Verse. 3467 (AR)

٣٠ - ٱلرُّوم

30 - Ar-Roum (AR)

وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِيْ ھٰذَا الْقُرْاٰنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ۝۰ۭ وَلَىِٕنْ جِئْتَہُمْ بِاٰيَۃٍ لَّيَقُوْلَنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اِنْ اَنْتُمْ اِلَّا مُبْطِلُوْنَ۝۵۸
Walaqad darabna lilnnasi fee hatha alqurani min kulli mathalin walain jitahum biayatin layaqoolanna allatheena kafaroo in antum illa mubtiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد ضربنا» جعلنا «للناس في هذا القرآن من كل مثل» تنبيهاً لهم «ولئن» لام قسم «جئتهم» يا محمد «بآية» مثل العصا واليد لموسى «ليقولنّ» حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين «الذين كفروا» منهم «إن» ما «أنتم» أي محمد وأصحابه «إلا مبطلون» أصحاب أباطيل.

58

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كل مَثَل } إشارة إلى إزالة الأعذار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار، وإلى أنه لم يبق من جانب الرسول تقصير، فإن طلبوا شيئاً آخر فذلك عناد ومن هان عليه تكذيب دليل لا يصعب عليه تكذيب الدلائل، بل لا يجوز للمستدل أن يشرع في دليل آخر بعد ما ذكر دليلاً جيداً مستقيماً ظاهراً لا غبار عليه وعانده الخصم، لأنه إما أن يعترف بورود سؤال الخصم عليه أو لا يعترف، فإن اعترف يكون انقطاعاً وهو يقدح في الدليل أو المستدل، إما بأن الدليل فاسد، وإما بأن المستدل جاهل بوجه الدلالة والاستدلال، وكلاهما لا يجوز الاعتراف به من العالم فكيف من النبـي عليه الصلاة والسلام، وإن لم يعترف يكون الشروع في غيره موهماً أن الخصم ليس معانداً فيكون اجتراؤه على العناد في الثاني أكثر لأنه يقول العناد أفاد في الأول حيث التزم ذكر دليل آخر. فإن قيل فالأنبياء عليهم السلام ذكروا أنواعاً من الدلائل، نقول سردوها سرداً، ثم قرروها فرداً فرداً، كمن يقول الدليل عليه من وجوه: الأول كذا، والثاني كذا، والثالث كذا، وفي مثل هذا الواجب عدم الالتفات إلى عناد المعاند لأنه يزيده بعناده حتى يضيع الوقت فلا يتمكن المستدل من الإتيان بجميع ما وعد من الدلائل فتنحط درجته فاذن لكل مكان مقال. وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله تعالى: {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِـئَايَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ } وفي توحيد الخطاب بقوله: {وَلَئِن جِئْتَهُمْ } والجمع في قوله: {إِنْ أَنتُمْ } لطيفة وهي أن الله تعالى قال: {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِكُلّ ءايَةٍ } جاءت بها الرسل ويمكن أن يجاء بها يقولون أنتم كلكم أيها المدعون للرسالة مبطلون. ثم بين تعالى أن ذلك بطبع الله على قلوبهم بقوله: {كَذٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } فإن قيل من لا يعلم شيئاً أية فائدة في الإخبار عن الطبع على قلبه؟ نقول المعنى هو أن من لا يعلم الآن فقد طبع الله على قلبه من قبل، ثم إنه تعالى سلى قلب النبـي صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي أن صدقك يبين وقوله: {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ } إشارة إلى وجوب مداومة النبـي عليه الصلاة والسلام على الدعاء إلى الإيمان فإنه لو سكت لقال الكافر إنه متقلب الرأي، لا ثبات له، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي مِن كل مَثَل يدلُّهم على ما يحتاجون إليه، وينبههم على التوحيد وصدق الرسل. {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ} أي معجزة؛ كفلق البحر والعصا وغيرهما {لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ} يا معشر المؤمنين. {إِلاَّ مُبْطِلُونَ} أي تتبعون الباطل والسحر {كَذَلِكَ} أي كما طبع الله على قلوبهم حتى لا يفهموا الآيات عن الله فكذلك {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أدلّة التوحيد {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي اصبر على أذاهم فإن الله ينصرك. {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ} أي لا يستفزنّكَ عن دينك {ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} قيل: هو النضر بن الحارث. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمته؛ يقال: استخف فلان فلاناً أي استجهله حتى حمله على اتباعه في الغيّ. وهو في موضع جزم بالنهي، أُكّد بالنون الثقيلة فبُنَي على الفتح كما يبنى الشيئان إذا ضم أحدهما إلى الآخر. «الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ» في موضع رفع، ومن العرب من يقول: اللذون في موضع الرفع. وقد مضى في «الفاتحة».

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ } ولقد وصفناهم فيه بأنواع الصفات التي هي في الغرابة كالأمثال، مثل صفة المبعوثين يوم القيامة فيما يقولون وما يقال لهم وما لا يكون من الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب، أو بينا لهم من كل مثل ينبههم على التوحيد والبعث وصدق الرسول. {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِـئَايَةٍ } من آيات القرآن. {لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من فرط عنادهم وقساوة قلوبهم. {إِنْ أَنتُمْ } يعنون الرسول والمؤمنين. {إِلاَّ مُبْطِلُونَ } مزورون. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الطبع. {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } لا يطلبون العلم ويصرون على خرافات اعتقدوها فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق ويوجب تكذيب المحق. {فَٱصْبِرْ } على أذاهم. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بنصرتك وإظهار دينك على الدين كله. {حَقّ } لا بد من إنجازه. {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ } ولا يحملنك على الخفة والقلق. {ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ } بتكذيبهم وإيذائهم فإنهم شاكون ضالون لا يستبدع منهم ذلك. وعن يعقوب بتخفيف النون، وقرىء «ولا يستحقنك» أي لا يزيغنك فيكونوا أحق بك مع المؤمنين. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك سبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما ضيع في يومه وليلته»

