٣٠ - ٱلرُّوم
30 - Ar-Roum (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
الرازي
تفسير : قيل ما لبثوا في الدنيا غير ساعة. وقيل ما لبثوا في القبور، وقيل ما لبثوا من وقت فناء الدنيا إلى وقت النشور {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } يصرفون من الحق إلى الباطل ومن الصدق إلى الكذب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي يحلف المشركون. {مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} ليس في هذا رد لعذاب القبر؛ إذ كان قد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من غير طريق أنه تعوّذ منه، وأمر أن يتعوّذ منه؛ فمن ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود قال: حديث : سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم أمَّ حبيبة وهي تقول: اللَّهُمَّ أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية؛ فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لقد سألت الله لآجال مضروبة وأرزاق مقسومة ولكن سلِيه أن يعيذك من عذاب جهنم وعذاب القبر»تفسير : في أحاديث مشهورة خرجها مسلم والبخارِيّ وغيرهما. وقد ذكرنا منها جملة في كتاب (التذكرة). وفي معنى: {مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} قولان: أحدهما: أنه لا بدّ من خمدة قبل يوم القيامة؛ فعلى هذا قالوا: ما لبثنا غَيْرَ سَاعَةٍ.والقول الآخر: أنهم يعنون في الدنيا لزوالها وانقطاعها، كما قال تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46] كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وإن كانوا قد أقسموا على غيب وعلى غير ما يدرون. قال الله عز وجل: {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} أي كانوا يكذبون في الدنيا؛ يقال: أُفِك الرجلُ إذا صُرف عن الصّدق والخير. وأرض مأفوكة: ممنوعة من المطر. وقد زعم جماعة من أهل النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذِب لما هم فيه، والقرآن يدلّ على غير ذلك، قال الله عز وجل: {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} أي كما صُرفوا عن الحق في قَسَمهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يُصرفون عن الحق في الدنيا؛ وقال جل وعز: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ}تفسير : [المجادلة: 18] وقال: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ}تفسير : [الأنعام: 23 ـ 24].
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضاً، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. قال الله تعالى: {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} أي: فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة؛ كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} أي: في كتاب الأعمال { إِلَىٰ يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} أي: من يوم خلقتم إلى أن بعثتم {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} قال الله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة {لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ} أي: اعتذارهم عما فعلوا {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي: ولا هم يرجعون إلى الدنيا؛ كما قال تعالى: {لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ } يحلف {ٱلْمُجْرِمُونَ } الكافرون {مَا لَبِثُواْ } في القبور {غَيْرَ سَاعَةٍ } قال تعالى: {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } يصرفون عن الحق (البعث) كما صرفوا عن الحق: الصدق في مدة اللّبث.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ} قال ابن عباس: الكفار. {مَا لَبِثواْ غَيْرَ سَاعَةٍ} فيه قولان: أحدهما: في الدنيا استقلالاً لأجل الدنيا لما عاينوا من الآخرة، قاله قتادة. الثاني: في قبورهم ما بين موتهم ونشورهم، قاله يحيى بن سلام. {كَذلِكَ} أي هكذا، قاله ابن جبير. {كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} فيه وجهان: أحدهما: يكذبون في الدنيا، قاله قتادة. الثاني: يصدون في الدنيا عن الإيمان بالبعث. قاله يحيى بن سلام. قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} فيهم وجهان: أحدهما: أنهم الملائكة، قاله الكلبي. الثاني: أهل الكتاب. {وَالإِيمَانَ} يحتمل وجهين: أحدهما: الإيمان بالكتاب المتقدم من غير تحريف له ولا تبديل فيه. الثاني: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لقد لبثتم في علم الله، قاله الفراء. الثاني: لقد لبثتم بما بيانه في كتاب الله، قاله ابن عيسى. الثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً تقديره: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} في كتاب الله والإيمان {لَقَدْ لَبِثْتُم إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ} قاله قتادة. وفي {لَبِثْتُمْ} قولان: أحدهما: لبثوا في قبورهم. الثاني: في الدنيا أحياء وفي قبورهم أموات. {فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} يعني الذي كذبتم به في الدنيا. {وَلكِنَّكُمْ كِنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} أي لا تعلمون في الدنيا أن البعث حق وقد علمتم الآن أنه حق. قوله: {فَيَومَئِذٍ} يعني يوم القيامة. {لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ} أي عذرهم الذي اعتذروا به في تكذيبهم. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يعاتبون على سيئاتهم، قاله النقاش. الثاني: لا يستتابون، قاله بعض المتأخرين. الثالث: لا يطلب منهم العتبى وهو أن يُرَدُوا إلى الدنيا لِيُعْتَبُوا أي ليؤمنوا،قاله يحيى بن سلام.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمُجْرِمُونَ} الكفار. {مَا لَبِثُواْ} في الدنيا، أو في القبور {كَذَلِكَ} هكذا. {يُؤْفَكُونَ} يكذبون في الدنيا، أو يصرفون عن الإيمان بالبعث.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون} أي يحلف المشركون {ما لبثوا} أي في الدنيا {غير الساعة} معناه أنهم استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة وقيل معناه ما لبثوا في قبورهم غير ساعة {كذلك كانوا يؤفكون} يعني يصرفون عن الحق في الدنيا وذلك أنهم كذبوا في قولهم ما لبثوا غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا يبعثوا. والمعنى أن الله أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه وكان ذلك بقضاء الله وقدره ثم ذكر إنكار المؤمن عليهم كذبتهم فقال تعالى {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله يوم البعث} أي فيما كتب الله لكم في سابق عمله من اللبث في القبور وقيل معنى الآية وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان يعني الذين يقيمون كتاب الله قالوا للمنكرين قد لبثتم إلى يوم البعث أي في قبوركم {فهذا يوم البعث} أي الذي كنتم تنكرونه في الدنيا {ولكنكم كنتم لا تعلمون} أي وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن بدليل قوله تعالى {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون} أي لا تطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة وقيل لا تطلب منهم التوبة التي تزيل الجريمة لأنها لا تقبل منهم. قوله تعالى {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} فيه إشارة إلى إزالة الأعذار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} يعني ما أنتم إلا على باطل وذلك على سبيل العناد. فإن قلت ما معنى توحيد الخطاب في قوله: ولئن جئتهم والجمع في قوله: إن أنتم إلا مبطلون. قلت فيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال ولئن جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل