Verse. 3463 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

اَللہُ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِّنْ ضُؔعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْۢ بَعْدِ ضُؔعْفٍ قُوَّۃً ثُمَّ جَعَلَ مِنْۢ بَعْدِ قُوَّۃٍ ضُؔعْفًا وَّشَيْبَۃً۝۰ۭ يَخْلُقُ مَا يَشَاۗءُ۝۰ۚ وَہُوَالْعَلِيْمُ الْقَدِيْرُ۝۵۴
Allahu allathee khalaqakum min daAAfin thumma jaAAala min baAAdi daAAfin quwwatan thumma jaAAala min baAAdi quwwatin daAAfan washaybatan yakhluqu ma yashao wahuwa alAAaleemu alqadeeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الله الذي خلقكم من ضعف» ماء مهين «ثم جعل من بعد ضعف» آخر، وهو ضعف الطفولية «قوةً» أي قوة الشباب «ثم من بعد قوةٍ ضعفاً وشيبةً» ضعف الكبر وشيب الهرم والضعف في الثلاثة بضم أوله وفتحه «يخلق ما يشاء» من الضعف والقوة والشباب والشيبة «وهو العليم» بتدبير خلقه «القدير» على ما يشاء.

54

Tafseer

الرازي

تفسير : لما أعاد من الدلائل التي مضت دليلاً من دلائل الآفاق وهو قوله: { أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً } تفسير : [الروم: 48] وذكر أحوال الريح من أوله إلى آخره أعاد دليلاً من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله، فقال: {خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } أي مبناكم على الضعف كما قال تعالى: { أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } تفسير : [الأنبياء: 37] ومن ههنا كما تكون في قول القائل فلان زين فلانا من فقره وجعله غنياً أي من حالة فقره، ثم قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ } فقوله من ضعف إشارة إلى حالة كان فيها جنيناً وطفلاً مولوداً ورضيعاً ومفطوماً فهذه أحوال غاية الضعف، وقوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ } إشارة إلى حالة بلوغه وانتقاله وشبابه واكتهاله، وقوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ }. إشارة إلى ما يكون بعد الكهولة من ظهور النقصان والشيبة هي تمام الضعف، ثم بين بقوله {يَخْلُقُ مَا يَشَاء } إن هذا ليس طبعاً بل هو بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى في دلائل الآفاق { أية : فَيَبْسُطُهُ فِى ٱلسَّمَاء كَيْفَ يَشَاء } تفسير : [الروم: 48] {هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ } لما قدم العلم على القدرة؟ وقال من قبل { أية : وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [الروم: 27] فالعزة إشارة إلى تمام القدرة والحكمة إلى العلم، فقدم القدرة هناك وقدم العلم على القدرة ههنا فنقول هناك المذكور الإعادة بقوله: { أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [الروم: 27] لأن الإعادة تكون بكن فيكون، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر، ثم إن قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ } تبشير وإنذار لأنه إذا كان عالماً بأعمال الخلق كان عالماً بأحوال المخلوقات فإن عملوا خيراً علمه وإن عملوا شراً علمه، ثم إذا كان قادراً فإذا علم الخير أثاب وإذا علم الشر عاقب، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب الذين هما بالقدرة قدم العلم، وأما في الآخرة فالعلم بتلك الأحوال مع العقاب فقال: {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } وإلى مثل هذا أشار في قوله: { أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] عقيب خلق الإنسان، فنقول أحسن إشارة إلى العلم لأن حسن الخلق بالعلم، والخلق المفهوم من قوله: {ٱلْخَـٰلِقِينَ } إشارة إلى القدرة، ثم لما بين ذكر الإبداء والإعادة كالإبداء ذكره بذكر أحوالها وأوقاتها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} ذكر استدلالاً آخر على قدرته في نفس الإنسان ليعتبر. ومعنى: «مِنْ ضَعْفٍ» من نطفة ضعيفة. وقيل: «مِنْ ضَعْفٍ» أي في حال ضعف؛ وهو ما كانوا عليه في الابتداء من الطفولة والصغر. {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ} يعني الشبيبة. {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً} يعني الهرم. وقرأ عاصم وحمزة: بفتح الضاد فيهن، الباقون بالضم، لغتان، والضم لغة النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقرأ الجحدرِيّ: «من ضَعْف ثم جعل من بعد ضَعْف» بالفتح فيهما؛ «ضُعْفاً» بالضم خاصة. أراد أن يجمع بين اللغتين. قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. الجوهري: الضَّعْف والضُّعْف: خلاف القوّة. وقيل: الضعف بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسد؛ ومنهحديث : الحديث في الرجل الذي كان يخدع في البيوع: «أنه يبتاع وفي عُقدته ضعف»تفسير : . {وَشَيْبَةً} مصدر كالشَّيب، والمصدر يصلح للجملة، وكذلك القول في الضعف والقوّة. {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} يعني من قوّة وضعف. {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ} بتدبيره. {ٱلْقَدِيرُ } على إرادته. وأجاز النحويون الكوفيون «من ضَعَف» بفتح العين، وكذا كل ما كان فيه حرف من حروف الحلق ثانياً أو ثالثاً.

ابن كثير

تفسير : ينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالاً بعد حال، فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يصير عظاماً، ثم تكسى العظام لحماً، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفاً نحيفاً واهن القوى، ثم يشب قليلاً قليلاً حتى يكون صغيراً، ثم حدثاً، ثم مراهقاً شاباً، وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص، فيكتهل، ثم يشيخ، ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللمة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة، ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي: يفعل ما يشاء، ويتصرف في عبيده بما يريد، {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ}. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن فضيل ويزيد، حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً} فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً} ثم قال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قرأت علي، فأخذ علي كما أخذت عليك، ورواه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث فضيل به، ورواه أبو داود من حديث عبد الله بن جابر عن عطية عن أبي سعيد بنحوه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } ماء مهين {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ } آخر، وهو ضعف الطفولية {قُوَّةً} أي قوّة الشباب {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } ضعف الكبر وشيب الهرم والضعف في الثلاثة بضم أوّله وفتحه {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } من القوة والضعف والشباب والشيبة {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ } بتدبير خلقه {ٱلْقَدِيرُ } على ما يشاء.

الماوردي

تفسير : قوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ} قال قتادة: من نطفة. {ثُمَّ جَعَلَ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} قاله مجاهد: شباباً. {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} يعني هرماً وشيبة، قال قتادة: لأن بياض الشعر نذير بالفناء، قال الشاعر: شعر : أُريت الشيب من نذر المنايا لصاحبه وحسبك من نذير تفسير : {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} من قوة وضعف. {وَهُوَ الْعَلِيمُ} بتدبيره {الْقَدِيرُ} على إرادته.

ابن عطية

تفسير : وهذه أيضاً عبر بين فيها أن الأوثان لا مدخل لها فيها. وقرأ جمهور القراء والناس بضم الضاد في "ضُعف"، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها وهي قراءة ابن مسعود وأبي رجاء، والضم أصوب، وروي عن ابن عمر أنه قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح فردها عليه بالضم، وقال كثير من اللغويين: ضم الضاد في البدن وفتحها في العقل، وروي عن أبي عبد الرحمن والجحدري والضحاك أنهم ضموا الضاد في الأول والثاني وفتحو "ضَعفاً"، وقرأ عيسى بن عمر "من ضُعُف" بضمتين، وهذه الآية إنما يراد بها حال الإنسان، و"الضعف" الأول هو كون الإنسان من ماء مهين، و"القوة" بعد ذلك الشبيبة، وقوة الأسر، و"الضعف" الثاني الهرم والشيخ هذا قول قتادة وغيره ثم أخبر تعالى عن يوم القيامة أن المجرمين يقسمون لجاجاً منهم وتسوراً على ما لا علم لهم به أنهم ما لبثوا تحت التراب غير ساعة وهذا إتباع لتحيلهم الفاسد ونظرهم في ذلك الوقت على نحو ما كانوا في الدنيا يتبعون ذلك، و {يؤفكون} عن الحق أي يصرفون وقيل المعنى ما لبثوا الدنيا كأنهم استقلوها لما عاينوا من أمر الآخرة. قال القاضي أبو محمد: وهذا يضعفه قوله تعالى: {كذلك كانوا يؤفكون} إذ لو أراد تقليل الدنيا بالإضافة إلى الآخرة لكان منزعاً سديداً وكان قولهم {ساعة} تجوزاً في القدر والموازنة، ثم أخبر تعالى عن {الذين أوتوا العلم والإيمان} أنهم يقفون في تلك الحال على حق ويعرفون أنه الوعد المتقرر في الدنيا، وقال بعض المفسرين: إنما أراد الإيمان والعلم ففي الكلام تقديم وتأخير. قال الفقيه الإمام القاضي: ولا يحتاج إلى هذا بل ذكر العلم يتضمن الإيمان ولا يصف الله بعلم من لم يعلم كل ما يوجب الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعد ذلك تنبيهاً عليه وتشريفاً لأمره كما قال تعالى: {أية : فاكهة ونخل ورمان} تفسير : [الرحمن: 68] فنبه على مكان الإيمان وخصه بالذكر تشريفاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {ضَعْفٍ} نطفة. {قُوَّةً} شباباً. {ضَعْفٍ} هرماً {وَشَيْبَةً} شمطاً.

