Verse. 3465 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْعِلْمَ وَ الْاِيْمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِيْ كِتٰبِ اللہِ اِلٰى يَوْمِ الْبَعْثِ۝۰ۡفَھٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلٰكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ۝۵۶
Waqala allatheena ootoo alAAilma waaleemana laqad labithtum fee kitabi Allahi ila yawmi albaAAthi fahatha yawmu albaAAthi walakinnakum kuntum la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذين أوتوا العلم والإيمان» من الملائكة وغيرهم «لقد لبثتم في كتاب الله» فيما كتبه في سابق علمه «إلى يوم البعث فهذا يوم البعث» الذي أنكرتموه «ولكنكم كنتم لا تعلمون» وقوعه.

56

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ } من الملائكة وغيرهم {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ } ونحن نبين ما هو المعنى اللطيف في هاتين الآيتين، فنقول الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعد بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها، لكن المجرم إذا حشر علم أن مصيره إلى النار فيستقل مدة اللبث ويختار تأخير الحشر والإبقاء في القبر، والمؤمن إذا حشر علم أن مصيره إلى الجنة فيستكثر المدة ولا يريد التأخير فيختلف الفريقان ويقول أحدهما إن مدة لبثنا قليل وإليه الإشارة بقوله: {يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ } ويقول الآخر لبثنا مديداً وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ } يعني كان في كاتب الله ضرب الأجل إلى يوم البعث ونحن صبرنا إلى يوم البعث {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } يعني طلبكم التأخير، لأنكم كنتم لا تعلمون البعث ولا تعترفون به، فصار مصيركم إلى النار فتطلبون التأخير.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} اختلِف في الذين أوتوا العلم؛ فقيل الملائكة. وقيل الأنبياء. وقيل علماء الأمم. وقيل مؤمنو هذه الأمة. وقيل جميع المؤمنين؛ أي يقول المؤمنون للكفار ردّاً عليهم لقد لبثتم في قبوركم إلى يوم البعث. والفاء في قوله: {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} جواب لشرط محذوف دلّ عليه الكلام؛ مجازه: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث. وحكى يعقوب عن بعض القراء وهي قراءة الحسن: «إلى يوم البَعَث» بالتحريك؛ وهذا مما فيه حرف من حروف الحلْق. وقيل: معنى «فِي كِتَابِ اللَّهِ» في حكم الله. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمانَ لقد لبثتم إلى يوم البعث؛ قاله مقاتل وقتادة والسّدي. القشيري: وعلى هذا {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} بمعنى كتاب الله. وقيل: الذين حكم لهم في الكتاب بالعلم {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} أي اليوم الذي كنتم تنكرونه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَٰنَ } من الملائكة وغيرهم {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ } فيما كتبه في سابق علمه {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ } الذي أنكرتموه {وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } وقوعه.

ابن عبد السلام

تفسير : {الِّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} الملائكة، أو أهل الكتاب. {فِى كِتَابِ اللَّهِ} في علمه، أو بما بيانه في كتابه، أو تقديره: أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان {لَقَدْ لَبِثْتُمْ} في الدنيا، أو القبور إلى يوم البعث. {لا تَعْلَمُونَ} أن البعث حق.

