطلقا، لانك لا تسمع الموتى، وهم كالموتى، او لا تحزن لعدم اقتدائهم بالايات، لانك لا تسمع الموتى، وهم موتى القلوب {ولا تُسْمع الصُّم الدعاء} لا تقدر ان تصير الصم سامعين الدعاء، {إذا ولَّوا مدبرين} عنك، وهم كالصم المدبرين، والاصم لا يسمع صوتك، ولو اقبل لك، فكيف او ادبر لا تؤثر فيهم الآيات التي تذكرهم بها، كأنهم لا يسمعون البتة، ومدبرين حال مؤكدة لعاملها.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } تعليل لما يفهم من الكلام السابق كأنه قيل: لا تحزن لعدم اهتدائهم بتذكيرك فإنك الخ، وفي «الكشف» اعلم أن قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ } تفسير : [الروم: 48] كلام سيق مقرراً لما فهم / من قوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ }تفسير : [الروم: 47] الآية لدلالته على أنه عز وجل ينتقم من المكذبين برسول الله صلى الله عليه وسلم وينصر متابعيه فذكر فيه من البينات ما أجمل هنالك مما يدل على القدرة والحكمة والرحمة واختير من الأدلة ما يجمع الثلاثة وفيه ما يرشد إلى تحقيق طرفي الإيمان أعني المبدأ والمعاد وصرح بكفرانهم بالنعمة وذمهم في الحالات الثلاث لأن ذلك مما يعرفه أهل الفطرة السليمة ويتخلق به وأدمج فيه دلالته على المعاد بقوله تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [الروم: 50] ولما فرغ من حديث ذمهم بنى على هذا المدمج وما دل عليه سياق الكلام من تماديهم في الضلالة مثل هذه البينات التي لا أتم منها في الدلالة فقال سبحانه: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ } إلى قوله تعالى: {أية : فَهُم مُّسْلِمُونَ }تفسير : [الروم: 53] وفيه أنهم إذا لا محالة من الذين ينتقم منهم وأنك وأشياعك من المنصورين والله تعالى أعلم اهـ، فتأمله مع ما ذكرنا. وقد تقدم الكلام في هذه الجملة خالية عن الفاء في سورة النمل [80] وكذا في قوله تعالى: {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ}.

ابن عاشور

تفسير : الفاء للترتيب على قوله {أية : لظلوا من بعده يكفرون} تفسير : [الروم: 51] المفيد أن الكفر غالب أحوالهم لأنهم بين كفر بالله وبين إعراض عن شكره، أو الفاء فصيحة تدل على كلام مقدر، أي إن كبر عليك إعراضهم وساءك استرسالهم على الكفر فإنهم كالموتى وإنك لا تسمع الموتى. وهذا معذرة للنبيء صلى الله عليه وسلم ونداء على أنه بذل الجهد في التبليغ. وفيما عدا الفاء فالآية نظير التي في آخر سورة النمل ونزيد هنا فنقول: إن تعداد التشابيه منظور فيه إلى اختلاف أحوال طوائف المشركين فكان لكل فريق تشبيه: فمنهم من غلب عليهم التوغل في الشرك فلا يصدقون بما يخالفه ولا يتأثرون بالقرآن والدعوة إلى الحق؛ فهؤلاء بمنزلة الأموات أشباح بلا إدراك، وهؤلاء هم دهماؤهم وأغلبهم ولذلك ابتدىء بهم. ومنهم من يُعرض عن استماع القرآن وهم الذين يقولون: {أية : في ءاذاننا وقر} تفسير : [فصلت: 5] ويقولون: {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والْغَوْا فيه}تفسير : [فصلت: 26] وهؤلاء هم ساداتهم ومدبّرو أمرهم يخافون إن أصْغوا إلى القرآن أن يملك مشاعرهم فلذلك يتباعدون عن سماعه، ولهذا قُيِّد الذي شبهوا به بوقت توليهم مدبرين إعراضاً عن الدعوة، فهو تشبيه تمثيل. ومنهم من سلكوا مسلك ساداتهم واقتفوا خُطاهم فانحَرفت أفهامهم عن الصواب فهم يسمعون القرآن ولا يستطيعون العمل به، وهؤلاء هم الذين اعتادوا متابعة أهوائهم وهم الذين قالوا: {أية : إنّا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون}تفسير : [الزخرف: 22] ويحصل من جميع ذلك تشبيه جماعتهم بجماعة تجمع أمواتاً وصماً وعمياً فليس هذا من تعدد التشبه لمشبهٍ واحد كالذي