ويمكن أن يقال معناه أنكم كلكم أيها الرسل مبطلون {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} أي توحيد الله {فاصبر إن وعد الله حق} أي في نصرك وإظهارك على عدوك {ولا يستخفنك} يعني لا يحملنك على الجهل وقيل لا يستخفن رأيك {الذين لا يوقنون} يعني بالبعث والحساب، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} يحلف المشركون "مَا لَبِثُوا" في الدنيا "غَيْرَ سَاعَةٍ" أي إلا ساعة، لما ذكر الإعادة والإبداء ذكره بذكر أحوالها ووقتها. قوله: "مَا لَبِثُوا" جواب قوله "يُقْسِمُ" وهو على المعنى؛ إذا لو حكى قولهم بعينه لقيل: ما لبثنا، والمعنى أنهم استقلوا أجل الدينا لما عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا}تفسير : [النازعات: 46] وقوله: {أية : يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}تفسير : [الأحقاف: 35]. قوله: "كَذَلِكَ" أي مثْلُ ذَلِكَ الإفك "كانَوا يُؤفَكُونَ" أي يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال الكلبي ومقاتل كذبوا في (قبورهم) قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث، والمعنى أن الله تعالى أراد يَفْضَحَهُمْ فحلفوا على شيء (يتبين) لأهل الجمع أنهم كاذبون، ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي فيما كتب الله لكم في سابق علمه في اللَّبث في القبور. وقيل: في كتاب الله في حُكْم الله أي فيما وعد به في كتابه من الحشر والبعث فيكون "في كتاب الله" متعلقاً "بلَبِثْتُم" وقال مقاتل وقتادة: فيه تقديم وتأخير معناه وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان لقد لبثتم إلى يَوْم البَعْثِ. و "في" تَرِدُ بمعنى الباء [و] العامة على سكون عين "البَعْثِ" والحسن بفتحها، وقرىء، بكسرها، فالمكسور اسم، والمفتوح مصدر. قوله: {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} في الفاء قولان: اظهرهما: أنها عاطفة هذه الجملة على "لَقَدْ لَبِثْتُمْ". وقال الزمخشري هي جواب شرط مقدر كقوله: شعر : 4046 - فَقَــدْ جِئْنَــا خُـرَاسَـانَــا تفسير : كأنه قيل: إن صحَّ ما قلتم إن "خراسان" أقصى ما يراد بكم وآن لنا أن نخلص وكذلك إن كنتم منكرين فهذا يوم البعث، ويشير إلى البيت المشهور. شعر : 4047 - قالوا خُرَاسان أقْصَـى ما يُرادُ بِنَا قُلْنَا القُفُـول فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَـا تفسير : قوله: "لا تَعْلَمُونَ" أي البعث أي ما يراد بكم (أو) لا يقدر له مفعول أي لم يكونوا من أولي العلم وهو المَنْع. فصل اعلم أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها، فالمجرم إذا حُشِرَ عَلِمَ أن مصيره (إلى النار يستقل مدة اللَّبْثِ ويختار تأخير الحشر والإبقاء في الإبقاء، والمؤمن إذا حُشِرَ عَلِمَ أن مصيره) إلى الجنة فيستكثر المدة ولا يريد تأخيرها فيختلف الفريقان ويقول أحدهما: إن مدة لَبْثنا قليلٌ وإليه الإشارة بقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} ونحن صرنا إلى يوم البعث، وهذا يوم البعث {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وقوعه في الدنيا يعني أن طلبكم (التأخير لأنكم كنتم لا تعلمون البعث ولا تعترفون به، فصار مصيركم إلى النار فتطلبون التأخير ولا ينفعكم العلم به الآن. قوله: "فَيَوْمَئِذٍ" أي إِذْ يَشْفَعُ ذَلك يقولُ الذين أثوتوا العلمَ تلك المقالة "لا ينفع" هو الناصب ليومئذ قبله، وقرأ الكوفيون هنا وفي غافر بالياء من تحت وافقهم نافعٌ على ما في غافر؛ لأن التأنيث مجازيّ ولأنه قد فصل أيضاً والباقون بالتأنيث فيهما مراعاةٌ للفظ. قوله: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} قال الزمخشري من قولك: اسْتَعْتَبَنِي فلانٌ فَأَعْتَبْتُهُ أي اسْتَرْضَانِي فَأَرضَيْتُهُ، وذلك إذا كان جانياً (عليه) وحقيقة "أَعْتَبْتُهُ" أزلت عَتْبَهُ ألا ترى إلى قوله: شعر : 4048 - غَضِبَتْ تَمِيمٌ أن تقَتَّلَ عَامِـرٌ يَوْمَ النِّسَارِ فَأُعْتِبُـوا بالصَّيْلَـمِ تفسير : كيف جعلهم غضاباً، ثم قال: "فأُعْتِبُوا" أي أُزِيلَ غَضَبُهُمْ، والغضب في معنى العتب والمعنى لا يقال (لهم) أرضوا ربكم بتوبة وطاعة، ومثله قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ}تفسير : [الجاثية: 35]. فإن قلتَ: كيف جعلوا غير مُسْتَعْتَبِين في بعض الآيات وغير مُعْتَبِينَ في بعضها وهو قوله: {أية : وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}تفسير : [فصلت: 24] قلت: أما كونهم غير مُسْتَعْتَبِينَ فهذا معناه، وأما كونهم غير معتبين فمعناه أنهم غيرُ راضينَ بما هم فيه فشُبِّهَتْ حالُهُمْ بحال قوم جُنِيَ عليهم فهم عاتبون على الجاني غير راضين (منه) فإن يستعتبو الله أي يسألون إزالة ما هم فيه فما هم من المُجَابِينَ انتهى. وقال ابن عطية ويستعتبون بمعنى يعتبون كما تقول يَمْلِكُ، ويَسْتَمْلِكُ، والباب في "استفعل" طلب الشيء وليس هذا منه؛ لأن المعنى كان يفسد إذْ كان المفهوم منه ولا يُطْلَبُ منهم عُتْبَى، قال شِهابُ الدِّين: وليس (هذا) فاسداً لما تقدم في قول الزمخشري. قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} وهذا إشارة إلى إزالة الأعْذَار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار وأنه لم يبقَ من جانب الرسول تقصيرٌ فَإن طلبوا شيئاً آخر فذاك عناد مَحْض لأن من كذَّب دليلاً لا يَصْعبُ عليه تكذيب الدلائل بل لا يجوز للمستدل أن يَشْرَع في دليل آخر بعد ذكره دليلاً جيِّداً مستقيماً ظاهراً لا إشكال عليه، وعانده الخصم لأنه إما أن يعترف بوُرُودِ سُؤال الخَصْم عليه أو لا يعترف فإن اعترف يكون انقطاعاً وهو يَقْدَحُ في الدليل والمستدلّ إما أن يكون الدليل فاسداً وإما أن المستدل جاهل بوجه الدلالة والاستدلال وكلاهما لا يجوز الاعتراف (به) من العالم فكيف من النبي عليه الصلاة والسلام وإن لم يعترف بكون الشُّرُوعِ في غيره يوهم أن الخَصم معاند فيحترز عن العناد في الثاني أكثر. فإن قيل: فالأنبياء عليهم (الصلاة و) السلام ذكروا أنواعاً من الدلائل، فنقول سردوها سَرْداً ثم فردوها فرداً فرداً (كما) يَقُولُ: الدليلُ عليه من وجوه: الأول: كذا، والثاني: كذا، والثالث: كذا. وفي مثل هذا الواجب عدم الالتفات إلى عناد المعاند لأنه يريد تضييع الوقت كي لا يتمكن المُسْتَدِلُ مِن الإتيان بجميع ما وعد من الدليل فتَنْحَطُّ درجته وإلى هذا أشار بقوله: {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} أي ما أنتم إلا على باطل، ووحد في قوله: "جئْتَهُمْ" وجمع في قوله: "إنْ أَنْتُمْ" لنكتةٍ وهي أنه تعالى أخبر في موضع آخر فقال: {وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِكُلِّ آيَةٍ} أي جاءت بها الرسل فقال الكفار ما أنتم أيها المُدعُون الرسالة (كلكم) إلا كذا.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} قال: يعنون في الدنيا، استقل القوم أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة {كذلك كانوا يؤفكون} قال: كذلك كانوا يكذبون في الدنيا {وقال الذين أوتوا العلم..} الآية. قال: هذا من تقاديم الكلام وتأويلها: وقال الذين أوتوا الإِيمان والعلم في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث} قال: لبثوا في علم الله في البرزخ إلى يوم القيامة، لا يعلم متى علم وقت الساعة إلا الله، وفي ذلك أنزل الله {أية : وأجل مسمى عنده}تفسير : [طه: 129]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي رضي الله عنه أن رجلاً من الخوارج ناداه وهو في صلاة الفجر فقال {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} فأجابه علي رضي الله عنه وهو في الصلاة {فاصبر إن وعد الله حق ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لا يوقنون} .