البقاعي

تفسير : ولما وصف الجاهلين، أتبعه صفة العلماء فقال: {وقال الذين} وعبر بقوله: {أوتوا العلم} تنبيهاً على شكر من آتاهموه، وبناه للمجهول إشارة إلى تسهيل أخذه عليهم من الجليل والحقير، وأتبعه ما لا يشرق أنواره ويبرز ثماره غيره، فقال: {والإيمان} إشارة إلى تفكرهم في جميع الآيات الواضحة والغامضة مقسمين كما أقسم أولئك محققين مقالهم مواجهين للمجرمين تبكيتاً وتوبيخاً مؤكدين ما أنكر أولئك: {لقد لبثتم في كتاب الله} أي في إخبار قضاء الذي له جميع الكمال الذي كتبه في كتابه الذي كان يخبر به الدنيا {إلى يوم البعث} كما قال تعالى: {أية : ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}تفسير : [المؤمنون: 100] وأما تعيين مدة اللبث فأخفاه عن عباده، ولما أعلم القرآن أن غاية البرزخ البعث، وصدق في إخباره، سببوا عن ذلك قوله: {فهذا} أي فتسبب ما كنا نقوله وتكذبوننا فيه، نقول لكم الآن حيث لا تقدرون على تكذيب: هذا {يوم البعث} أي الذي آمنا به وكنتم تنكرونه، قد كان طبق ما كنا نقوله لكم، فقد تبين بطلان قولكم، وكنتم تدعون الخلاص فيه بأنواع من التكاذيب قصداً للمغالبة، فما كنتم صانعين عند حضوره فاصنعوه الآن، تنبيهاً لهم على أنه لا فائدة في تحرير مقدار اللبث في الدنيا ولا في البرزخ، وإنما الفائدة في التصديق بما أخبر به الكتاب حيث كان التصديق نافعاً. ولما كان التقدير: قد أتى كما كنا به عالمين، فلو كان لكم نوع من العلم لصدقتمونا في إخبارنا به فنفعكم ذلك الآن، عطف عليه قوله: {ولكنكم كنتم} أي كوناً هو كالجبلة لكم في إنكاركم له {لا تعلمون*} أي ليس لكم علم أصلاً، لتفريطكم في طلب العلم من أبوابه، والتوصل إليه بأسبابه، فلذلك كذبتم به فاستوجبتم جزاء ذلك اليوم. ولما كان قوله تعالى: {أية : فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : [النساء: 173] في أشكالها من الآيات دالاً على أن هذه الدنيا دار العمل، وأن دار الآخرة دار الجزاء، وأن البرزخ هو حائل بينهما، فلا يكون في واحدة منهما ما للأخرى، سبب عن ذلك قوله: {فيومئذ} أي إذ تقوم الساعة، وتقع هذه المقاولة {لا ينفع} أي نفعاً ما {الذين ظلموا} أي وضعوا الأمور في غير مواضعها {معذرتهم} وهي ما تثبت عذرهم، وهو إيساغ الحلية في وجه يزيل ما ظهر من التقصير لأنهم لا عذر لهم وإن بالغوا في إثباته، والعبارة شديدة جداً من حيث كانت تعطي أن من وقع منه ظلم ما يوماً ما كان هذا حاله، وهي تدل على أنه تكون منهم معاذير، وترقق كثير، وتذلل كبير، فلا يقبل منه شيء - هذا على قراءة الجماعة بتأنيث الفعل وهي أبلغ من قراءة الكوفيين بتذكيره بتأويل العذر، لأنه إذا لم ينفع الاعتذار الكثير لم ينفع القليل الذي دل عليه المجرد ولا عكس، ويمكن أن يكون قراءة الجمهور متوجهة للكفرة وقراءة الكوفيين للعصاة من المؤمنين، فإن منهم من ينفعه الاعتذار فيعفى عنه، ويشهد لهذا ما ورد في آخر أهل النار خروجاً منها أنه يسأل في صرف وجهه عنها ويعاهد ربه سبحانه أنه لا يسأله غير ذلك، فإذا صرفه عن ذلك رأى شجرة عظيمة فيسأل أن يقدمه إلى ظلها فيقول الله: ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسال؟ فيقول: بلى! يارب! ولكن لا أكون أشقى خلقك - الحديث، وفيه "وربه يعذره" فهذا قد قبل عذره في الجملة، ولا يطلب منه أن يزيل العتب لأن ذلك لا يمكن إلا بالعمل، وقد فات محله، فأتت المغفرة من وراء ذلك كله. ولما كان العتاب من سنة الأحباب قال: {ولا هم} أي الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها {يستعتبون*} أي يطلب منهم ظاهراً أوباطناً بتلويح أو تصريح أن يزيلوا ما وقعوا فيه مما يوجب العتب، وهو الموجدة عن تقصير يقع فيه المعتوب، لأن ذلك لا يكون إلا بالطاعة وقد فات محلها بكشف الغطاء لفوات الدار التي تنفع فيها الطاعات لكونها إيماناً بالغيب، والعبارة تدل على أن المؤمنين يعاتبون عتاباً