في قوله تعالى: {أية : أو كصيب من السماء} تفسير : [البقرة: 19]. وقرأ الجمهور: {ولا تسمع الصمّ} بتاء فوقية مضمومة وكسر ميم {تُسمِع} ونصب {الصمَّ}، على أنه خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وقرأه ابن كثير {ولا يَسمع الصمُّ} بتحتية مفتوحة وبفتح ميم {يسْمَع} ورفع {الصمّ} على الفاعلية لــــ {يَسمع}. وقرأ الجمهور {بهادي} بموحدة وبألف بعد الهاء وبإضافة {هادي} إلى {العُمْي}، وقرأه حمزة وحْده {تهدي} بمثناة فوقية وبدون ألف بعد الهاء على الخطاب وبنصب {العُمْي} على المفعولية.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ} إلى قوله: {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [النمل: 80] الآية.

القطان

تفسير : {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ... } مر في سورة النمل في الآية 80 و 81 بالنص. فالله تعالى هنا بعد تصوير تقلبات البشر وفق أهوائهم، وعدم انتفاعهم بآيات الله وحججه، يتوجه بالخطاب الى رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام يسلّيه عن إعراض المشركين من قومه وانهم كالموتى والصم لا يسمعون، ولا يهتدون، ولا يرجعون عن ضلالهم، وانما الذي يسمع ويستجيب من يؤمن بآيات الله. اولئك هم المسلمون الصادقون، المطيعون لأوامر الله ورسوله. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} والله تعالى خلق الأنفس في اطوارها المختلفة من ضعف الى قوة ثم يتغير حالها من قوة في حال الشباب الى ضعف، ثم الى الشيخوخة وهرم وشيبة، انه يخلق ما يشاء وهو العلم بتدبير خلقه، القدير على ايجاد ما يشاء، وفي هذا اكبر الأدلة على قدرته تعالى. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} ويوم تقوم القيامة ويبعث الله من في القبور، يحلف المجرمون انهم ما لبثوا في قبورهم أو في الدنيا غير ساعة من الزمن، والواقع انهم لبثوا عمراً مديدا. كذلك كانوا يُصرَفون عن الحقّ في الدنيا فلا يرون الشيء على حقيقته. ثم بين ما يقوله المؤمنون لهم ويتهكمون عليهم فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. وقال الذين أتاهم الله العلم والايمان: لقد لبثتم في حُكم الله وقضائه في قبوركم من يومِ مماتكم الى يوم القيامة، فإن كنتم تنكرونه فهذا هو يومُ البعث الذي انكرتموه، ولكنكم كنتم في الدنيا لا تعلمون انه حق. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} ان يوم القيامة لا ينفع فيه عذر ولا تُقبل شكوى، ولا يُسترضون ولا يعاتَبون بل يذهبون الى جهنم وبئس المصير. {أية : وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}تفسير : [فصلت:24]، فلا عذر ولا إقالة. {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}. ولقد بينا لهداية الناس في هذا القرآن كل مثل يرشدهم الى طريق الهدى، ولكنهم أعرضوا وكذبوا. ولئن جئتهم يا محمد بالآيات المعجزة الواضحة - ليقولنّ الذين كفروا ما أنت واتباعك الا مبطلون في دعواكم. كذلك يختم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم من العبر والعظات، والآيات البينات. ثم ختم السورة بأمر الرسول الكريم بالصبر على أذاهم، وعدم الالتفاتِ الى عنادهم حتى يأتي وعدُ الله فقال: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} اصبر ايها النبي على أذاهم، انّ وعد الله بنصرك واظهار الاسلام على كل دين وعدٌ حق لا يتخلف ابدا. (والصبر وسيلة المؤمنين في جهادهم ودعوتهم الى الله)، ولا يحملنّك الذين لا يؤمنون على القلق والخفة وعدم الصبر. وفي هذا ارشاد للنبيّ عليه الصلاة والسلام ولنا وتعليمٌ بان نتلقى المكاره بصدر رحب وسعة حلم.. والله ولي الصابرين والحمد لله رب العالمين.