القشيري
تفسير : إنما كان ذلك لأحد أمرين: إمَّا لأنهم كانوا أمواتاً.. والميت لا إحساسَ له، أو لأنهم عَدُّواً ما لقوا من عذاب القبر بالإضافة إلى ما يَرَوْن ذلك اليوم يسيراً. وإن أهل التحقيق يخبرونهم عن طول لُبْثِهم تحت الأرض. وإن ذلك الذي يقولونه من جملة ما كانوا يظهرون من جَحْدهم على موجب جهلهم، ثم لا يُسْمَعُ عَذْرُهم، ولا يُدْفَعُ ضُرَّهم. وأخبر بعد هذا في آخر السورة عن إصرارهم وانهماكهم في غيِّهم، وأن ذلك نصيبهم من القسمة إلى آخر أعمارهم. ثم خَتَمَ السورة بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام باصطباره على مقاساة مسارهم ومضارهم. قوله جلّ ذكره: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم تقوم الساعة} اى القيامة سميت بها لانها تقوم فى آخر ساعة من ساعات الدنيا او لانها تقع بغتة وبداهة وصارت علما لها بالغلبة كالنجم للثريا والكوكب للزهرة. وفى فتح الرحمن ويوم تقوم الساعة التى فيها القيامة {يقسم المجرمون} يحلف الكافرون يقال اقسم اى حلف اصله من القسامة وهى ايمان تقسم على المتهمين على الدم ثم صار اسما لكل حلف {ما لبثوا} فى القبور وما نافية ولبث بالمكان اقام به ملازما له {غير ساعة} اى الاساعة واحدة وهى جزؤ من اجزاء الزمان استقلوا مدة لبثهم نسيانا او كذبا او تخمينا ويقال ما لبثوا فى الدنيا والاول هو الاظهر لان لبثهم مغيى بيوم البعث كما سيأتى وليس لبثهم فى الدنيا كذلك {كذلك} مثل ذك الصرف: وبالفارسية [مثل اين بركشتن ازراستى در آخرت] {كانوا} فى الدنيا بانكار البعث والحلف على بطلانه كما اخبر سبحانه فى قوله {أية : واقسموا بالله جهد ايمانهم لا يبعث الله} تفسير : من يموت {يؤفكون} يقال افك فلان اذا صرف عن الصدق والخير اى يصرفون عن الحق والصدق فيأخذون فى الباطل والافك والكذب يعنى كذبوا فى الآخرة كما كانوا يكذبون فى الدنيا: وبالفارسية [كار ايشان دروغ كفتن است درين سرا ودران سرا]. واعلم ان الله تعالى خلق الصدق فظهر من ظله الايمان والاخلاص وخلق الكذب فظهر من ظله الكفر والنفاق فانتج الايمان المتولد من الصدق ان يقول المؤمنون يوم القيامة الحمد لله الذى صدقنا وعده وهذا ما وعده وهذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ونحوه وانتج الكفر المتولد من الكذب ان يقول الكافرون يومئذ والله ما كنا مشركين وما لبثوا غير ساعة ونحوه من الاكاذيب: قال الحافظ شعر : بصدق كوش كه خورشيد زايد ازنفست كه از دروغ سيه روى كشت صبح نخست تفسير : يعنى ان آخر الصدق النور كما ان آخر الصبح الصادق الشمس وآخر الكذب الظلمة كما ان آخر الصبح الكاذب كذلك
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "لبثوا": جواب القسم؛ على المعنى، وإلا لقيل: ما لبثنا. يقول الحق جل جلاله: {ويوم تقوم الساعةُ}، أي: القيامة. وسميت بذلك؛ لأنها تقوم آخر ساعة من ساعات الدنيا، ولأنها تقوم في ساعة واحدة، وصارت عَلَماً لها بالغلبة، كالنجم للثريا, فإذا قامت {يُقسم المجرمون}؛ يحلف الكافرون: {ما لبثوا} في قبورهم، أو: في الدنيا، {غيرَ ساعة}، استقلّوا مدّة لبثهم في القبور، أو: الدنيا، لشدة هول المطلع، أو: لطول مقامهم في أهوالها، أو: ينسون ما لبثوا، أو: يكذبون. {كذلك كانوا يُؤفكون}، أي: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الصدق والتصديق، أو: عن الحق حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه، ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين. {وقال الذين أُوثوا العلم والإيمان}، أي: حَصَّلوا العلم بالله والإيمان بالبَعْثِ وهم الملائكة والأنبياء، والمؤمنون: {لقد لبثتمْ في كتاب الله}؛ في علم الله المثبت في اللوح، أو: في حكم الله وقضائه، أو: القرآن، وهو قوله تعالى: "ومن ورائهم برزخ.." إلخ، أي: لقد مكثتم مُدَّةَ البرزخ {إلى يوم البعث}، ردّوا عليهم ما قالوه، وحلَّفُوهم عليه، وأطلعوهم على حقيقة الأَمر، ثم وَبَّخُوهُمْ على إنكار البعث بقولهم: {فهذا يَوْمُ البعث} الذي كنتم تنكرونه، {ولكنكم كنتم لا تعلمون} في الدنيا أنه حق؛ لتفريطكم في طلب الحق، واتباعه. والفاء جواب شرط مقدر، ينساق إليه الكلام، أي: إن كنتم منكرين للبعث؛ فهذا يومه. {فيومئذٍ لا تنفع الذين ظلموا} كفروا {مَعْذِرَتُهُم}: اعتذارهم، والمعذرة: تأنيثها مجازي، فيجوز التذكير والتأنيث، {ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ} أي: لا يقال لهم: أَرْضُوا رَبَّكُمْ بالتوبة، ولا يُدْعَوْنَ إلى استرضائه، يقال: استعتبني فلان فأعْتَبْتُهُ، أي: استرضاني فأرضيته. الإشارة: كل من قصر في هذه الدار، وصرف أيام عمره في البطالة، يقصر عليه الزمان عند موته، ويرجع عنده كأنه يوم واحد, فحينئذٍ يستعتب؛ فلا يُعتب، ويطلب الرجعى؛ فلا يُجاب، فلا تسأل عن حسرته وخسارته، والعياذ بالله، وهذا كله مبين في القرآن. كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ...}