يلذذهم. ولما أبانت هذه السورة طرق الإيمان أيّ بيان، وألقت على وجوه أهل الطغيان غاية الخزي والهوان، وكان التقدير: لقد أتينا في هذه السورة خاصة بعد عموم ما في سائر القرآن بكل حجة لا تقوم لها الأمثال، ولم نبق لأحد عذراً ولا شيئاً من إشكال، لكونها ليس لها في وضوحها مثال، عطف عليه قوله صارفاً الكلام إلى مقام العظمة تقبيحاً لمخالفتهم لما يأتي من قبله وترهيباً من الأخذ مؤكداً لأنهم ينكرون أن يكون في القرآن دلالة، ومن أقر منهم مع الكفر فكفره قائم مقام إنكاره: {ولقد ضربنا}. ولما كانت العناية فيها بالناس أكثر، قال: {للناس} فقدمهم في الذكر {في هذا القرآن} أي عامة هذه السورة وغيرها {من كل مثل} أي معنى غريب هو أوضح وأثبت من أعلام الجبال، في عبارة هي أرشق من سائر الأمثال. ولما كان المختوم على مشاعرهم منهم لا يؤمنون بشيء. وكان ذلك من أدل دليل على علمه تعالى وقدرته، قال مقسماً تكذيباً لقولهم في الاقتراحات خاصاً من أهل العلم والإيمان رأسهم، دلالة على أن التصرف في القلوب من العظم بمكانة تجل عن الوصف، معبراً بالشرط إعلاماً بأنه سبحانه لا يجب عليه شيء، عاطفاً على نحو: فلم ينفعهم شيء من ذلك: {ولئن جئتهم} أي الناس عامة {بآية} أي دلالة واضحة على صدقك معجزة، غير ما جئتهم به مما اقترحوه ووعدوا الإيمان به مرئية كانت أو مسموعة {ليقولن الذين كفروا} أي حكمنا بكفرهم غلظة وجفاء، ودل على فرط عنادهم بقوله: {إن} أي ما ولما كان التخصيص بالغلظة أشد على النفس، ضم إليه أتباعه تسلية وبياناً لعظيم شقاقهم فقال: {أنتم} أي أيها الآتي بالآية وأتباعه {إلا مبطلون*} أي من أهل العرافة في الباطل بالإتيان بما لا حقيقة له في صورة ما له حقيقة، وأما الذين آمنوا فيقولون: نحن بهذه الآية مؤمنون. ولما كان من أعجب العجب أن من يدعي العقل يصر على التكذيب بالحق، ولا يصغي لدليل، ولا يهتدي لسبيل، قال مستأنفاً في جواب من سأله: هل يكون مثل هذا الطبع؟ ومرغباً في العلم: {كذلك} أي مثل هذا الطبع العظيم جداً، ولما كان كون الشيء الواحد لناس هداية ولناس ضلالة جامعاً إلى العظمة تمام العلم والحكمة، صرف الخطاب عنها إلى الاسم الأعظم الجامع فقال: {يطبع الله} أي الذي لا كفوء له، فمهما أراد كان، عادة مستمرة، ونبه على كثرة المطبوع عليهم بجمع الكثرة فقال: {على قلوب الذين لا يعلمون*} أي لا يجددون - أي لعدم القابلية - العلم بأن لا يطلبوا علم ما يجهلونه مما حققه هذا الكتاب من علوم الدنيا والآخرة رضىً منهم بما عندهم من جهالات سموها دلالات، وضلالات ظنوها هدايات وكمالات. ولما كان هذا مذكراً بعظيم قدرته بعد الإياس من إيمانهم، سبب عنه قوله: {فاصبر} أي على إنذارهم مع هذا الجفاء والرد بالباطل والأذى، فإن الكل فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا. ولما كان قد تقدم إليه بأنه لا بد أن يظهر أمره على كل أمر، علله بقوله مؤكداً لأن إنفاذ مثل ذلك في محل الإنكار لعظم المخالفين وكثرتهم مظهراً غير مضمر لئلا يظن التقييد بحيثية الطبع: {إن وعد الله} أي الذي له الكمال كله في كل ما وعدك به الذي منه نصرك وإظهار دينك على الدين كله ونصر من قارب أتباعك في التمسك بكتاب من كتب الله وإن كان قد نسخ على من لا كتاب له {حق} أي ثابت جداً يطابقه الواقع كما يكشف عنه الزمان، وتأتي به مطايا الحدثان. ولما كان التقدير: فلا تعجل، عطف عليه قوله: {ولا يستخفنك} أي يحملنك على الخفة ويطلب أن تخف باستعجال النصر خوفاً من عواقب تأخيره أو بتفتيرك عن التبليغ، بل كن بعيداً منهم بالغلظة والجفاء والصدع بمر الحق من غير محاباة ما، بعداً لا يطمعون معه أن يحتالوا في خفتك في ذلك بنوع احتيال، وقراءة "يستحقنك" من الحق معناها: أي لا يطلب منك الحق الذي هوالفصل العدل بينك وبينهم أي لا تطلبه أنت، فهو مثل: لا أرينك ههنا تنهى نفسك وأنت تريد نهيه عن الكون بحيث تراه، والنهي في قراءة الجماعة