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي: قد بينا لهم الحق، ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال؛ ليستبينوا الحق ويتبعوه، {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِـآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} أي: لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لايؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 96 ــــ 97] ولهذا قال ههنا: {كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك عليهم، وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} أي: بل اثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه، وليس فيما سواه هدى يتبع، بل الحق كله منحصر فيه. قال سعيد عن قتادة: نادى رجل من الخوارج علياً رضي الله عنه، وهو في صلاة الغداة، فقال: {أية : وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الزمر: 65] فأنصت له علي حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقد رواه ابن جرير من وجه آخر فقال: حدثنا وكيع: حدثنا يحيى بن آدم عن شريك عن عثمان بن أبي زرعة عن علي بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج علياً رضي الله عنه، وهو في صلاة الفجر، فقال: {أية : وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الزمر: 65] فأجابه علي رضي الله عنه وهو في الصلاة: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}. (طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك عن عمران بن ظبيان عن أبي يحيى قال: صلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الزمر: 65] فأجابه علي رضي الله عنه، وهو في الصلاة: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}. (ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح، فقرأ فيها الروم، فأوهم، فقال: «حديث : إنه يلبس علينا القرآن، فإن أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا، فليحسن الوضوء» تفسير : وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه صلى الله عليه وسلم تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام. آخر تفسير سورة الروم. و لله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا } جعلنا {لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ } تنبيهاً لهم {وَلَئِنِ } لام قسم {جِئْتَهُمْ } يا محمد {بِئَايَةٍ } مثل العصا واليد لموسى {لَّيَقُولَنَّ } حذف منه نون الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } منهم {إِن } ما {أَنتُمْ } أي محمد وأصحابه {إِلاَّ مُبْطِلُونَ } أصحاب أباطيل.

الماوردي

تفسير : قوله: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل وجهين: أحدهما: أن وعد الله في نصرك وتأييدك حق. الثاني: أن وعده في انتقامه من أعدائك حق. {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يَسْتَعْجَلَنَّكَ، قاله ابن شجرة. الثاني: لا يَسْتَفِزَّنَّكَ، قاله يحيى بن سلام. الثالث: لا يستنزلنك، قاله النقاش. {الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} فيه وجهان: أحدهما: لا يؤمنون. الثاني: لا يصدقون بالبعث والجزاء، روى سعيد عن قتادة أن رجلاً من الخوارج قال لعلي كرم الله وجهه وهو خلفه في صلاة الصبح {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} الآية. فقال له عليّ وهو في الصلاة {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}، والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ} أي وبالله لقد بـينَّا لهم كلَّ حالٍ ووصفنا لهم كلَّ صفةٍ كأنَّها في غرابتها مَثَلٌ وقصصنا عليهم كلَّ قصَّةٍ عجيبةِ الشَّأنِ كصفةِ المبعوثينَ يومَ القيامةِ وقصتهم وما يقولُونَ وما يُقال لهم ويفعلُ بهم من ردِّ اعتذارِهم {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِـئَايَةٍ} من آياتِ القُرآنِ النَّاطقةِ بأمثالِ ذلك {لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لفرطِ عتوِّهم وعنادِهم وقساوةِ قلوبِهم مخاطبـينَ للنبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمؤمنين {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} أي مزوِّرون {كَذٰلِكَ} مثلَ ذلك الطَّبعِ الفظيعِ {يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَّ يَعْلَمُونَ} لا يطلبونَ العلمَ ولا يتحرَّون الحقَّ بل يُصرُّون على خرافاتٍ اعتقدوها وتُرَّهاتٍ ابتدعُوها فإن الجهلَ المركَّبَ يمنعُ إدراكُ الحقِّ ويوجبُ تكذيبَ المُحقِّ. {فَٱصْبِرْ} على ما تُشاهد منهم من الأقوالِ الباطلةِ والأفعالِ السئيةِ {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} وقد وعدك بالنُّصرةِ وإظهارِ الدِّينِ وإعلاءِ كلمةِ الحقِّ ولا بُدَّ من إنجازِه والوفاءِ به لا محالةَ {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ} لا يحملنَّك على الخفَّةِ والقلقِ {ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} بما تتلُو عليهم من الآياتِ البـيِّنةِ بتكذيبِهم إيَّاها وإيذائِهم لك بأباطِيلِهم التي مِنْ جُملتها قولُهم إنْ أنتُم إلا مُبطلون فإنَّهم شاكُّون ضالُّون ولا يُستبعد منهم أمثالُ ذلك. وقُرىء بالنُّون المخففةِ وقُرىء ولا يستحقنَّك من الاستحقاقِ أي لا يفتُننَّك فيملكوكَ ويكونُوا أحقَّ بك من المؤمنينَ. وأياً ما كان فظاهرُ النَّظمِ الكريمِ وإنْ كانِ نهياً للكَفَرةِ عن استخفافِه عليه السَّلامُ عن التَّاثرِ من استخفافِهم والافتنانِ بفتنتِهم على طريقِ الكنايةِ كما في قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَن لا تَعْدِلُواْ}تفسير : [سورة المائدة: الآية 8]. عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ قرأَ سورةَ الرُّوم كانَ له مِن الأجرِ عشرُ حسناتٍ بعددِ كلِّ مَلَكٍ يُسبِّحُ الله تعالى بـينَ السَّماءِ والأرضِ وأدركَ ما ضيَّع في يومِه وليلتهِ«

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل} اى وبالله لقد بينالهم كل حال ووصفنا لهم كل صفة كأنها فى غرابتها كالامثال وذلك كالتوحيد والحشر وصدق الرسل وسائر ما يحتاجون اليه من امر الدين والدنيا مما يهتدى به المتفكر ويعتبر به الناظر المتدبر {ولئن جئتهم} [اكر بيارى تواى محمد عليه السلام بديشان يعنى بمنكران متعاندان] {بآية} من آيات القرآن الناطقة بامثال ذلك {ليقولن الذين كفروا} من فرط عنادهم وقساوة قلوبهم مخاطبين للنبى عليه السلام والمؤمنين {ان} ما {انتم الا مبطلون} مزوّرون يقال ابطال الرجل اذا جاء بالباطل واكذب اذا جاء بالكذب. وفى المفردات الابطال يقال فى افساد الشئ وازالته حقا كان ذلك الشئ او باطلا قال تعالى {ليحق الحق ويبطل الباطل} وقد يقال فيمن يقول شيأ لا حقيقة له قال تعالى {ان انتم الا مبطلون}