د. أسعد حومد

تفسير : (52) - وَكَما أَنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُسْمِعَ الأَمواتَ في أَجْدَاثِها، وَلاَ أَنْ تُسْمِعَ الذينَ فَقَدُوا حَاسَّةَ السَّمْع (الصُّمَّ)، وَلا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْملَ مَنْ تَصَامُّوا عَنْ فَهْمِ آياتِ اللهِ فَتَجْعَلَهُمْ يَسْمَعُونَها، وَيَفْهَمُونَها، فَكَذَلِكَ إِنَّكَ لا تَسْتَطيعُ أَنْ تَهدِيَ مَنْ أَضَلَّهُ اللهُ فَتَرُدَّهُ عَنْ ضَلاَلِهِ، فَاللهُ وَحْدَهُ القَادِرُ على فِعلِ ذَلك، فَهُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، فَلاَ تَحْزَنْ أَنْتَ عَلَيهِمْ، وَلا تَبْتَئِسْ مِنْ عِنَادِهِمْ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى البَقَاءِ في الضَّلاَلَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريد الحق سبحانه أن يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لا يألم لما يلاقيه من قومه، يقول له: يا محمد لا تُتعب نفسك؛ لأن هؤلاء لا يؤمنوا، وما عليك إلا البلاغ، فلا تيأس لإعراض هؤلاء، ولا تتراجع عن تبليغ دعوتك والجهاد في سبيلها والجهر بها؛ لأنني أرسلتك لمهمة، ولن أتخلى عنك، وما كان الله ليرسل رسولاً ثم يخذله أو يُسْلمه. وقد قال تعالى لنبيه: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6] ولو أردتُ لجعلتُهم مؤمنين قَسراً لا يملكون أنْ يكفروا: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 4]. إنما أريد أنْ يأتوني طواعية عن محبة، لا عن قهر؛ لأنني لا أريد قوالبَ تخضع، إنما قلوباً تخشع، ويستطيع أيُّ بشر بجبروته أنْ يجعلَ الناس تخضع له أو تسجد، لكنه لا يستطيع مهما أُوتِي من قوة أنْ تُخْضِع قلوبهم، أو يحملهم على حُبِّه. وهنا يقول تعالى لنبيه: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ..} [الروم: 52] فجعلهم في حكم الأموات، وهم أحياء يُرْزَقون، لماذا؟ لأن الذي لا ينفعل لما يسمع ولا يتأثر به، هو والميت سواء. أو نقول: إن للإنسان حياتين: حياة الروح التي يستوي فيها المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وحياة المنهج والقيم، وهذه للمؤمن خاصة، والتي يقول الله فيها: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُفواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. فهو سبحانه يخاطبهم هذا الخطاب وهم أحياء، لكن المراد هنا حياة المنهج والقيم، وهي الحياة التي تُورِثك نعيماً دائماً باقياً لا يزول، خالداً لا تتركه ولا يتركك. لذلك يقول سبحانه عن هذه الحياة: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64]. لذلك سمَّى الله المنهج الذي أنزله على رسوله روحاً: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ..} تفسير : [الشورى: 52] لأن المنهج يعطيك حياة باقية لا تنزوي ولا تزول. وسمَّى الملَك الذي نزل به روحاً: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193] فالمنهج روح من الله، نزل به روح من الملائكة هو جبريل عليه السلام على قلب سيدنا رسول الله ليحمله رسول مصطفى فيبثُّه في الناس جميعاً، فَيحيَوْن الحياة الآخرة. فالكفار بهذا المعنى يحيَوْن حياة روح القالب التي يستوي فيها جميع البشر، لكن هم أموات بالنسبة للروح الثانية، روح القيم والمنهج. لذلك، إذا كان عندنا شخص شقي أو بلطجي يفسد في المجتمع أكثر مما يصلح نقول له: أنت وجودك مثل عدمه، لماذا؟ لأن الحياة إذا لم تُستغل في النافع الدائم، فلا معنى لها. وهنا يقول تعالى لنبيه: لا تحزن، ولا تذهب نفسك على هؤلاء القوم الحسرات، فهم موتى لم يقبلوا روح المنهج وروح القيم، وما داموا لم تدخلهم هذه الروح، فلا أملَ في إصلاحهم، ولن يستجيبوا لك، فالاستجابة تأتي ممن أصغى سمعه، وأعمل عقله في الكون من حوله ليصل إلى حقيقة الحياة ولغز الوجود. وسبق أنْ قُلْنا: إنك إذا سقطتْ بك طائرة مثلاً في صحراء، وانقطعت عن الناس، فلا أنيس ولا شيء من حولك، ثم فجأة رأيتَ أمامك مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، فطبيعي قبل أنْ تمتد يدك إليها لا بُدَّ أنْ تسأل نفسك: مَنْ أتى بها؟ كذلك أنت أيها الإنسان طرأتَ على كون مُعَدٍّ لاستقبالك، مليء بكل هذا الخير، بالله ألاَ يستدعي هذا أنْ تسأل مَنْ أعد لي هذا الكون؟ ثم لم يدَّع أحد هذا الكون لنفسه، ثم جاءك رسول من عند الله يخبرك بحقائق الكون، ويحل لك لغز الحياة والوجود، لكن هؤلاء القوم لما جاءهم رسول الله أبَوْا أن يستمعوا إليه، ولم يقبلوا الروح الذي جاءهم به. والحق سبحانه يعرض لنا هذه المسألة في آية أخرى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ..} تفسير : [محمد: 16] وهذا يعني أن روح المنهج لم تباشر قلوبهم. ويردُّ الحق عليهم: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصلت: 44]. فالقرآن واحد، لكن المستقبل للقرآن مختلف، فواحد يسمعه بأذن مُرْهفة وقلب واعٍ فيستفيد، ويصل إلى حَلِّ اللغز في الكون وفي الخَلْق؛ لأنه استجاب للروح الجديدة التي أرسلها الله له، وآخر أعرض. وهؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن إنما يخافون على مكانتهم وسيادتهم، فهم أهل فساد وطغيان، ويعلمون أن هذا المنهج جاء ليقيد حرياتهم، ويقضي على فسادهم وطغيانهم؛ لذلك رفضوه. لذلك تجد أن الذين تصدَّوْا لدعوات الرسل وعارضوهم هم السادة والكبراء، أَلاَ تقرأ قول الحق سبحانه عن مقالتهم: {أية : إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} تفسير : [الأحزاب: 67]. إذن: لا تتعجب من أنَّ القرآن يسمعه إنسان فيقول مُستلذاً به: الله، أعِدْ، وآخر ينصرف عنه لا يدري ما يقول، والمنصرف عن القرآن نوعان: إما ينصرف عنه تكبُّراً يعني: وعي القرآن وفهمه لكن تكبَّر على الانصياع لأوامره، وآخر سمعه لكن لم يفهمه؛ لأن الله ختم على قلبه. ومهمة الداعي أنْ يتعهد المدعو، وألاَّ ييأس لعدم استجابته، وعليه بتكرار الدعوة له، لعله يصادف عنده فترة صفاء وفطرة، وخلو نفس، فتثمر فيه الدعوة ويستجيب. وإلا فقد رأينا من أهل الجاهلية مَنْ أسلم بعد فترة طويلة من عمر الدعوة أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة، وغيرهم. ونعلم كم