النسفي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } من النطف كقوله {أية : مّن مَّاء مَّهِينٍ} تفسير : [المرسلات: 20] {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ } يعني حال الشباب وبلوغ الأشد {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } يعني حال الشيخوخة والهرم {يَخْلُقُ مَا يَشَاء } من ضعف وقوة وشباب وشيبة {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ } بأحوالهم {ٱلْقَدِيرُ } على تغييرهم وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير. فتح الضاد في الكل: عاصم وحمزة، وضم غيرهما وهو اختيار حفص، وهما لغتان والضم أقوى في القراءة لما روي عن ابن عمر قال: قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم {من ضَعف} فأقرأني {أية : من ضُعفٍ}. تفسير : {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } أي القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة كما تقول في ساعة لمن تستعجله وجرت علماً لها كالنجم للثريا {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } يحلف الكافرون، ولا وقف عليه لأن {مَا لَبِثُواْ } في القبور أو في الدنيا {غَيْرَ سَاعَةٍ } جواب القسم استقلوا مدة لبثهم في القبور أو في الدنيا لهول يوم القيامة وطول مقامهم في شدائدها أو ينسون أو يكذبون {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق إلى الكذب في الدنيا ويقولون ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ } هم الأنبياء والملائكة والمؤمنون {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } في علم الله المثبت في اللوح أو في حكم الله وقضائه {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ } ردوا ما قالوه وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ } في الدنيا {لاَ تَعْلَمُونَ } أنه حق لتفريطكم في طلب الحق واتباعه. والفاء لجواب شرط يدل عليه الكلام تقديره: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث الذي أنكرتموه

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} قال كثير من اللغويين: ضَمُّ الضادِ في البدن، وفتحها في العقل، وهذه الآية إنما يراد بها حال الجِسم، والضُّعْفُ الأول هو: كونُ الإنسان من ماءٍ مهينٍ، والقوة بعد ذلك: الشَّبِيْبَةُ وشدة الأسْر والضُّعْف الثَّانِي هوَ الهَرَمُ والشَيْخُوخَةُ، هذا قولُ قتادةَ وغيره ورَوَى أبُو داودَ فِي سننه بسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: «حديث : لاَ تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً فِي الإسْلاَمِ إلاَّ كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»تفسير : . وفي رواية «حديث : إلاَّ كَتَبَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً»تفسير : انتهى. ثم أخْبَرَ عز وجل عن يوم القيامة فقال: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ} أي: تحت التراب {غَيْرَ سَاعَةٍ} وقيل: المعنى: ما لبثوا في الدنيا كأنهم استقلوها. {كَذَلِكَ كَانُواْ} في الدنيا {يُؤْفَكُونَ} أي: يُصْرَفُونَ عن الحق. قال * ص *: {مَا لَبِثُوا}: جوابُ القسمِ على المعنى، ولو حُكِي قولهم لَكَانَ ما لبِثْنَا؛ انتهى. ثم أخْبَر تعالى أن الكفَرَة لاَ يَنْفَعْهُمْ يومئذ اعتذارٌ ولا يُعْطَوْنَ عُتْبَىٰ، وهي الرِّضا وباقي الآية بيِّن، وللَّه الحمدُ.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والشيرازي في الألقاب والدارقطني في الافراد وابن عدي والحاكم وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏الله الذي خلقكم من ضعف‏} ‏ فقال "‏من ضعف يا بني"‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الخطيب عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ‏"‏الله الذي خلقكم من ضعف‏"‏ بالضم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذا الحرف في الروم ‏ {‏خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوّة ثم جعل من بعد قوة ضعفا‏ً}‏‏ .‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏الله الذي خلقكم من ضعف‏} ‏ قال‏:‏ من نطفة ‏ {‏ثم جعل من بعد قوة ضعفا‏ً}‏ قال‏:‏ الهرم ‏{‏وشيبة‏}‏ قال‏:‏ الشمط‏.

ابو السعود

تفسير : . {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ} مبتدأٌ وخبرٌ أي ابتدأكُم ضعفاءَ وجعلَ الضَّعفَ أساسَ أمرِكم كقولِه تعالى: { أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً} تفسير : [سورة النساء: الآية 28] أي خلقكُم من أصلٍ ضعيفٍ هو النُّطفة.{ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} وذلك عند بلوغِكم الحُلُمَ أو تعلقِ الرُّوح بأبدانِكم {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} إذا أخذَ منكم السنُّ. وقُرىء بضمِّ الضَّادِ في الكلِّ وهو أَقوى لقولِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: قرأتها على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأقرأنِي من ضُعفٍ. وهُما لغُتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ. والتَّنكيرُ معَ التَّكريرِ لأنَّ المتقدِّمَ غيرُ المتأخرِ. {يَخْلُقُ مَا يَشَاء} من الأشياءَ التي من جُملتِها ما ذُكر من الضَّعفِ والقُوَّةِ والشَّيبةِ {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} المبالغُ في العلمِ والقدرةِ فإنَّ التَّرديدَ فيما ذُكر من الأطوارِ المختلفةِ من أوضحِ دلائلِ العلمِ والقدرةِ {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} أي القيامةُ سُمِّيتْ بها لأنَّها تقومُ من آخرِ ساعةٍ من ساعاتِ الدُّنيا أو لأنَّها تقعُ بغثةً وصارتْ عَلَماً لها كالنَّجمِ للثُّريَّا والكوكَبِ للزُّهْرةِ. {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ} أي في القبُورِ أو في الدُّنيا. والأولُ هُو الأظهرُ لأنَّ لبثَهم مُغيَّا بـيومِ البعثِ كما سيأتي وليسَ لبثُهم في الدُّنيا كذلكَ وقيلَ: فيما بين فناءِ الدُّنيا والبعثِ وانقطاع عذابِهم. وفي الحديثِ: « حديث : ما بـينَ فناءِ الدُّنيا وَالبَعثِ أربعونَ » تفسير : وهُو محتملٌ للسَّاعاتِ والأيَّامِ والأعوامِ وقيلَ: لا يعلم أهي أربعونَ سنة أو أربعونَ ألفِ سنة {غَيْرَ سَاعَةٍ} استقلُّوا مدَّة لبثهم نسياناً أو كذباً أو تخميناً {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} مثلَ ذلكَ الصَّرفِ كانوا يُصرفون في الدُّنيا عن الحقِّ والصِّدقِ. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ} في الدُّنيا من الملائكةِ والإنسِ {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} في علمهِ أو قضائهِ أو ما كتبَه وعيَّنه أو في اللَّوحِ أو القرآنِ وهو قوله تعالى: {أية : وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} تفسير : [سورة المؤمنون: الآية 100] {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} ردُّوا بذلك ما قالُوه وأيَّدوه باليمين كأنَّهم من فرطِ حَيرتِهم لم يدرُوا أنَّ ذلك هو البعثُ الموعودُ الذي كانُوا ينكرونَه وكانُوا يسمعون أنَّه يكونُ بعد فناءِ الخلقِ كافَّة ويقدرون لذلك زماناً مديداً وإنْ لم يعتقدُوا تحقُّقه فردَّ العالِمونَ مقالتَهم ونبَّهوهم على أنَّهم لبثُوا إلى غايةٍ بعيدةٍ كانُوا يسمعونَها وينكرونَها وبكَّتوهم بالإخبارِ بوقوعِها حيثُ قالُوا {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} الذي كنتُم تُوعدون في الدُّنيا {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أنَّه حقٌّ فتستعجلون به استهزاءً والفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٍ كما في قول مَن قالَ: شعر : قالُوا خراسانُ أقْصَى ما يُرادُ بنا ثمَّ القُفولُ، فقد جِئنا خُراساناً تفسير : {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ} أي عذرُهم. وقُرىء تنفعُ بالتاء محافظةً على ظاهرِ اللفظِ وإنْ توسط بـينهما فاصلٌ {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} لا يُدعون إلى ما يقتضِي إعتابَهم أي إزالةَ عَتْبِهم من التَّوبة والطَّاعةِ كما دُعوا إليه في الدُّنيا من قولِهم استعتبني فلانٌ فاعتبتُه أي استرضانِي فأرضيته.