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ تَقُومُ} عطف على قوله {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ}، او حال بتقدير مبتدءٍ يعنى هذا كيفيّة خلقتهم وامتداد امدهم ويوم تقوم {ٱلسَّاعَةُ} اى القيامة الصّغرى او الكبرى {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} منهم لغاية دهشتهم واختلال مداركهم من وحشتهم {مَا لَبِثُواْ} فى الدّنيا ان كان المراد بالسّاعة ساعة الاحتضار، او فى الدّنيا والبرازخ ان كان المراد القيامة الكبرى بعد البرازخ {غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ} الانصراف عن الحقّ وممّا كان معلوماً لهم مشهوداً غير غائب {كَانُواْ} فى دنياهم {يُؤْفَكُونَ} عن الحقّ الّذى هو مشهود لهم من امر الآخرة وصحّة الرّسالة وصدق الامامة والخلافة.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} سميت بذلك لانها تقوم في آخر ساعات الدنيا او لوقعها بغيبة كما تقول لمن تستعجله افعل كذلك في ساعة وصارت علما كالنجم للثريا والكوكب للزهرة. {يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ} المشركون. {مَالَبِثُوا} اقاموا في الدنيا او في القبور او فيما بين فناء الدنيا والبعث وهو اربعون ساعة او اربعون يوما او اربعون سنة او اربعون الف سنة ينقطع فيها عذاب القبر فيما قال بعضهم. {غَيْرَ سَاعَةٍ} هذا منهم كذب او تخمين او نسيان او استقصار لمدة لبثهم في الدنيا او في القبر غير معذبين وقد علموا انهم بعثوا للعذاب الدائم وغير ظرف زمان او مفعول مطلق اي لبثا غير لبث ساعة او لبث غير ساعة وقد اشتهر بين الساعة وساعة جناس ولو حكى قولهم لقال ما لبثا وفي ذلك التفات على طريق السكاكي. {كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفِكُونَ} اي يصرفون عن الحق في الدنيا كما ان ادعاءهم ان اللبث مقدار ساعة خلاف الواقع او كذلك كانوا يؤفكون في الاغترار بما تبين لهم الآن انه ما كانوا الا ساعة.
اطفيش
تفسير : {ويَوم تقُوم السَّاعة} اى تحضر وهى ساعة القيام من القبور، او القيام فى المحشر للحساب، وقيل: سميت ساعة لانها تقوم آخر ساعة من ساعات الدنيا، على ان البرزخ من الدنيا وهو ما بين موت الانسان وبعثه، او لانها تقع بغتة، فاللفظ علم بالغلبة. {يُقْسم المجرمُون ما لبثُوا} بعد الموت {غَير ساعة} قطعة من الزمان قليلة، وهى غير الساعة الاولى، وهذا مما قيل عن قتادة انهم يعنون ما لبثوا فى الدنيا غير ساعة، لان لبثهم مغباً بيوم البعث كما ياتى، ولبثهم فى الدنيا ليس كذلك، ووجهه انه لم ينتفعوا به، فهو كالعدم، فهم متحسرون عليه، وقيل: المراد ما بين نفخة الموت ونفخة البعث، وفيه ينقطع العذاب عن الموتى، او هو اربعون سنة لا ترجع اليهم ارواحهم، كأنهم نائمون، فيبعثون وهم فى راحة كالنائم، ولا يعلمون كم مدة انقطع العذاب، وقيل علموا اربعين واستقلوها كذبا، كما روى عن الكلبى او نسيانا لما عراهم من هول المحشر، على انهم قالوا ذلك، اول الحشر او فى اثنائه، او يعد دخول النار، او استقلوا المدة بالاضافة الى مدة العذاب لعلمهم بها، ولو قبل حضروه، وقيل لا تعلم تلك المدة وبين الساعة، وساع جناس تام مماثل، ولو اختلفنا اعرابا وتعريفا وتنكيرا، ولو اتحد مدلولهما فى الاصل، وهو المدة الزمانية لاختلافهما فى القصد، فان الساعة كالعلم، وساعة غير ذلك، وكلا اللفظين حقيقة، ولا يقع الجناس بين حقيقة ومجاز، نحو لقيت حمارا وحمارا معمما، تعنى بالثانى البليد، مجازا بقرينة العمامة. {كذلك} مثل ذلك الصرف عن الصواب {كانُوا} فى الدنيا يأفكهم الله بالخذلان، او يأفكهم الهوى، او الشيطان باختيارهم لا باجبار {يؤفكُون} يصرفون عنه، او مثل ذلك الافك كانوا يؤفكون فى الاغترار بما تبين لهم الآن انقطاعه، وانه قليل كالعدم، وعظهم الله الله بذلك ليرجعوا الى الحق.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } أي القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وصارت علماً لها بالغلبة كالنجم للثريا والكوكب للزهرة، والمراد بقيامها وجودها أو قيام الخلائق فيها {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ} أي ما أقاموا في القبور كما روي عن الكلبـي ومقاتل، والمراد به ما أقاموا بعد الموت {غَيْرَ سَاعَةٍ } أي قطعة من الزمان قليلة، وروى غير واحد عن قتادة أنهم يعنون ما لبثوا في الدنيا غير ساعة، ورجح الأول بأنه الأظهر لأن لبثهم مغيا بيوم البعث كما سيأتي إن شاء الله تعالى وليس لبثهم في الدنيا كذلك، وقيل: يعنون ما لبثوا فيما بين فناء الدنيا والبعث وهو ما بين النفختين، وفي الحديث الصحيح عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما بين النفختين أربعون قيل أربعون يوماً يا أبا هريرة قال أبيت قيل أربعون شهراً قال أبيت قيل أربعون سنة قال: أبيت»تفسير : وعنى بقوله رضي الله تعالى عنه أبيت: امتنعت من بيان ذلك لكم أو أبيت أن أسأل النبـي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولهذا الحديث قيل لا يعلم أهي أربعون سنة أم أربعون ألف سنة. وحكى السفاريني في «البحور الزاخرة» عن بعضهم دعوى اتفاق الروايات على أن ما بين النفختين أربعون عاماً، وأنا أقول: الحق أنه لا يعلمه إلا الله تعالى ودعوى الاتفاق لم يقم عندي دليل عليها. وذكر الزمخشري أن ذلك وقت ينقطع عذابهم فيه واستقلوا مدة لبثهم كذباً على ما روي عن الكلبـي أو نسياناً لما عراهم من هول المطلع على ما قيل، وجوز أن يكون استقلالهم تلك المدة بالإضافة إلى مدة عذابهم يومئذ ولا يبعد علمهم بها سواء كان هذا القول في أول وقت الحشر أو في أثنائه أو بعد دخول النار، وجوز أن يكونوا عدوا مدة بقائهم في الدنيا ساعة لعدم انتفاعهم بها والكثير بلا نفع قليل كما أن القليل مع النفع كثير / فالكلام تأسف وتحسر على إضاعتهم أيام حياتهم، وبين الساعة وساعة جناس تام مماثل كما أطبق عليه البلغاء إلا من لا يعتد به ولا يضر في ذلك اختلاف الحركة الإعرابية ولا وجود أل في إحدى الكلمتين لزيادتها على الكلمة، وكذا لا يضر اتحاد مدلولهما في الأصل لأن المعرفة فيه كالمنكر بمعنى القطعة من الزمان لمكان النقل في المعرف وصيرورته علماً على القيامة كسائر الأعلام المنقولة وأخذ أحدهما من الآخر لا يضر أيضاً كما يوضح ذلك ما قرروه في جناس الاشتقاق، وظن بعضهم أن الساعة في القيامة مجاز ولذا أنكر التجنيس هنا إذ التجنيس المذكور لا يكون بين حقيقة ومجاز فلا تجنيس في نحو ركبت حماراً ولقيت حماراً معمماً تعني رجلاً بليداً واشتهر أنه لم يقع في القرآن الكريم هذا النوع من الجناس إلا في هذا الموضع، واستنبط شيخ الإسلام ابن حجر عليه