بالثقيلة أشد منه في رواية رويس عن يعقوب بالخفيفة، فقراءة الجماعة مصوبة إلى أصل الدين، أي لا تفعل معهم فعلاً يطمعهم في أن تميل إليهم فيه، وقراءة رويس إلى نحو الأموال فإنه كان يتألفهم بالإيثار بها، ولا شك أنه إذا آثرهم على أكابر المسلمين أطمعهم ذلك في أن يطلبوا أن يميل معهم، وما أفاد هذا إلا تحويل النهي، ولو قيل: لا تخفن معهم، لم يفد ذلك، ولا يقال عكس هذا من أن النهي في الثقيلة أخف لأنه نهي عن الفعل المؤكد فيبقى أصل الفعل. وكذا ما صحبه تأكيد خفيف، وفي الخفيفة غير المؤكد تأكيداً خفيفاً فلا يبقى غير أصل الفعل فهو أبلغ، لأن النون لم تدخل إلا بعد دخول الناهي فلم تفد إلا قوة النهي لا قوة المنهي عنه - والله أعلم. {الذين لا يوقنون} أي أذى الذين لا يصدقون بوعودنا تصديقاً ثابتاً في القلب بل هم إما شاكون فأدنى شيء يزلزلهم كمن يعبد الله على حرف، أو مكذبون بنصر الله لأوليائه المؤمنين ولمن قاربهم في التمسك بكتاب أصله صحيح، فهم يبالغون في العداوة والتكذيب حتى أنهم ليخاطرون في وعد الله بنصر الروم على فارس، كأنهم على ثقة وبصيرة من أمرهم في أن ذلك لا يكون، فإذا صدق الله وعده في ذلك بإظهار عن قريب علموا كذبهم عياناً، وعلموا - إن كان لهم علم - أن الوعد بالساعة لإقامة العدل على الظالم والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهو صاغرون، ويحشرون وهو داخرون، {أية : وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون} تفسير : [الشعراء: 227]، فقد انعطف آخرها على أولها عطف الحبيب على الحبيب، واتصل به اتصال القريب بالقريب، والتحم التحام النسيب بالنسيب.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين اوتوا العلم والايمان} فى الدنيا من الملائكة والانس ردالهم وانكار لكذبهم {لقد} والله قد {لبثتم فى كتاب الله} وهو التقدير الازلى فى ام الكتاب اى علمه وقضائه {الى يوم البعث} [تاروز انكيختن] وهو مدة مديدة وغاية بعيدة لا ساعة حقيقة. وفى الحديث"حديث : ما بين فناء الدنيا والبعث اربعون" تفسير : وهو محتمل للساعات والايام والاعوام والظاهر اربعون سنة او اربعون الف سنة ثم اخبروا بوقوع البعث تبكيتالهم لانهم كانوا ينكرونه فقالوا {فهذا} الفاء جواب شرط محذوف شرط محذوف اى ان كنتم منكرين البعث فهذا {يوم البعث} الذى انكرتموه وكنتم توعدون فى الدنيا اى فقد تبين بطلان انكاركم {ولكنكم} من فرط الجهل وتفريط النظر {كنتم} فى الدنيا {لا تعلمون} انه حق سيكون فتستعجلون به استهزاء

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة {لا ينفع} بالياء، لان تأنيث المعذرة غير حقيقي. الباقون بالتاء، لان اللفظ لفظ التأنيث. يقول الله تعالى مخبراً عن الذين قد أعطاهم الله العلم وآتاهم إياه بما نصب لهم من الأدلة الموجبة له، ونظروا فيها فحصل لهم العلم، فلذلك أضافه إلى نفسه لما كان هو الناصب للادلة الدالة على العلوم، والتصديق بالله ورسوله {لقد لبثتم} أي مكثتم {في كتاب الله} ومعناه إن لبثكم مذكور ثابت في كتاب الله بينه الله فيه، فصار من أجل ان بيانه في كتابه كأنه في الكتاب، كما تقول كلما يكون فهو في اللوح المحفوظ أي هو مبين فيه، وقيل {في كتاب الله} أي في كتابه الذي أخبرنا به، واللبث لا يكون إلا في المكان، كما لا يكون السكون إلا فيه، والبقاء قد يكون لا في مكان، ولذلك يوصف تعالى بالباقي، ولا يوصف بـ (لابث) و {إلى يوم البعث} يعني يوم يبعث الله فيه خلقه ويحشرهم. واصل البعث جعل الشيء جاريا في أمر، ومنه انبعث الماء إذا جرى وانبعث من بين الاموات إذا خرج خروج الماء، ويوم البعث يوم اخراج الناس من قبورهم إلى أرض المحشر. ثم يقول المؤمنون للكفار {فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون} صحة ذلك وكنتم شاكين فيه. وقال الحسن: لقد قدرنا اجالكم إلى يوم البعث ولكنكم لا تعلمون ان البعث حق. ثم اخبر