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مَثَلٍ} أي: بيَّنا لهم فيه من كل مثل، ينبؤهم عن التوحيد والمعاد، وصدق الرسل، وغير ذلك، مما يحتاجون إلى بيانه، {ولئن جئْتَهم بآيةٍ} من الآيات الدالة على صدقك، أو: القرآن. {ليقُولَنَّ الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون}؛ مزورون. وإسناد الإبطال إلى الجميع، مع أن المجيء بالحق واحد؛ مراعاة لمن شايعه معه من المؤمنين، أو: ولقد وصفنا كلّ صفة، كأنها مثل؛ في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن كقصة المبعوثين يقوم القيامة. وما يقولون، وما يُقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يُسمع من استعتابهم، ولكنهم؛ لقسوة قلوبهم، إذا جِئْتَهُمْ بآية من آيات القرآن، قالوا: جئتنا بزور باطل. {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون}، أي: مثل ذلك الطبع - وهو الختم - يطبع الله على قلوب الجهلة؛ الذين عِلَمَ اللهُ منهم اختيارَ الضلال, حتى سمّوا المحققين مبطلين، وهم أغرقُ خلق الله في تلك الصفة. {فاصبرْ} على أذاهم وعدواتهم، {إن وعْدَ الله} بنصرتك، وإظهار دين الإسلام على كل دينٍ، {حقٌ} لابد من إنجازه والوفاء به، {ولا يستخفَّنَّك الذين لا يُوقنون}؛ لا يحملَنَّك هؤلاء الذين لا يوقنون بالآخرة على الخفّة والعجلة في الرد عليهم، أو: لا يحملنَّك على الخفة والقلق؛ فزعاً مما يقولون؛ فإنهم ضُلاَّل، شاكّون، لا يستغرب منهم ذلك. وقرأ يعقوب: بسكون النون؛ على أنه نون التوكيد الخفيفة. الإشارة: فقد بين الله في القرآن ما يحتاج السائرون إليه، من علم الشريعة والطريقة والحقيقة، لمن خاض بحر معانيه وأسراره. ولئن جئتهم بآية، من غوامض أسراره؛ ليقول أهل الجمود. هذا إلْحَاد وباطل. فاصبر؛ إن وعد الله بالنصر لأوليائه حق، ولا يحملنك علىالعجلة من لا يقين عنده. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلَّم.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} يتّعظ به وينذر ويُبشّر به ولكنّهم لا يتّعظون ولا ينذرون {وَلَئِن جِئْتَهُمْ} عطف او حال {بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ} ايُّها الرّسول (ص) والمؤمنون {إِلاَّ مُبْطِلُونَ} يعنى انّهم لغاية شقوتهم يزيد الامثال والانذار فى عنادهم بحيث اذا رأوا آية منك دالّة على صدقك انكروها ونسبوك الى الابطال.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} قصصنا عليهم من القصص كل قصة عجيبة كأنها مثل في غرابتها كقصة المبعوثين وما يقولون وما يقال لهم ومالا يقبل من اعتذارهم واستغاثتهم وغير ذلك مما يدل على التوحيد وصدق الرسول فقد اوتوا بما فوق الكفاية من الانذار فلم يؤمن من لم يؤمن فلا عذر له. {وَلَئِن جِئْتُهم بِآيَةٍ} مثل العصا واليد ولئن جئتهم بآية من آيات القرآن التي لما تنزل. {لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} من جملة الناس وان قلنا المراد بالناس الكفار فالذين كفروا ظاهر في موضع المضمر. {إِنْ أَنتُم} اي ما انتم والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويمكن ان يكون المعنى ما انتم كلكم ايها المرسلون اما ان يصرحوا بذلك او يتضمنه نسبة الابطال الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكى الله عنهم نسبة الابطال الى جميع الرسل لان مكذب رسول مكذب للرسل. {إِلا مُبْطِلُونَ} اصحاب اباطيل وتزويره.