كان عمر بن الخطاب كارهاً للإسلام معادياً لأهله، وقصة ضَرْبه لأخته بعد أنْ أسلمتْ قصة مشهورة لأنها كانت سبب إسلامه، فلما ضربها وشجَّها حتى سال الدم منها رقَّ قلبه لأخته، فلما قرأت عليه القرآن صادف منه قلباً صافياً، وفطرة نقية نفضت عنه عصبية الجاهلية الكاذبة فانفعل للآيات وباشرتْ بشاشتها قلبه فأسلم. لذلك أمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يجهر بالدعوة، وأنْ يصدع بما يُؤمر، لعلَّ السامع تصادفه فترة تنبه لفطرته، كما حدث مع عمر. وحين نلحظ الفاء في بداية هذه الآية {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ..} [الروم: 52] نجد أن التقدير: فلا تحزن، ولا يهولنك إعراضهم؛ لأنك ما قصرْتَ في البلاغ، إنما التقصير من المستقبل؛ لأنهم لم يقبلوا الروح السامية التي جاءتهم، بل نفروا من السماع، وتناهوا عنه، كما حكى القرآن عنهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26]. ونَهْى بعضهم بعضاً عن سماع القرآن دليل على أنهم يعلمون أن مَنْ يسمع القرآن بأذن واعية لا بُدَّ أنْ يؤمن به وأنْ يقتنع. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} [الروم: 52] وفي موضع آخر: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ ..} تفسير : [فصلت: 44] وقال أيضاً: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ ..} تفسير : [البقرة: 18]. وقد علمنا من وظائف الأعضاء أن البكَم يأتي نتيجة الصمم؛ لأن اللسان يحكي ما سمعته الأذن، فإذا كانت الأذن صماء فلا بُدَّ أن يكون اللسان أبكمَ، ليس لديه شيء يحكيه. لذلك نجد الطفل العربي مثلاً حين ينشأ في بيئة إنجليزية يتكلم الإنجليزية لأنه سمعها وتعلمها، بل نجد صاحب اللغة نفسه تُعرض عليه الكلمات الغربية من لغته فلا يعرفها لماذا؟ لأنه لم يسمعها، فحين يقول العربي عن العجوز: إنها الحَيْزبون والدَّردبيس.. الخ تقول: ما هذا الكلام، مع أنه عربي لكن لم تسمعه أذنك. والأذن هي أداة الالتقاط الأولى لبلاغ الرسالة، وما دام الله تعالى قد حكم عليهم بأنهم في حكم الأموات، فالإحساس لديهم ممتنع، فالأذن لا تسمع آيات القرآن، والعين لا ترى آيات الكون ولا تتأملها. لذلك قال تعالى عنهم: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46]. وكلمة أعمى نقولها للمبصر صحيح العينين حينما يخطىء في شيء، فتقول له: أنت أعمى؟ لماذا، لأنه وإنْ كان صحيح العينين، إلا أنه لم يستعملهما في مهمتهما، فهو والأعمى سواء. وهؤلاء القوم وصفهم الله بأنهم أولاً في حكم الأموات، ثم هم مصابون بالصمم، فلا يسمعون البلاغ، وتكتمل الصورة بأنهم عُمْى لا يروْنَ آيات الإعجاز في الكون، وليتهم صُمٌّ فحسب، فالأصم يمكن أن تتفاهم معه بالإشارة فينتفع بعينيه إنْ كان مقبلاً عليك، لكن ما الحال إذا كان مدبراً، كما قال تعالى: {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} [الروم: 52] يعني: أعطوْكَ ظهورهم، إذن: لم يَعُدْ لهم منفذ للتلقي ولا للإدراك، فهم صُم بُكْم، وبالإدبار تعطلت أيضاً حاسة البصر، فلا أملَ في مثل هؤلاء، ولا سبيل إلى هدايتهم.