تعالى ان ذلك اليوم لا تقبل معذرتهم، والمعذرة إظهار ما يسقط اللائمة، وانما لا تقبل معذرتهم لانهم ملجئون في تلك الحال، ولا يصح اعتذارهم وقوله {ولا هم يستعتبون} أي لا يقبل عتبهم، ولا يطلب منهم الاعتاب. والاستعتاب طلب صلاح المعاتب بالعتاب وذلك بذكر الحقوق التي تقتضي خلاف ما عمله العامل بما لا ينبغي أن يكون عليه مع الحق اللازم له وليس في قولهم ما علمنا أنه يكون ولا أننا نبعث عذر، لانه قد نصب لهم الدلالة عليه ودعوا اليه. ثم اخبر تعالى انه ضرب للناس المكلفين في القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله من كل مثل، يحثهم به على الحق واتباع الهدى. ثم قال لنبيه {ولئن جئتهم بآية} يا محمد أي معجزة باهرة {ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} في دعواكم البعث والنشور، عناداً وجحداً للامور الظاهرة. ثم قال مثل ما طبع الله على قلوب هؤلاء بأن حكم عليهم بانهم لا يؤمنون كذلك حكم في كل من لا يؤمن. وقيل: الطبع علامة يجعلها الله في قلوب الكافرين يفصل بها الملائكة بينه وبين المؤمن. ثم قال لنبيه {فاصبر} يا محمد على أذى هؤلاء الكفار ومقامهم على كفرهم {إن وعد الله حق} في ما وعدك به من النصر واعزاز دينك {ولا يستخفنك} أي ولا يستفزنك {الذين لا يوقنون} فالاستخفاف طلب الخفة.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} عطف على جملة كذلك كانوا يؤفكون، الاتيان بالماضى للاشارة الى تحقّق وقوعه، او للاشارة الى انّه قد مضى بالنّسبة الى مقام المخاطب الّذى هو محمّد (ص) والايمان اى الاذعان والانقياد، او المراد بالعلم العلم باحكام الرّسالة وقبولها فانّه كثيراً يستعمل العلم فى قبول احكام الرّسالة والعلم بها تقليداً او تحقيقاً، وبالايمان الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة فيكون فى معنى قوله قال الّذين اوتوا الاسلام بقبول الدّعوة الظّاهرة والايمان بقبول الدّعوة الباطنة، او المراد بالعلم العلم التّحقيقىّ، وبالايمان الايمان الشّهودّى الّذين لا يجتمعان الاّ فى من صار خليفة لله كما عن الرّضا (ع) حين يصف الامامة فانّه قال: فقلّدها عليّاً (ع) بامر الله عزّ وجلّ على رسم ما فرض الله تعالى فصارت فى ذرّيّته الاصفياء الّذين آتاهم الله تعالى العلم والايمان بقوله: وقال الّذين اوتوا العلم {وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} اى مكتوب الله وهو عالم الطّبع وعالم البرازخ والبدن الطّبيعىّ والبدن البرزخىّ فانّ الكلّ كتاب الله الّذى كتبه بيده {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} يعنى لبثتم من اوّل خلقتكم فى عالم الطّبع والبرازخ الى يوم القيامة الكبرى {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} ولا يعلم امد ذلك الاّ الله وانتم لغاية وحشتكم لم يبق لكم شعور بتلك المدّة الطّويلة {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تلك المدّة ولا هذا اليوم لتحيّركم وعدم بقاء شعور لكم، وعلى ما بينّا الآية لا حاجة فيها الى التّكلّفات الّتى ارتكبها المفسّرون.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ} من الملائكة وبني آدم الأنبياء والمؤمنين. {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ} في اللوح المحفوظ او في علم الله وقضائه او في ما كتبه اي اوجبه بحكمته في علمه وقضائه او في القرآن اذ قال فيه {أية : ومن ورائهم برزخ }. تفسير : {إِلَى يَوْمَ البَعْثِ فَهَذَا يَوْمَ البَعْثَ} ردوا بذلك على الكفار وحلقوا عليه {فَهَذَا يَوْمَ البَعْثِ} الذي أنكرتموه. {وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} لا تعتقدون انه حق واقع وجاءتكم به الرسل وكذبتم فلا ينفعكم به العلم الآن والفاء للاستئناف او رابطة لجواب شرط محذوف اي ان انكرتم البعث فهذا يومه تبين بطلان قولكم وقرأ الحسن بفتح العين كالباء.