السلمي

تفسير : قوله عز من قائل: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} [الآية: 54]. قال الواسطى - رحمة الله عليه -: خلقه خلقة لا تمكنه أن يجر نفعًا ولا يدفع ضرًا هذا هو الضعف التام. قال بعضهم: خلق الخلق ضعيفًا أسير جوعه وصريع شبعه ورهين شهوة لا ينفك منها إلا المعصومون.

القشيري

تفسير : أظهرهم على ضعف الصغر والطفولية ثم بعده قوة الشباب ثم ضعف الشيب ثم: شعر : آخر الأمر ما ترى القبر واللحد والثرى تفسير : كذلك في ابتداء أمرهم يظهرهم على وصف ضعف البداية في نعت التردد والحيرة في الطلب، ثم بعد قوة الوصل في ضعف التوحيد. ويقال أولاً ضعف العقل لأنه بشرط البرهان وتأمله، ثم قوة البيان في حال العرفان، لأنه بسطوة الوجود ثم بعده ضعف الخمود، لأنه الخمود يتلو الوجود ولا يبقى معه أثر. ويقال {خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ}: أي حال ضعف من حيث الحاجة ثم بعده قوة الوجود ثم بعده ضعف المسكنة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين ".

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} فطرة أدم عليه السّلام خلقت بنعت الضعف عن حمل وارد انوار الربوبية وعرفان حقائق الالوهية لانها كانت حادثة وقعت فى موازاة القدم قضيت بسطوة بقاء الازل قال الواسطى خلقه خلقة لا يمكن ان يجر نفعا ولا يدفع ضر اهل هوالا الضعف التام.

اسماعيل حقي

تفسير : {الله} مبتدأ خبره قوله {الذى خلقكم} اوجدكم ايها الانسان {من ضعف} اى من اصل ضعيف هو النطفة او التراب على تأويل المصدر باسم الفاعل. والضعف بالفتح والضم خلاف القوة وفرقوا بان الفتح لغة تميم واختاره عاصم وحمزة فى المواضع الثلاثة والضم لغة قريش واختاره الباقون ولذا لما قرأه ابن عمر رضى الله عنهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح اقرأه بالضم {ثم} للتراخى فى الزمان {جعل} خلق لانه عدى لمفعول واحد {من بعد ضعف} آخر وهو الضعف الموجود فى الجنين والطفل {قوة} هى القوة التى تجعل للطفل من التحرك واستدعائه اللبن ودفع الاذى عن نفسه بالبكاء. قال بعض العلماء اول ما يوجد فى الباطن حول ثم ما يجر به فى الاعضاء قوة ثم ظهر العمل بصورة البطش والتناول قدرة {ثم جعل من بعد قوة} اخرى هى التى بعد البلوغ وهى قوة الشباب {ضعفا} آخر هو ضعف الشيخوخة والكبر {وشيبة} شيبة الهرم والشيب والمشيب بياض الشعر ويدل على ان كل واحد من قوله ضعف وقوة اشارة الى حالة غير الحالة الاولى ذكره منكرا والمنكر متى اعيد ذكره معرفا اريد به ما تقدم كقولك رأيت رجلا فقال لى الرجل كذا ومتى اعيد منكرا اريد به غير الاول ولذلك قال ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله {أية : فان مع العسر يسرا} تفسير : لن يغلب عسر يسرين هكذا حققه الامام الراغب وتبعه اجلاء المفسرين. وفى التأويلات النجمية {خلقكم من ضعف} فى البداية وهو ضعف العقل {ثم جعل من بعد ضعف قوة} فى العقل بالبراهين والحجج {ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} فى الايمان لمن كان العقل عقيله فيعقله بعلاقة المعقولات فينظر فيها بداعية الهوى بنظر مشوب بآفة الوهم والخيال فيقع فى ظلمات الشبهات فتزل قدمه عن الصراط والدين القويم فيهلك كما هلك كثير ممن شرع فى تعلم المعقولات لا طفاء نور الشريعة وسعى فى ابطال الشريعة الطبيعة يريدون {أية : ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} تفسير : . وايضا {خلقكم من ضعف} التردد والتحير فى الطلب {ثم جعل من بعد ضعف قوة} فى الطلب {ضعفا} فى حمل القول الثقيل وهو حقيقة قول لا اله الا الله فانها توجب الفناء الحقيقى وتوجب الضعف الحقيقى فى الصورة بحمل المعاتبات والمعاشقات التى تجرى بين المحبين فانها تورث الضعف والشيبة كما قال صلى الله عليه وسلم (شيبتنى سورة هود واخواتها) فان فيها اشارة من المعاشقات بقوله {أية : فاستقم كما امرت} تفسير : {يخلق} الله تعالى {ما يشاء} من الاشياء التى من جملتها ما ركب من الضعف والقوة والشباب والشيبة. يعنى هذا ليس طبعا بل بمشيئة الله تعالى. وفى التأويلات النجمية {يخلق ما يشاء} من القوة والضعف فى السعيد والشقى فيخلق فى السعيد قوة الايمان وضعف البشرية وفى الشقى قوة البشرية لقبول الكفر وضعف الروحانية لقبول الايمان {وهو العليم} بخلقه {القدير} بتحويله من حال الى حال. وايضا العليم باهل السعادة والشقاوة التقدير بخلق اسباب السعادة والشقاء فيهم. واعلم ان نفس الانسان اقرب الى الاعتبار من نفس غيرهم ولذا خبر عن خلق انفسهم فى اطوار مختلفة ليتغيروا ويتقلبوا وينتقلوا من معرفة هذا التغير والتقلب الى معرفة الصانع الكامل بالعلم والقدرة المنزه عن الحدوث والامكان ويصرفوا القوى الى طاعته. قال بعضهم رحم الله امرأ كان قويا فاعمل قوته فى طاعة الله او كان ضعيفا فكف لضعفه عن معصية الله. قيل اذا جاوز الرجل الستين وقع بين قوة العلل وعجز العمل وضعف الامل ووثبة الاجل فلا بد للشبان من دفع الكسل وسد الخلل وقد اثنى عليهم رسول الله صلى الله خيرا حيث قال (اوصيكم بالشبان خيرا ثلاثا فانهم ارق افئدة ألا وان الله ارسلنى شاهدا ومبشرا ونذيرا فخالصنى الشبان وخالفنى الشيوخ): يعنى [وصيت ميكنم شمارا به جوانا نكه بهتراند سه بار زيرا كه ايشان رحيم دل ترند آكاه باشيد خداى تعالى مرا فرستاد شاهد ومبشر ونذير دوستى كردند بامن جوانان ومخالفت كردند ييران] واثنى على الشيوخ ايضا حيث (قال من شاب شيبة فى الاسلام كانت له نورا يوم القيامة ما لم يخضبها او ينتفها) والمراد الخضاب بالسواد فانه حرام لغير الغزاة وحلال لهم ليكونوا هيب فى عين العدو واما الخضاب بالحمرة والصفرة فمستحب ودل قوله {يخلق ما يشاء} على ان الله تعالى لو لم يخلق الشيب فى الانسان ما شاب واما قول الشاعر شعر : اشاب الصغير وافنى الكبير ركر الغداة ومر العشى تفسير : فمن قبيل الاسناد المجازى. ونظرا بويزيد قدس سره الى المرآة فقال ظهر الشيب ولم يذهب العيب ولا ادرى ما فى الغيب شعر : يا عامر الدنيا على شيبه فيك اعاجيب لمن يعجب ما عذر من يعمر بنيانه وجسمه مستهدم يخرب تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : كنون بايد اى خفته بيدار بود جومرك اندر آردزخوابت جه سود جوشيب اندر آمد بروى شباب شبت روز شد ديده بركن زخواب من آن روز بركندم از عمر اميد كه افتادم اندر سياهى سييد دريغاكه بكذشت عمر عزيز بخواهد كذشت اين دمى جند نيز فرو رفت جم را يكى نازنين كفن كرد جون كرمش ابريشمين يدخمه در آمد بس از جند روز كه بروى بكريد بزارى وسوز جو بوسيده ديديش حرير كفن بفكرت جنين كفت باخويشتن من ازكرم بركنده بودم بزور بكندند ازو باز كرمان كور تفسير : ـ روى ـ ان عثمان رضى الله عنه كان اذا وقف على قبر بكى حتى تبل لحيته فقيل تذكر الجنة والنار ولا تبكى وتبكى من هذا فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ان القبر اول منزل من منازل الاخرة فان نجا منه فما بعده ايسر منه وان لم ينج منه فما بعده اشد منه) ـ روى ـ ان الحسن البصرى رحمه الله رأى بنتا على قبر تنوح وتقول يا ابت كنت افرش فراشك فمن فرشه الليلة يا ابت كنت اطعمك فمن اطعمك الليلة الى غير ذلك فقال الحسن لا تقولى كذلك بل قولى يا ابت وضعناك متوجها الى القبلة فهل بقيت او حولت عنها يا ابت هل كان القبر روضة لك من رياض الجنة او حفرة من حفر النيران يا ابت هل اجبت الملكين على الحق اولا فقالت ما احسن قولك يا شيخ وقبلت نصيحته. فعلى العاقل ان يتذكر الموت ويتفكر فى بعد السفر ويتأهب بالايمان والاعمال مثل الصلاة والصيام والقيام ونحوها وافضلها اصلاح النفس وكف الاذى عن الناس بترك الغيبة والكذب وتخليص العمل لله تعالى وذلك يحتاج الى قوة التوحيد بتكريره وتكريره بصفاء القلب آناء الليل واطراف النهار