اطفيش

تفسير : {ولَقَد ضَربنا للنَّاس في هذا القرآن} هو الكتاب المسمى بالقرآن اولى من ان يقال: المراد السورة هذه، وضرب المثل اتخاذه وصنعه كضرب الخاتم واللبنة {مِن كُل مثَلٍ} من تبعيضية، اى بعض كل الانواع من الامثال، ويجوز ان تكون ابتدائية، كأنه قيل، اخذنا لهم من نوع، ومن اجاز زيادة من فى الاثبات اجازها هنا، ولا تنافى زيادتها معنى تبغيضيتها فى الوجه الآخر، لان معنى ضرب كل مثل ضرب كل مثل لائق بهم، قضى الله به من جملة الامثال الممكنة اللائقة ايضا، وعلى كل حال المثل الصفة العجيبة الشأن كصفة البعث، وما يقول المجرمون، وما يقال لهم، وعدم انتفاع اعتذارهم، وانتقاء استعتابهم مجازا عن الصفة الغريبة، او عن كلام شبه مضربه بمورده، وفسر بعضهم ضربنا بيننا، والمثل كما مر اى بيننا للناس من كل مثل يخبرهم عن التوحيد والبعث، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم. {ولئن جئتهم بآية} ما من آياتنا العظام، او معجزة ما من المعجزات التى طلبوها مع ضربنا الامثال لهم كلها {ليقولنَّ الذين كَفَروا} لرسوخهم فى الاصرار والقسوة {إن أنْتُم} يا محمد واتباعه {إلاَّ مُبْطلون} آتون بالباطل من زور وكذب واساطير الاولين والاصل يقولن ان انتم الا مبطلون بضم اللام فى يقولن، ولكن اظهر ليذكرهم بالكفر الحامل لهم على قولهم ان انتم الا مبطلون، على ان المراد قومه صلى الله عليه وسلم، اما ان اريد به العموم المؤمنون والكفرة، فليس الذين كفروا من وضع الظاهر موضع المضمر، وافرد الخطاب فى جئتهم، وجمعه فى انتم، ليدخل المؤمنون كلهم فى خطابهم له، فلا يبقى له مؤمن يشهد بصدقة، وقيل لان المراد: لئن جئتم بكل آية جاءت بها الرسل، او يمكن ان يجيئوا بها، قالوا: انتم كلكم ايها المدعون للرسالة مبطلون، وهذا ولو كان ابلغ فى تكذيبهم للحق خلاف الظاهر، ولا دليل على ارادته هنا، اذ لا ذكر للرسل هنا، ولان آية مفرد فى الاثبات، ليس معنى الجمع الا على سبيل البدلية هذه، او هذه لا كل الآيات.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ} أي وبالله تعالى لقد وصفنا للناس من كل صفة كأنها مثل في غرابتها وقصصنا عليهم كل صفة عجيبة الشأن كصفة المبعوثين يوم القيامة وما يقولون وما يقال لهم وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يسمع من استعتابهم، فضرب المثل اتخاذه وصنعه من ضرب الخاتم واللبن. والمثل مجاز عن الصفة الغريبة، والمراد بهذا القرآن إما هذه السورة الجليلة الشأن أو المجموع وهو الظاهر، و {مِنْ } تبعيضية وجوزت الزيادة، وقيل: المعنى وبالله تعالى لقد بينا للناس من كل مثل ينبؤهم عن التوحيد والبعث وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، فضرب بمعنى بين والمثل على أصله، وقيل: الدليل العجيب والقرآن بمعنى المجموع. {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِـئَايَةٍ} أي مع ضربنا لهم من كل مثل في هذا القرآن الجليل الشأن لئن جئتهم بآية من آياته {لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } لفرط عتوهم وعنادهم وقساوة قلوبهم مخاطبين لك وللمؤمنين {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} أي مزورون، وجوز حمل الآية على المعجزة أي لئن جئتهم بمعجزة من المعجزات التي اقترحوها ليقولن الذين كفروا الخ، والإتيان بالموصول دون الضمير لبيان السبب الحامل على القول المذكور، وإذا أريد بالناس ما يعم الكفرة وغيرهم فوجه الإظهار ظاهر، وتوحيد الخطاب في {جِئْتَهُمْ } على ما يقتضيه الظاهر، وأما جمعه في قولهم: {إِنْ أَنتُمْ } فلئلا يبقى بزعمهم له عليه الصلاة / والسلام شاهد من المؤمنين حيث جعلوا الكل مدعين، وقال الإمام: في توحيد الخطاب في {جِئْتَهُمْ } وجمعه في {أَنتُمْ } لطيفة وهي أن الله تعالى قال: إن جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل عليهم السلام ويمكن أن يجاء بها يقولوا: أنتم كلكم أيها المدعون للرسالة مبطلون انتهى، ولا يخفى أن ما ذكرناه أحسن وألطف.