اطفيش

تفسير : {وقال الَّذين أوتُوا العِلْم والإيمان} يتبادر انهم المؤمنون، ويحتمل الملائكة، ووجهه انهم المتصرفون يوم البعث بالكلام اكثر من الناس، وان الناس اشد خوفا منهم فى ذلك اليوم، وان لكل انسان ملكا او املاكا يقارنه فى الدنيا، ويحتمل المؤمنين والملائكة بمرة او انفرد {لَقَد لبثْتُم في كتاب الله} متعلق تلبث، اى فى علمه او قضائه، او ما كتبه وعينه سبحانه، او اللوح المحفوظ، او القرآن، والمعنى ان لبثكم ذلك مقرر فيما ذكر، وبيعد ما قيل الاصل، وقال: الذين اوتوا العلم والايمان فى كتاب الله لقد لبثتم {الى يَوم البَعْث} والكلام رد لما قالوه، وتوبيخ وتهكم بهم {فهذا} ترتيب ذكرى، او لان هذا {يَوم البَعْث} عطف على لقد لبثتم الخ، او ان انكرتم البعث، فهذا يومه، وقد تبين بطلان انكاركم {ولكنَّكُم كنْتُم لا تعْلمُون} انه حق لاهمالكم عقولكم عن النظر حتى انكم تستعجلون به استهزاء، وقيل: ولكنكم كنتم لا تعلمون، فصار مصيركم الى النار، ولا دليل على هذا أو لو كان حقا فى نفس الامر، اللهم ان روعيت له مناسبة من قوله تعالى: {فيومئذ} يستعتبون لانهم يعتزرون لئلا يدخلوا النار، والمعنى يوم اذ يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة، قيل لهم: لقد لبثتم الخ {لا تنْفَع الَّذين ظلَمُوا معْذرتَهُم} اى عذرهم، اجرموا وانكروا البعث، الاصل لا تنفعهم، واظهر ليصرح عليهم بعلة الظلم على موجب انتفاء النفع، وليعرض عن الخطاب اهانة لهم كما قال: {ولا هم يستعتبون} لا يطلب منهم ازالة عتب الله اى غضبه بالتوبة والطاعة، وذلك كاستقردت البعير، ازلت قراده، وذكرت فى شرح اللامية ان من معانى الاستفعال الازالة، ولا يقال لهم ارضوا وبكم بالتوبة والطاعة، كما يقال لهم فى الدنيا والعتبى يطلق على الرضا، وكانه قيل: ولا يطلب منهم ان يطلبوا العتبي، اى الرضا من الله عز وجل، وقيل: لا يعاتبون على ما فعلوا.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ } في الدنيا من الملائكة أو الإنس أو منهما جميعاً {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } أي في علمه وقضائه أو ما كتبه وعينه سبحانه أو اللوح المحفوظ أو القرآن وهو قوله تعالى: {أية : وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ }تفسير : [المؤمنون: 100] وأياً ما كان فالجار والمجرور متعلق بما عنده. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم ـ وفيه من البعد ما فيه ـ أن الكلام على التقديم والتأخير والأصل وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ } والكلام رد لما قالوه مؤكد باليمين أو توبيخ وتفضيح وتهكم بهم فتأمل {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ } الذي كنتم توعدون في الدنيا والفاء فصيحة كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه أي فنخبركم أنه قد تبين بطلان إنكاركم / وجوز أن تكون عاطفة والتعقيب ذكري أو تعليلية {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أنه حق لتفريطكم في النظر فتستعجلون به استهزاء، وقيل: لا تعلمون البعث ولا تعترفون به فلذا صار مصيركم إلى النار. وقرأ الحسن {ٱلْبَعْثِ } بفتح العين فيهما، وقرىء بكسرهما وهو اسم والمفتوح مصدر، وفي الآية من الدلالة على فضل العلماء ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : جعل الله منكري البعث هدفاً لسهام التغليظ والافتضاح في وقت النشور، فلما سمع المؤمنون الذين أوتوا علم القرآن وأشرقت عقولهم في الحياة الدنيا بالعقائد الصحيحة وآثار الحكمة لم يتمالكوا أن لا يردوا عليهم غلطهم رداً يكون عليهم حسرات أن لا يكونوا قبلوا دعوة الحق كما قبلها المؤمنون. وهذه الجملة معترضة. وعطف الإيمان على العلم للاهتمام به لأن العلم بدون إيمان لا يرشد إلى العقائد الحق التي بها الفوز في الحياة الآخرة. والمعنى: وقال لهم المؤمنون إنكاراً عليهم وتحسيراً لهم. والظاهر أن المؤمنين يسمعون تَحَاجَّ المشركين بعضهم مع بعض