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "الله": مبتدأ، والموصول: خبره. يقول الحق جل جلاله: {الله} الذي يستحق ان يعبد وحده هو {الذي خلقكم من ضَعْف} أي: ابتدأكم ضُعفاء، وجعل الضعف أساس أمركم، أو: خلقكم من أصل ضعيف، وهو النطفة؛ كقوله: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ}تفسير : [المرسلات: 20]، {ثم جعل من بعد ضعف قوةً}، يعني: حال الشباب إلى بلوغ الأشد، {ثم جعل من بعد قوةٍ ضَعْفاً وشَيْبَةً}، يعني: حال الشيخوخة والهرم. وقد ورد في الشيب ما يسلي عن روعة هجومه فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شاب شيبة الإسلام؛ كانت له نوراً يوم القيامة"تفسير : ، ولما رأى إبراهيم عليه السلام الشيب في لحيته قال: يارب، ما هذا؟ قال: هذا وقار. وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: "يا داود، إني لأنظر الشيخ الكبير، مساء وصباحاً، فأقول له: عبدي، كَبِرَ سِنُّكَ، ورق جلدك، ووهن عظمك، وحان قدومك عليّ، فاستحي مني، فإني أستحيي أن أُعذب شَيْبَةًً بالنار". ومن المُسْتَمْلَحَات، مما يسلي عن رَوْعِ الشيب، ما أنشد القائل: شعر : لاَ يَرُوعُكِ الشِّيبُ يَا بِنْتَ عَبْدِ الله، فالشَّيبُ حُلْة وَوَقاَرُ إِنَّمَا تَحْسُنُ الرِّيَاضُ إِذَا مَـ ـا ضَحِكَتْ في خِلاَلِهَا الأَزْهَارُ تفسير : ثم قال تعالى: {يخلق ما يشاء}؛ مِنْ ضعفٍ, وقوةٍ، وشباب, وشيبة، {وهو العليمُ} بأحوالهم، {القديرُ} على تدبيرهم؛ فيصيرهم إلى ذلك. والترديد في الأحوال أبين دليل على وجود الصانع العليم القدير. وفي "الضعف": لغتان؛ الفتح والضم. وهو أقوى سنداً في القراءة، كما روي ابن عمر. قال: قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ضَعف" فأقرأني: "من ضُعْفٍ". الإشارة: إذا كُثف الحجاب على الروح، وكثرت همومها، أسرع لها الضعف والهرم، وإذا رقّ حجابها, وقلّت همومها؛ قويت ونشطت بعْد هرمها، ولا شك أن توالي الهموم والأحزان يهرم، وتوالي البسط والفرح ينشط، ويرد الشباب من غير إِبَّانِهِ, والعارفون: فرحهم بالله دائم، وبسطهم لازم؛ إذ لا تنزل بساحتهم الهموم والأحزان, وإنما تنزل بمن فقد الشهود والعيان، كما قال في الحكم. قال القشيري: {خلقكم من ضعف}، أي: ضعف عن حال الخاصة، ثم جعل من بعد ضعف قوة؛ بالوصول إلى شهود الوجود القديم، ثم من بعد قوة ضعفاً؛ بالرجوع إلى المسكنة أي: في حال البقاء، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين"تفسير : . هـ. ثم ذكر أهوال البعث، فقال: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ...}

الجنابذي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} مستأنف فى مقام الامتنان واظهار الآيات كأنّه قال الله لا غيره الّذى خلقكم {مِّن ضَعْفٍ} وهذا من جملة آياته فما لكم تصرفون عنه الى غيره يعنى خلقكم من مادّةٍ ضعيفةٍ فاذا انتم اقوياء خصماء، او جعل الضّعف بمنزلة مادّته مبالغة فى ضعف مادّته، وقرئ فى الكلّ بضمّ الضّاد وفتحها والمعنى واحدٌ {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً} فى سنّ الكهولة {وَشَيْبَةً} فى سنّ الهرم او كليهما فى سنّ الهرم {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} من ضعف وقوّةٍ وشيبةٍ وشبيبةٍ وليس خلقه ما يشاء غير منوطٍ بحكمة فانّه لا يشاء الاّ ما هو الاصلح بحال خلقه {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ} بخلقه وما فيه صلاحهم {ٱلْقَدِيرُ} على ما يشاء فلا يشاء الاّ ما يعلم انّ فيه صلاحهم.

اطفيش

تفسير : {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ} اي خلقكم ضعفاء وجعل الضعف اساس امركم وهو ضعف الجنين والطفولية او المعنى خلقكم من شيء ضعيف وهو النطفة او هي وما بعدها. {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ} هو الضعف المذكور من ارادة المعنى الواحد ينكره بعد اخرى وهو خلاف الغالب ولا مانع من كون الضعف الأول النطفة والثاني ضعف الجنين والطفولية ثم رأيت بعض المفسرين نص على ذلك والحمد لله. {قُوَةً} القوة التي تكون فيه اذا بلغ الحلم أو قارب أو قبل ذلك او تعلق الروح بالبدن وقيل قوة الشباب. {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَةٍ} هي القوة المذكورة بأوجهها او يراد باحداهما مالم يرد بالاخرى مثل ان يراد بهذه قوة الشباب او الكهولة وبتلك قوة البلوغ الحلم او مقاربته. {ضَعْفاً} هو ضعف الهرم او ما قبله من الضعف فان من بلغ الأربعين نقصت قوته وقرأ عاصم وحمزة بفتح ضاد الثلاثة والضم أقوى لما روي أن ابن عمر قال: قرأت من ضعف بالفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرآنية بالضم، وهما لغتان وقال كثير من اللغويين الضم في البدن والفتح في العقل والاوضح ان يقال الضم في الاجسام ومنه قوله تعالى {خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} الخ. والفتح في المعاني كقولهم في هذا القول أو الرواية أو التوجيه أو الدليل ضعف والضعف بكسر الكثرة ومنه قوله تعالى {أية : جزاء الضعف}. تفسير : {وَشَيْبَةً} هي تمام النقصان وفيما قيل قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تكرهوا الشيب فانه نور "تفسير : وقال: "حديث : لا تنتفوا الشيب ما من مسلم يشيب شيبة في الاسلام الا كانت له نورا يوم القيامة "تفسير : ، وفي رواية "حديث : إلا كتب الله بها حسنة وحط عنه بها سيئة "تفسير : . وكره بعض قومنا نتفه ومذهبنا التحريم. {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} من ضعف وقوة وشيبة وذكر القوة يغني عن ذكر الشباب. {وَهُوَ العَلِيمُ} بتدبير خلقه. {القَدِيرُ} ومن دليل العلم والقدرة ترديد المخلوق بين هذه الاحوال المتنافرة مع امكان غير هذا الترديد فليس ذلك من افعال الطبيعة بل فعل الله بمشيئة وقدرة وعلم.