ابن عاشور

تفسير : لما انتهى ما أقيمت عليه السُورة من دلائل الوحدانية وإثبات البعث عقب ذلك بالتنويه بالقرآن وبلوغه الغاية القصوى في البيان والهدى. والضرب حقيقته: الوضع والإلصاق، واستعير في مثل هذه الآية للذكر والتبيين لأنه كوضع الدالِّ بلصق المدلول، وتقدم في قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما}تفسير : [البقرة: 26] وتقدم أيضاً آنفاً عند قوله {أية : ضرَب لكم مثلاً من أنفسكم} تفسير : [الروم: 28]، وهذا كقوله تعالى {أية : ولقد صرفنا للناس في هذا القرءان من كل مثل} تفسير : المتقدم في سورة الإسراء (89)، و(الناس) أُريد به المشركون لأنهم المقصود من تكرير هذه الأمثال، وعطف عليه قوله {ولئن جئتهم بآية} الخ فهو وصف لتلقي المشركين أمثال القرآن فإذا جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن فيها إرشادهم تلقوها بالاعتباط والإنكار البحت فقالوا {إن أنتم إلا مبطلون}. وضمير جمع المخاطب للنبي صلى الله عليه وسلم لقصد تعظيمه من جانب الله تعالى، وإنما يقول الذين كفروا: إن أنت إلا مبطل، فحكي كلامهم بالمعنى للتنويه بشأن الرسول عليه الصلاة والسلام. وقيل: الخطاب للرسول والمؤمنين فهو حكاية باللفظ. وهذا تأنيس للرسول عليه الصلاة والسلام من إيمان معانديه، أي أيمة الكفر منهم، ولذلك اعتُرض بعده بجملة {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} بين الجملتين المتعاطفتين تمهيداً للأمر بالصبر على غلوائهم، أي تلك سنة أمثالهم، أي مثل ذلك الطبع الذي علمتَه يَطبع الله على قلوبهم، وقد تقدم في قوله تعالى {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : في سورة البقرة (143) وفي مواضع كثيرة من القرآن. والطبع على القلب: تصييره غير قابل لفهم الأمور الدينية وهو الختم، وقد تقدم في قوله تعالى {أية : ختم الله على قلوبهم} تفسير : في سورة البقرة (7). {والذين لا يعلمون} مراد بهم الذين كفروا أنفسهم، فعدل عن الإضمار لزيادة وصفهم بانتفاء العلم عنهم بعد أن وصفوا: بالمجرمين، والذين ظلموا، والذين كفروا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأنعام: 7] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} تفسير : [الإسراء: 90] وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 96] الآية، وفي غير ذلك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولقد ضربنا للناس: أي جعلنا للناس. من كل مثل: أي من كل صفة مستغربة تلفت الانتباه وتحرك الضمير كالأمثال لعلهم يذكرون فيؤمنوا ويوحدوا. ولئن جئتهم بآية: أي ولئن أتيت هؤلاء المشركين بكل حجة خارقة. إن أنتم إلا مبطلون: أي ما أنتم أيها الرسول والمؤمنون إلا مبطلون فيما تقولون وتدعون إليه من الإِيمان بآيات الله ولقائه. الذين لا يعلمون: أي ما أنزل الله على رسوله وما أوحاه إليه من الآيات البينات. فاصبر إن وعد الله حق : أي اصبر يا رسولنا على أذاهم فإِن العاقبة لك إذ وعدك ربك بها ووعد الله حق. ولا يستخفنك الذين لا يوقنون: أي لا يحملنك هؤلاء المشركون المكذبون بلقاء الله على الخفة والطيش فتترك دعوتك إلى ربك. معنى الآيات: بعد إيراد العديد من الأدلة وسوق الكثير من الحجج وعرض مشاهد القيامة في الآيات السابقة تقريرا لعقيدة البعث والجزاء التي أنكرها المشركون من قريش قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي جعلنا للناس في هذا القرآن من أساليب الكلام وضروب التشبيه، وعرض الأحداث بصور مثيرة للدهشة موقظة للحس، ومنبهة للضمير، كل ذلك لعلهم يذكرون فيؤمنوا فيهتدوا للحق فينجوا ويسعدوا، ولكن أكثرهم لم ينتفعوا بذلك، {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ} أي بحجة من معجزة وغيرها تدل على صدقك وصحة دعوتك وما جئت به {لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي منهم. {إِنْ أَنتُمْ} أي ما أنتم أيها الرسول والمؤمنون {إِلاَّ مُبْطِلُونَ} أي من أهل الباطل فيما تقولون وتدعون إليه من الدين الحق والبعث الآخر. وقوله {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي كذلك الطبع على قلوب الكافرين الذين لو جئتهم بكل آية لم يؤمنوا عليها لما ران على قلوبهم وما ختم به عليها، يطبع على قلوب الذين لا يعلمون، إذ ظلمة الجهل كظلمة الشرك والكفر تحجب القلوب عن الفهم والإِدراك فلا يحصل إِيمان ولا استجابة لدعوة الحق وقوله {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} يأمر تعالى رسوله أن يلتزم بالصبر على دعوته والثبات عليها في وجه هذا الكفر العنيد، حتى ينصره الله تعالى إذ واعده بالنصر في غير ما آية ووعد الله حق فهو ناجز لا يتخلف. وقوله: {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} أي اصبر ولا يحملنك عناد المشركين وإصرارهم على الكفر والتكذيب على الخفة والطيش والاستجهال بترك الحلم والصبر. والمراد بالذين لا يوقنون كل من لا يؤمن بالله ولقائه إيمانا يقينا إذ هذا الصنف من الناس هو الذي يستفز الإِنسان ويحمله على أن يخرج عن اللياقة والأدب والعياذ بالله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) اعذار الله تعالى إلى الناس بما ساقه تعالى في كتابه من أدلة الإِيمان وحجج الهدى. 2) أسوأ أحوال الإِنسان عندما يطبع على قلبه لكثرة ذنوبه فيصبح لا يفهم ولا يعقل شيئاً وفي الخبر حبك الشيء يعمي ويصم. 3) وجوب الصبر والتزام الحلم والأناة مهما جهل الجاهلون.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنِ} {لَئِن} {بِآيَةٍ} (58) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى: أنَّهُ ضَرَبَ الأَمثَالَ لِلنَّاسِ للدَّلاَلَةِ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالى، وَعَلى قُدْرَتِهِ، وَعَلى خَلْقِهِ الكَوْنَ بِمَا فِيهِ، لِيَتَبيَّنُوا الحَقّ ولِيَتَّبِعُوهُ، ولكِنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ اسْتِكْبَاراً وَعِنَاداً. وَيَقُولُ تَعَالى لِرَسُولِهِ: إِنَّكَ لَوْ جِئْتَهُمْ بِكُلِّ آيةٍ عَلَى صِدْقِ مَا تَقُولُ فإِنَّهُمْ لَنْ يُؤْمِنُوا لَكَ، وَسَيَقُولُونَ إِنَّهُ سِحْرٌ، أَوْ إِنَّهُ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، وإِنّ مَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ بَاطِلٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه الآية تعني أننا لم نترك معذرة لأحد ممن كفروا برسلهم؛ لأننا جئنا لهم بأمثال متعددة وألوان شتى من الأدلة المشاهدة ليستدلوا بها على غير المشاهد ليأخذوا من مرائيهم ومن حواسهم دليلاً على ما غاب عنهم. فحين يريد سبحانه أن يقنعهم بأن يؤمنوا بإله واحد لا شريك له يضرب لهم هذا المثَلَ من واقع حياتهم: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ..} تفسير : [الزمر: 29]. هل يستوي عبد لسيد واحد مع عبد لعدة أسياد يتجاذبونه، إنْ أرضي واحداً أسخط الآخرين؟ ثم يُقرِّب المسألة بمثَلٍ من الأنفس، وليس شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، فيقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الروم: 28]. والمعنى: إذا كنتم لا تقبلون أنْ يشارككم مواليكم فيما رزقكم الله، فتكونون في هذا الرزق سواء، فكيف تقبلون الشركة في حق الله تعالى؟ وحين يريد الحق سبحانه أنْ يبطل شرْكهم وعبادتهم للآلهة يضرب لهم هذا المثل {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73]. والمَثَل يعني أنْ تُشبِّه شيئاً بشيء، وتلحق خفياً بجلي، لتوضحه وليستقر في ذِهْن السامع، كأن تشبه شخصاً غير معروف بشخص معروف، ويُسَمَّى هذا: مثْل أو مَثَل، نقول: فلان مثْل فلان. أما المثل فقول من حكيم شاع على الألسنة، وتناقله الناس كلما جاءت مناسبته، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك بالملك الذي أرسل امرأة تخطب له أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني، وكان اسمها (عصام)، فلما عادت من المهمة بادرها بقوله: ما وراءكِ يا عصام؟ فصارت مثلاً يُقال في مثل هذه المناسبة مع أنه قيل في حادثة مخصوصة. والمثل يقال كما هو، لا نغير فيه شيئاً، فنقول: ما وراءك يا عصام للمذكر وللمؤنث، وللمفرد وللمثنى وللجمع. ومن ذلك نُشبِّه الكريم بحاتم، والشجاع بعنترة .. الخ لأن حاتماً الطائي صار مضربَ المثل في الكرم، وعنترة في الشجاعة. وفي المثال نقول لمن يواجه بمَنْ هو أقوى منه: إنْ كنت ريحاً فقد لاقيتَ إعصاراً، ونقول لمن لم يُعِدّ للأمر عُدَّته: قبل الرماء تُملأ الكنائن. إذن: المثل قول شبه مضربه الآن بمورده، سابقاً لأن المورد كان قوياً وموجزاً لذلك حُفِظ وتناقلته الألسنة. والقرآن يسير على أسلوب العرب وطريقتهم في التعبير وتوضيح المعنى بالأمثال حتى يضرب المثل بالبعوضة، والبعض يأنف أنْ يضرب القرآن بجلاله وعظمته مثلاً بالبعوضة، وهو لا يعلم أن الله يقول: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26]. وليس معنى: {أية : فَمَا فَوْقَهَا ..} تفسير : [البقرة: 26] أي: في الكِبَر كما يظن البعض، فيقولون: لماذا يقول فما فوقها وهو من باب أَوْلى، لكن المراد ما فوقها في الصِّغَر وفيما تستنكرونه من الضآلة، كالكائنات الدقيقة والفيروسات .. الخ. لكن، لماذا يضرب الله الأمثال للناس؟ قالوا: لأن الإنسان له حواسّ متعددة، فهو يرى ويسمع ويشم ويتذوق ويلمس .. الخ، ولو تأملتَ كل هذه الحواس لوجدتَ أن ألصق شيء بالحس أنْ يضرب؛ لذلك حين تريد أنْ تُوقِظ شخصاً من النوم فقد لا يسمع نداءك فتذهب إليه وتهزُّه كأنك تضربه فيقوم. إذن: فالضرب هو الأثر الذي لا يتخلف مدلوله أبداً، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المزمل: 20] أي: يُؤثرون فيها تأثيراً واضحاً كالحرث مثلاً، وهو أشبه ما يكون بالضرب. والضرب لا يكون ضرباً يؤدي مهمة وله أثر إلا إذا كان بحيث يُؤلم المضروب، ولا يُوجع الضارب، وإلا فقد تضرب شيئاً بقوة فتؤلمك يدك، فكأنك ضربتَ نفسك. وهذا المعنى فَطِن إليه الشاعر، فقال للذين لا يؤمنون بقدر الله: شعر : أيَا هَازئاً من صُنُوف القَدَرِ بنفسِكَ تعنف لاَ بالقَدرْ وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعصَا ضربتَ العَصَا أَمْ ضربْتَ الحجَرْ تفسير : فالحق سبحانه يضرب المثل ليُشعِركم به، وتُحسون به حِسَّ الألم من الضرب، فإذا لم يحسّ الإنسان بضرب المثل فهو كالذي لا يحسُّ بالضرب الحقيقي المادي، وهذا والعياذ بالله عديم الإحساس أو مشلول الحسِّ. فالمعنى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ..} [الروم: 58] يعني: أتيناهم بأمثال ودلائل لا يمكن لأحد إلا أنْ يستقبلها كما يستقبل الضرب؛ لأن الضرب آخر مرحلة من مراحل الإدراك. وسبق أنْ قلنا: إن الحق سبحانه ضرب المثل لنفسه سبحانه في قوله: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ..} تفسير : [النور: 35]. والمثل هنا ليس لنوره تعالى كما يظن البعض، إنما مَثَلٌ لتنويره للكون الواسع، وهو سبحانه يُنوِّرك حِسِّياً بالشمس وبالقمر وبالنجوم، ويُنوِّرك معنوياً بالمنهج وبالقيم. ففائدة النور الحسي أن يزيل الظلمة، وأنْ تسير على هُدى وعلى بصيرة فتسلم خطاك واتجاهك من أنْ تحطم ما هو أقلّ منك أو يحطمك ما هو أقوى منك، والمحصلة ألاَّ تضر الأضعف منك، وألاَّ يضرك الأقوى منك. كذلك النور المعنوي، وهو نور القيم والمنهج يمنعك أنْ تضرَّ غيرك، ويمنع غيرك أنْ يضرَّك، وكما ينجيك النور الحسي من المعاطب الحسية كذلك ينجيك نور القيم من المعاطب المعنوية. لذلك يقول سبحانه بعد أن ضرب لنا هذا المثل: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} تفسير : [النور: 35]. وسبق أنْ ذكرنا ما كان من مدح أبي تمام لأحد الخلفاء: شعر : إقْدامُ عَمروٍ في سَمَاحةِ حَاتمٍ في حِلْم أحْنَفَ في ذَكَاءِ إيَاسِ تفسير : فقال أحد حُسَّاده على مكانته من الخليفة: أتشبه الخليفة بأجلاف العرب؟ فأطرق هنيهة، ثم أكمل على نفس الوزن والقافية: شعر : لاَ تُنكِروا ضرْبي لَهُ مَنْ دُونَه مثَلاً شَرُوداً في النَّدَى والبَاسِ فاللهُ قَدْ ضربَ الأقلَّ لِنُورهِ مَثَلاً من المشْكَاةِ والنبراسِ تفسير : الأعجب من هذا أنهم أخذوا الورقة التي معه، فلم يجدوا فيها هذين البيتين، وهذا يعني أنه ارتجلهما لتوّه، وقد قلت: والله لو وجدوا هذه الأبيات مُعدة معه لما قلَّل ذلك من شأنه، بل فيه دلالة على ذكائه واحتياطه لأمره وتوقعه لما قد يقوله الحساد والحاقدون عليه. لكن لم تُجد هذه الأمثال ولم ينتفعوا بها، وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد بل: {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ..} [الروم: 58] أي: جديدة {لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} [الروم: 58] فيتهمون الرسل في بلاغهم عن الله بأنهم أهل باطل وكذب. والحق سبحانه يحتجّ على الناس في أنه لم يُجبهم إلى الآيات التي اقترحوها؛ لأن السوابق مع الأمم التي كذَّبت الرسل تؤيد ذلك، فقد كانوا يطلبون الآيات، فيجيبهم الله إلى ما طلبوا، فما يزدادون إلا تكذيباً. لذلك يقول سبحانه: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ..} تفسير : [الإسراء: 59]. فالأمر لا يتعدى كونهم يريدون إطالة الإجراءات وامتداد الوقت في جدل لا يجدي، ثم إن في إجابتهم إلى ما طلبوا رغم تكذيبهم بالآيات السابقة احتراماً لعدم إيمانهم، ودليلاً على أن الآيات السابقة كانت غير كافية، بدليل أنه جاءهم بآية أخرى، إذن: فعدم مجيء الآيات يعني أن الآيات السابقة كانت كافية للإيمان لكنهم لم يؤمنوا؛ لذلك لن نجيبهم في طلب آيات أخرى جديدة. وهذه القضية واضحة في جدل إبراهيم - عليه السلام - مع النمروذ في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ..} تفسير : [البقرة: 258]. وعندها شعر إبراهيم عليه السلام بأن خَصْمه يميل إلى الجدل والسفسطة، وأنه يريد إطالة أمد الجدل، ويريد تضييع الوقت في أخذ وردٍّ؛ لذلك أضرب عن هذه الحجة - مع أن خَصْمه لا يميت ولا يحيى على الحقيقة - وألجأه إلى حجة أخرى لا يستطيع منها فكاكاً، ولا يجد معها سبيلاً للمراوغة فقال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ ..} تفسير : [البقرة: 258] فماذا يقول هذا المعاند؟ {أية : فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 258]. كذلك كان فرعون يلجأ إلى هذا الأسلوب في حواره مع موسى وهارون عليهما السلام، ففي كل موقف كان يقول: {أية : فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 49] إنه الجدل العقيم، يلجأ إليه مَنْ أفلس، فلم يجد حجة يستند إليها. ونلحظ في أسلوب الآية صيغة الإفراد في {وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ..} [الروم: 58] ثم تنتقل إلى صيغة الجمع في {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ} [الروم: 58] فلم يقولوا لرسولهم مثلاً: أنت مبطل، فلماذا؟ قالوا: لأن الرسول حين يُكذِّبه قومه فيقولون: أنت مبطل، فلعل من أتباعه المؤمنين به مَنْ يدافع عنه ويشهد بصدقه، فجاءت صيغة الجمع لتفيد الشمول، فكأنهم يقولون: أنت مبطل وكل مَنْ (يتشدد لك). أو: يكون المعنى {إِنْ أَنتُمْ ..} [الروم: 58] يعني: كل الرسل {مُبْطِلُونَ} [الروم: 58] أي: كاذبون تختلقون من عند أنفسكم وتقولون: هو من عند الله. وعجيب من هؤلاء أن يؤمنوا بالله ويُكذِّبوا رسله، ككفار مكة الذين شمتوا في رسول الله حين فتر عنه الوحي فقالوا: "إن رب محمد قلاه". وهم لا يدرون أن الوحي كان يجهد رسول الله، وكان يشقُّ عليه في بداية الأمر، حتى جاء زوجه خديجة يقول: زملوني زملوني، دثروني دثروني، وكان جبينه يتفصد عرقاً، وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن الملَك: "حديث : وضمني حتى بلغ مني الجهد ". تفسير : وما ذاك إلا لالتقاء الملكية بالبشرية؛ لذلك كان جبريل عليه السلام يتمثل لسيدنا رسول الله في صورة بشر، ليس عليه غبار السفر ولا يعرفه أحد، كما جاء لرسول الله وهو في مجلس الصحابة يسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان. إذن: مسألة فتور الوحي وانقطاعه مدة عن رسول الله أراد الله به أن يستريح رسول الله من مشقة الوحي حتى يزول عنه الألم والعناء، وعندها يشتاق للوحي من جديد، ويهون عليه فيتحمله ويصير له دُرْبة على تلقيه من الملك، فشَوْق الإنسان إلى الشيء يجعله يتحمل المشاقّ في سبيله، ويُهوِّن عليه الصعاب، كالذي يسير إلى محبوبه فلا يبالي حتى لو سار على الشوك، أو اعترضته المخاوف والأخطار. والوحي لقاء بشري بملكي، فإما أنْ ينتقل الرسول إلى مرتبة الملَك، أو ينتقل الملك إلى مرتبة البشر، وهذا التقارب لم يحدث في بداية نزول الوحي فأجهد رسول الله واحتاج إلى هذه الراحة بانقطاع الوحي. لذلك يقول سبحانه: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} تفسير : [الشرح: 2-3] أي: جعلناه خفيفاً لا يجهدك، ويقول سبحانه في الرد عليهم: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-3]. فعجيب أنْ يقولوا: "إن رب محمد قلاه" فيعترفون برب محمد ساعة الشدة والضيق الذي نزل به، فأشمتهم فيه حتى قالوا: إن رب محمد جفاه، فلما وصله ربه بالوحي ودعاهم إلى الإيمان كفروا وكذَّبوا.