فيبادرون بالإنكار عليهم لأن تغيير المنكر سجيتهم التي كانوا عليها. وفي هذا أدب إسلامي وهو أن الذي يسمع الخطأ في الدين والإيمان لا يقره ولو لم يكن هو المخاطَب به. وقولهم: {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث} صرف لهم عن تلك المعذرة كأنهم يقولون: دَعُوا عنكم هذا فلا جدوى فيه واشتغِلوا بالمقصود وما وُعدتم به من العذاب يوم البعث. وفعل {لَبِثْتُم} مستعمل في حقيقته، أي مكثْتم، أي استقررتم في القبور، والخبر مستعمل في التحزين والترويع باعتبار ما يرد بعده من الإفصاح عن حضور وقت عذابهم. و{في} من قوله {فِي كِتَاب الله} للتعليل، أي لبثتم إلى هذا اليوم ولم يعذبوا من قبل لأجل ما جاء في كتاب الله من تهديدهم بهذا اليوم مثل قوله تعالى: {أية : ومِنْ وَرَائهم بَرْزَخ إلٰى يَوْم يُبْعَثُون}تفسير : [المؤمنون: 100]، أي: لقد بلغكم ذلك وسمعتموه فكان الشأن أن تؤمنوا به ولا تعتذروا بقولكم {مَا لَبِثْنا غيرَ سَاعة}. والفاء في {فهذا يوم البعث} فاء الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، وتفيد معنى المفاجأة كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : فَقَدْ كَذَّبُّوكم بِمَا تَقُولون} تفسير : في سورة الفرقان (19)، أي إذا كان كذلك فهذا يوم البعث كالفاء في قول عباس بن الأحنف:شعر : قالوا خراسانُ أقصى ما يُراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا تفسير : وهذا توبيخ لهم وتهديد وتعجيل لإساءتهم بما يترقبهم من العذاب. والاقتصار على {فهذا يوم البعث} ليتوقعوا كل سوء وعذاب. والاستدراك في {ولكنكم كنتم لا تعلمون} استدراك على ما تضمنته جملة {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث} أي لقد بلغكم ذلك وكان الشأن أن تستعدوا له ولكنكم كنتم لا تعلمون، أي: لا تتصدون للعلم بما فيه النفع بل كان دأبكم الإعراض عن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي التعبير بنفي العلم وقصدِ نفي الاهتمام به والعناية بتلقيه إشارة إلى أن التصدي للتعلّم وسيلة لحصوله.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا بعثوا يوم القيامة، وأقسموا أنهم ما لبثوا غير ساعة يقول لهم الذين أوتوا العلم والإيمان، ويدخل فيهم الملائكة، والرسل، والأنبياء، والصالحون: والله لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، ولكنكم كنتم لا تعلمون. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في سورة يس على أصح التفسيرين، وذلك في قوله تعالى: {أية : قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَاَ} تفسير : [يس: 52]. والتحقيق أن هذا قول الكفار عند البعث، والآية تدل دلالة لا لبس فيها، على أنهم ينامون نومة قبل البعث كما قاله غير واحد، وعند بعثهم أحياء من تلك النومة التي هي نومة موت يقول لهم الذين أوتوا العلم والإيمان: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون: أي هذا البعث بعد الموت، الذي وعدكم الرحمن على ألسنة رسله، وصدق المرسلون في ذلك، كما شاهدتموه عياناً فقوله في يس: {أية : هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ} تفسير : [يس: 52] قول الذين أوتوا العلم والإيمان، على التحقيق، وقد اختاره ابن جرير، وهو مطابق لمعنى قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} الآية. والتحقيق أن قوله هذا إشارة إلى ما وعد الرحمن وأنها من كلام المؤمنين، وليست إشارة إلى المرقد في قول الكفار {أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا} تفسير : [يس: 52]، وقوله في كتاب الله: أي فيما كتبه وقدره وقضاه. وقال بعض العلماء: إن قوله: {أية : هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ} تفسير : [يس: 52] الآية من قول الكفار، ويدل له قوله في الصافات: {أية : وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [الصافات: 20ـ21] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِيمَانَ} {كِتَابِ} (56) - فَيَرُدُّ الذِينَ أُوتُوا العِلْمِ بِكِتَابِ اللهِ، وبِالإِيمَانِ باللهِ منَ الأَنبياءِ والمَلاَئِكَةِ والمُؤْمِنينَ عَلَى هؤلاءِ المُنكِرِينَ في الدُّنيا، الذينَ يَحْلِفُونَ عَلى أَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنيا (أَوْ في قُبُورِهم) إِلا سَاعَةً واحَدَةً قائلين: إِنَّهُم لَبِثُوا في قُبُورِهِم مِنْ يومِ مَمَاتِهِمْ إِلى يَوْمِ البَعْثِ، فَهَذا هُوَ يومُ البَعْثِ الذي أَنكَرُوهُ في الدُّنيا، وَزَعَمُوا أنَّهُ لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مِثْلُ هذا اليومِ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ، وَغَفْلَتِهِمْ وقِصَرِ نَظَرِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قال هنا {ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ ..} [الروم: 56] فهل العِلم ينافي الإيمان؟ لا، لكن هناك فَرْق بينهما، فالعلم كسب، والإيمان أنت تؤمن بالله وإنْ لم تَرَه. إذن: شيء أنت تراه وتعلمه، وشيء يخبرك به غيرك بأنه رآه، فآمنتَ بصدقه فصدَّقْتَه، فهناك تصديق للعلم وتصديق للإيمان؛ لذلك دائما يُقَال: الإيمان للغيبية عنك، أما حين يَقْوى إيمانك، ويَقْوى يقينك يصير الغيب كالمشاهَد بالنسبة لك. وقد أوضحنا هذه المسألة في الكلام عن قوله تعالى في خطابه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. فقال: ألم تَرَ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم وُلِد عام الفيل، ولم يتسَنّ له رؤية هذه الحادثة، قالوا: لأن إخبار الله له أصدق من رؤيته بعينه. فقوله: {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ ..} [الروم: 56] لأن العلم تأخذه أنت بالاستنباط والأدلة ... الخ، أو تأخذه ممن يخبرك وتُصدِّقه فيما أخبر، حديث : لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل الصحابي: "كيف أصبحتَ"؟ قال: أصبحتُ مؤمناً حقاً، قال: "لكلِّ حقٍّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك"؟ يعني: ما مدلول هذه الكلمة التي قلتها؟ فقال الصحابي: عزفتْ نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها، ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون - يريد أن يقول لرسول الله: لقد أصبحتُ وكأني أرى ما أخبرتنا به - فقال له رسول الله: "عرفتَ فالزم" ". تفسير : لكن، مَن هم الذين أوتوا العلم؟ هم الملائكة الذين عاصروا كل شيء، لأنهم لا يموتون، أو الأنبياء لأن الذي أرسلهم أخبره، أو المؤمنون لأنهم صدَّقوا الرسول فيما أخبر به. وقال {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} [الروم: 56] ولم يقل: علموا، كأن العلم ليس كَسْباً، إنما إيتاء من عَالِم أعلم منك يعطيك. فإنْ قُلتَ: أليس للعلماء دور في الاستدلال والنَظر في الأدلة؟ نقول: نعم، لكن مَنْ نصب لهم هذه الأدلة؟ إذن: فالعلم عطاء من الله. ثم يقول سبحانه: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ ..} [الروم: 56] يعني: مسألة مرسومة ومنضبطة في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث {فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ ..} [الروم: 56] الذي كنتم تكذبون به، أما الآن فلا بُدَّ أنْ تُصدِّقوا فقد جاءكم شيء لا تقدرون على تكذيبه؛ لأنه أصبح واقعاً ومن مصلحتكم أنْ يقبل عذركم، لكن لن يقبل منكم، ولن نسمع لكم كلاماً لأننا قدمنا الإعذار سابقاً. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 56] في أول الآية قال: {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} [الروم: 56] فنسب العلم إلى الله، أما هنا فنسبه إليهم؛ لأن الله تعالى نصب لهم الأدلة فلم يأخذوا منها شيئاً، ونصب لهم الحجج والبراهين والآيات فغفلوا عنها، إذن: لم يأخذوا من الدلائل والحجج ما يُوصِّلهم إلى العلم. ثم يقول الحق سبحانه: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ...}.