اطفيش

تفسير : {الله الَّذي} مبتدأ وخبر {خَلقَكُم من ضَعْفٍ} جعل الضعف اساس امركم، شبهوا بالاساس والمادة على الاستعارة المكنية، ولفظ من تخييل، وهى ابتدائية، قال الله عز وجل: "أية : وخلق الإنسان ضعيفاً" تفسير : [النساء: 28] فيجوز ان يكون ضعف بمعنى ضعيف، او ذى ضعف، او مبالغة على ان المراد النطفة كقوله تعالى: "أية : من ماء مهين"تفسير : [السجدة: 8، المرسلات: 20] {ثمَّ جَعَل من بعْد ضَعْفٍ قُوةً} بتعلق الروح بالبدن فى البطن، او ببلوغ الحلم، {ثم جَعَل من بعْد قوة ضَعْفاً وشَيْبةً} المراد بضعف ابتدائه، وبالشيبة، ما بعد ذلك، ولهذا اخر الشيب، او المراد بالضعف اعم، فذكر الشيبة لبيان، او ليجمع بين الضعف الباطن والظاهر، اذ يرى بالشيب والضعف بضم الضاد لغة قريش، وبفتحها لغة تميم، قرأ ابن عمر بالفتح فقال له صلى الله عليه وسلم: (حديث : اقرأ يا أبي الضعف لغة قومك)تفسير : قرأ له بالضم، وقومه قريش، وكلاهما فى البدن والعقل لا كما قال كثير من اللغويين الضم فى البدن والفتح فى العقل، وقرأ عاصم بالفتح، وروى عنه الضم، وعنه الفتح فى الاخير، والضم فى الاولين. وعن ابى عبدالرحمن، والجحدرى، والضحاك: ضم الاول والفتح فى الاخيرين، والضعف هو الاول، والقوة الثانية هى الاولى، وكون النكرة غير الاولى اغلبى، فالاصل من بعد الضعف قوة، ومن بعد القوة ضعفا، ونكر المشاكلة النكرة، والضعف الثالث نكرة لأنه غير الأولين وهو ضعف الكبر وقيل والضعف الثانى ضعف آخر بعد الاول، فالاول ما قبل الولادة، والثانى ما بعدها الى البلوغ، والقوة الثانية ما بعد الاولى بحسب ما تفرض، كقوة نفخ الروح، وقوة ما ما بعد الى البلوغ، او قوة الشباب الى ان تفنى، او التنكير باعتبار محالهما من الافراد. {يَخْلق ما يشاءُ} خلقه من قوة وضعف وغيرهما، وهذا اولى من ان يفسر بخلق اسبابها او محالهما {وهُو العَليمُ القَديرُ} لا يعجزه شئ شاءه.

الالوسي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } مبتدأ وخبر أي ابتدأكم ضعفاء وجعل الضعف أساس أمركم كقوله تعالى: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً } تفسير : [النساء: 28] فمن ابتدائية، وفي الضعف استعارة مكنية حيث شبه بالأساس والمادة وفي إدخال من عليه تخييل، ويجوز أن يراد من الضعف الضعيف بإطلاق المصدر على الوصف مبالغة أو بتأويله به أو يراد من ذي ضعف والمراد بذلك النطفة أي الله تعالى الذي ابتدأ خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة كقوله تعالى: {أية : مّن مَّاء مَّهِينٍ }تفسير : [السجدة: 8] وهذا التفسير وإن كان مأثوراً عن قتادة إلا أن الأول أولى وأنسب بقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ } وذلك عند بلوغكم الحلم أو تعلق الروح بأبدانكم {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } إذا أخذ منكم السن والمراد بالضعف هنا ابتداؤه ولذا أخر الشيب عنه أو الأعم فقوله سبحانه: {شيبة} للبيان أو للجمع بين تغيير قواهم وظواهرهم. وفتح عاصم وحمزة ضاد {ضِعْفَ } في الجمع وهي قراءة عبد الله وأبـي رجاء. / وقرأ الجمهور بضمها فيه والضم والفتح لغتان في ذلك كما في الفقر والفقر الفتح لغة تميم والضم لغة قريش، ولذا اختار النبـي صلى الله عليه وسلم قراءة الضم كما ورد في حديث رواه أبو داود والترمذي وحسنه وأحمد وابن المنذر والطبراني والدارقطني وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قرأت على النبـي صلى الله عليه وسلم {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } أي بالفتح فقال: {مّن ضَعْفٍ } يا بني أي بالضم لأنها لغة قومه عليه الصلاة والسلام ولم يقصد صلى الله عليه وسلم بذلك رد القراءة الأخرى لأنها ثابتة بالوحي أيضاً كالقراءة التي اختارها، وروى عن عاصم الضم أيضاً، وعنه أيضاً الضم في الأولين والفتح في الأخير، وروي عن أبـي عبد الرحمن والجحدري والضحاك الضم في الأول والفتح فيما بعد. وقرأ عيسى بضم الضاد والعين وهي لغة أيضاً فيه. وحكى عن كثير من اللغويين أن الضعف بالضم ما كان في البدن والضعف بالفتح ما كان في العقل، والظاهر أنه لا فرق بين المضموم والمفتوح وكونهما مما يوصف به البدن والعقل، والمراد بضعف الثاني عين الأول، ونكر لمشاكلة {قُوَّةَ } وبالأخير غيره فإنه ضعف الشيخوخة وذاك ضعف الطفولية، والمراد بقوة الثانية عين الأولى ونكرت لمشاكلة {ضِعـفاً} وحديث النكرة إذا أعيدت كانت غير أغلبـي، وتكلف بعضهم لتحصيل المغايرة فيما نكر وكرر في الآية فتدبر. {يَخْلُقُ مَا يَشَاء} خلقه من الأشياء التي من جملتها ما ذكر من الضعف والقوة والشيبة وخلقها إما بمعنى خلق أسبابها أو محالها وإما إيجادها أنفسها وهو الظاهر ولا داعي للتأويل فإنها ليست بعدم صرف {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ } المبالغ في العلم والقدرة فإن الترديد فيما ذكر من الأحوال المختلفة مع إمكان غيره من أوضح دلائل العلم والقدرة.