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه على سبيل التأكيد والمبالغة مشيراً إلى كمال قسوة أهل الزيغ والضلال: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا} وبيَّنا {لِلنَّاسِ} الناسين طريق الوصول إلى توحيدنا ووحدة ذاتنا {فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} المنزل من عندنا؛ لتبيين طريق توحيدنا، وسلوك سبيل الاستقامة والرشاد فيه {مِن كُلِّ مَثَلٍ} ينبئ لهم عنه، وينبئهم عليه، ويبين لهم كيفية التنبه والتفطن منه، ومع ذلك لم ينتبهوا ولم يتفطنوا إلا قليلاً منه {وَ} من غلظ غشاوتهم، ونهاية غفلتهم وضلالهم {لَئِن جِئْتَهُمْ} يا أكمل الرسل {بِآيَةٍ} من آيات القرآن ملجئةٍ لهم إلى الإيمان، لو تأملوا معناها وتدبروا فحواها {لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي: أعرضوا عن الحق، وانصرفوا عن توحيده والإيمان على سبيل الحصر والمبالغة بلا مبالاة بك وبآياتك: {إِنْ أَنتُمْ} أي: ما أنتم في دعواكم هذه أيها المدعون الكاذبون - يعنون: الرسلو والمؤمنين - {إِلاَّ مُبْطِلُونَ} [الروم: 58] متفرون مزروعون، تفترون على الله ما تختلقون من تلقاء نفوسكم تغريراً وترويجاً. {كَذَلِكَ} أي: مثل طبعهم وختمهم الذي شهدت يا أكمل الرسل من هؤلاء الجهلة {يَطْبَعُ ٱللَّهُ} الحكيم المتقن في أفعالهن ويختمه {عَلَىٰ قُلُوبِ} جميع الكفرة والجهلة {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم: 59] الحق، ولا يذعنون به؛ لتركب جهلهم في جبلتهم، والجهل المركب لا يزول بالقواطع والشواهد قطعاً {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. وما متى سمعت يا أكمل الرسل من أحوالهم وأوصافهم ما سمعت من عدم قابليتهم واستعدادهم إلى الهداية والرشاد {فَٱصْبِرْ} على إيذائهم، وثق بالله وبوعده الذي وعدك بأن يُظهر دينك على الأديان كلها {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} وإنجازه لما وعد به {حَقٌّ} بلا خلف وتردد {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ} أي: لا يحملنَّك ويبعثنَّك يا أكمل الرسل على الخفة والاضطراب، وقلة التصبر، وعدم الثقة بالله القوم {ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} [الروم: 60] ولا يتصفون باليقين في أمر من الأمور أصلاً، فيكف بالمعارف والحقائق الإلهية؛ إذ هم مجبولون على فطرة الضلال، مترددون في بيداء الوهم والخيال، لا نجاة لهم منها في حال من الأحوال؟!. هب لنا من لدنك جذبةً تنجينا عن مضيق الجهل والضلال، ووصلنا إلى سعة العلم وفضاء الوصال، نحمدك على كل حال، ونسعيذ بك منك من جميع الأهوال. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المتحقق لمرتبة اليقين العلمي والعيني والحقي - مكنك الجق من مقر لاهوتك، وجنبك على لوازم ناسوتك مطلقاً - أن تتصبر على أذيات أصحاب التقليدات والتخمينات، وتتحمل على تشنعيات أرباب الظنون والجهالات المترددون في تيه الجهل الضلال بمتابعة الوهم والخيال، وتصفي خاطرط وضميرك عن معارضتهم ومقابلتهم، والبغض معهم والالتفات إليهم مطلقاً؛ إذ هم قوم خذلهم الله وأحطهم عن مرتبة الإنسان التي هي التحقق بمقام اليقين والعرفان، والتمكن في مرتبة الخلافة والنيابة من الرحمن المستعان، والتخلق بأخلاق الحنَّان المنَّان، وأسكنهم في مضيق الإمكان مقيدين بسلاسل التقليد وأغلال الحسبان، لا نجاة لهم منها أبداً. وعليك أن تتوجه بوجه قلبك إلى ربك، وتفوض أمورك كلها إليه وتتخذه وكيلاً، وتجعله حسيباً وكفيلاً، فإنه سبحانه يكفيك مؤنة شرور أعدائك وحاسديك، ولك التبتل والانقطاع إلى الله في كل الحالات، والرجوع نحوه في جميع المهمات والملمات؛ إذ ما من خبر يسرك وشر يضرك إلاَّ منه بدأ وبقدرته ظهر، وعلى مقتضى علمه صدر وبموجب حكمته جرى وقدر. فلك أن تسترجع إليه، وتتضرع نحوه، وتستعيذ منه به؛ إذ الكل من عنده لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا } لأجل عنايتنا ورحمتنا ولطفنا وحسن تعليمنا { لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ } تتضح به الحقائق وتعرف به الأمور وتنقطع به الحجة. وهذا عام في الأمثال التي يضربها اللّه في تقريب الأمور المعقولة بالمحسوسة. وفي الإخبار بما سيكون وجلاء حقيقته [حتى] كأنه وقع. ومنه في هذا الموضع ذكر اللّه تعالى ما يكون يوم القيامة وحالة المجرمين فيه وشدة أسفهم وأنه لا يقبل منهم عذر ولا عتاب. ولكن أبى الظالمون الكافرون إلا معاندة الحق الواضح ولهذا قال: { وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ } أي: أي آية تدل على صحة ما جئت به { لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ } أي: قالوا للحق: إنه باطل. وهذا من كفرهم وجراءتهم وطَبْعِ اللّه على قلوبهم وجهلهم المفرط ولهذا قال: { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } فلا يدخلها خير ولا تدرك الأشياء على حقيقتها بل ترى الحق باطلا والباطل حقا. { فَاصْبِرْ } على ما أمرت به وعلى دعوتهم إلى اللّه، ولو رأيت منهم إعراضا فلا يصدنك ذلك. { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } أي: لا شك فيه وهذا مما يعين على الصبر فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع بل سيجده كاملا هان عليه ما يلقاه من المكاره ويسر عليه كل عسير واستقل من عمله كل كثير. { وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ } أي: قد ضعف إيمانهم وقل يقينهم فخفت لذلك أحلامهم وقل صبرهم، فإياك أن يستخفك هؤلاء فإنك إن لم تجعلهم منك على بال وتحذر منهم وإلا استخفوك وحملوك على عدم الثبات على الأوامر والنواهي، والنفس تساعدهم على هذا وتطلب التشبه والموافقة وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن رزين العقل يسهل عليه الصبر، وكل ضعيف اليقين ضعيف [العقل] خفيفه. فالأول بمنزلة اللب والآخر بمنزلة القشور فاللّه المستعان.