الرحمة موضعاً آخر وهو قوله تعالى: {أية : يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَـٰرِ * يُقَلّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُِوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ }تفسير : [النور: 43-44] لأن الأبصار الأول جمع بصر والأبصار الثاني مراد به ما هو جمع بصيرة، وتعقب بأنه وإن كان الإبصار الثاني مراد به ما هو جمع بصيرة إلا أنه ليس من باب الحقيقة بل بطريق المجاز والاستعارة لأن البصيرة ما تجمع على أبصار بل على بصائر، فقد قال علماء العربية: إن صيغة أفعال من جموع القلة لا تطرد إلا في اسم ثلاثي مفتوح الفاء كبصر وأبصار أو مكسورها كعنب وأعناب أو مضمومها كرطب وأرطاب ساكن العين كثوب وأثواب أو محركها كما تقدم وكعضد وأعضاد وفخذ وأفخاذ، وصيغة فعائل من جموع الكثرة لا تطرد إلا في اسم رباعي مؤنث بالتاء أو بالمعنى ثالثه مدة كسحابة وسحائب وبصيرة وبصائر وحلوبة وحلائب وشمال وشمائل وعجوز وعجائز وسعيد علم امرأة وسعائد فاستعيرت الأبصار للبصائر بجامع ما بينهما من الإدراك والتمييز. وقد سمعت أن هذا النوع لا يكون بين حقيقة ومجاز فليحفظ. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الإفك {كَانُواْ } أي في الدنيا {يُؤْفَكُونَ } أي يصرفون عن الصدق والتحقيق، والغرض من سوق الآية الإغراق في وصف المجرمين بالتمادي في التكذيب والإصرار على الباطل أو مثل ذلك الإفك كانوا يؤفكون في الاغترار بما تبين لهم الآن أنه ما كان إلا ساعة فسوق الكلام للتعجب من اغترارهم بلامع السراب والغرض أن يحقر عندهم مافيه من التمتعات وزخارف الدنيا كي يقلعوا عن العناد ويرجعوا إلى سبيل الرشاد فكأنه: قيل مثل ذلك الإفك العجيب الشأن كانوا يؤفكون في الدنيا اغتراراً بما عدده ساعة استقصاراً والصارف لهم هو الله تعالى أو الشيطان أو الهوى، وأياً ما كان فليس ذاك إلا لسوء اختيارهم وخباثة استعدادهم. وفي الآية على أحد الأقوال دليل على وقوع الكذب في الآخرة من الكفرة. واستدل بها بعضهم على نفي عذاب القبر، وليس بشيء.
ابن عاشور
تفسير : لما ذكر عدم انتفاع المشركين بآيات القرآن وشبهوا بالأموات والصم والعمي فظهرت فظاعة حالهم في العاجلة أتبع ذلك بوصف حالهم حين تقوم الساعة في استصحاب مكابرتهم التي عاشوا عليها في الدنيا، بأن الله حين يعيد خلقهم وينشىء لهم أجساماً كأجسامهم ويعيد إليهم عقولهم يكون تفكيرهم يومئذ على وفاق ما كانوا عليه في الدنيا من السفسطة والمغالطة والغرور، فإذا نُشروا من القبور وشعروا بصحة أجسامهم وعقولهم وكانوا قد علموا في آخر أوقات حياتهم أنهم ميتون خامرتهم حينئذ عقيدة إنكار البعث وحجتُهم السفسطائية من قولهم {أية : هل نَدُلُّكم عَلى رَجُل يُنْبِئكُم إذَا مُزِقْتم كُلَّ مُمزق إنكُّم لَفِي خَلْقٍ جَدِيد}تفسير : [سبأ: 7]، هنالك يريدون أن يقنعوا أنفسهم بصحة دليلهم القديم ويلتمسون اعتلالاً لتخلف المدلول بعلة أن بعثهم ما كان إلا بعد ساعة قليلة من وقت الدفن قبل أن تنعدم أجزاء أجسامهم فيخيل إليهم أنهم مُحِقُّون في إنكاره في الدنيا إذ كانوا قد أخبروا أن البعث يكون بعد فناء الأجسام، فهم أرادوا الاعتذار عن إنكارهم البعث حين تحققوه بما حاصله: أنهم لو علموا أن البعث يكون بعد ساعة من الحُلول في القبر لأقروا به. وقد أنبأ عن هذا تسمية كلامهم هذا معذرة بقوله عقبه: {أية : فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم}تفسير : [الروم: 57]. وهذه فتنة أصيبوا بها حين البعث جعلها الله لهم ليكونوا هُزأة لأهل النشور. ويتضح غلطهم وسوء فهمهم كما دل عليه قوله تعالى بعد ذلك: {أية : وقال الذين أوتوا العلم والإيمان} تفسير : الآية [الروم: 56] وقد أومأ إلى أن هذا هو المراد من الآية أنه قال عقب ذلك: {كذلك كانوا يؤفكون} أي كهذا الخطأ كانوا في الدنيا يُصرفون عن الحق بمثل هذه الترهات. وتقدم شيء من هذا في المعنى عند قوله تعالى: {أية : يَتَخافتون بَيْنهُم إنْ لَبِثْتُم إلاَّ عَشراً نَحْنُ أعْلَم بِمَا يَقُولون إذْ يَقُول أمْثَلهم طَرِيقَة إنْ لَبِثْتُم إلاَّ يوماً}تفسير : في سورة طه (103، 104). وبلغ من ضلالهم في ذلك أنهم يُقسمون عليه، وهذا بعدَ ما يجري بينهم من الجدال من قول بعضهم: {إنْ لَبِثْتُم إلاَّ عَشْراً} وقول بعضهم: {إنْ لَبِثْتُم إلاَّ يَوْماً}، وقول آخرين: {أية : لَبِثْنَا يَوْماً أوْ بَعْض يَوْم} تفسير : [الكهف: 19] وبعض اليوم يصدق بالساعة، كما حكي عنهم في هذه الآية. والظاهر أن هذا القسم يتخاطبون به فيما بينهم كما اقتضته آية سورة طه، أو هو حديث آخر أعلنوا به حين اشتد الخلاف بينهم لأن المصير إلى الحلف يؤذن بمشادة ولجاج في الخلاف. وفي قوله: {السَّاعَة} و{ساعة} الجناس التام. وجملة {كذلك كانوا يؤفكون} استئناف بياني لأن غرابة حالهم من فساد تقدير المدة والقسم عليه مع كونه توهماً يثير سؤال سائل عن مثار هذا الوهَم في نفوسهم فكان قوله {كَذٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُون} بياناً لذلك. ومعناه: أنهم لا عجب في صدور ذلك منهم فإنهم كانوا يجيئون بمثل تلك الأوهام مدة كونهم في الدنيا، فتصرفهم أوهامهم عن اليقين، وكانوا يقسمون على عقائدهم كما في قوله: {أية : وأقْسَموا بالله جَهْدَ أيْمَانِهم لاَ يَبْعَث الله مَنْ يَمُوت} تفسير : [النحل: 38] استخفافاً بالأيمان، وكذلك إشارة إلى انصرافهم عن الحق يوم البعث. والمشار إليه هو المشبه به والمشبه محذوف دل عليه كاف التشبيه، والتقدير: إفكاً مثل إفكهم هذا كانوا يُؤفكون به في حياتهم الدنيا. والمقصود من التشبيه المماثلة والمساواة. والأفك بفتح الهمزة: الصرف وهو من باب ضرب، ويُعدى إلى الشيء المصروف عنه بحرف (عن)، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: {أية : ليقولُنّ الله فأنَّى يُؤْفَكون} تفسير : في سورة العنكبوت (60). ولم يسند إفكهم إلى آفك معين لأن بعض صرفهم يكون من أوليائهم وأيمة دينهم، وبعضَه من طبع الله على قلوبهم. وإقحام فعل {كانُوا} للدلالة على أن المراد في زمان قبلَ ذلك الزمن، أي في زمن الحياة الدنيا. والمعنى: أن ذلك خلُق تخلقوا به وصار لهم كالسجية في حياتهم الدنيا حتى إذا أعاد الله إليهم أرواحهم صدر عنهم ما كانوا تخلقوا به وقال تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَني أعْمٰى وقَد كُنْت بَصِيراً قَال كَذٰلِك أتَتْكَ آياتُنا فنسِيْتَها وكَذٰلِك اليَوْم تُنْسى وكَذٰلِك نَجْزِي مَنْ أسْرَف} تفسير : الآية [طه: 125 ــــ 127]. وفي هذا الخبر أدب عظيم للمسلمين أن يتَحامَوْا الرذائل والكبائر في الحياة الدنيا خشية أن تصير لهم خلقاً فيحشروا عليها.