ابن عاشور

تفسير : هذا رابع استئناف من الأربعة المتقدمة رجوع إلى الاستدلال على عظيم القدرة في مختلف المصنوعات من العوالم لتقرير إمكانية البعث وتقريب حصوله إلى عقول منكريه لأن تعدد صور إيجاد المخلوقات وكيفياته من ابتدائها عن عدم أو من إعادتها بعد انعدامها وبتطور وبدونه مما يزيد إمكان البعث وضوحاً عند منكريه، فموقع هذه الآية كموقع قوله: {أية : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً}تفسير : [الروم: 48] ونظائرها كما تقدم؛ ولذلك جاءت فاتحتها على أسلوب فواتح نظائرها وهذا ما يؤذن به تعقيبها بقوله{أية : ويَوم تقوم الساعة يقسم المجرمون}تفسير : [الروم: 55] الآية. ثم قوله {الله الذي خلقكم} مبتدأ وصفة، وقوله {يخلق ما يشاء} هو الخبر، أي يخلق ما يشاء مما أخبر به وأنتم تنكرون. والضعف بضم الضاد في الآية وهو أفصح وهو لغة قريش. ويجوز في ضاده الفتح وهو لغة تميم. وروى أبو داود والترمذي عن عبد الله ابن عمر قال: قرأتها على رسول الله {الذي خلقكم من ضَعف} ــــ يعني بفتح الضاد ــــ فأقرأني: {من ضُعف} ــــ يعني بضم الضاد ــــ. وقرأ الجمهور ألفاظ {ضعف} الثلاثة ــــ بضم الضاد ــــ في الثلاثة. وقرأها عاصم وحمزة بفتح الضاد، فلهما سند لا محالة يعارض حديثَ ابن عمر. والجمع بين هذه القراءة وبين حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نطق بلغة الضم لأنها لغة قومه، وأن الفتح رخصة لمن يقرأ بلغة قبيلة أخرى، ومن لم يكن له لغة تخصه فهو مخيَّر بين القراءتين. والضعف: الوهن واللين. و{مِن} ابتدائية، أي: مبتدَأ خلقه من ضعف، أي: من حالة ضعف، وهي حالة كونه جنيناً ثم صبياً إلى أن يبلغ أشده، وهذا كقوله: {أية : خلق الإنسان من عجل} تفسير : [الأنبياء: 37] يدل على تمكن الوصف من الموصوف حتى كأنه منتزع منه، قال تعالى: {أية : وخلق الإنسان ضعيفاً}تفسير : [النساء: 28]. والمعنى: أنه كما أنشأكم أطواراً تبتدىء من الوهن وتنتهي إليه فكذلك ينشئكم بعد الموت إذ ليس ذلك بأعجب من الإنشاء الأول وما لحقه من الأطوار، ولهذا أخبر عنه بقوله: {يخلق ما يشاء}. وذكر وصف العلم والقدرة لأن التطور هو مقتضى الحكمة وهي من شؤون العلم، وإبرازُه على أحكم وجه هو من أثر القدرة. وتنكير {ضعف وقوة} للنوعية؛ فــــ {ضُعف} المذكور ثانياً هو عين {ضُعف} المذكور أولاً، و{قوة} المذكورة ثانياً عين {قوة} المذكورة أولاً. وقولهم: النكرة إذا أُعيدت نكرة كانت غير الأولى، يريدون به التنكير المقصود منه الفرد الشائع لا التنكير المراد به النوعية. وعطف {وشيبة} للإيماء إلى أن هذا الضعف لا قوة بعده وأن بعده العدم بما شاع من أن الشيب نذير الموت. والشيبة: اسم مصدر الشيب. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : واشتعل الرأس شيباً} تفسير : في سورة مريم (4).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً}. قد بين الله تعالى الضعف الأول الذي خلقهم منه في آيات من كتابه، وبين الضعف الأخير في آيات أخر، قال في الأول: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [المرسلات: 20] وقال: {أية : خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 4] وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [يس: 77] الآية. وقال: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق: 5ـ6] وقال: {أية : كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} تفسير : [المعارج: 39] إلى غير ذلك من الآيات. وقال في الضعف الثاني: {أية : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} تفسير : [النحل: 70] و [الحج: 5] وقال: {أية : وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [يس: 68] إلى غير ذلك من الآيات، وأشار إلى القوة بين الضعفين في آيات من كتابه كقوله: {أية : فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}تفسير : [النحل: 4] وإطلاقه نفس الضعف، على ما خلق الإنسان منه، قد أوضحنا وجهه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} تفسير : [الأنبياء: 37] الآية. وقرأ عاصم وحمزة من ضعف في المواضع الثلاثة المخفوضين، والمنصوب بفتح الضاد في جميعها، وقرأ الباقون بالضم. واختار حفص القراءة بالضم وفاقاً للجمهور: للحديث الوارد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عطية العوفي أنه أعنى ابن عمر قرأ عليه صلى الله عليه وسلم: من ضعف بفتح الضاد، فرد عليه صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يقرأها بضم الضاد، والحديث رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ورواه غيرهما والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الله الذي خلقكم من ضعف: أي من نطفة وهي ماء مهين. ثم جعل من بعد ضعف قوة: أي من بعد ضعف الطفولة قوة الشباب. ثم جعل من بعد قوة ضعفاً: أي من بعد قوة الشباب والكهولة ضعف الكبر والشيب وشيبة: أي الهرم. كذلك كانوا يؤفكون: أي كما صرفوا عن معرفة الصدق في اللبث كانوا يصرفون في الدنيا عن الإِيمان بالبعث والجزاء في الآخرة فانصرافهم عن الحق في الدنيا سبب لهم عدم معرفتهم لمدة لبثهم في قبورهم. لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم: أي في انكارهم للبعث والجزاء. ولا هم يستعتبون: أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضي الله تعالى بالإِيمان والعمل الصالح. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} وحده {مِّن ضَعْفٍ} أي من ماء مهين وهي النطفة ثم جعل من بعد ضعف أي ضعف الطفولة {قُوَّةً} وهي قوة الشباب {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} أي قوة الشباب والكهولة {ضَعْفاً} أي ضعف الكبر {وَشَيْبَةً} أي الهرم وقوله تعالى {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ} بخلقه {ٱلْقَدِيرُ} على ما يشاء ويريده فهو تعالى قادر على إحياء الأموات وبعثهم، إذ القادر على إيجادهم من العدم قادر على بعثهم من الرّمَم وقوله تعالى {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} أي القيامة {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي يحلف المجرمون من أهل الشرك والمعاصي {مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} أي لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة من زمن. وقوله تعالى {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} أي كما صرفوا عن معرفة الصدق في اللبث في القبر كانوا يصرفون في الدنيا عن الإِيمان بالله تعالى ولقائه، والصارف لهم ظلمة نفوسهم بسبب الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي في كتاب المقادير {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} وهو يوم القيامة {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} لعدم إِيمانكم بالله وبآياته والكتاب الذي أنزله. وقوله فيومئذ أي يوم إذ يأتي يوم البعث {لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ} أي عن شركهم وكفرهم بلقاء ربهم، {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضى الله تعالى من الإِيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة العقلية التي لا ترد بحال. 2) بيان أطوار خلق الإِنسان من نطفة إلى شيخوخة وهرم. 3) فضل العلم والإِيمان وأهلهما. 4) بيان أن معذرة الظالمين لا تقبل منهم، ولا يستعتبون فيرضون الله تعالى فيرضى عنهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (54) - يَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلى المُشْرِكِينَ الذينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ والنُّشُورَ قَائلاً: إِنَّهُ تَعَالى خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ يَمُرُّ في أَطْوارٍ مُتَعَدِّدَةٍ حتَّى يَخرُجَ طِفْلاً ضَعِيفاً عَارِياً، ثُمَّ ينمُو ويَكْبَرُ فَيُصْبحُ قَوياً، ثُمَّ يَعُودُ فَيَفْقِدُ قُوَّتَهُ شَيئاً فَشَيئاً، حَتَّى يَعُودَ ضَعيفاً ويَعْلُوَهُ الشَّيْبُ. واللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مِنْ ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبَابٍ ومَشِيبٍ، وَهُوَ العَلِيمُ بِحَالِ خَلْقِهِ، وَهُوَ القَادِرُ عَلى كُلِّ شيءٍ، وَلا يَمْتَنِعُ عَليهِ شَيءٌ. فَمَنْ فَعَل كُلَّ هذَا لاَ يَصْعُبُ عَلَيهِ أَنْ يُعِيدَ نَشْرَ الخَلْقِ، وَبَعْثَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ يَومَ القِيَامَةِ. شَيْبَةً - حَالَ الشَّيْخُوخَةِ وَالهَرَم.

الثعلبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} نطفة {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} شباباً {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً} هرماً {وَشَيْبَةً}. قرأ يحيى وعاصم والأعمش وحمزة (بفتح) الضاد من الضعف، غيرهم بالضمّ فيها كلّها، واختارها أبو عبيد لأنّها لغة النبي صلى الله عليه وسلم. أخبرنا عبدالله بن حامد الوزان، عن حامد بن محمد، عن علي بن عبد العزيز قال أبو نعيم، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً} يعني بالضم، ثمّ قال: إنّي قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها عليَّ كما أخذتها عليك، وكان عاصم الحجدري يقرأ {اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضُعْفٍ - بالضم - قُوّةً ثُمَّ مِنْ بَعْدِ قُوّة ضَعْفَاً - بالفتح -} أراد أن يجمع بين اللغتين.قال الفرّاء: الضمّ لغة قريش والنصب لغة تميم {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ}. وقوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} يحلف المشركون {مَا لَبِثُواْ} في الدنيا {أية : غَيْرَ سَاعَةٍ}تفسير : [الروم: 55] استقلَّ القوم أجل الدنيا لمّا عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: يعني ما لبثوا في قبورهم غير ساعة، استقلّوا ذلك لما استقبلوا من هول يوم القيامة، نظيرها قوله عزّ وجلّ: {أية : كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً}تفسير : [يونس: 45] من النهار ومن نهار {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} يكذّبون في الدُّنيا. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي فيما كتب الله لكم في سابق علمه. وقيل: في حكم الله، كقول الشاعر: شعر : ومال الولاء بالبلاء فملتمُ وما ذاكَ قال الله إذ هو يكتبُ تفسير : أي يحكم. وقال قتادة ومقاتل: هذا من مقاديم الكلام تأويلها: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوْا الْعِلْمَ في كتاب اللهِ والإيمانَ لقد لبثتُم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} في الدنيا أنّه يكون وأنّكم مبعوثون ومجزيّون فكنتم به تكذِّبون. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} يسترجعون. {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} ما أنتم إلاّ على باطل {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} في نصرك وتمكينك {حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ} يستزلنّك ويستخفنَّ رأيك عن حكمك {ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق - تبارك وتعالى - بعد أنْ عرض علينا بعض الأدلة في الكون من حولنا يقول لنا: ولماذا نذهب بعيداً إذا لم تكْفِ الآيات في الكون من حولك، فانظر في آيات نفسك، كما قال سبحانه: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21] وجمع بين النوعين في قوله سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53]. فهنا يقول: تأمل في نفسك أنت: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ..} [الروم: 54]، فإنْ قال الإنسان المكلف الآن: أنا لم أشاهد مرحلة الضعف التي خُلِقْتُ منها. نقول: نعم لم تشاهدها في نفسك، فلم تكُنْ لك ساعتها مشاهدة، لكن شاهدتها في غيرك، شاهدتها في الماء المهين الذي يتكوَّن منه الجنين، وفي الأم الحامل، وفي المرأة حين تضع وليدها صغيراً ضعيفاً، ليس له قَدَم تسعى، ولا يَدٌ تبطش، ولا سِنٌّ تقطع، ومع ذلك رُبي بعناية الله حتى صار إلى مرحلة القوة التي أنت فيها الآن. إذن: فدليل الضعف مشهود لكل إنسان، لا في ذاته، لكن في غيره، وفي مشاهداته كل يوم، وكل منا شاهد مئات الأطفال في مراحل النمو المختلفة، فالطفل يُولَد لا حولَ له ولا قوة، ثم يأخذ في النمو والكِبَر فيستطيع الجلوس، ثم الحَبْو، ثم المشي، إلى أنْ تكتمل أجهزته ويبلغ مرحلة الرشْد والفتوة. وعندها يُكلِّفه الحق - سبحانه وتعالى - وينبغي أنْ نكلفه نحن أيضاً، وأنْ نستغل فترة الشباب هذه في العمل المثمر، فنحن نرى الثمرة الناضجة إذا لم يقطفها صاحبها تسقط هي بين يديه، وكأنها تريد أنْ تؤدي مهمتها التي خلقها الله من أجلها. لذلك، فإن آفتنا نحن ومن أسباب تأخُّر مجتمعاتنا أننا نطيل عمر طفولة أبنائنا، فنعامل الشاب حتى سِنِّ الخامسة والعشرين على أنه طفل، ينبغي علينا أن نلبي كل رغباته لا ينقصنا إلا أنْ نرضعه. آفتنا أن لدينا حناناً (مرق) لا معنى له، أما في خارج بلادنا، فبمجرد أن يبلغ الشاب رُشَدْه لم يَعُدْ له حق على أبيه، بل ينتقل الحق لأبيه عليه، ويتحمل هو المسئولية. والحق سبحانه يُعلِّمنا في تربية الأبناء أنْ نُعوِّدهم تحمُّل المسئولية في هذه السِّنِّ: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} تفسير : [النور: 59]. فانظر أنت أيها الإنسان الذي جعلتَ كل الأجناس الأقوى منك في خدمتك، انظر في نفسك وما فيها من آيات وما بين جنبيك من مظاهر قدرة الله، فقد نشأتَ ضعيفاً لا تقدر على شيء يخدمك غيرك. ومن حكمته تعالى في الطفل ألاَّ تظهر أسنانه طوال فترة الرضاعة حتى لا يؤذي أمه، ثم تخرج له أسنان مؤقتة يسمونها الأسنان اللبنية؛ لأنه ما يزال صغيراً لا يستطيع تنظيفها، فيجعلها الله مؤقتة إلى أن يكبر ويتمكَّن من تنظيفها، فتسقط ويخرج مكانها الأسنان الدائمة، ولو تأملتَ في نفسك لوجدتَ ما لا يُحصى من الآيات. {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ..} [الروم: 54] أي: قوة الشباب وفتوته: {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ..} [الروم: 54] أي: ضعف الشيخوخة، وهذا الضعف يسري في كل الأعضاء، حتى في العلم، وفي الذاكرة {أية : لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ..} تفسير : [الحج: 5]. ويظل بك هذا الضعف حتى تصير إلى مثل الطفل في كل شيء تحتاج إلى مَنْ يحملك ويخدمك إذن: لا تأخذ هذه المسألة بطبع تكوينك، ولكن بإرادة مُكوِّنك سبحانه، فبعد أنْ كنتَ ضعيفاً يُقوِّيك، وهو سبحانه القادر على أنْ يعيدك إلى الضعف، بحيث لا تستطيع عقاقير الدنيا أنْ تعيدك إلى القوة؛ لذلك يسخر أحد العقلاء ممن يتناولون (الفيتامينات) في سِنِّ الشيخوخة، ويقول: يا ويل مَنْ لم تكُنْ (فيتاميناته) من ظهره. لذلك تلحظ الدقة في الأداء في قول سيدنا زكريا: {أية : قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ..} تفسير : [مريم: 4]؛ لأن العظم آخر مخزن لقُوت الإنسان، حيث يختزن فيه ما زاد عن حاجة الجسم من الطاقة، فإذا لم يتغذَّ الجسم بالطعام يمتصّ من هذا المخزون من الشحوم والدهون، ثم من العضل، ثم من نخاع العظم، وهو آخر مخزن للقوت في جسمك. فمعنى قول سيدنا زكريا: {أية : إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ..} تفسير : [مريم: 4] يعني: وصلتُ إلى مرحلة الحرض التي لا أملَ معها في قوة، ويؤكد هذا المعنى بقوله {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً ..} تفسير : [مريم: 4]. وقلنا: إن بياض الشعر ليس لوناً، إنما البياض انعدام اللون؛ لذلك فاللون الأبيض ليس من ألوان الطيف، ومع الشيخوخة تضعف أجهزة الإنسان، وتضعف الغدد المسئولة عن لون الشعر عن إفراز اللون الأسود، فيظهر الشعر بلا لون. ونلحظ أن أغلب ما يشيب الناس يشيبون مما يُعرف بـ "السوالف" من هنا ومن هنا، لماذا؟ قالوا: لأن الشعرة عبارة عن أنبوب دقيق، فإذا قُصَّتْ أثناء الحلق ينفتح هذا الأنبوب، وتدخله بعض المواد الكيمياوية مثل الصابون والكولونيا، فتؤثر على الحويصلات الملوّنة وتقضي عليها؛ لذلك نلاحظ هذه الظاهرة كثيراً في المترفين خاصة؛ لذلك تجد بعض الشباب يظهر عندهم الشيب في هذه المناطق من الرأس. وقد رتب سيدنا زكريا مظاهر الضعف بحسب الأهمية، فقال أولاً {أية : وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ..} تفسير : [مريم: 4] ثم {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً ..} تفسير : [مريم: 4] ومع كِبَر سيدنا زكريا وضعفه، ومع أن امرأته كانت عاقراً إلا أن الله تعالى استجاب له في طلبه للولد الذي يرث عنه النبوة، فبشَّره بولد وسمَّاه يحيى، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنا: إياكم، ألا أستطيع أنْ أخلق مع الشيب والكبر والضعف؟ لذلك قال بعدها: {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ..} [الروم: 54]. وقال في شأن زكريا عليه السلام: {أية : قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 9]. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} [الروم: 54] أي: أن هذا الخَلْق ناشىء عن علم {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14] لكن العلم وحده لا يكفي، فقد تكون عالماً لكنك غير قادر على تنفيذ ما تعلم، كمهندس الكهرباء، لديه علم واسع عنها، لكنه لا يستطيع تنفيذ شبكة أو معمل كهرباء، فيذهب إلى أحد الممولين ليعينه على التنفيذ؛ لذلك وصف الحق سبحانه نفسه بالعلم والقدرة. إذن: هذا هو الدليل النفسي على الموجد الحق الفاعل المختار الذي يفعل الأشياء بعلم وقدرة، ولا يكلفه العمل شيئاً ولا يستغرق وقتاً؛ لأنه سبحانه يقول للشيء: كن فيكون، ولا تتعجب أن ربك يقول للشيء كُنْ فيكون؛ لأنك أيها المخلوق الضعيف تفعل هذا مع أعضائك وجوارحك. وإلاَّ فقُلْ لي: ماذا تفعل إنْ أردتَ أنْ تقوم مثلاً أو تحمل شيئاً مجرد أن تريد الحركة تجد أعضاءك طوع إرادتك، ودون أنْ تدري بما يحدث بداخلك من انفعالات وحركات، وإنْ قُلت فأنا كبير وأستطيع أداء هذه الحركات كما أريد، فما بالك بالطفل الصغير؟ وسبق أن ضربنا مثلاً لتوضيح هذه المسألة بالبلدوزر، فلكل حركة منه ذراع خاص بها يُحرِّكه السائق، وأزرار يضرب عليها، وربما احتاج السائق لأكثر من أداة التحريك هذه الآلة حركة واحدة. أما أنت فمجرد أن تريد تحريك العضو تجده يتحرك معك كما تريد دون أن تعرف العضلات والأعصاب التي شاركت في حركته، فإذا كنتَ أنت على هذه الصورة، أتعجب من أن الله تعالى يقول للشيء كن فيكون؟ ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} معناه صغارٌ أطفالٌ والضَّعفُ: يَجيءُ بعدَ الكِبرِ بفتحِ الضَادِ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه على سبيل الامتنان إظهاراً لكمال قدرته على إبداء الشئون و التطورات الواردة على عباده حسب تعاقب الأزمنة والأوقات في النشأة الأولى، فكيف ينكرون إعادتها في النشأة الأخرى مع أن الإعادة أهون من الإبداء، وإن كان الكل في جنب قدرته على السواء: {ٱللَّهُ} القادر المقتدر، الحكيم المتقن في أفعاله وأحكامه، العليم بمقتضاها هو {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} وقدر وجودكم بعدما أبدعكم من كتم العدم في عالم الطبيعة والهيولي {مِّن ضَعْفٍ} هو ماء النطفة الضعيفة المهينة {ثُمَّ جَعَلَ} ما صير وخلق {مِن بَعْدِ ضَعْفٍ} كائن في نشأة النطفة {قُوَّةً} جسمانية متزايدة، مستكملة فيها إلى أن بلغت كمال الشباب {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} كائنة في عالم الشباب {ضَعْفاً} وانحطاماً {وَشَيْبَةً} مضعفة لجميع القوى والآلات، منتهية إلى الهم الذي عبر عنه سبحانه بأرذل العمر؛ كي لا يعلم صحابه من بعد علم شيئاً، وبالجملة: {يَخْلُقُ} ويظهر سبحانه جميع {مَا يَشَآءُ} ويريد إرادةً واختياراً {وَ} كيف لا {هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بجميع ما أحاط عليه إرادته ومشيئته {ٱلْقَدِيرُ} [الروم: 54] لإيجاده وإظهاره في فضاء العيان بلا فتور وقصور. {وَ} كيف ينكر من ينكر الحشر والنشر، وإعادة الموتى أحياءً بعدما شهد هذه التطورات المتخالفة المتعاقبة؟! اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} الموعودة المعدة لحشر الأموات من الأجداث {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي: يقسم ويحلف كلٌّ منهم عند صاحبه بمدة لبثهم في الدنيا مترفهين متنعمين، واتفقوا بعدما اختلفوا وترددوا في مكثهم فيها أنهم {مَا لَبِثُواْ} فيها {غَيْرَ سَاعَةٍ} واحدة بالنسبة إلى طول يوم القيامة، ومن شدة عذابها وأهوالها، وكثرة الهموم والأحزان فيها صار لبثهم في الدنيا مدة أعمارهم فيها ساعة واحدة عندهم، بل بضعهم تخيلوا أقصر منها {كَذَلِكَ} أي: مثل صرفهم عن طول مدة مكثهم في الدنيا يوم القيامة {كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} [الروم: 55] ويصرفون في النشأة الأولى عن طريق التوحيد، وسبيل الهداية والرشاد من كمال غفلتهم وقسوتهم. {وَ} بعدما سمع منهم المؤمنون الموحدونن استقصارهم مدة لبثهم فيها، وانصرافهم عن الحق {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} اللدني من قِبَل الحق {وَٱلإِيمَانَ} بالمغيبات التي أُمروا بتصديقها على ألسنة الرسل والكتب، سيما يوم البعث والنشور رداً عليهم، وتخطئةً لهم: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ} في الدنيا بمقتضى ما ثبت {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} ولوح قضائه، وحضرة علمه {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} وحشر الموتى، وقيام الساعة {فَهَـٰذَا} اليوم الذي أنتم فيه معذبون الآن {يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} الموعود لكم في الدنيا على ألسنة الرسل {وَلَـٰكِنَّكُمْ} من خبث طينتكم وجهلكم {كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 56] ولا تؤمنون به، ولا تصدقون قيامه، بل تنكرونها وتكذبون من أخبر بها من الرسل العظام، مع أنهم مؤيَّدون من قِبَل الحق بالدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة، والمعجزات الباهرة الظاهرة. وبعدما فوَّتوا الفرص في دار الاختبار، وضيعوا عين العبرة والاعتبار فيها {فَيَوْمَئِذٍ اْ} أي: حين قيام الساعة، وانقضاء أيام التفقد والتدارك {لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُو} أنفسهم بالخروج عن حدود الله والعرض على عذابه {مَعْذِرَتُهُمْ} أي: عذر منهم ليعتذروا عن قصورهم، ويتوبوا عن فتورهم متداركين لما فوَّتوا {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الروم: 57] أي: لا يُطلب منهم العتبى حتى يزول عتابهم بالتوبة والإنابة والندم والرجوع؛ إذ قد انقضت نشأة الاتبلاء الاختبار، حينئذٍ لا يُقبل منهم التوبة والعبادة أصلاً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} [الروم: 53] في البداية ضعف العقل. {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} [الروم: 54] في العقل بالبراهين والحجج. {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ضَعْفاً وَشَيْبَةً} [الروم: 54] في الإيمان لمن كان العقل عقليته فكما تعقل بعلاقة المعقولات، فينظر فيها بداعية الهوى بنظر مشوب بآفة الوهم والخيال، فيقع في ظلمات الشبهات فتزل قدمه عن الصراط المستقيم والدين القويم فيهلك كما هلك فمن شرع في تعلم المعقولات بلا نور المتابعة ونور الشريعة وسعوا في إبطال الشريعة بظلمة الطبيعة. {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ}تفسير : [الصف: 8] وأيضاً خلقكم من ضعف أي ضعف التردد والتحير في الطلب، ثم جعل من بعد ضعف قوة في صدق الطلب، ثم جعل من بعد قوة في الطلب ضعفاً في حمل القول الثقيل وهو حقيقة قوله: لا إله إلا الله فإنها توجب الفناء الحقيقي في المعنى ويوجب الضعف الحقيقي في الصورة بحمل المعاتبات والمعاشقات التي تجري بين المحبين فإنها تورث الضعف أو الشيب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : شيبتني سورة هود وأخواتها" تفسير : فإن فيها كانت إشارة من المعاشقات بقوله: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}تفسير : [هود: 112]. {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [الروم: 54] من القوة والضعف في السعيد والشقي، فيخلق في السعيد قوة الإيمان وضعف البشرية وفي الشقي قوة البشرية لقبول الكفر وضعف الروحانية لقبول الإيمان {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ} بأهل السعادة، {ٱلْقَدِيرُ} بخلق أسباب الشقاوة فيه. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم: 55] يشير إلى يوم تطلع شمس العناية عن شرق قلب أهل السعادة. {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ}تفسير : [إبراهيم: 48] إذا أشرقت الأرض بنور ربها تقوم قيامتهم وتبعث القلوب الميتة عن قبور تواليها بنفخ صور الجذبة الإلهية، فيقسم المجرمون الذين كانوا إلى يوم البعث مقبلين على الدنيا معرضين عن الحق تعالى ما لبثوا في قبور القوالب غير ساعة فقط استقبلوا أيام غفلتهم وهم مقبورون في قبر القوالب الدنيوية في مقابل صباح تجلت فيه شمس جذبة العناية وهو صباح إشراق بنور أزلي أبدي فرأوا الأيام المعدودة الدنيوية المتناهية الفانية بالنسبة إلى صباح يوم أزلي أبدي كساعة ولا تستغرب أن عدد أيامهم المعدودة في هذا العرض ساعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صبح ليلة المعراج بهذا الصباح كأن الدنيا ساعة فجعلها طاعة فقد رأى مدة عمر الدنيا بالنسبة إلى ذلك الصباح كساعة. {كَذَلِكَ كَانُواْ} [الروم: 55] يعني في أيام جاهليتهم وأوان غفلتهم {يُؤْفَكُونَ} [الروم: 55] يكذبون أو يحسبون بزعم نفوسهم لا يموتون بهذا الموت الإرادي ولا يبعثون بهذا البعث الجذباتي الرباني. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} اللدني {وَٱلإِيمَانَ} العياني وهم القلوب والأرواح والأسرار الذين أحيوا جذبة الحق فرأوا بدار الحقيقة حقيقة الأمر قالوا: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} [الروم: 56] وهو التقدير الأزلي في أم الكتاب {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} فهذا يوم البعث الحقيقي، {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 56] أن تستحقوا لهذه السعادة العظمى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن سعة علمه وعظيم اقتداره وكمال حكمته، ابتدأ خلق الآدميين من ضعف وهو الأطوار الأول من خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى أن صار حيوانا في الأرحام إلى أن ولد، وهو في سن الطفولية وهو إذ ذاك في غاية الضعف وعدم القوة والقدرة. ثم ما زال اللّه يزيد في قوته شيئا فشيئا حتى بلغ سن الشباب واستوت قوته وكملت قواه الظاهرة والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم. { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } بحسب حكمته. ومن حكمته أن يري العبد ضعفه وأن قوته محفوفة بضعفين وأنه ليس له من نفسه إلا النقص، ولولا تقوية اللّه له لما وصل إلى قوة وقدرة ولو استمرت قوته في الزيادة لطغى وبغى وعتا. وليعلم العباد كمال قدرة اللّه التي لا تزال مستمرة يخلق بها الأشياء، ويدبر بها الأمور ولا يلحقها إعياء ولا ضعف ولا نقص بوجه من الوجوه.