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ} تفسير : [يونس: 45] وفي غير ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : (55) - وحِينَمَا تَقُومُ السَّاعَةُ، ويَبْعَثُ اللهُ مَنْ فِي القُبُورِ، يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ الذِينَ كَفَرُوا باللهِ، وعَمِلُوا السَّيِّئَاتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، أَنَّهُمْ لمْ تكُنْ حياتُهُمْ في الدُّنيا إِلاّ ساعَةً واحِدَةً (أَوْ أَنَّهُمْ ما لَبِثُوا فِي قُبُورِهِمْ إلا سَاعةً واحِدَةً)، لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ كَافيةً لهُمْ لِيَعْرِفُوا خَالِقَهُم، ولِيُدْرِكُوا ما جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ. وَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ ليَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمِ الحُجَّةَ القَائِمَةَ عَلَيهِمْ. وَكَمَا كَانُوا في الدُّنيا يَعرِفُونَ الحَقَّ وَيُصْرفُونَ عَنْهُ إلى البَاطِلِ، ويَكْذِبُونَ وَيحلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ، كَذلِكَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ في الآخِرَةِ ويَكْذِبُونَ في قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ مَا لَبِثُوا غيرَ سَاعةٍ، وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ. يُؤْفَكُونَ - يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ وَالصِّدْقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ عرض الحق - سبحانه وتعالى - الدليل ليهتدي به مَنْ يشاء، ومَنْ لم يهتَد يُلوِّح له بهذا التهديد: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ..} [الروم: 55] معنى كلمة {تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ..} [الروم: 55] تدل على أنها موجودة، لكن نائمة تنتظر الإذن لها، فتقوم تنتظر أنْ نقول لها: كُنْ فتكون. فالقيام هنا له دلالته؛ لأن الساعة أمر لا يتأتَّى به القيام، إنما يقيمها الحق سبحانه، فقوله {تَقُومُ ..} [الروم: 55] كأنها منضبطة كما تضبط المنبه مثلاً، ولها وقت تنتظره، وهي من تلقاء نفسها إنْ جاء وقتُها قامتْ. وحين تتأمل كلمة {تَقُومُ ..} [الروم: 55] تجد أن القيام آخر مرحلة للإنسان ليؤدي مهمته، فيقابلها ما قبلها، فقبل القيام القعود، ثم الاضطجاع، ثم النوم، فمعنى قيام الساعة يعني: أنها جاءت لتؤدي مهمتها أداءً كاملاً. وسُمِّيَتْ الساعة؛ لأنها دالة على الوقت الذي يأذن الله فيه بإنهاء العالم، وإنْ كانت الساعة عندنا كوحدة الحساب الزمن نقول: صباحاً أو مساءً وَفْق حساب الحكومة أو الأهالي، توقيت كذا أو كذا. هذه الآلة التي في أيدينا بما تضبطه لنا من وقت أمرها هيِّن، ليست مشكلة أنْ تُقدِّم أو تُؤخِّر عدة ثوانٍ أو عدة دقائق، تعمل (أتوماتيكياً) أو بالحجارة، صُنِعتْ في سويسرا، أو في الصين، هذه الساعة لا تهم، المهم الساعة الأخرى، الساعة التي لا ساعة بعدها، واعلم أنها منضبطة عند الحق سبحانه، وما عليك إلا أنْ تضبط نفسك عليها، وتعمل لها ألف حساب. وعجيب أنْ يقسم الكفار يوم القيامة {مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ..} [الروم: 55] فإنْ كذبوا في الدنيا، فهل يَكذْبون أيضاً في الآخرة؟ قالوا: بل يقولون ذلك على ظنهم، وإلا فالكلام منهم في هذا الوقت ليس اختيارياً، فقد مضى وقت الاختيار، ولم يَعُدْ الآن قادراً على الكذب. لذلك سيقول الحق سبحانه في آخر الآية: {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} [الروم: 55] فقد كانوا يقلبون الحقائق في الدنيا، أما في الآخرة فلن يقلبوا الحقائق، إنما يقولون على حَسْب نظرهم. والمجرمون: المجرم هو الذي خرج عن المطلوب منه بذنب يخالفه، فنقول: فلان أجرم، والقانون يُسمِّى الفعل جريمة. ومعنى {مَا لَبِثُواْ ..} [الروم: 55] اللبث: المكْث طويلاً أي في الدنيا، أو: ما لبثوا في قبورهم بعد الموت إلى قيام الساعة، أو: ما لبثوا بعد النفخة التي تميت إلى النفخة التي تُحيي. فهذه فترات ثلاث للبثهم في القبور، أطولها للذين ماتوا منذ آدم عليه السلام، ثم أوسطهم الذين جاءوا بعد ذلك أمثالنا، ثم أقلّهم لُبْثاً وهم الذين يموتون بين النفختين، وفي كل هذه الفترات يوجد كفار، وعلى عهد آدم كان هناك كفار، وعلى مَرِّ العصور بعده يُوجَد كفار، حتى بين النفختين يوجد كفار، إذن: فكلمة لبثوا هنا على عمومها: أطول، وطويل، وقصيرة، وأقصر. وهؤلاء يقولون يوم القيامة "ما لبثنا غير ساعة" مع أن الآخرة لا كذبَ فيها، لكنهم يقولون ذلك على حسب ظنهم؛ لأن الغائب عن الزمن لا يدري به، والزمن ظرف لوقت الأحداث، كما أن المكان ظرف لمكانها، فالنائم مثلاً لا يشعر بالزمن؛ لأن الزمن يُحسب بتوالي الأحداث فيه، فإذا كنتَ لا تشعر بالحدث فبالتالي لا تشعر بالوقت، سواء أكان بنوم كأهل الكهف، أو بموت كالذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. ولما قاموا من النوم أو الموت لم يُوقِّتوا إلا على عادة الناس في النوم، فقالوا: {أية : لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..} تفسير : [الكهف: 19]؛ لأنه في هذه الحالة لا يدري بالزمن، إنما يدري بالزمن الذي يتتبع الأحداث، وما دام الإنسان في هذه الحالة لا يدرك الزمن، فهو صادق فيما يخبر به على ظنه. لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {أية : قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} تفسير : [المؤمنون: 112-113] أي: اسأل الذين يعدُّون الزمن ويحصونه علينا، والمقصود والملائكة، فهم الذين يعرفون الأحداث، ويسجلونها من خَلْق آدم عليه السلام وإلى الآن، وإلى قيام الساعة. فلا يسأل عن عدد إلا مَنْ عدَّ بالفعل، أو مَنْ يمكن أنْ يعُدّ، أما الشيء الذي لا يكون مظنة العدِّ والإحصاء فلا يُعَدُّ، وهل عَدَّ أحد في الدنيا رمال الصحراء مثلاً؟ لذلك نسمع في الفكاهات: أن واحداً سأل الآخر: تعرف في السماء كم نجم؟ قال: تسعة آلاف مليون وخمسمائة ألف وثلاثة وتسعون نجماً، فقال الأول: أنت كذاب، فقال الآخر: اطلع عِدّهم. لكن، لماذا يستقلّ الكفار الزمن فيُقسمون يوم تقوم الساعة ما لبثوا غير ساعة؟ وفي موضع آخر يقول عنهم: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46]. قالوا: لأن الزمن يختلف بحسْب أحوال الناس فيه، فواحد يتمنى لو طال به الزمن، وآخر يتمنى لو قصر، فالوقت الذي يجمعك ومَنْ تحب يمضي سريعاً وتتمنى لو طال، على خلاف الوقت الذي تقضيه على مَضض مع مَنْ تكره، فيمر بطيئاً متثاقلاً. على حدِّ قول الشاعر: شعر : حَادِثَاتُ السُّرورِ تُوزَنُ وَزْناً والبَلاَيَا تُكَالُ بالقُفزان تفسير : ويقول آخر: شعر : وَدَّع الصَّبر محبٌّ ودَّعكَ ذائعٌ مِن سِرِّهِ مَا اسْتوْدعَكْ يَقْرعُ السِّنَّ على أنْ لم يكُنْ زَادَ في تِلْكَ الخُطَى إذْ شيَّعَكْ تفسير : إلى أنْ يقولَ: شعر : إنْ يَطُلْ بعدكَ لَيْلى فلكَمْ بِتُّ أشكُو قِصَر الليْلِ معكْ تفسير : ففي أوقات السرور، الزمن قصير، وفي أوقات الغَمِّ الزمن طويل ثقيل، ألم تسمع للذي يقول - لما جمع الليل شمله بمَنْ يحب: شعر : يَا لَيْلُ طُلْ يا نَوْمُ زُلْ يَا صُبْحُ قِفْ لا تطْلُعِ تفسير : كذلك الذي ينتظر سروراً يستبطىء الزمن، ويود لو مرَّ سريعاً ليعاين السرور الذي ينتظره، أما الذي يتوقع شراً أو ينتظره فيودُّ لو طالَ الزمن ليبعده عن الشر الذي يخافه. لذلك نجد المؤمنين يودُّون لو قصر الزمن؛ لأنهم واثقون من الخير الذي ينتظرهم والنعيم الذي وُعِدوا به، أما المجرمون فعلى خلاف ذلك، يودُّون لو طال الزمن ليبعدهم عما ينتظرهم من العذاب؛ لذلك يقولون ما لبثنا في الدنيا إلا قليلاً ويا ليتها طالتْ بنا. إما لأنهم لا يدرون بالزمن ويقولون حَسْب ظنهم، أو لأنهم يريدون شيئاً يُبعد عنهم العذاب. إذن: أقسموا ما لبثوا غير ساعة، إما على سبيل الظن، أو لأن الغافل عن الأحداث لا يدري بالزمن، ولا يستطيع أنْ يُحصيه، كالعُزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه {أية : قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..} تفسير : [البقرة: 259] فأخبره ربه أنه لبث مائة عام {أية : قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ..} تفسير : [البقرة: 259]. والذي لا شكَّ فيه أن الله تعالى صادق فيما أخبر به، وكذلك العزير كان صادقاً في حكمه على الزمن؛ لذلك أقام الحق - سبحانه وتعالى - الدليل على صِدْق القولين فقال: {أية : فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ..} تفسير : [البقرة: 259] والطعام لا يتغير في يوم أو بعض يوم، فقام الطعام والشراب دليلاً على صِدْق الرجل. ثم قال سبحانه {أية : وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ..} تفسير : [البقرة: 259]. فقامت العظام البالية دليلاً على صِدْقه تعالى في المائة عام. ولا تقل: كيف نجمع بين صدق القولين؟ لأن الذي أجرى هذه المسألة رب، هو سبحانه القابض الباسط، يقبض الزمن في حَقِّ قوم، ويبسطه في حَقِّ آخرين. وهذه الآية {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ..} [الروم: 55] جاءت بعد إعذار الله للكافرين برسله، ومعنى إعذارهم أي: إسقاط عذرهم في أنه سبحانه لم يُبيِّن لهم أدلة الإيمان في قمته بإله واحد، وأدلة الإيمان بالرسول بواسطة المعجزات حتى يؤمنوا بآيات الأحكام في: افعل، ولا تفعل. فالآيات كما قلنا ثلاث: آيات تثبت قمة العقيدة، وهو الإيمان بوجود الإله القادر الحكيم، وآيات تثبت صِدْق البلاغ عن الله بواسطة رسله، وهذه هي المعجزات، وآيات تحمل الأحكام. والحق سبحانه لا يطلب من المؤمنين به أنْ يؤمنوا بأحكامه في: افعل ولا تفعل إلا إذا اقتنعوا أولاً بالرسول المبلِّغ عن الله بواسطة المعجزة، ولا يمكن أنْ يؤمنوا بالرسول المبلِّغ عن الله إلا إذا ثبتَ عندهم وجود الله، ووجود الله ثابت في آيات الكون. لذلك دائماً ما يعرض علينا الحق سبحانه آياته في الكون، لكن يعرضها متفرقة، فلم يصبّها علينا صَبّاً، إنما يأتي بالآية ثم يُردِفها بما حدث منهم من التكذيب والنكران، فيأتي بالآية ونتيجتها منهم، ذلك ليكرر الإعذار لهم في أنه لم يَعُدْ لهم عُذْر في ألاَّ يؤمنوا. فنلحظ هذا التكرار في قوله سبحانه: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [الروم: 46]. ثم يذكر أن هذه الآيات لم تُجْد معهم: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ} تفسير : [الروم: 47]. ثم يسوق آية أخرى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الروم: 48-50]. ثم يذكر سبحانه ما كان منهم بعد كلِّ هذه الآيات: {أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} تفسير : [الروم: 51]. وهكذا يذكر الحق سبحانه الآية، ويُتبعها بما حدث منهم من نكران، ويكررها حتى لا تبقى لهم حجة للكفر، ثم تأتي هذه الآية: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ..} [الروم: 55] لتقول لهم: إنْ كنتم قد كذَّبتم بكل هذه الآيات، فستأتيكم آية لا تستطيعون تكذيبها هي القيامة. وعجيب أنْ يُقسِموا بالله في الآخرة ما لبثوا غير ساعة، وقد كفروا به سبحانه في الدنيا. وفي الآية جناس تام بين كلمة الساعة الأولى، والساعة الثانية، فاللفظ واحد لكن المعنى مختلف {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ..} [الروم: 55] أي: القيامة {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ..} [الروم: 55] أي: من الوقت، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : رَحلْتُ عَنِ الديارِ لكُمْ أَسِيرُ وقَلْبي فِي محبِتكُمْ أَسِيرُ تفسير : أي: مأسور. ولي أنا وزميلي الدكتور محمد عبد المنعم خفاجة - أطال الله بقاءه - قصة مع الجناس، ففي إحدى حصص البلاغة، قال الأستاذ: لا يوجد في القرآن جناس تام إلا في هذه الآية بين ساعة وساعة، لكن يوجد فيه جناس ناقص، فرفع الدكتور محمد أصبعه وقال: يا أستاذ أنا لا أحب أنْ يُقال: في القرآن شيء ناقص. فضحك الشيخ منه وقال له: إذن ماذا نقول؟ وقد قسم أهل البلاغة الجناس إلى تام وناقص: الأول تتفق فيه الكلمتان في عدد الحروف وترتيبها وشكلها، فإن اختلف من ذلك شيء فالجناس بينهما ناقص، كما في قوله تعالى: {أية : ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} تفسير : [الهمزة: 1] فبين هُمزة ولمزة جناس ناقص؛ لأنهما اختلفا في الحرف الأول. أذكر أن الشيخ أشار إليَّ وقال: ما رأيك فيما يقول صاحبك؟ فقلت: نسميه جناس كُل، وجناس بعض، يعني: تتفق الكلمتان في كل الحروف أو في بعضها، وبذلك لا نقول في القرآن: جناس ناقص. فقولهم {مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ..} [الروم: 55] أي: الساعة الزمنية التي نعرفها، والزمن له مقاييس: ثانية، ودقيقة، وساعة، ويوم، وأسبوع، وشهر، وسنة، وقرن، ودهر، وهم يقصدون الساعة الزمنية المعروفة لنا. إذن: فهم يُقلِّلون مدة مُكْثهم في الدنيا أو في القبور لما فاجأتهم القيامة، وقد أخبرناهم وهم في سَعَة الدنيا أن متاع الدنيا قليل، وأنها قصيرة وإلى زوال، فلم يُصدّقوا والآن يقولون: إنها كانت مجرد ساعة، ولم يقولوا حتى شهر أو سنة، فكيف تستقل ما سبق أن استكثرته، وظننتَ أنك خالد فيه حتى قلتَ {أية : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ..} تفسير : [الجاثية: 24]. ففي الدنيا كذَّبتم وأنكرتم، ولم تستجيبوا لداعي الإيمان، أما الآن في الآخرة فسوف تستجيبون استجابة مصحوبة بحمده تعالى، كما قال سبحانه: {أية : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 52] أي: تقولون الحمد لله والإنسان لا يحمد إلا على شيء محبوب. ثم يقول سبحانه: {كَذَلِكَ ..} [الروم: 55] أي: كهذا الكذب {كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} [الروم: 55] والإفك من أَفِك إفكاً، أي: صرف الشيء عن وجهه؛ لذلك سُمِّي الكذب إفكاً؛ لأن الكاذب يخبر بقضية تخالف الواقع، فيأتي بها على غير وجهها، أو يُوجِدها وهي غير موجودة، أو ينكر وجودها. ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} تفسير : [النجم: 53] وهي القرى التي قلبها الله، فجعل عاليها سافلها. فقوله {كَذَلِكَ ..} [الروم: 55] أي: كهذا الإفك كانوا يُؤْفكون، يعني: يكذِّبون الرسل في الحقائق التي جاءوا بها من قِبلَ ربهم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن يوم القيامة وسرعة مجيئه وأنه إذا قامت الساعة { يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ } باللّه أنهم { مَا لَبِثُوا } في الدنيا إلا { سَاعَة } وذلك اعتذار منهم لعله ينفعهم العذر واستقصار لمدة الدنيا. ولما كان قولهم كذبا لا حقيقة له قال تعالى: { كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } أي: ما زالوا -وهم في الدنيا- يؤفكون عن الحقائق ويأتفكون الكذب، ففي الدنيا كذَّبوا الحق الذي جاءتهم به المرسلون، وفي الآخرة أنكروا الأمر المحسوس وهو اللبث الطويل في الدنيا، فهذا خلقهم القبيح والعبد يبعث على ما مات عليه. { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ } أي: مَنَّ اللّه عليهم بهما وصارا وصفا لهم العلم بالحق والإيمان المستلزم إيثار الحق، وإذا كانوا عالمين بالحق مؤثرين له لزم أن يكون قولهم مطابقا للواقع مناسبا لأحوالهم. فلهذا قالوا الحق: { لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ } أي: في قضائه وقدره، الذي كتبه اللّه عليكم وفي حكمه { إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ } أي: عمرتم عُمْرًا يتذكر فيه المتذكر ويتدبر فيه المتدبر ويعتبر فيه المعتبر حتى صار البعث ووصلتم إلى هذه الحال. { فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } فلذلك أنكرتموه في الدنيا وأنكرتم إقامتكم في الدنيا وقتا تتمكنون فيه من الإنابة والتوبة، فلم يزل الجهل شعاركم وآثاره من التكذيب والخسار دثاركم. { فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ } فإن كذبوا وزعموا أنهم ما قامت عليهم الحجة أو ما تمكنوا من الإيمان ظهر كذبهم بشهادة أهل العلم والإيمان، وشهادة جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وإن طلبوا الإعذار وأنهم يردون ولا يعودون لما نُهوا عنه لم يُمَكَّنُوا فإنه فات وقت الإعذار فلا تقبل معذرتهم، { وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } أي: يزال عتبهم والعتاب عنهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):